القرآن الكريم مع التفسير

سورة المائدة

آية
إجمالي الآيات: 120 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} (2) فلا تأسف على أولئك الذين كانوا قد آمنوا، ثم رجعوا إلى الكفار؛ فإنهم في الواقع غير مؤمنين.
{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} (3)
كان علماء اليهود قد حرفوا التوراة، ويملونها على أتباعهم بناءً على أنها من التوراة، وليست من التوراة، وإنما يملون عليهم الكذب على الله وعلى موسى وعلى التوراة، وكانوا يتقبلون ذلك.
{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} (4) يسمعون لكبار اليهود ورؤساؤهم، ويأخذون منهم الآراء والحيل، وأسباب المكر والخديعة؛ ليكيدوا الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} يسمعون لمن هذه صفتهم أي: الذين يحرفون التوراة، وكانوا يسألونهم عما يريدون من أمر دينهم، فيجيبونهم على خلاف ما جاء في التوراة، ثم يأمرونهم بأن يذهبوا ويسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون لهم: فإن أجابكم بمثل ما أجبناكم فصدقوه، وإلا فهو كذاب فاحذروه ولا تصدقوه فيما قال، وهذا معنى قوله سبحانه: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}.
{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} (5)
ولن تستطيع أن تهديهم يا محمد؛ لأنهم قد تمردوا وعاندوا وزادوا في تمردهم وعنادهم، وقد أنزلنا عليهم التوراة فحرفوها وبدلوها؛ فلا سبيل إلى هدايتهم وردهم إلى الحق والهدى (6)، فاقطع طمعك منهم، ولا تتعب نفسك في ملاحقتهم.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 41} (7)
قد استحكم غضب الله عليهم، وحق عليهم عذابه في الدنيا والآخرة.
__________

(2) - سؤال: هل في الآية دليل على أن الإيمان إنما يتحقق بكل شرائطه قولاً وعملاً واعتقاداً؟
الجواب: في الآية دليل على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فإذا اختل واحد منها اختل الإيمان.
(3) - سؤال: هل الآية في ذم العوام منهم المستمعين للكذب المملى عليهم من علمائهم؟

الجواب: الآية في ذم الأتباع من اليهود الذين لا علم لهم بالتوراة، وكان علم التوراة مخصوصاً بعدد معين.
سؤال: ما العلاقة بين هذه الجملة {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} والجملة التي قبلها؟
الجواب: الكلام الذي قبل هذا هو: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ ... } فقوله: «من» في قوله «ومن الذين هادوا .. » معطوف على «من الذين قالوا» أي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحزنه مسارعة المنافقين واليهود الذين أظهروا الإسلام خداعاً في الكفر، فيظهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد استر بإسلام المنافقين وبعض اليهود، وطمع في صلاحهم وحسن إسلامهم فلما رأى مسارعتهم إلى الكفر استاء وحزن، فبهذا تتبين علاقة المعطوف بالمعطوف عليه.
سؤال: ما إعراب «سماعون» في قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}؟
الجواب: تحتمل وجهين من الإعراب:
1 - ... أن يكون «سماعون» مبتدأ، و {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} خبر مقدم.
2 - ... أن يكون «سماعون» خبراً لمبتدأ محذوف أي: هم سماعون، وقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} معطوف على: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ}. والتفسير هو على الإعراب الأول.
(4) - سؤال: من هم القوم الآخرون؟ وما فائدتها بعد قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}؟
الجواب: القوم الآخرون هم من كبار اليهود لم يحضروا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم استكباراً وترفعاً، وكان الأتباع يطيعون هؤلاء الكبراء المتكبرون فيما يأمرونهم به، وقوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} هو سماعهم لما يتلى عليهم من علمائهم بناءً على أنه من التوراة، وليس منها وإنما هو كذب على الله تعالى اختلقوه من عند أنفسهم.
(5) - سؤال: ما معنى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} هل المقصود إهلاكه؟ أم إضلاله وإيقاعه في الفتنة فهي تشكل على الطلاب كثيراً؟

الجواب: المعنى: ومن يرد الله أن يعذبه ويهلكه، والله جل وعلا لا يريد أن يعذب أحداً إلا إذا علم أنه لا يرجع عن غيه، ولا يتوب إلى ربه، وأنه لا يزال مصراً على الكفر والفسوق، ويجوز أن يكون المعنى: ومن يرد الله أن يتركه في الفتنة، أي: أن الله يترك المرء وما اختار لنفسه، إلا أن المؤمن إذا اختار الهدى أمده الله بالتوفيق والألطاف، وإذا اختار المرء الباطل تركه الله ولم يمده بألطاف كالمؤمن.
(6) - سؤال: قد يقال: إذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيل إلى هدايتهم فكيف كلفوا بالهداية؟ وقد يحتج بمثل هذا أهل الجبر فكيف يجيب المرشدون على ذلك؟
الجواب: قدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستطاعته في هذا الباب هي تبليغ رسالات الله، ودعوة الناس إلى دين الله، والتذكير لهم، وتكرير المواعظ وتنويعها، والصبر والتحمل، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والتلطف والبر؛ ليصغوا لمواعظه وتذكيره، هذا هو منتهى استطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس بوسعه أن يدخل الناس في الهدى، ولا سبيل له إلى ذلك بعد أن بلغ الرسالة ونصح الناس. وقد كلف الله تعالى الناس جميعاً بالدخول في الهدى الذي دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستجاب المؤمنون، ودخلوا في دين الله، وأبى الكثير أنفةً وكبراً، بعد معرفتهم الحق، واختاروا الكفر، ومالوا إليه بإرادتهم واختيارهم، ورغبتهم فيه وحبهم له، ولم يتركوا الدخول في الهدى لعدم قدرتهم على الدخول فيه، فهم قادرون ومستطيعون للدخول فيه، ولكنهم عدلوا عنه رغبة في شهوات الدنيا وزينتها، وإيثاراً للعاجل على الآخرة.
(7) - سؤال: {لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من أعظم ما يشكل على الطلبة، فلو وضحتم المعنى المقصود منها؟

الجواب: إذا استجاب المكلف لداعي الله، ودخل في الهدى أمده الله تعالى بالألطاف والتوفيق والتنوير، وبذلك تزول الشبهات من قلبه وتنمحي آثارها، فيطهر قلبه، وتستنير بصيرته، وإذا رفض المكلف داعي الله وأعرض عنه واستكبر وأصر على الكفر لم يستحق شيئاً من ألطاف الله وأنواره وتوفيقه التي يعطيها للمستجيب ثواباً على قبوله للهدى وإجابته لداعي الله. والدليل على أن ذلك ثواب على الاستجابة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ 17} [محمد]، وقوله تعالى: {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد:28]، وقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29]، ونحو ذلك. والكافر لا يستحق أن يجعل الله له شيئاً من ذلك الثواب، ولا يريد تعالى أن يثيب من لا يستحق الثواب، وتطهرة القلوب من الشك
والشبهات هو ثواب كما ذكرنا.
الآية 42
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
📝 التفسير:
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} (1) وصف الله اليهود بأنهم يسمعون لأولئك الذين يحرفون التوراة، ويذهبون يجادلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} (2) الرشوة والربا.
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} فأنت مخير بين الأمرين، والتخيير منسوخ بما سيأتي من قوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}.
{وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} إذا رفضت الحكم بينهم فلن يصلوا إليك بضر فلا تخف منهم (3).
{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 42} (4) واحكم بينهم بالعدل إذا أحببت أن تحكم بينهم.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {سَمَّاعُونَ}؟ وهل يجوز أن يكون معنى {لِلْكَذِبِ}: أن يكذبوا عليك فيما سمعوه منك؟
الجواب: سماعون: خبر لمبتدأ محذوف أي: هم سماعون، والجملة مستأنفة لتأكيد ما قبلها، ويجوز أن يكون معنى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} سماعون لما يتلوه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يقوله من أجل أن يكذبوا عليه ويحرفوا كلامه.
(2) - سؤال: ما وجه تسمية الحرام بالسحت؟
الجواب: سمي الحرام بالسحت لأنه يسحت صاحبه أي: يهلكه، قال تعالى: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه:61]، أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.
(3) - سؤال: هل كان يخاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم الضرر إن لم يحكم بينهم، أو كان يخشى القالة منهم بعدم تمكنه من الحكم بينهم؟
الجواب: كان يخاف من الإعراض عن الحكم بينهم أن تشتد عداوتهم له، ويزداد جدهم في إلحاق الضرر والأذى به صلى الله عليه وآله وسلم قولاً وفعلاً، وما يمكن من الترويج والدعايات.
(4) - سؤال: من هم {الْمُقْسِطِينَ}؟ وممَّ اشتقاقه؟
الجواب: المقسطون هم العادلون، وهو مشتق من الإقساط، ويمكن الاستغناء عن هذا المصدر بذكر القسط.
الآية 43
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} يُستبعد منهم أن يحكموك، فلا تتوقع ذلك منهم، فهم يعلمون حكم الله إن أرادوه، فهو موجود في التوراة، فإذا أتوك ليحكموك؛ فإنما يقصدون المكر بك والخديعة لك، فكن منهم على حذر.
{ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} (1) ثم أعرضوا عما علموه من حكم الله الموجود في التوراة.
{وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ 43} وهم بعيدون من الإيمان ومن أحكام الدين.
__________
(1) - سؤال: علام عطفت هذه الجملة: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}؟
الجواب: هي معطوفة على قوله تعالى: {وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}.
الآية 44
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} فيها شرائع وأحكام من الله تهديهم إلى الطريق المستقيم، وتنور لهم سبل السلام.
{يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} (2) أنزل الله التوراة لأجل أن يحكم بها الأنبياء الذين انقادوا لله تعالى، واستسلموا له.
{لِلَّذِينَ هَادُوا} (3) يحكم بها الأنبياء بين اليهود.
{وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} ويحكم بها العلماء؛ والربانيون (4):
هم علماء اليهود، والأحبار: علماء النصارى.
{بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} بسبب ما حفَّظَهم الله وعلَّمهم من التوراة وأحكامها، وجعلهم حفظتها وحملتها.
{وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} وبسبب أنهم شهداء الله على أن التوراة كتاب الله بُلِّغُوا أحكامَ التوراة.
{فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين بأن لا يخشوا اليهود؛ فليقولوا الحق، ويصدعوا بأحكام الله، وإن رغم اليهود.
{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} ويحتمل أن تكون خطاباً للربانيين والأحبار نهاهم الله أن يخشوا الناس، ونهاهم أن يحرفوا التوراة مقابل الثمن القليل.
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ 44} (5)
من لم يحكم من اليهود بما أنزله الله تعالى في التوراة وحكم بغيره فقد كفر وتوغل في كفره وهكذا غيرهم من أهل الملل إذا حكموا بغير ما أنزل الله إليهم فقد كفروا.

__________
(1) - سؤال: علام عطفت هذه الجملة: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}؟
الجواب: هي معطوفة على قوله تعالى: {وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}.
(2) - سؤال: ما موقع جملة: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ}؟
الجواب: الجملة في محل نصب حال ثانية من التوراة، و {فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} هي الحال الأولى، ويصح أن تكون الجملة «يحكم بها» بيانية لا محل لها من الإعراب، وقعت في جواب سؤال مقدر.
(3) - سؤال: ما العلة في قوله: {لِلَّذِينَ هَادُوا} بدل قوله: بين الذين هادوا؟
الجواب: العلة -والله أعلم- هي أن الله تعالى أنزل التوراة لليهود خاصة يحكم بها أنبياؤهم وعلماؤهم بينهم وحدهم، فجاءت اللام لبيان ذلك؛ لأن اللام تفيد الاختصاص.
(4) - سؤال: يقال: كيف نجمع بين ما تقدم أن الربانيين المنقطعون إلى الله وهذا؟

الجواب: يمكن الجمع بأن الربانيين مجموع الأمرين، فهم حينئذٍ العلماء المنقطعون إلى الله.
(5) - سؤال: هل في الآية دليل على التكفير بالمعصية؟

الجواب: ليس في الآية دليل على التكفير للعاصي بفعل المعصية، ومعنى الآية: ومن لم يحكم بما أنزل الله بعد علمه به، ثم إنه أعرض عنه، ورأى أن غيره أولى بأن يحكم به، ثم حكم به؛ فإنه يحكم عليه بالكفر، وذلك من حيث أنه استهان بحكم الله، أما الذي يحكم بغير ما أنزل الله: إما عن طريق الخطأ، وإما عن علم من أجل رشوة أو قرابة أو صداقة أو نحو ذلك؛ فلا يحكم بكفره؛ لأنه لم يستهن بحكم الله، ولم ير أن الصواب والحق في غيره. وهذه الآية نزلت في اليهود الذين رفضوا حكم الله تعالى، الذي أنزله عليهم في التوراة برجم الزانيين المحصنين وهم عالمون بذلك الحكم، ثم إنهم أنكروه وقالوا: ليس على المحصنين رجم، وحَدُّهما هو التعزير والتشهير، إلا أن الآية -وإن نزلت فيهم- فحكمها عام في جميع من رفض حكم الله ولم يرض به، ورأى أن حكم غيره هو الحق والأولى، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 65} [النساء].
الآية 45
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي: في التوراة.
{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} (1) فليس له إلا أن يقتص أو يتصدق وليس في شريعتهم العفو والدية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 45} (2) ومن تجاوز حكم الله الذي أنزله في كتبه فقد بلغ الغاية في الظلم.

__________
(1) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}؟
الجواب: معناها المقابلة، والمعنى: النفس مقتولة في مقابل قتلها للنفس، أو عوض قتلها للنفس، وكما يقال: هذا بذاك، وكما يقال اليوم: واحد بواحد.
سؤال: ما معنى الجروح في قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}؟
الجواب: المعنى: والجروح ذات قصاص، أي: أن الله تعالى كتب الاقتصاص فيما حصل من الجروح إذا أمكن الاقتصاص بالمثل.
سؤال: هل الضمير في قوله: {تَصَدَّقَ بِهِ} يعود إلى القصاص؟
الجواب: الضمير يعود إلى القصاص، والتصدق يكون من المجروح.
(2) - سؤال: كيف لزمنا الأخذ بها وهي حكم في الكتب السابقة (التوراة)؟
الجواب: لزمنا الأخذ بها من حيث أن الله تعالى حكاها لنا في كتابه الكريم وأقرها، ولم يشرع خلافها، وقد قال تعالى في القرآن إنه: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2} [البقرة]، {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف:3]، وفي القرآن الكثير والكثير من مثل ذلك، فعم ولم يخص.
الآية 46
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} (3)
أتى موسى بالتوراة وبعث الله بعده أنبياء يجددونها؛ لأن بني إسرائيل كانوا يحرفونها، ثم بعث الله بعد ذلك عيسى بكتاب غير كتاب موسى، وهو الإنجيل.
{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ} (1) أتى عيسى عليه السلام مصدقاً لما جاء في التوراة، ولم يخالف في شيء منها إلا ما كان تخفيفاً.
{فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} (2) ويصدق ما فيها من الأحكام.
{وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ 46} وفيه هدى وموعظة لمن ينتفع بها، ولن ينتفع بها إلا المتقون.

__________

(3) - ما معنى: {قَفَّيْنَا}؟ ولِمَ عدّاه بـ «على» في قوله: {عَلَى آثَارِهِمْ}؟

الجواب: أتْبَعنا الأنبياء بعدما ذهبوا بعيسى، يسير على طريقهم، ويطأ على آثارهم، وبهذا يظهر وجه التعدية بـ «على».
(1) - سؤال: ما إعراب: {مُصَدِّقًا}؟ وهل معنى: {بَيْنَ يَدَيْهِ} أمامه؟
الجواب: {مُصَدِّقًا} حال من عيسى، و {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} بمعنى: لما تقدمه بزمن قليل كأنه لقربه حاضر بين يديه.
(2) - سؤال: ما الوجه في نصب: {وَمُصَدِّقًا} وما بعدها؟
الجواب: الوجه في نصب «مصدقاً» أنه معطوف على الجملة الحالية التي قبله: {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ}، ومحلها النصب على أنها حال، وما بعدها -أي: بعد مصدقاً- معطوف داخل في نسق مصدقاً.
الآية 47
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 47} (3) أمر الله تعالى النصارى أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل، وإلا فهم خارجون عن طاعة الله وفاسقون عن أمره.
__________

(3) - سؤال: هل تعم هذه الآية كل من لم يحكم بحكم الله ولو من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: نعم تعم كل من لم يحكم بحكم الله من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ 44} على حسب ما ذكرنا من التفصيل.
الآية 48
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} (1)
أنزلنا إليك يا محمد القرآن.
{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} مصدقاً للتوراة والإنجيل (2).
{وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} فهو المسيطر على التوراة والإنجيل (3) فإذا اختلفوا في حكم من الأحكام فالمرجع إلى القرآن وهو الحاكم على جميع الكتب.
{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يحكم بين الناس جميعاً (4) اليهود والنصارى والمسلمين بما أنزل الله في القرآن.
{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (5) فإذا أخبرك أولئك اليهود والنصارى بحكم الله فلا تصدقهم؛ لأنهم قد حرفوا وبدلوا.
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (6) فمعك يا محمد شريعة، وموسى معه شريعة، وكذلك عيسى معه شريعة.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ولو شاء الله لجعلكم على شريعة واحدة.
{وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} ولكنه خالف بين شرائعكم ليختبر طاعتكم وانقيادكم لربكم (7).
{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (8) أمر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه أن يكونوا السابقين إلى الخيرات، وأن يكونوا أول من يعمل بأحكامه، والخيرات هي الإيمان بالله وبرسوله وبكتبه وبملائكته وباليوم الآخر والسمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والعمل بشرائع الدين وأحكامه، والاستقامة على ذلك، والالتزام بالتقوى.
{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 48} يرجع اليهود والنصارى والمسلمون إلى الله يوم القيامة، فيجازي كلاً بذنبه الذي يستحقه، وهناك يتبين المحق من المبطل، وتنكشف حقائق الناس، ويحكم الله يومئذ بين أهل الحق وأهل الباطل فيما اختلفوا فيه.
__________

(1) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِالْحَقِّ}؟

الجواب: معناها المصاحبة إذا أعربناها حالاً من الكتاب.
(2) - سؤال: ما الوجه في عدم قوله: من الكتابين؟
الجواب: «الكتاب» المراد به الجنس الشامل للقليل والكثير، وإنما فسرناه بالكتابين لأنهما المتصفان بـ «بين يديه».
(3) - سؤال: وهل يصح أن يفسر: {مُهَيْمِنًا} برقيب أو شاهد عليه؟
الجواب: معنى «مسيطر على الكتابين» أنه مسيطر بشهادته المقبولة في إحقاق حقها وإبطال دخيلها، ورقيب في ذلك.
(4) - سؤال: يقال: من أين نستفيد التعميم للناس جميعاً مع أن ظاهر {بَيْنَهُمْ} أهل الكتابين؟
الجواب: نستفيده مما علم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم أنه مكلف أن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله إليه، وبين الناس جميعاً، فأهل الكتاب وغيرهم سواء في ذلك.
(5) - سؤال: ما معنى «عن» في قوله: {عَمَّا جَاءَكَ}، وما إعرابها؟
الجواب: «عن» معناها المجاوزة، وجاءت هنا لأن قوله: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} مضمن معنى «يصدنك» و «عن» حرف جر و «ما» اسم موصول بمعنى الذي مجرور بعن، والجملة بعده صلته.
(6) - سؤال: هل معنى «شرعة» شريعة؟
الجواب: شرعة أي: شريعة ودين، وهي مأخوذة من الشريعة وهي مورد الماء.
(7) - سؤال: من أي ناحية تكون البلوى فيما آتاهم سبباً للمخالفة بين شرائعهم؟
الجواب: خالف الله تعالى بين شرائع الأمم ليختبر طاعتهم، فالمخلصون يؤمنون بالشريعة الجديدة، وغير المخلصين يتحمسون لما هم عليه ويأنفون من اتباع الشريعة الجديدة، ويكبر في نفوسهم مخالفة ما كانوا عليه هم وآباؤهم، فيظهر بهذا الاختبار المخلصون، ويتميز غير المخلصين.
(8) - سؤال: هل الخيرات جمع خير أو ماذا؟
الجواب: الخيرات جمع خَيْرة قال تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ 70} [الرحمن]، لما وصفوا به المؤنث قالوا: فلانة خيرة، وهذا إذا لم يريدوا التفضيل، فإن أرادوا التفضيل قالوا: فلانة خير من فلانة.
الآية 49
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} أكد الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحكم بين اليهود والنصارى بما أنزل الله عليه في القرآن الكريم.
{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (1)
وهو ما يحكمون به من عند أنفسهم مدعين أنه في التوراة فلا تصدقهم فيما أخبروك به من أحكام التوراة.
{وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (2) فلا تترك الحكم بينهم بما أنزل الله إليك، وتذهب إلى الحكم بما ادعوا أنه في التوراة؛ لأنهم قد حرفوها وبدلوها.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} (3) إن رفضوا حكمك فاعلم أنه قد استولى عليهم غضب الله وسوف يعذبهم الله في الدنيا ببعض ذنوبهم.
{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49} (4)
الغالب على البشر التمرد على الله والخروج عن طاعته، وما يقال في قوله: ((عليكم بالسواد الأعظم)) فلا يراد به الكثرة وإنما المراد به (جماعة الحق وإن قلوا) لأنه الأعظم عند الله، ولو لم يكن إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده.

__________

(1) - سؤال: وهل يصح أن يطلق على ما خالف القرآن أنه أهواءهم؟

الجواب: ما خالف أحكام القرآن من الأحكام فإنما هي أهواء، ويصح أن تسمى أهواء لأنها صادرة عن الأهواء.
(2) - سؤال: ما موضع: {أَنْ يَفْتِنُوكَ} الإعرابي؟
الجواب: يجوز أن يكون بدلاً من الضمير المنصوب بدل اشتمال، ويجوز أن يكون مجروراً بـ «من» مقدرة متعلقاً بـ «احذرهم».
سؤال: ما معنى: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ}؟
الجواب: المعنى: احذر يا رسول الله اليهود غاية الحذر، فإنهم ذوو خبث ودهاء ومكر، فإنهم يريدون أن يستزلوك عن شيء من أحكام القرآن، ويحملوك بمكرهم على ترك بعض شرائعه، فاحتط لنفسك.
(3) - سؤال: هل يصح أن يكون قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ} دليلاً على تقدم الإرادة على المراد وهو الإصابة، فيكون معناها العلم باشتمال تعذيبهم على مصلحة؟
الجواب: في ذلك دليل على تقدم الإرادة على المراد، مما يدل على صحة قول من يقول: إن الإرادة في حق الله هي علمه باشتمال الفعل على المصلحة في زمن معين في علم الله.
(4) - علام عطفت جملة: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 49}؟

الجواب: الواو اعتراضية، والجملة معترضة، هكذا يسمي ذلك بعض أهل البيان، وبعضهم يسمي مثل هذا تذييلاً، والمراد بذلك الجملة التي تؤكد معاني الكلام السابق وتقرره.
الآية 50
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تعجيب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود حيث طلبوا حكم الجاهلية ومالوا إليه مع أنهم من أهل العلم وحملة التوراة.
{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 50} (1) لو كنتم يا معشر اليهود من أهل اليقين، والإيمان بالله وبما أنزله في التوراة- لما عدلتم عن أحكام التوراة وطلبتم أحكام الجاهلية؛ لأن أهل الإيمان واليقين لا يرضون بغير حكم الله.
__________
(1) - سؤال: ما معنى الاستفهام هنا: {وَمَنْ أَحْسَنُ}؟
الجواب: معناه التقرير أي: ليس هناك حكم أحسن من حكم الله، ولا أعدل منه.
الآية 51
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (2)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 51} كان المسلمون في المدينة مختلطين باليهود، ومجاورين لهم، وكانت بينهم أحلاف وعلاقات من زمن الجاهلية، ولا يريدون أن يقطعوا الود الذي بينهم وبين اليهود مريدين بذلك نصرتهم إذا هجم عليهم عدو في المدينة، أو أصابتهم بلوى أو نحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر أهل المدينة، وقلة قليلة هم الذين تركوا هذه الأحلاف والعلاقات بعد الإسلام، وقد نهاهم الله سبحانه وتعالى عن موالاتهم في هذه الآية وحكم أن بعضهم موال لبعض فلا ينبغي للمؤمن موالاتهم، وأخبر الله تعالى بأن من يتولهم منكم فإنه منهم، فمن أصر على مؤاخاة اليهود والاستمرار على محالفتهم ومناصرتهم ومصاحبتهم؛ فإنه ليس بمؤمن، وهو عند الله وفي حكمه يهودي.

__________

(2) - سؤال: ما إعراب جملة: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}؟
الجواب: الجملة بيانية لا محل لها من الإعراب، واقعة في جواب سؤال مقدر: بما هي العلة؟ هي: لأن بعضهم أولياء بعض.
سؤال: يقال: كيف يصير حكم الموالي حكم اليهودي أو النصراني، مع أن الموالاة معصية توجب الفسق فقط؟
الجواب: صار الموالي من المسلمين لليهود أو للنصارى في حكم اليهودي أو النصراني من حيث أن الموالي معناه: المناصر لليهود أو للنصارى، ومناصرة اليهود أو النصارى على أمرهم يعتبر حرباً للإسلام ونبي الإسلام وأهل الإسلام، وحرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودينه وأهل ملته المؤمنين كفر.
سؤال: لو عرّفتم الموالاة بحدٍّ جامع مانع أو ضابط فالمرشدون في حاجته؟

الجواب: الموالاة المرادة هي: ربط علاقة بين طرفين على المناصرة وعلى أن أي اعتداء على واحد من أي الطرفين يعتبر عدواناً على الجميع، وعلى التعاون بالنفس والمال والنفقات اللازمة في دفع العدو، و ... إلخ. والموالاة مفاعلة وهي صيغة تدل على مشاركة بين طرفين أو أطراف فرادى أو جماعات، ومعنى موالاة: مناصرة ومحالفة.
الآية 52
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ
📝 التفسير:
{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (1) سترى يا محمد أهل النفاق مسارعين إلى مؤاخاة اليهود (2) ومناصرتهم، وتوثيق العلاقات بهم، معتذرين إليكم بحاجتهم إليهم لدفع الأعداء، ودرء نوائب الدهر.
{فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ 52} (3) هذا وعد من الله بنصر عظيم منه سبحانه لنبيه وللمؤمنين، وأنه سيكون لهم قوة وسلطان وغلبة، وسيندم أولئك عندما يرون هذا النصر والتمكين، ويتمنون أنهم انضموا إليكم، وتركوا موالاة اليهود ومناصرتهم.

__________
(1) - سؤال: ما هي الدائرة؟ وما إعراب جملة: {يَقُولُونَ نَخْشَى}؟
الجواب: الدائرة: هي النكبة من نكبات الزمان، وكأنها سميت دائرة لأن الزمان يدور بها.
وجملة {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} جملة بيانية أي: لبيان العلة التي جعلتهم يسارعون إلى محالفة اليهود، ويجوز أن تكون الجملة حالية من فاعل يسارعون.
(2) - سؤال: هل تُحمَل المسارعة إلى إخوانهم المسلمين أم أنها إلى اليهود فقط؟
الجواب: المسارعة إلى موالاة اليهود، والضمير في «فيهم» يعود إلى اليهود والنصارى، والتعبير بقوله: «فيهم» يدل على أن الذين في قلوبهم مرض «المنافقين» منغمسون بين اليهود، وفي دائرتهم، ينتقلون من جماعة إلى جماعة، ومن فريق إلى فريق.
(3) - سؤال: ما معنى الفاء في قوله: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ}؟
الجواب: الفاء للعطف والتعقيب، فجملة «عسى الله» معطوفة على جملة: «فترى الذين .. ».
سؤال: ما هو الأمر المقصود بقوله: {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ}؟ هل هو غير الفتح؟
الجواب: الأمر هو غير الفتح، فالفتح هو الانتصار على العدو بسيوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، والأمر هو هزيمة العدو بإلقاء الرعب في قلوبهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب.
الآية 53
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ 53} (2) يتعجب المؤمنون من هؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانكشف أخيراً أنهم مع اليهود بموالاتهم ومناصرتهم ومناصحتهم ومؤاخاتهم، وقد كانوا يحلفون بأبلغ الأيمان وأغلظها إنهم معكم أيها المؤمنون بسرهم وجهرهم ثم انكشف بعد ذلك كذبهم، وبذلك حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة.
__________

(2) - سؤال: ما هو إعراب: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}؟ وما معناها؟ وما إعراب جملة: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}؟
الجواب: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} مفعول مطلق منصوب، ومعناها: أن المنافقين أبلغوا طاقتهم ونهاية ما في قدرتهم ووسعهم في إقسامهم وحلفهم إنهم مع المؤمنين، وجملة: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
الآية 54
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} يخبر الله تعالى المسلمين الذين دخلوا في الإسلام بأنه غني عنهم غير محتاج إليهم لنصر دينه ومؤازرة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهم إن ارتدوا عن دينهم أو ارتد بعضهم فسيأتي سبحانه بقوم يتحققون بحقائق الإيمان ينصرون دين الإسلام، ويؤازرون نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يعوقهم عن ذلك عائق، ولا يردهم عن جهادهم راد.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هؤلاء الذين سيبدلهم الله بهم؛ فأجاب بأنهم أهل اليمن، روى ذلك ابن أبي شيبة وإسحاق والحاكم والطبراني والطبري والبيهقي. كما في حواشي الكشاف، والمراد بهم الذين نصروا علياً عليه السلام ثم نصروا أئمة الهدى من بعد ذلك والله تعالى لا يحب إلا أولياءه الصالحين.
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (1) فهم متواضعون للمؤمنين.
{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} قساة عليهم وليسوا مثلكم متوددين لليهود وموالين لهم ومناصحين.
{يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (2) ليسوا مثلكم، لا يجبنون عن لقاء العدو، ولا يفرون عند شدة الحرب، وليسوا مثلكم يتهربون من الجهاد، ويتحذرون من أن يصدر منهم ما يسيء إلى الكافرين.
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 54} فوجود أناس على هذه الصفات فضل من الله تفضل بها عليهم، وفي هذه الآية دليل على أنه يوجد أناس أفضل من الصحابة في عصرهم وفي غير عصرهم؛ لأن بعضهم يقول بأن الصحابة الأفضل على الإطلاق.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {أَذِلَّةٍ}؟ وهل هي جمع ذليل؟
الجواب: «أذلة» صفة لـ «قوم» مجرورة بالتبعية، وهي جمع ذليل بمعنى متواضع هنا.
(2) - سؤال: هل هذه اللفظة {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} خرجت مخرج ضرب الأمثال في عدم التراجع؟ أم أنها كناية؟ أو ماذا؟
الجواب: قد جرت هذه الجملة مجرى المثل لما فيها من جلالة المعنى وقصر اللفظ، إلا أن المراد بها هنا ظاهر معناها الذي هو مضيهم في الجهاد وقتال الأعداء، لا يردهم خوف ولا لومة أحد.
الآية 55
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
📝 التفسير:
ثم خاطب الله المؤمنين فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} لتكن ولايتكم وطاعتكم لله ولرسوله فلا تذهبوا لا إلى اليهود ولا إلى النصارى لتعتزوا بهم، فليس لكم في موالاتهم إلا الخزي في الدنيا والآخرة؛ إنما العزة والقوة والسلطان لله ورسوله فاطلبوها من ثَمَّة فإن الله تعالى هو الولي الحق وهو ربكم وخالقكم وهو أولى بكم من أنفسكم ثم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55} (1) فهؤلاء هم الذين ينبغي أن تتولوهم وتعتزوا بهم.
وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} نزلت في علي بن أبي طالب (2)
كرم الله وجهه؛ فالمفترض أن يرجعوا إلى الله سبحانه، وأن يرجعوا إلى رسوله، وإلى علي بن أبي طالب، ويؤيدوهما ويناصروهما، ولا يخافوا من اليهود والنصارى.

__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ}؟
الجواب: بدل من {الَّذِينَ آمَنُوا} فالموصول في محل رفع.
(2) - سؤال: قد يقال: كيف كان المراد بها علياً عليه السلام وهي بصيغة الجمع {يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ .. }؟
الجواب: المراد بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55} هو كل من تحققت فيه هذه الصفات من جميع المؤمنين إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بعد البحث عن أهل هذه الصفات لم يجدوا إلا علياً عليه السلام، ولو وجد غيره يتصف بتلك الصفات لشاركه في الولاية، ولكن لم يوجد غيره.
سؤال: إذا قال قائل: قصركم للآية في علي بن أبي طالب عليه السلام من باب قصر العام على سببه وأنتم لا تقولون به، فبماذا يرد عليه؟

الجواب: الآية نزلت لبيان أهل الولاية والطاعة فنصت على أن الولاية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولمن اتصف بتلك الصفات، ولم يتصف بتلك الصفات سوى علي بن أبي طالب عليه السلام فتعين أنه المقصود بالولاية، ولم يوجد من اتصف بها لا قبله ولا بعده، وجمهور أهل التفسير يذكرون الروايات المروية بأن علياً عليه السلام هو الذي تصدق بخاتمه وهو راكع.
سؤال: قد يقول المعارضون: إنه لا مال لعلي عليه السلام تجب فيه الزكاة فما هو الذي زكاه؟ فكيف يجاب عليهم؟
الجواب: قد يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً عليه السلام والمؤمنين رضوان الله عليهم -وإن كانوا فقراء- فإنها تحسنت أحوالهم في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ فتح خيبر وإجلاء بني النضير وقتل بني قريظة و .. إلخ حيث أغناهم الله وبسط لهم في الرزق ووسع لهم فيه، وهذه الآية لم تنزل إلا بعدما أيسر الله على المسلمين.
الآية 56
وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ 56} (1) زيادة تأكيد لهم بأن حزب الله هم الغالبون، وأن العاقبة لمن كان في حزبه، فانضموا إليهم واتركوا أولئك اليهود والنصارى.
__________
(1) - سؤال: هل في الآية دليل على أن المتولي لله ورسوله وأمير المؤمنين من حزب الله؟
الجواب: نعم فيها دليل ينادي بذلك ويصيح به.
الآية 57
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} كرر الله عليهم للتأكيد.
{لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} (2) فلا توالوا الذين يستهزئون بدينكم من أهل الكتاب والكفار.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 57} إذا كنتم صادقين في إيمانكم؛ فلا تعصوا الله وتخالفوا أوامره، واقطعوا حبال المودة بينكم وبين اليهود والكفار.
__________

(2) - سؤال: علام نصب قوله: {وَالْكُفَّارَ}؟ وهل المراد بهم مشركو العرب؟
الجواب: نصب بالعطف على المفعول الأول: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا .. } والمراد بهم مشركو العرب وغيرهم من المشركين إن وجدوا.
الآية 58
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} فلماذا توالونهم وتناصرونهم وتناصحونهم، وهم يسخرون منكم ومن دينكم وقد سمعتموهم يسخرون ويستهزئون إذا سمعوا النداء إلى الصلاة.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ 58} (3)
ولو نظروا بعقولهم لعلموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الدين حق، ولسارعوا إلى اتباعه ونصرته، ولكنهم لم ينظروا بعقولهم، فكفروا بالإسلام ودينه واستهزئوا به لضياع عقولهم.

__________

(3) - سؤال: هل الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} إلى الاستهزاء بالنداء؟

الجواب: تعود الإشارة إلى ما صدر منهم من استهزاء وعبث.
الآية 59
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ 59} (1) فلا تنقمون منا يا معاشر اليهود إلا لأنا آمنا بالله ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن، وآمنا بما أنزل من قبل وهو التوراة والإنجيل، وليس هذا سبباً يبعثكم على حربنا ويدعوكم إلى عداوتنا، ولأجل أن أكثركم فاسقون ومتمردون، ولا تبالون بما فعلتم بنا من العداوة.
__________
(1) - سؤال: هل هذه الآية من المدح بما يشبه الذم؟ إلا أنه يشكل عطف قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ 59} عليه، فكيف توجهون الآية بما يتناسب مع الإعراب؟
الجواب: الآية من المدح بما يشبه الذم فقد عرَّف أهل البلاغة ذلك بأنه استثناء صفة مدح من صفة ذم منفية عن الشيء بتقدير دخولها في صفة الذم المنفية. وهذا الحد صادق على ما جاء في الآية، ولا يضر عطف {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ 59} على المستثنى بعد تحقق المطلوب.
الآية 60
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ
📝 التفسير:
{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} (1)
لا تستهزئوا يا معاشر اليهود بدين الإسلام وبأتباعه؛ فأنتم أهل الشر ومنتهاه وغايته، حيث لم يلحقكم فيه لاحق، ولم يسبقكم إليه سابق، ولكم عند الله أوفر نصيب من عذابه، وقد لعنكم الله في التوراة والإنجيل والقرآن، وغضب جل جلاله عليكم، وجعل منكم -لعظم شركم وعظيم جرمكم- القردة والخنازير، ومع ذلك فقد عدلتم عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطواغيت، وهذا المراد بقوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} (2) وهم اليهود فهم أشر؛ لأنهم يطيعون طواغيتهم، ويحرفون التوراة لأجلهم.
{أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ 60} (3) فهم لذلك ولما ذكره الله أشر الناس وأبعدهم عن الهدى، فهم لذلك أهل السخرية والاستهزاء.

__________

(1) - سؤال: ما إعراب: {مَثُوبَةً}، وما معناها؟

الجواب: تعرب «مثوبة» تمييزاً تمييز نسبة؛ لأن الشرَّ منسوبٌ إلى الأشخاص، ومثوبة هي من المجاز المرسل؛ لأن الثواب هي في الخير، ولا خير في هذه المثوبة بل هي شر، وإنما سميت مثوبة للتهكم والاستهزاء والسخرية.
(2) - سؤال: ما إعراب: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ}؟
الجواب: «من» في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو من لعنه، ويجوز أن يكون في محل جر بدلاً من «شر».
سؤال: هل معنى: {جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ} مسخهم إلى ذلك أم ماذا؟
الجواب: المعنى أنه تعالى مسخهم إلى قردة. وكانت عبادتهم للطاغوت وطاعتهم له تفيد أنهم يطيعونهم في تحريف التوراة إلى ما يوافق أهواء الطواغيت.
سؤال: هل قوله: {وَعَبَدَ} جمع عابد؟ أو ماذا؟
الجواب: «عبد» فعل ماضٍ وليس باسم، وهو معطوف على: {لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}، وليس معطوفاً على القردة والخنازير.
(3) - سؤال: ما المراد بـ {شَرٌّ مَكَانًا}؟ وهل هو مجاز أو ماذا؟
الجواب: المراد أن اليهود أهل الشر والضلال وأعظم توغلاً في ذلك ممن اتهمهم اليهود بالشر والضلال زوراً وبهتاناً.
{شَرٌّ مَكَانًا} كناية عما ذكرنا؛ بناء على التلازم بين المكان وأهله.