القرآن الكريم مع التفسير

سورة التوبة

آية
إجمالي الآيات: 129 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بأن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة تبوك، فكانوا متباطئين عن الخروج معه، وصادف هذا أن كان الوقت شديد الحر، والثمرة قد أقبلت؛ فكان أهل الإيمان الضعيف يعتذرون عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فأمرهم الله سبحانه وتعالى بالخروج جميعا غنيهم وفقيرهم، مشغولين أو غير مشغولين، وهو المراد بقوله {خِفَافًا وَثِقَالًا}.
{وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وكل خارج يتحمل نفقة نفسه، ويحمل دابته معه، وإذا كان له مركوب زائد؛ فإنه يعيره غيره إذا أراد ذلك، وهذا في هذه الغزوة، وأما بقية الغزوات فلم يشدد عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما كان يجعل ذلك لمن كان في سعة وكان له رغبة في الخروج، وفي هذه الغزوة استدعى الحال خروجهم جميعاً؛ لأنه كان إلى الروم، وكانوا أهل كثرة وقوة، وكان لهم دولة قوية (1).
__________
(1) -سؤال: هل يؤخذ من هذا أن الجهاد فرض كفاية، وأنه إنما كان فرض عين في غزوة تبوك؛ جمعاً بين الأدلة؟ وإذا قيل بأن ظاهر استدلال أئمتنا بهذه الآية والآية المتقدمة: {إِلَّا تَنْفِرُوا} وجوبه على جميع المكلفين حتى استدل عبدالله بن الحسين أخو الهادي بهذه الآيات على نسخ قوله: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا 71} [النساء]، فكيف يجاب على ذلك؟
الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن المقصود من الجهاد إعلاء كلمة الله أي: إظهار دينه وإظهار أحكام دينه، وما يلحق بذلك من حراسة الدين وأهله، وما كان كذلك فمن شأنه أن يكون من فروض الكفايات؛ فإذ اجنَّد المسلمون ما يكفي من الجنود في هذا السبيل سقط الوجوب عن الباقين، وهذا مع أن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } [آل عمران:104]، هذا في الجملة، وهناك تفاصيل:
- ... منها أن يأمر إمام المسلمين أهل ولايته بالجهاد، فيكون حينئذ فرض عين، وتماماً كما حصل في غزوة تبوك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر المسلمين بالخروج جميعاً، وكان المسلمون يومئذ قلة قليلة.
- ... إذا هجم العدو بلاد المسلمين وجب على أهل البلد جميعاً أن يردوهم ويقاتلوهم، وهذا إن لم يمكن ردهم إلا بتعاونهم جميعاً، كما حصل يوم الخندق.

- ... تختلف الحالات فبعض الغزوات تستدعي تجييش مائة مقاتل، وبعضها خمسين، وبعضها ألفاً و .. إلخ، ومن العبث أن نجيش ألف مقاتل للغزوة التي يكفي فيها خمسين أو مائة، كأن يكون العدو الذي يراد غزوه عشرة أو عشرين، فمن هنا لا يصح أن يقال: إن الجهاد فرض عين على الإطلاق، ولا فرض كفاية على الإطلاق، إلا أنه في الأصل فرض كفاية لما ذكرنا سابقاً.
ولا داعي ولا موجب للقول بالنسخ في آيات الجهاد فأمره إلى الوالي، ولا شك أنه سيأمر بطلب الجهاد على حسب الحاجة.
الآية 42
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
📝 التفسير:
{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن خروجهم لو كان لغنيمة يتغنمونها- لخرجوا جميعا أو كان سفرا متوسطاً، ولكنهم تثاقلوا في خروجهم هذا لبعد المسافة إلى مقصدهم، وكانت غزوتهم هذه تبعد مسيرة شهر، سبعمائة كيلومتر من المدينة تقريباً، مع شدة الحر في طريقهم.
{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} (2) سوف يأتي هؤلاء المتخلفون عن الغزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتذرين إليه، وسيحلفون بأنهم لو تمكنوا من الخروج لخرجوا، يطلع الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على أن أعذارهم هذه كاذبة، وأيمانهم التي يحلفونها أيمان فاجرة.
{يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} (3) بأيمانهم هذه وعصيانهم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 42} في اعتذارهم هذا، وكان الله سبحانه وتعالى قد أطلع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك قبل أن يقع.
وفي خروجهم هذا أسر المسلمون بعض ملوكهم، ووقع الصلح مع بعضهم؛ لأن بلاد الروم كانت دويلات يحكمها مجموعة من الملوك تحت قيادة القيصر.
وقد اكتسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام في هذا الخروج هيبة وعزاً عند أولئك القوم، مع أنه لم تحصل مواجهة معهم.

__________
(1) -سؤال: ما وجه التعبير عن بُعْدِ المسافة ببعد الشقة؟
الجواب: الشقة: هي المسافة الشاطة الشاقة، فكلمة الشقة تفيد هذا المعنى، فلو جاء بلفظ المسافة للزم أن يقول: المسافة البعيدة الشاقة، فظهر بهذا أن كلمة الشقة أحسن لما فيها من الإيجاز.
(2) -سؤال: من أي ناحية استدل أصحابنا بهذه الآية على أن للعبد اختياراً وقدرة في أفعاله؟
الجواب: استدلوا بها من تكذيب الله تعالى للمتخلفين حين قالوا: {لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا} بقوله: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 42}، ولو كان الحال كما تقوله المجبرة لكانوا صادقين في اعتذارهم بعدم الاستطاعة.
(3) -سؤال: ما محل جملة: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ}؟
الجواب: جملة «يهلكون» لا محل لها استئنافية، وقد تكون في محل نصب حالاً من فاعل يحلفون.
الآية 43
عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ
📝 التفسير:
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ 43} بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك، وبعد أن وصل إلى المدينة، عندها أقبل إليه هؤلاء المتخلفون يعتذرون له- فقبل أعذارهم، وعفا عنهم؛ فعاتبه الله سبحانه وتعالى على قبوله أعذارهم.
وقد يكون اعتذارهم هذا قبل أن يخرج إلى تبوك حين عزم على الخروج وبدأ يعد له ويجمع الناس، فجعلوا يعتذرون له حينئذ فيقبل أعذارهم، فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك، وأخبره أنه كان من المفترض ألا يقبل لهم عذراً، حتى يتبين أهل الأعذار الكاذبة من الأعذار الصادقة.
الآية 44
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ 44} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن المؤمنين بالله واليوم الآخر لن يأتوه مستأذنين في القعود كما يفعل أولئك، وسيخرجون للجهاد معك، ولن يتخلفوا تحت أي ظرف (1).
__________
(1) -سؤال: هل تقصدون أن قوله: {أَنْ يُجَاهِدُوا} على تقدير محذوفين أي: في أن لا يجاهدوا؟
الجواب: المعنى مبني على ذلك التقدير، أي: لا يستأذنونك في التخلف عن الجهاد إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون، هذا هو المعنى المقصود.
الآية 45
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ 45} (1) وهم المنافقون الذين في قلوبهم مرض، وهم مرتابون في صحة نبوتك يا محمد، ولا زالوا على شك في الإسلام، فهؤلاء هم الذين سيختلقون الأعذار الكاذبة عندما يستأذنونك في القعود؛ لئلا يخرجوا معك.
__________
(1) -سؤال: قد يفهم بعض الناس التعارض بين هذه الآية وآية النور: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } [النور:62]، فكيف الجمع بينهما؟
الجواب: موضوع آية التوبة غير موضوع آية النور، فآية التوبة هي في الاستئذان في التخلف عن الجهاد بعد الأمر العام بالجهاد، وآية النور هي في الاستئذان من بعض من يكون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اجتماع هام للذهاب لغرض أو حاجة ثم يعود، وإنما قلنا ذلك لأن من شأن المؤمن أن لا يترك الجهاد، ولا يستأذن في ترك الجهاد، بل إنه يشق عليه أن يؤمر بترك الجهاد {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [التوبة:92]، وقد اشتهر أنه كبر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ووجد في نفسه، فراجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخيراً قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث المشهور الذي رواه البخاري في صحيحه: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))، والقصة مشهورة.
الآية 46
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} ولكنهم لم يريدوا أن يخرجوا من أول الأمر، وليس لهم نية في الخروج.
{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} (2)فالله سبحانه وتعالى كاره لأن يخرجوا مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن ينضموا مع جيشه، {فَثَبَّطَهُمْ} لم يوفقهم للخروج، ولم يجعل لهم ألطافاً ودواعي للخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
{وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ 46} فقعدوا مع العجزة والنساء والصبيان في البيوت بسبب ما هم فيه من الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي دين الإسلام.

__________

(2) -سؤال: قد يقول أهل الجبر هذا من أعظم الأدلة على أن ليس لهم اختيار في عدم الخروج خصوصاً مع الاستدراك بالكراهة من الباري تعالى، فكيف يجاب عليهم؟

الجواب: في أول الآية: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} دليل واضح على أن للمكلف إرادة يختار بها، والتثبيط ليس جبراً بل ولا شبهة جبر، فإنه يقال: فلان ثبط فلاناً عن كذا وكذا، بمعنى: زين له ترك ذلك العمل لا غير، وهذا واضح.
سؤال: يفسر أصحابنا كراهة الباري لأفعالنا بنهينا عن الأفعال التي كرهها، فهل يتمشى هذا مع: {كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} وكيف؟ أم أن الكراهة هنا بمعنى آخر فما هو هذا المعنى؟ وهل يؤخذ من الآية أن الإرادة متقدمة على المراد إذا قلنا إن معنى الآية: كره الله أن يوفقهم سبحانه للخروج؟
الجواب: كراهة الباري هي كراهة فسادهم لا كراهة انبعاثهم، هذا هو المراد في الأصل بدليل: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}، وعلى هذا فيكون «كره الله انبعاثهم» متمشياً مع تفسير أصحابنا، ويؤخذ من هنا أن الإرادة متقدمة على الفعل.
الآية 47
لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم لو خرجوا معكم لما كان في خروجهم أي فائدة لكم، بل إن خروجهم معكم يكون سبباً للفساد.
{وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} ولأسرعوا في إفساد ذات بينكم، والمراد بالخلال: هو المكان الذي يتسع بين الشيئين، أراد الله سبحانه وتعالى أنهم يستغلون أي فرصة للإفساد، فإذا رأوا مجموعة يتحدثون دخلوا بينهم يشككون عليهم، ويلقون الشبه والكلام الباطل، محاولين لإفسادهم بأي طريقة استطاعوا.
{يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} (1) يريدونكم أن تفتتنوا عن دينكم، وترجعوا إلى الكفر مثلهم.
{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} (2) فإذا خرجوا معكم سعوا في الإفساد فيما بينكم، وفيكم أيها المؤمنون من سيصغي إلى حديثهم ويفتتن به لضعف إيمانه.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 47} فهو عالم بمن هو منافق، ومن هو مؤمن، وعالم بما يصلحكم وما يفسدكم.

__________
(1) -سؤال: ما موضع جملة: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} من الإعراب؟
الجواب: موضع الجملة النصب على الحالية، وقد يصح أن تعرب مستأنفة لبيان العلة لما قبلها فلا يكون لها محل من الإعراب.
سؤال: الظاهر أن «يبغي» يتعدى لمفعول واحد بنفسه وبحرف الجر للمفعول الثاني، فكيف تعدى هنا بنفسه إلى المفعولين؟
الجواب: ضمن «يبغونكم الفتنة» معنى: يلبسونكم الفتنة، فتعدى إلى مفعولين، وقيل -كما في مفاتيح الغيب-: إن ابغني وابغ لي سواء؛ لذلك فيبغونكم ويبغون لكم سواء.
(2) -سؤال: هل الجملة: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ} حالية؟
الجواب: الجملة حالية من مفعول «يبغونكم» أو من فاعله.
الآية 48
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ
📝 التفسير:
{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ 48} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن حال هؤلاء الذين قعدوا عن الخروج، وأنهم ليسوا إلا أهل فتنة وفساد، وأنهم قد فعلوا ذلك فيما مضى من محاولة إبطال دعوتك، وطمس دينك، وزرع الفرقة بين المؤمنين، وقد اتخذوا شتى (1) الوسائل في إفساد أمرك، ولكن الله سبحانه وتعالى قد أظهر دينه على رغم أنوفهم وهم كارهون.
__________
(1) -سؤال: ما معنى تقليب الأمور؟ وكيف نفهم قربه من «اتخاذ شتى الوسائل»؟
الجواب: تقليب الأمور: هو البحث عن وسيلة يتوصلون بها لقتلك أو إبطال أمرك، وهو مأخوذ من تقليب الشيء للبحث عن شيء ضاع، فمرة تقلبه لظهره، وأخرى لبطنه ولجنبه، فلعل وعسى ... ؛ فما فسرنا به هو شرح وتوضيح لذلك.
الآية 49
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ 49} كثر المنافقون في المدينة، وذلك بعد أن انضم إليهم منافقو قريش بعد فتح مكة، وقد أصبح لهم كيان في المدينة، وصاروا أهل صولة وجولة، لولا تأييد الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بنصره لقضوا على الإسلام والمسلمين.
وفي هذه الآية أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن من المنافقين وهو الجد بن قيس من يعتذر إليه بأنه سيفتتن ببنات الروم إن هو خرج، فأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذا المعتذر بالفتنة قد سقط في الفتنة وقت اعتذاره هذا بمعصيته لله ورسوله في عدم الخروج.
{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ 49} وعيد من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المتخلفين بأنهم من أهل جهنم في جملة الكافرين.
الآية 50
إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ
📝 التفسير:
{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} إذا انتصرت وظفرت بعدوك وغنمت أموالهم استاء المنافقون من ذلك واغتموا.
{وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} إذا حصل عليك نكسة أو هزيمة وظفر العدو بكم وانتصر عليكم: {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} يقول المنافقون لكم: هذا ما كنا نتوقعه وقد حسبناه؛ فلذا لم نخرج معكم، وإنّ هذا الأمر قد تدبرناه، وتدبرنا عواقبه، ورأينا أن المصلحة في عدم الخروج.
{وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ 50} في عدم خروجهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن هذا كان من حسن التدبير والسياسة.
الآية 51
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجيب على المنافقين بأنه لن يصيبنا إلا ما قد كتبه الله لنا، فهو ولينا وناصرنا، ومعنى {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} هو: ما علم أنه سينالنا ويلحقنا إذا استجبنا لأمره في جهاد عدوه وعدو دينه، وقد علم المؤمنون أنه لا بد أن يلحقهم إذا جاهدوا وقاتلوا المشركين قتل وجرح فرضوا بذلك طمعاً في ثواب الله العظيم الذي وعده المجاهدين وباعوا نفوسهم من الله باختيارهم وإرادتهم، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ... } [التوبة:111]، فلا حجة في ذلك للمجبرة.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ 51} فقد توكلنا عليه، وفوضنا أمورنا إليه وخرجنا؛ فما لحقنا فهو شيء قد كتبه الله علينا لمصلحة يعلمها لنا.
الآية 52
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} كان المنافقون يقولون: إن الدين هذا ليس إلا رياحاً هبت وسرعان ما ستنجلي، يُصَبِّرُ بعضُهم بعضا بأن الدين هذا سيذهب وسينتهي، وما هو إلا عاصفة عصفت سرعان ما تنتهي، وسيرجع كل شيء إلى ما كان عليه.
وكانوا منتظرين متى ستأتي على المسلمين نكسة، وينتهي الدين، وينتهي الإسلام، ظانين أن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لن تتم أبداً، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم: لستم منتظرين لنا إلا إحدى اثنتين: إما أن نقتل في سبيل الله فنفوز عنده بالنعيم الدائم في جنات النعيم، وإما النصر والظفر بالعدو، وكل ذلك خصلة حسنة مرغوب فيها.
{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ 52} (1) وبأن يقول لهم: أما نحن فمنتظرون لكم أحد أمرين ينزلهما الله بكم: إما أن ينزل بكم ساخطة من السماء تهلككم، أو أن الله سبحانه وتعالى يسلطنا عليكم فنقتلكم، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه منتظرين لأمر الله في شأن المنافقين وقتالهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حتى مات، وذلك لأنهم كانوا يتسترون بالإسلام، ولم يظهروا كفرهم، وإذا ظهر منهم شيء ذهبوا يعتذرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وما دام الأمر كذلك ودين الله سبحانه وتعالى هو الظاهر فهذا هو المطلوب عند الله سبحانه وتعالى، فيعاملون معاملة المسلمين في التناكح والتوارث، ويقبرون في مقابر المسلمين، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي عليهم قبل أن يأمره الله سبحانه وتعالى بترك الصلاة عليهم، وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك مع عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وقد كفنه في ثوبه، وصلى عليه، ووقف على قبره إلى أن انتهى الدفن، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي تنهاه عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:84]، فلم يصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك على من ظهر نفاقه أو علم صلى الله عليه وآله وسلم أنه منافق، أما من خفي نفاقه ولم يعرفه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه، وفي الحديث: ((نحن نعمل بالظاهر)).
وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عبد الله بن أبي كان مكافأة له على معروف صنعه معه عندما أسر عمه العباس في غزوة بدر، وكان ضخم الجسم ولم يجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ثوباً ليكسيه إياه؛ فخلع عندها عبدالله بن أبي ثوبه وألبسه إياه، فلما مات عبدالله بن أبي كفنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثوبه مكافأة له، وليتألف ولده عبدالله بن عبد الله بن أبي لأنه كان من الصالحين، وليتألف قومه لأنهم إذا رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعامل كبيرهم هذه المعاملة الحسنة استجلبهم لطاعته وسلم من شرهم.
ففي هذا دليل على جواز معاملة المنافقين المعاملة الحسنة، وحسن الخلق معهم، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ذهب ليزور أناسا فصادف عبد الله بن أبي مع جماعته في جانب الطريق جالسين، فانعطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريقه إليهم؛ فسلم عليهم وقرأ عليهم شيئاً من القرآن، روى هذه القصة ابن إسحاق وهي في الروض الأنف، فهذا يدل على أنه يجوز معاملتهم المعاملة الطيبة، وأما أن يكون ذلك لأجل نفاقه أو فسقه ففي هذا معصية لله ولرسوله، وكذلك النصح له ومعاونته على ما هو عليه من النفاق فذلك لا يجوز.
__________
(1) - سؤال: ما هو المعنى اللائق لصيغة الأمر: «فتربصوا»؟
الجواب: أي: انتظروا مجيء وقت. أفاده الراغب الأصفهاني. أي: انتظروا إنا منتظرون.
الآية 53
قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ 53} (1) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المنافقين بأن الله سبحانه وتعالى لن يقبل منهم نفقاتهم من الزكاة أو غيرها.
__________
(1) -سؤال: هل في الآية دليل قوي على الإحباط حين عللها بالفسق؟
الجواب: نعم فيها دليل على أن الفسق محبط للأعمال الصالحة، والمراد بالفسق ما توعد الله عليه بنار جهنم كالكفر، والنفاق، وقتل النفس المحرمة، والفرار من الزحف، والزنا، والربا، وموالاة أعداء الله، ومعاداة أولياء الله، ونحو ذلك مما توعد الله عليه بالنار، أو عَظَّمَ أمرَهُ في القرآن.
(
الآية 54
وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ 54} (2)
فهذا هو الذي منع من قبول نفقاتهم، وهو كفرهم بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك إذا قاموا للصلاة فقيامهم ليس لأجل إرضاء الله سبحانه وتعالى، وإنما لأجل أن ينافقوا بها، وكذلك لا يخرجون الزكاة عن طيب خاطر وقناعة بوجوبها عليهم، وإنما يؤدونها على كراهة منهم، وليتظاهروا بالإسلام؛ لأنهم إن رفضوا ذلك وامتنعوا عن الصلاة والزكاة- قتلهم المسلمون، وصار لهم حكم الكفار وهم لا يريدون ذلك؛ لأنه لا يؤديها بطيبة نفس إلا من هو راج لثوابها والجزاء عليها وهم المؤمنون، وأما هم فليسوا كذلك.

__________

(2) -سؤال: ما إعراب المصدر: {أَنْ تُقْبَلَ}؟ وأين فاعل: {مَنَعَهُمْ}؟ وما محل جملة: {وَهُمْ كُسَالَى}؟
الجواب: «أن تقبل» في محل جر بـ «من» مقدرة، وفاعل «منعهم» المصدر الواقع بعد «إلا»، وجملة «وهم كسالى» في محل نصب حال من فاعل يأتون.
سؤال: يقال: هل يدخل المسلم في هذا الوعيد عندما يقوم لبعض صلاته وهو كسول عنها، أو يحس من نفسه بتعب وسأم عنها لولا خشية العقوبة لتركها؟

الجواب: لا يدخل المؤمن في ذلك الذم والوعيد ولو قام إلى الصلاة وفيه فتور وسأم وتعب وهم من الوضوء والصلاة فما شيء من طاعة الله إلا ويأتي في كره، وحفت الجنة بالمكاره، وسمي التكليف تكليفاً لما فيه من المشقة والتعب، وذكر الله المؤمنين في قوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى 40 فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 41} [النازعات]، أما المنافقون فقد بين الله تعالى الوجه في كسلهم بقوله في آية النساء: {يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 142} [النساء]، فالمنافق يصلي من أجل أن يراه الناس، ولا يذكرون الله إلا بألسنتهم أمام الناس بخلاف المؤمن فذكر الله على لسانه وقلبه فيندفع إلى طاعة الله بزاجر من ذكر الله المتمكن في قلبه فيطيع الله في سره وعلانيته وفي جميع أحواله في حال الصحة وحال المرض وحال الراحة والتعب و .. إلخ، والمنافق لا يأتي الطاعة إلا أمام الناس فمن هنا لا يدخل المؤمن فيما ذكر.
الآية 55
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
📝 التفسير:
{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} كان المنافقون أهل أموال طائلة وأهل غنى وتجارات واسعة، فنهى الله تعالى المؤمنين عن أن يستعظموا كثرة أموال المنافقين وكثرة أولادهم؛ لأن أموالهم هذه ليست إلا وبالاً عليهم في الدنيا لما يلحقهم من العناء والتعب عليها، وفي الحقيقة ليست إلا عذاباً وتنغيصاً عليهم في معيشتهم، وما هم فيه من الغنى ليس لكرامتهم عند الله سبحانه وتعالى، وإنما هو فتنة لهم، وعذاب يعذبهم الله به في الدنيا والآخرة.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ 55} والله سبحانه وتعالى يريد أن يعذبهم بها في حياتهم الدنيا بما يلحقهم عليها من التعب والعناء في المحافظة عليها وتنميتها وحراستها والسهر على حفظها، وما يتبع ذلك من الهم والغم والضيق والضنك و ... إلخ.
{وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ 55} تكون الدنيا شغلهم الشاغل حتى يأتي عليهم الموت، وهم على هذه الحالة- فيموتوا وهم كافرون.
الآية 56
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
📝 التفسير:
{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} يحلفون الأيمان الكاذبة أنهم مسلمون، {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ 56} فإظهارهم للإسلام وتظاهرهم به ليس إلا جبناً وخوفاً على أنفسهم من القتل.
الآية 57
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
📝 التفسير:
{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا (1) لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ 57} لو يجدون مكاناً يفرون إليه أو مغارات يدخلون فيها حتى لا ترونهم أو مكاناً يدخلونه لهربوا منكم إليه- ليظهروا كفرهم ونفاقهم فيه، وليفصحوا عما في قلوبهم، ولكنهم لم يجدوا ذلك حتى يفروا إليه.
وقوله: {وَهُمْ يَجْمَحُونَ 57} يعني: يسرعون سرعة يتساقطون معها من شدة الجري.
__________
(1) -سؤال: مم أخذ قوله: {مُدَّخَلًا}؟
الجواب: «مدَّخلاً» اسم مكان من «ادَّخل» الخماسي، على وزن (مُفْتَعَل) بضم الميم وفتح العين.
الآية 58
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} أي ومن المنافقين من يعيب ويطعن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أخذه للزكاة، {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ 58} إن أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الزكاة ارتاحوا إليه ومدحوه، وإن لم يعطهم منها، فإنهم يسبونه ويتنقصونه ويستهزؤون بالدين وبالمؤمنين.
الآية 59
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ (2) سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ 59} لو كانوا مثل المؤمنين المخلصين في إيمانهم إن أعطاهم الله سبحانه وتعالى شيئاً قبلوه وهم راضون قل أم كثر، وقنعوا بذلك، وبما قسم الله سبحانه وتعالى لهم، وكذلك لا يسخطون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن منعهم.
(2) -سؤال: ما معنى: {حَسْبُنَا اللَّهُ}؟
الجواب: «حسب» مصدر بمعنى اسم الفاعل أي: محسبنا الله، أي: كافينا الله.
الآية 60
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 60} (3)
أخبر الله سبحانه وتعالى المنافقين أن الصدقة ليست إلا لهؤلاء الأصناف خاصة بهم؛ فلا يصح أن يعطيكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها وأنتم أغنياء.
وهذه الصدقة حق واجب قد فرضها الله سبحانه وتعالى لهؤلاء في أموال الأغنياء، وقد فرضها الله سبحانه وتعالى لهؤلاء بعلمه وحكمته، ولمصلحة جعلها فيهم، وقد ذكر الله تعالى هنا المصارف وعددها ثمانية:
1 - الفقراء: والفقير في الشرع هو الذي لا يملك نصاباً زكوياً، والنصاب الزكوي الذي إذا ملكه المرء حرمت عليه الزكاة هو ستة عشر قرشاً فرانسي إلا ربع قرش تقريباً، ومن الذهب تسعة وستون جراماً إلا ثلث جرام، ومن الذرة أو الشعير أو البر سبعة وثلاثون قدحاً صعدياً ونصف قدح، ومن الغنم أربعون من الضأن أو من الماعز أو من كليهما، ومن البقر ثلاثون، ومن الإبل خمس؛ فمن ملك القدر الذي ذكرنا من أي نوع مما عددنا فلا تجوز له الزكاة ولا يحل له أخذها، أو ملك من أموال التجارة ما تساوي قيمته نصاباً مما عددنا، أو ملك شيئاً قيمته نصاب مما عددنا، إلا ما استثني، والذي يستثنى للفقير: بيت على قدر حاجته هو ومن يعيله، ويكون على حسب ما يليق به، ففي صنعاء تبنى البيوت بالحجارة والياجور، وفي صعدة بالطين والإسمنت، وفي البدو بالخيام و .. إلخ، ويلحق بالبيت أثاثه وما لا بد منه، فإذا كان البيت كبيراً زائداً على قدر حاجته، أو كان زائداً في نفاسته وصناعته على بيوت الفقراء، فلا تحل له الزكاة؛ لأنه حينئذ غني بالزيادة، ويستثنى للفقير سلاحه الشخصي: بندق، وجنبية، وكمية من المونة (الرصاص)، وعدد من القنابل اليدوية، ويستثنى له مركوب يليق به ويكون على قدر حاجته إما سيارة غمارة أو غمارتين أو دباب، أو حمار، وإذا كان طالب علم فيستثنى له من الكتب ما يحتاجه للدرس والتدريس والمراجعة.
- والمسكين: هو أسوأ حالاً من الفقير، فالذي لا يملك بيتاً ولا مركوباً ولا سلاحاً ولا شيئاً مما ذكرنا يسمى مسكيناً، ويستثنى أيضاً للفقير الجوال؛ لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.
3 - والعاملون على جمع الزكاة من أرباب الأموال هم أحد مصارف الزكاة، ويشترط أن يكونوا فقراء، وإلا فلا يعطون منها، وتعطى أجورهم من غيرها، وهذا المصرف (العاملين عليها) أمرهم إلى ولاة المسلمين، فهم الذين يوظفونهم لجمع الزكاة، ويعطونهم منها أو من غيرها.
4 - والمؤلفة قلوبهم: هم الشخصيات المؤثرة في المجتمع، فقد أذن الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيهم سهماً من الزكاة؛ ليجرهم بها إلى الدخول في الإسلام، أو ليسلم شرهم وشر أتباعهم، وهذا المصرف أيضاً أمره إلى الولاة وليس إلى الرعايا.
5 - وفي الرقاب: والمراد العبيد الذين اتفقوا مع مواليهم على أن يدفعوا قدراً من المال مقسطاً على أقساط في كل وقت قسط، فإذا أوفوا بآخر قسط عتقوا وخرجوا من العبودية إلى الحرية، فهؤلاء أحد مصارف الزكاة؛ فيعطون منها لفك رقابهم، وهذا المصرف لا يوجد اليوم.
6 - والغارمين: هم الذين تحملوا الديون في غير معصية الله، أو قد تابوا وأنابوا وأصلحوا، فيعانون على قضاء ديونهم من الزكاة، ويصح أن يصرف في الغارم دفعة واحدة ما يسدد دينه ولو كثر وزاد على النصاب، فإذا كان على الفقير مليون أو نصف مليون ريال فيصح أن يعطى ذلك دفعة واحدة لسداد دينه، ثم إذا سدد يعطى أقل من النصاب لحاجاته وسداد خلته.
7 - وفي سبيل الله: وسبيل الله على المذهب المقرر هو مصالح المسلمين العامة، مثل الجهاد والمساجد والمدارس الدينية والإرشاد ونشر العلم وإصلاح الطرقات، وما أشبه ذلك من المصالح العامة للمسلمين، وإذا كان الفقراء محتاجين فيقدمون على سبيل الله، فلا يصرف في سبيل الله إلا بعد استغناء الفقراء والمساكين في بلد الصرف.
8 - وابن السبيل: هو المسافر الذي نفذت نفقته ولم يجد ما يستنفقه في سفره فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً في بلده، ويعطى من الزكاة ما يبلغه إلى بلده.
__________

(3) -سؤال: علام نصب قوله: {فَرِيضَةً}؟

الجواب: نصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأن معنى الجملة أن الله تعالى فرض الزكاة للأصناف المذكورة.