القرآن الكريم مع التفسير

سورة الشورى

آية
إجمالي الآيات: 53 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ
📝 التفسير:
{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ 41} (2) ومن بغي عليه فلا حرج عليه أن يقتص لنفسه وينتصف من ظالمه إن أراد بمثل ما قد بغي عليه.
__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «ولمن انتصر» و «فأولئك»، و «من سبيل»؟
الجواب: اللام هي لام الابتداء، و «من» اسم موصول أو اسم شرط مبتدأ «انتصر» فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على «من»، والفاء رابطة. «أولئك» مبتدأ». وجملة «ما عليهم من سبيل» في محل رفع خبر أولئك، و «من سبيل» مبتدأ مجرور بمن وهو مرفوع المحل وخبره الجار والمجرور، وجملة الشرط والجزاء في محل رفع خبر «من».
الآية 42
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 42} وإنما الحرج على الذين يبتدئون فعل الظلم والبغي على الناس عدواناً بغير حق، فهؤلاء هم الذين سيؤاخذهم الله سبحانه وتعالى وينتقم منهم، ويجب على سلطان المسلمين أن يوقفهم عند حدودهم، ويجازيهم ويعاقبهم وينكل بهم.

الآية 43
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
📝 التفسير:
{وَلَمَنْ (1) صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 43} (2) ثم أثنى الله سبحانه وتعالى على الذي يصبر ويعفو عن ظالمه محتسباً للأجر عند الله تعالى؛ فالصبر والعفو من الأمور العظيمة التي لا يفعلها إلا أهل الصبر العظيم والإيمان القوي ثقة منهم بما عند الله من الأجر العظيم للصابرين.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ} من علم الله تعالى أنه ضال وأخبرنا بضلاله فهو ضال لا يقدر أحد أن يغير حكم الله أو يتعقبه بالإبطال. ومعنى «ولي» هنا: ناصر، أي: فما له من ناصر ينصره ويدفع عنه ما حكم الله به عليه.
__________
(1) - سؤال: أين خبر هذا المبتدأ؟
الجواب: الخبر هو جملة: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 43} فهي في محل رفع والعائد مقدر أي أن ذلك منه.
(2) - سؤال: يقال: قد تقدم معنى هذه الآية في آية (40) فما الوجه في تكراره؟ وما تحليل هذا النظم وتفصيله: {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 43}؟
الجواب: الوجه في التكرار هو ما تعلق به من الفائدة الجديدة وهي الإخبار عنه بأنه من عزم الأمور، وهي فائدة جديدة ليست في الآية السابقة. «عزم الأمور» العزم: هو الإرادة والتصميم على فعل أمر من غير تردد ولا تراجع، و «عزم» هنا مصدر بمعنى معزوم أي: إن ذلك من معزومات الأمور أي: مفروضات الأمور التي يجب أن يعزم المكلف على فعلها ولا يفرط في ذلك.
الآية 44
وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ
📝 التفسير:
{وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ (3) مِنْ سَبِيلٍ 44} في يوم القيامة عندما يعاين المتجاوزون المتعدون لحدود الله سبحانه وتعالى العذاب الذي سيحل بهم يصيبهم الندم الشديد، ويتمنون أن يعودوا ليستدركوا ما فاتهم، ولكن هيهات حين لا ينفع الندم.
__________
(3) - سؤال: ما محل جملة «يقولون»؟ وأين مقول القول؟ وما السر في تنكير «مرد»؟
الجواب: «يقولون» في محل نصب حال لأن الرؤية بصرية، ومقول القول هو: {هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ 44}. وتنكير «مرد» للتنويع؛ لأن المقصود نوع من الرجوع هو الرجوع إلى الدنيا.
الآية 45
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ (1) مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} سيعرض الله تعالى هؤلاء العصاة والكفار على جهنم حتى يعاينوها من قرب، وهنالك سيظهر عليهم الذل والهوان والانكسار الشديد، ومن شدة خوفهم وهلعهم لا يستطيعون أن يمعنوا النظر فيها، بل إنما ينظرون بطرف أعينهم.
{وَقَالَ الَّذِينَ (2) آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ (3) خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ 45} فكل خسارة يستطيع المرء أن يتعوضها إلا خسارة الآخرة، فكل خسارة أمامها لا تسمى خسارة، فهم في جهنم في العذاب الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول.
__________
(1) - سؤال: هل «من» في قوله: {مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} بمعنى الباء؟ ولم وصف الطرف بكونه خفياً؟ وما محل جملة «ينظرون»؟
الجواب: «من» هي لابتداء الغاية، وليست بمعنى الباء أي: أن نظرهم ابتدأ من طرف خفي ووصف الطرف بكونه خفياً لأنهم لم ينظروا بكل الطرف وإنما يسارقون النظر إلى جهنم بجانب من طرفهم لهول ما يرون من شدة سعيرها. وجملة «ينظرون» في محل نصب على الحال.
(2) - سؤال: ما الوجه في نسبة القول إلى الذين آمنوا؟
الجواب: في نسبته إلى الذين آمنوا فوائد:
- ... ليشيد بذكرهم ويبين بذلك كرامتهم وحالهم يوم القيامة وأنه مخالف لحال الكفار.
- ... فيه بيان السبب والعلة التي أحلتهم منازل الكرامة والأمن يوم القيامة {الَّذِينَ آمَنُوا}.
- ... وفي حكايته لطف وترغيب للكون معهم والدخول في زمرة أهل هذا القول يوم القيامة.
(3) - سؤال: هل اللام في قوله: «الخاسرين» لام الماهية أم ماذا؟ وكيف أطلق على المتقحم للنار بأنه خسر نفسه؟
الجواب: اللام هي لام الماهية فقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا ... } تعريف للخاسرين وكالحد لهم وأطلق على المتقحم للنار بأنه خسر نفسه؛ لأنه لم يعد يملكها ولا يتصرف فيها والتصرف فيها هو لغيره، وهذا واضح في يوم القيامة، وتسميته خاسراً في الدنيا هي باعتبار ما يؤول إليه.
الآية 46
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ولن يجدوا من يدفع عنهم ذلك العذاب، أو ينتصر لهم من الله سبحانه وتعالى، وقد ضلت عنهم الآلهة التي كانوا يستشفعون بها ويتقربون بها إلى الله تعالى.
{وَمَنْ يُضْلِلِ (1) اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ 46} فمن كان من أهل عذاب الله تعالى فلا مخرج له أو سبيل إلى السلامة من ذلك العذاب أبداً.

__________
(1) - سؤال: هل الضلال هنا بمعنى الحكم والتسمية؟ وهل يصح فيه معنى آخر؟
الجواب: هو بمعنى الحكم والتسمية، ويجوز أن يكون بمعنى سلب الألطاف والتوفيق عنهم.
الآية 47
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ
📝 التفسير:
{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا (2) لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يطيعوه وينقادوا له ويمتثلوا أوامره ويتجنبوا نواهيه ما دام العمل ينفع، وما دامت التوبة مقبولة، فإذا حلت القيامة وحانت ساعتها فقد انقطع الامل، وأغلقت أبواب التوبة، ولم يبق إلا ما قد عملوا وقدموا، ولن يجدوا لهم حينها ملجأً أو مكاناً يفرون إليه من الله تعالى.
{وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ 47} (3) ولن تجدوا من يستنكر لتعذيبكم، أو ينفعكم، أو يدفع عنكم، أو ينتصر لكم.
____________
(2) - سؤال: فضلاً ما الوجه في فصل هذه الجملة؟
الجواب: فصلت لكونها نعتاً ثانياً ليوم بتقدير الرابط أي: ما لكم من ملجأ فيه، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً.
(3) - سؤال: هل فعيل هنا بمعنى فاعل أم كيف؟ وهل يصح حملها على المصدر إنكار أم لا؟
الجواب: قد فسروا النكير بالناصر والمنكر أي بالصفة فجعلوه اسم فاعل وهذا تفسير مأثور وفسره الرازي بمن ينكر أي: على أنه صفة، وفسره أيضاً بالمصدر الإنكار كما ذكرتم.
الآية 48
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ
📝 التفسير:
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} ثم خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن المشركين إن أعرضوا ورفضوا الاستجابة له وتمردوا عليه فليتركهم وشأنهم، وسيتولى الله سبحانه وتعالى أمرهم، وأما أنت يا محمد فقد بلغت وأديت ما عليك من التكليف، وأمر حسابهم وتعذيبهم فهو على الله سبحانه وتعالى.
{إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} فما عليك إلا تبليغهم استجابوا أم لم يستجيبوا.
{وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} فطبيعة الإنسان أن الله سبحانه وتعالى إذا أنعم عليه بنعمة فإنه يصيبه الفرح والبطر والعجب، فلا يتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه أو يشكره على ما أعطاه، هذا بالنسبة للإنسان الكافر (1) وأما المؤمن فإن إيمانه يردعه عن الفرح والبطر والعجب ويدفعه إلى شكر الله وطاعته.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ (2) سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ 48} وإذا حلت به مصيبة أو شدة من جدب أو قحط أو مرض أو موت أو نحو ذلك فإنه يصاب باليأس والقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى، وينقطع أمله في الله تعالى، بخلاف الإنسان المؤمن فإنك تراه مليئاً بالأمل في الله تعالى راضياً عن ربه، ولا يزال واثقاً بما عند الله سبحانه وتعالى من أنه إن منعه في الدنيا أو ابتلاه فإنه سيعوضه في الآخرة خيراً مما أخذ منه، ويكون في طمأنينة دائمة، سواء أصابه خير أم شر.

__________
(1) - سؤال: وهل يصح حملها على المؤمن ويكون المراد بالفرح مجرد السرور بالنعمة والارتياح بها أم لا؟ فما وجه ذلك؟
الجواب: لا يصح أن يراد بها المؤمن لأن الله تعالى وصف الإنسان هنا في حالتي السراء والضراء ففي حالة السراء وصفه بالفرح وفي حالة الضراء بالكفور.

(2) - سؤال: ما الوجه في عدم إفراد الضمير هنا مع إفراده في جواب الشرط؟
الجواب: الإنسان وإن كان مفرداً في اللفظ فهو في المعنى جمع، ويصح أن يراعى فيه جانب اللفظ وجانب المعنى.

الآية 49
لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ
📝 التفسير:
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ (3) مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ 49 أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ 50} الله وحده المسيطر على أمر السماوات والأرض، والمتصرف في تدبير شئونهما، وهو الذي بيده أن يختار في خلقه ما أراد، فيعطي من يشاء الأولاد الذكور، وبعضهم الإناث، وبعضهم الذكور والإناث،ويجعل بعضهم عقيماً لا يولد له ولد، وكل ما يعطيه الله تعالى فإنما هو على ما قضت به الحكمة والمصلحة، وكل ما يهب من الذرية ويوزعها بين عباده مع منع بعضهم من الإنجاب فإنما هو لحكمة ومصلحة قد علمها لعباده، فينبغي أن يرضى (1) كل امرئ بما قسم الله سبحانه وتعالى له، فلا يعترض على حكمة الله تعالى وعلى أفعاله في خلقه.
ومعنى قوله: «يزوجهم ذكراناً وإناثاً»: يهب لهم ذكراناً وإناثاً أي: يرزقهم أولاداً ذكوراً وإناثاً.

__________
(3) - سؤال: ما الوجه في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟ وكذا في فصل جملة: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا}؟
الجواب: فصلت جملة: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ... } عن سابقتها؛ لكونها مستأنفة استئنافاً بيانياً أي: أنها جواب لسؤال مقدر ناشئ عن الجملة السابقة. وفصلت جملة: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ ... }؛ لأنها مبدلة عن الجملة السابقة أو عطف بيان.

(1) - سؤال: هل يخالف الرضى بالحكمة سعيُ العقيم في المعالجة للإنجاب ولهثه وراءها أم لا؟ وما هو الأولى به؟
الجواب: قد يكون عدم الإنجاب لعارض يمكن معالجته فيحسن السعي لعلاجه، ويعرف ذلك بتشخيص الطبيب المختص، وقد يكون عدم الإنجاب لعدم إفراز الجسم للحيوانات المنوية أو لإفرازه الحيوانات ميتة من أصلها لا لعارض فهنا لا يحسن السعي للعلاج لأنه حينئذ عبث، ولكن لا ينكر على فاعله لأنه لا يسعى إلا مع الأمل والرجاء في الوصول إلى مطلوبه، وذلك أن العاقل لا يسعى فيما يعلم أنه لا يحصل.
الآية 50
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ (3) مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ 49 أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ 50} الله وحده المسيطر على أمر السماوات والأرض، والمتصرف في تدبير شئونهما، وهو الذي بيده أن يختار في خلقه ما أراد، فيعطي من يشاء الأولاد الذكور، وبعضهم الإناث، وبعضهم الذكور والإناث،ويجعل بعضهم عقيماً لا يولد له ولد، وكل ما يعطيه الله تعالى فإنما هو على ما قضت به الحكمة والمصلحة، وكل ما يهب من الذرية ويوزعها بين عباده مع منع بعضهم من الإنجاب فإنما هو لحكمة ومصلحة قد علمها لعباده، فينبغي أن يرضى (1) كل امرئ بما قسم الله سبحانه وتعالى له، فلا يعترض على حكمة الله تعالى وعلى أفعاله في خلقه.
ومعنى قوله: «يزوجهم ذكراناً وإناثاً»: يهب لهم ذكراناً وإناثاً أي: يرزقهم أولاداً ذكوراً وإناثاً.

__________
(3) - سؤال: ما الوجه في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟ وكذا في فصل جملة: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا}؟
الجواب: فصلت جملة: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ... } عن سابقتها؛ لكونها مستأنفة استئنافاً بيانياً أي: أنها جواب لسؤال مقدر ناشئ عن الجملة السابقة. وفصلت جملة: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ ... }؛ لأنها مبدلة عن الجملة السابقة أو عطف بيان.

(1) - سؤال: هل يخالف الرضى بالحكمة سعيُ العقيم في المعالجة للإنجاب ولهثه وراءها أم لا؟ وما هو الأولى به؟
الجواب: قد يكون عدم الإنجاب لعارض يمكن معالجته فيحسن السعي لعلاجه، ويعرف ذلك بتشخيص الطبيب المختص، وقد يكون عدم الإنجاب لعدم إفراز الجسم للحيوانات المنوية أو لإفرازه الحيوانات ميتة من أصلها لا لعارض فهنا لا يحسن السعي للعلاج لأنه حينئذ عبث، ولكن لا ينكر على فاعله لأنه لا يسعى إلا مع الأمل والرجاء في الوصول إلى مطلوبه، وذلك أن العاقل لا يسعى فيما يعلم أنه لا يحصل.
الآية 51
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ (2) رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} وما ينبغي لبشر أن يكلمه الله تعالى مشافهة ومواجهة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس من جنس المخلوقات، فلا يكلم أحداً إلا عن طريق الوحي، أو بخلق الكلام في مكان يسمعه المخاطب من ذلك المكان، كما كان من تكليم (3) الله تعالى لموسى عليه السلام من خلال الشجرة، أو يكلم الله سبحانه وتعالى عباده من خلال إرساله رسولاً إليهم يبلغهم عنه، كما هو شأن جبريل في نزوله بالوحي (1) على الأنبياء.
{إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ 51} ثم ذكر الله سبحانه وتعالى السبب في عدم إمكان مشافهته خلقه أو مواجهتهم بالكلام وذلك أنه تعالى عن صفات المخلوقين ومشابهتهم (4).

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «إلا وحياً»، «أو يرسل» مع التفصيل؟
الجواب: «إلا» أداة حصر، «وحياً» مفعول مطلق وناصبه «يكلمه .. » أي: تكليم وحي، والمصدر «وحياً» بمعنى اسم الفاعل أي: موحياً هكذا أعربوه.
«أو» حرف عطف، «يرسل» مضارع منصوب بـ «أن» مضمرة، وأن والفعل في تأويل مصدر منصوب بالعطف على «وحياً» إلا وحياً أو إرسالاً، وهذان المصدران -كما أعربوهما- بمعنى اسم الفاعل أي: إلا موحياً أو مرسلاً أي: أنهما حالان في المعنى والتفسير. وعلى قراءة الرفع في المضارع «يرسلُ» فقد أعربوه خبراً لمبتدأ محذوف والتقدير: أو هو يرسل والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال بالعطف على «وحياً» المؤول بـ «موحياً».
(3) - سؤال: ما الوجه في الإطلاق على هذه الحالة أنها من وراء حجاب؟
الجواب: الوجه يعود إلى البلاغة فإن قوله: «من وراء حجاب» استعارة تمثيلية فلما كانت هذه الحالة مشابهة لحالة من يكلمك من وراء حجاب تسمع صوته، ولا ترى شخصه صح أن يقال: { ... أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ولعل الحكمة في ذلك -والله أعلم- هي الحكمة في ورود الآيات المتشابهات في القرآن الحكيم.

(1) - سؤال: يقال: قد تقدم هذا في قوله: «إلا وحياً» فكيف؟ وما الفرق بين «إلا وحياً» وبين {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ ... }؟
الجواب: يحمل الوحي في قوله: «إلا وحياً» على ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أتاه الوحي يضطجع كالنائم أو كالمغمى عليه ثم ينتبه وهو يتصبب عرقاً فيقرأ على أصحابه ما أوحاه الله إليه، وعلى هذا فيكون: «إلا وحياً» مغايراً لقوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ ... }.

(4) - سؤال: وما علاقة وصفه بالحكمة في ذلك؟
الجواب: وصف الله تعالى بالحكمة هنا من حيث أنه فعل ما تقتضيه الحكمة في إيصال رسالته إلى البشر عن طريق الوحي أو إرسال ملك أو من وراء حجاب.

الآية 52
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} كان تكليم (3) الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإرساله جبريل عليه السلام بالقرآن الذي هو كلامه لتبليغه كلام الله سبحانه وتعالى، وقد سماه الله سبحانه وتعالى روحاً لما فيه من إحياء القلوب بالنور والهدى، ووصفه بقوله: «من أمرنا» لتعظيم الوحي وتفخيم شأنه.
{مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ (4) وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ (5) جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} أوحى الله تعالى إليه بالقرآن وكان قبل ذلك غافلاً عن علم الشرائع السماوية، ولم يكن تعلم شيئاً من قبل حتى علمه الله سبحانه وتعالى، وقد جعل الله سبحانه وتعالى القرآن نوراً يهتدي به المؤمنون المتواضعون (1) للحق، والمستسلمون لله تعالى المنقادون له.
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 52
__________
(3) - سؤال: هل هذا تحليل لمعنى «كذلك»؟
الجواب: نعم هو تحليل فقد أرسل الله تعالى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي وإرساله هو إحدى طرق الوحي المذكورة في الآية السابقة.
(4) - سؤال: ما إعراب الجملة «ما الكتاب»؟
الجواب: يعرب محلها بالنصب على أنه في موضع المفعول به للفعل «تدري» المعلق عن العمل لفظاً بالاستفهام.
(5) - سؤال: ما فائدة الاستدراك هنا؟
الجواب: الفائدة هي استدراك ما قد يتوهم من قوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما زال على الاتصاف بأنه لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان.

(1) - سؤال: من أين نفهم هذا القيد؟
الجواب: قد بين الله تعالى في آيات أخرى من القرآن ما أجمله هنا: {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 10} [الأحقاف]، والاستكبار هي صفة إبليس وصفة مكذبي الرسل وصفة الكافرين فظهر لذلك أن هداية الله إنما هي للمتواضعين لا للمستكبرين.
الآية 53
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
📝 التفسير:
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 52 صِرَاطِ اللَّهِ (2) الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ 53} (3) هذه شهادة من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمام قومه بأنه إنما يدعوهم إلى الحق والهدى، وإلى الدين القويم الذي هو دين الله سبحانه وتعالى.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن مرجع الناس جميعاً المطيعين منهم والعاصين سيكون إليه يوم القيامة، ثم سيحاسبهم جميعاً وينزل كل واحد منهم المنزلة التي استحقها حسب عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
__________

(2) - سؤال: ما إعراب «صراط الله»؟
الجواب: يعرب بدلاً أو عطف بيان.
(3) - سؤال: ما الوجه في كون هذه الآية خاتمة لهذه السورة المباركة؟
الجواب: في هذه الآية ما يشير وينبه على تمام السورة ونهايتها وذلك من حيث أن الرجوع إلى الله هو نهاية الخلق.