القرآن الكريم مع التفسير

سورة هود

آية
إجمالي الآيات: 123 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ
📝 التفسير:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أرسل إلى قبيلة ثمود نبياً منهم واسمه صالح.
{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (1) أرسله الله سبحانه وتعالى إليهم ليأمرهم بعبادته وحده، وترك عبادة الأصنام؛ لأنه الإله الحق الذي يستحق العبادة.
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} يذكِّرُهم نبي الله صالح عليه السلام بالدليل على أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق وأنه الذي يستحق العبادة وحده، وهو أنه الذي خلقهم من طين (2)، وابتدأ إنشاءهم من العدم.
{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} وهو الذي سخر لكم الأرض وهيأها لكم لتعمروها وتسكنوا عليها، وتعيشوا على ظهرها.
{فَاسْتَغْفِرُوهُ (3) ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فاتركوا عبادة الأصنام، وارجعوا إليه، واطلبوا منه المغفرة والرحمة على ما سلف منكم.
{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ 61} إذا طلبتم منه المعفرة فهو قريب ممن ناداه ومستجيب لمن دعاه.

__________

(1) -سؤال: يقال: ما الوجه في رفع كلمة: {غَيْرُهُ}؟
الجواب: الوجه أنها رفعت على البدلية من محل المجرور.

(2) -سؤال: هل المراد بخلقهم من الطين ابتداء خلق أبيهم آدم أم أنه يشمل المخاطبين أنفسهم؟
الجواب: المراد ابتداء خلق أبيهم آدم عليه السلام من الطين، أما ذرية آدم فمن نطفة من ماء مهين، ولكن لما كان أبو البشر مخلوقاً من الطين صح أن يخاطبوا جميعاً بأنهم خلقوا من طين.
(3) -سؤال: فضلاً ما معنى الفاء في قوله: {فَاسْتَغْفِرُوهُ}؟
الجواب: الفاء هي الفصيحة.
الآية 62
قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} يخاطبونه بأنهم كانوا يؤملون فيه الصلاح والخير حتى رأوا منه ما رأوا من ادِّعاء النبوة فخابت آمالهم فيه، وذلك أنهم كانوا قبل ذلك يرون فيه الصدق والوفاء والأمانة حتى حصل ما حصل من ادعائه النبوة، ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده فتغيرت نظرتهم نحوه، وصار من المفسدين في زعمهم.
{أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ (3) مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} استنكروا عليه كيف ينهاهم عن عبادة الأصنام التي هي دين آبائهم وأجدادهم.
{وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 62} (4)ونحن في شك من دعوتك، ومرتابون في صدقها، يزين لهم الشيطان ذلك، وأنهم على الصواب، وأن صالحاً على الباطل.

__________

(3) -سؤال: فضلاً ما محل المصدر: {أَنْ نَعْبُدَ} الإعرابي؟
الجواب: موضعه الجر بحرف جر مقدر، أو النصب بنزع الخافض.
(4) -سؤال: هل قوله: {مُرِيبٍ 62} صفة لـ {شَكٍّ}؟ وكيف يكون المعنى عليه؟

الجواب: «مريب» صفة لـ «شك»، والمعنى: إنا لفي شك لا ندري ولا نعرف ما تقول، فإنه موجب -أي: الشك- للريب وسوء الظن وقلق النفس.
الآية 63
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
📝 التفسير:
{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} أخبروني يا قومي كيف يكون حالي إذا كنت على بينة فيما كلفني به ربي من تبليغ رسالته حيث اختارني برحمته لتبليغها إليكم ثم تمردت عليه وتركت تبليغها فمن هو الذي يدفع عني عذابه.
{فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ 63} (1) فما أزداد إلا يأساً من تكذيبكم وحسرة لعدم إيمانكم واستجابتكم.
__________
(1) -سؤال: وهل يصح أن تحمل الآية أنهم لا يزيدونه إلا خسارة وضياعاً إن عصى ربه أم لا؟
الجواب: ظاهر الآية أن ثمود زادوا نبيهم صالحاً تخسيراً، فالتخسير واقع على نبي الله صالح _، والتخسير الواقع عليه من قومه: هو أن دعوته لم تؤثر فيهم ولم ينتفعوا بها فكأنهم ضيعوا دعوته ومواعظه لهم.
الآية 64
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ
📝 التفسير:
{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} (2) آية دالة على صدق نبوتي، وذلك أنه أخرج لهم ناقة من الجبل؛ لأنهم كانوا قد سألوه فقالوا: إن كنت صادقاً فأخرج لنا من هذا الجبل ناقة نراها أمام أعيننا، فإن فعلت ذلك صدقناك واتبعناك.
{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ 64} وعندما خرجت هذه الناقة أخبرهم أن لها يوماً ويوماً لهم في الشرب والمرعى، وجعل لها حصة مثل حصتهم جميعاً مما يدل على كبر حجمها وعظمها، وقد قيل: إنها كانت تسقيهم جميعاً ما يكفيهم من لبنها، وأمرهم بأن يتركوها ترعى (1)، ولا يعترضوا لها أو يمنعوها أو يمسوها بسوء؛ فإن فعلوا فسيعذبهم الله سبحانه وتعالى.

__________

(2) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {لَكُمْ آيَةً}؟ وما الوجه في انتصاب {آيَةً}؟
الجواب: «لكم» خبر ثان أو حال، وآية: حال، وكلاهما من ناقة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل.

(1) -سؤال: هل الإباحة لأكل هذه الناقة في جميع المأكولات لها ولو من أملاكهم الخاصة أم المراد من المراعي التي خارج أملاكهم ومزارعهم؟
الجواب: المراد المراعي التي خارج أملاكهم الخاصة ومزارعهم لظاهر قوله: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ}.
الآية 65
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
📝 التفسير:
{فَعَقَرُوهَا} فتمردوا على الله وعصوا نبيهم عليه السلام فقتلوها.
{فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ 65} أخبرهم نبيهم صالح عليه السلام أنه لم يبق لهم إلا ثلاثة أيام يعيشون فيها على الدنيا ثم ينزل عليهم عذاب الله سبحانه وتعالى جزاءً على عصيانهم وتمردهم، وأخبرهم أن هذا وعد من الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يقع.
الآية 66
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (2)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ 66} ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل بهم عذابه كما وعدهم، ونجى صالحاً ومن آمن معه، وقد عذبهم الله سبحانه وتعالى بالصاعقة (1) نزلت عليهم من السماء فصعقتهم جميعاً، وكان صالح بينهم، ولكن الله نجاه وحفظه هو ومن آمن معه.
__________

(2) - سؤال: هل المراد باليوم من قوله: {يَوْمِئِذٍ} يوم نزول العذاب بقومه، فما فائدة دخول الواو في قوله: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أم المراد به يوم القيامة، وضحوا ذلك حفظكم الله؟

الجواب: المراد بـ «يومئد» يوم نزول العذاب، والمعنى: أن الله تعالى جعل صالحاً وأتباعه يوم نزول العذاب في منجاة أي: في مكان نجاة لا يلحقهم فيه العذاب، وجعلهم في منجاة نعمة من الله عليهم، وسلامتهم من العذاب نعمة أخرى، فيتوجه عليهم شكر النعمتين، الشكر على أن يسر الله تعالى لهم مكاناً آمناً، والشكر على سلامتهم من الخزي اللاحق بقومهم.

(1) - سؤال: هل المراد بالصاعقة الصواعق المعروفة عند نزول المطر؟ أم أنها صوت فقط كما هو ظاهر الصيحة؟
الجواب: المراد أن الله تعالى أهلكهم بصوت عظيم لم تتحمله قواهم البدنية لشدته وقوته، وقد سماه الله تعالى هنا صيحة، وسماه في «فصلت» صاعقة: {فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ 13}، وهكذا في سورة الذاريات؟ {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ 44}.
الآية 67
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
📝 التفسير:
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ 67} فما أصبح الصباح إلا وهم جاثمون على وجوههم أمواتاً.
الآية 68
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ
📝 التفسير:
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} (2) أصبحت بلادهم بعدما أخذتهم الصيحة خالية من السكان بعد أن كانت مأهولة بقوم صالح عليه السلام.
{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ 68} أخبر الله سبحانه وتعالى بالسبب في نزول عذابه وسخطه بهم، وذلك هو كفرهم بربهم وعصيانهم وتكذيبهم لنبيهم صالح عليه السلام فأبعدهم الله وأزهق أرواحهم بعذابه.
__________

(2) -سؤال: لو تكرمتم بإعراب: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} وقوله: {أَلَا بُعْدًا}؟
الجواب: «كأن» مخففة من الثقيلة يجوز إهمالها وإعمالها، واسمها ضمير الشأن، وجملة: {لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} خبرها. {أَلَا بُعْدًا} ألا: أداة استفتاح وتنبيه، و «بعداً» مصدر منصوب بفعل محذوف أي: بعدوا بعداً.
الآية 69
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} ثم انتقل الله سبحانه وتعالى إلى حكاية قصة إبراهيم لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أخبره الله سبحانه وتعالى بأنه قد أرسل إلى نبيه إبراهيم عليه السلام الملائكة يبشرونه بمولود سيولد له يكون نبياً.
{قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} (1) دخلوا عليه فسلموا فرد عليهم السلام.
{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ (2) بِعِجْلٍ حَنِيذٍ 69} (3) خرج من عندهم ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل إليهم بذبيحة محنوذة ليأكلوا، وهذه هي عادة الكرام عند إقبال الغريب عليهم.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم أخبرونا أي التسليمين أبلغ ولماذا؟
الجواب: تسليم إبراهيم عليه السلام أبلغ من تسليم الملائكة عليهم السلام، وذلك لأن تسليم الملائكة كان بالجملة الفعلية، وتسليم إبراهيم كان بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والدوام بخلاف الفعلية، والتقدير: قالوا نسلم سلاماً، قال: سلام عليكم.
(2) -سؤال: فضلاً ما محل: {أَنْ جَاءَ ... } الإعرابي؟
الجواب: محله الجر بـ «في» محذوفة، أو النصب بنزع الخافض.
(3) - سؤال: هل لاختيار إبراهيم عليه السلام للعجل دون غيره من الأنعام سر وحكمة، فما هي؟
الجواب: لعل اختياره عليه السلام للعجل لكونه أكثر لحماً من الكبش أو التيس، ولحم الذكر أحسن من لحم الأنثى.

الآية 70
فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} (4) استنكر عليهم عندما رآهم لا يأكلون.
{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} (5)خاف عندما رأى منهم ذلك، وعلم في نفسه أنهم ملائكة، وأنهم قد جاءوا لأمر جلل، إما للعذاب أو نحوه، وكان هذا هو سبب خوفه.
{قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ 70} طمأنوه بأنهم لم يريدوا منه ولا من قومه غرضاً، وأنهم مرسلون إلى قوم لوط ليعذبوهم.

__________

(4) -سؤال: هل الفعل «نَكِرَ» مثل «استنكر»؟ وما هو السر في استخدامه دون الثاني؟
الجواب: قالوا: إن نكر وأنكر واستنكر بمعنى، ولعل اختيار «نكر» هنا لقلة حروفه أي لكونه أوجز.
(5) -سؤال: هل معنى أوجس: أحس، ولماذا قال: {خِيفَةً} دون: خوفاً؟

الجواب: أوجس بمعنى أحس أو أدرك. وقال خيفة دون خوفاً لأنه أراد نوعاً من الخوف.
الآية 71
وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ
📝 التفسير:
{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} كانت قريبة منهم وتسمع محاورتهم، وتبشير إبراهيم بمولود فاستبشرت (1) وضحكت مما سمعت.
وقد قيل: إن معنى ضحكت حاضت، وأنها علامة على أنها ستحمل وتلد؛ لأنها كانت قد أسنت وكبرت، وقد انقطع حيضها.
{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71} أخبروها بمولود سيكون نبياً واسمه إسحاق، وأنه سيولد لإسحاق نبي أيضاً واسمه يعقوب.
هذه هي البشرى التي بشروا بها نبي الله إبراهيم عليه السلام حين جاءوا إليه وهم في طريقهم إلى قرى قوم لوط ليستأصلوهم.
وكان مولد إسماعيل قبل إسحاق، وذلك أن إسماعيل بعد مولده هاجر به أبوه إبراهيم مع أمه إلى مكة بأمر من الله سبحانه وتعالى ليعيشوا هنالك، وبعدما عاد إلى الشام ولد له إسحاق.
وقد سكن إسماعيل في مكة مع أمه واستوطن فيها، وكانت أرض قفر لا ماء فيها ولا حياة، ولم يكن معهما إلا الله سبحانه وتعالى برعايته، ولم تكن الكعبة قد عمرت وبنيت، وإنما كان مكانها أحجار مطروحة كعلامة عليها.

__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر قوله «فبشرناها» أن الضحك قبل التبشير لدلالة الفاء، فكيف؟
الجواب: قال تعالى في سورة الذاريات: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ 28 فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ 29}، وفي سورة الحجر: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ 53}؛ لذلك يحمل التبشير لها في هذه الآية بعد تبشيرهم لإبراهيم عليه السلام الذي كانت قد سمعته، إلا أنهم لم يكتفوا بذلك بل قدموا لها البشرى خاصة، والله أعلم.
الآية 72
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
📝 التفسير:
{قَالَتْ يَاوَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72} قالت قولها ذلك وهي متعجبة (1) كيف تلد وقد شاخت هي وزوجها، وقد تجاوزت سن الحمل والولادة.
__________
(1) -سؤال: قد يقال: إنها ضحكت مستبشرة لهذه البشرى فكيف قالت: {يَاوَيْلَتَى}؟
الجواب: كان ضحكها للاستبشار والتعجب، فلا تنافي إذا تعجبت واستغربت وتساءلت كيف تلد وهي عجوز لا يلد مثلها وزوجها شيخ كبير، وتساؤلها هذا كتساؤل نبي الله زكريا عليه السلام: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا 8} [مريم]، قال هذا بعد أن سأل الله تعالى أن يرزقه ولداً، وبعد أن بشره الله بولد اسمه يحيى.
الآية 73
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ
📝 التفسير:
{قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} استنكرت الملائكة عليها حين تعجبت وهي تعلم أن الله على كل شيء قدير.
{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ 73} سيدخلكم الله سبحانه وتعالى في رحمته (2) وسيبارك في ذرياتكم بأولاد أنبياء ينتفع الناس بهم، وسيؤتيكم الله سبحانه وتعالى الكتاب والحكمة والعلم.
وسمي الحميد (3) لأنه ينعم على الناس نعماً يستحق أن يحمد عليها، والمجيد المراد به أنه ذو رفعة وعلو.
__________

(2) -سؤال: يقال: من أين نفهم أن قولهم: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ... } وعد بأنه سيدخلهم في رحمته وسيبارك .. إلخ؟
الجواب: نفهم ذلك من الجملة الاسمية: {رَحْمَةُ اللَّهِ ... } الدالة على الثبوت والدوام.
(3) -سؤال: يقال: هل تقصدون أن {حَمِيدٌ مَجِيدٌ 73} فعيل بمعنى مفعول؟
الجواب: هما صفتان مشبهتان دالتان على الثبوت بمعنى مفعول.
الآية 74
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} لما زال عنه الخوف من الرسل الذين أقبلوا عليه، وبعد أن بشروه.
{يُجَادِلُنَا (1) فِي قَوْمِ لُوطٍ 74} بعد ذلك وبعد أن اطمأن أقبل إلى الملائكة يحاورهم في شأن قوم لوط، ويراجعهم في أن يمهلوهم لعلهم يهتدون، ويرجعوا إلى صوابهم ورشدهم.
__________
(1) -سؤال: هل لمجيء جواب «لما» بالمضارع {يُجَادِلُنَا} حكمة؟ أم لا؟ مع أن المعتاد فيه أن يجيء بالفعل الماضي؟
الجواب: التقدير: أقبل يجادلنا، فجملة «يجادلنا» في موضع نصب على الحالية.
الآية 75
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ 75} لأنه كان من أهل الأناءة والتروي وعدم استعجال الأمور، والأواه هو كثير التأوه من خشية الله سبحانه وتعالى، والمنيب الراجع إلى الله سبحانه وتعالى.
الآية 76
يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
📝 التفسير:
{يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} لا تراجعنا في شأن قوم لوط.
{إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ 76} (2) فقد أراد الله سبحانه وتعالى تعذيبهم، ولا راد لأمره وقضائه.
__________

(2) -سؤال: يقال: هل في هذه الآية: {قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} وفي قول صالح: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [هود:65]، دليل على تَقَدُّم إرادة الله تعالى لتعذيبهم على مراده وهو تعذيبهم فتكون دليلاً لمن قال: إن الإرادة هي علمه باشتمال الفعل على الحكمة والمصلحة؟
الجواب: نعم في ذلك دليل واضح على تقدم إرادة الله وقضائه بتعذيبهم، هذا والقول بأن إرادة الله تعالى هي علمه بما تقضي به الحكمة والمصلحة من تدبير شؤون مخلوقاته من الإحياء والإماتة والإنعام والابتلاء و .. إلخ هو قول صحيح راجح لا يلزم منه نقص في عظمة الخالق وكماله وجلاله، وعلم الله تعالى ذاتي ليس بمكتسب ولا بآلة، فهو جل وعلا عالم في الأزل، وعلمه ذاته، فلا اعتراض على من يقول: إن إرادة الله تعالى قديمة بهذا المعنى الذي ذكرناه.
الآية 77
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا} بعد أن خرجت الملائكة من عند إبراهيم توجهت نحو قرى قوم لوط، ودخلت على لوط في هيئة الضيوف.
{سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ (1) بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ 77} استاء من مجيئهم، وخاف عليهم من قومه أن يعلموا بهم فيأتوا مريدين للفاحشة بهم؛ لأن هذا كان طبعهم فيمن أقبل إليهم.
__________
(1) -سؤال: هل قولهم: «ضاق به ذرعاً» كناية عن ضعف القوة والطاقة أم عن الضجر والقلق؟ وما أصل هذا التعبير؟
الجواب: هو عبارة عن ضعف القوة والطاقة، وقالوا: إن أصل ذلك البعير إذا حملوه أكثر من طاقته تقاصر ذرعه أي صغرت خطوته وضاقت فاستعملوا ذلك في ضيق الوسع والطاقة.
الآية 78
وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ
📝 التفسير:
{وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} (2) وفعلاً فعندما عرفوا بأمر الوافدين على نبي الله لوط عليه السلام- أقبلوا نحوه جرياً من شدة الفرح مريدين للفاحشة.
ومعنى يهرعون: يسرعون في الجري، يسقطون ويقومون من شدة الجري.
{وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} وكانوا على الفاحشة من قبل مجيئهم يعملونها فيما بينهم، ولا ينفكون عنها.
{قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} (3) وقف في وجوههم محاولاً لصدهم عن ضيوفه بشتى الوسائل، ويعدهم بأنه سيزوجهم (4)بناته؛ ليذهبوا فلا يفضحوه في ضيوفه.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} واتركوهم ولا تفضحوني في ضيوفي؛ لأن ذلك عيب على المضيف إن أصاب ضيفه مكروه وهو في بيته ولا يدافع عنه، وسيكون ذلك خزيا عليه، وهكذا في كل زمان من اعتدى على ضيفك فكأنه اعتدى عليك.
{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ 78} فهل فيكم رجل ذو عقل يكفيني ما أجد، ويقدر موقفي هذا.

__________

(2) -سؤال: هل لاستخدام {يُهْرَعُونَ} مغير صيغة نكتة فما هي؟
الجواب: لذلك نكتة هي أن شيئاً دفعهم إلى لوط عليه السلام وحملهم على الإسراع إليه، وذلك هو خبثهم وولعهم بالفواحش التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.
(3) - سؤال: فضلاً ما موضع جملة: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} الإعرابي؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً، أي: واقعة في جواب سؤال مقدر.
(4) - سؤال: من أين نفهم أنه إنما وعدهم بأنه سيزوجهم بهن؟

الجواب: الذي أوجب حمل ما ذكر على تزويجهم أن لوطاً عليه السلام هو نبي الله ورسوله، وأنبياء الله ورسله معصومون عن فعل ما يسخط الله، وعرض بناته للفاحشة من المعاصي الموجبة لسخط الله؛ فلزم لذلك أنه عليه السلام إنما عرض على قومه ما يجوز فعله وما ليس فيه معصية لله تعالى.
الآية 79
قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
📝 التفسير:
{قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ (1) وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ 79} وقد رفضوا توسل نبي الله لوط إليهم وهم مصرون على فعل الفاحشة غير مبالين به وبتوسله إليهم، وكان ضيوفه هؤلاء جبريل وميكائيل وإسرافيل.
__________
(1) -سؤال: ما هو الحق الذي نفوه في بناته عليه السلام؟
الجواب: الحق كناية عن الحاجة أي: ما لنا في بناتك من حاجة، هذا الوجه أحسن ما قيل في تفسير الحق، والله أعلم.
الآية 80
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ
📝 التفسير:
{قَالَ لَوْ (2) أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ 80} (3) يتحسر ويتندم على عدم استطاعته ردهم ودفعهم عن ضيوفه، ويتمنى أنه لو كان له أنصار يدفعون عنه شر هؤلاء القوم، أو أن له حصناً يأوي إليه، ويختفي منهم.
__________

(2) - سؤال: أين جواب الشرط «لو» في الآية؟
الجواب: «لو» في الآية للتمني والتحسر والتحزن وليست للشرط، ويقدر الفعل بعدها، و «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل.
(3) -سؤال: يقال: هل في هذه الآية دليل على سقوط النهي عن المنكر عند عدم الأنصار الكافين للنهي عنه؟ ومن أين؟ أم لا؟
الجواب: قد أنكر لوط عليه السلام بلسانه، وتحسر وتحزن حين لم يجد من ينصره لدفع المنكر بيده، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فإذا لم يجد المؤمن من يعينه على إزالة المنكر الذي لا يزول إلا بالتعاون فإنه يسقط عنه إزالة المنكر وليس مكلفاً بإزالته، وتحسر لوط عليه السلام لعدم وجود الشرط المشروط في إزالة المنكر.