القرآن الكريم مع التفسير
سورة الحج
آية
الآية 61
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ (4)بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ 61} ثم انتقل الله سبحانه وتعالى إلى تبيين قدرته، فذكر ما يبينها بما نراه ونشاهده من الآثار الدالة على ذلك من إدخال الليل في النهار، وكذلك العكس، فتارة يكون النهار أطول من الليل، ثم إنه يتناقص بعد ذلك وتدخل بعض ساعاته في الليل، وهذه من الآيات المشاهدة عياناً فلا تحتاج إلى كثرة التدبر والتأمل لمعرفة ذلك.
والسميع هو الذي يعلم جميع المسموعات فلا يخفى عليه شيء منها ولا يغيب عن علمه شيء منها، والبصير هو الذي لا يخفى عليه شيء من المبصرات أو يغيب عن علمه شيء منها.
__________
(4) - سؤال: إلام الإشارة بـ «ذلك»؟ وهل بينها فرق هي والتي في الآية قبلها؟
الجواب: قد تقدم ما يفيد عن ذلك الاستفسار [تحت الآية 30]، وبإعرابهما قد يتبين الفرق ففي قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ} ذلك: مبتدأ، بأن الله: خبر، والباء سببية. و «ذلك» في قوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} هي مبتدأ والخبر محذوف.
{ذَلِكَ (4)بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ 61} ثم انتقل الله سبحانه وتعالى إلى تبيين قدرته، فذكر ما يبينها بما نراه ونشاهده من الآثار الدالة على ذلك من إدخال الليل في النهار، وكذلك العكس، فتارة يكون النهار أطول من الليل، ثم إنه يتناقص بعد ذلك وتدخل بعض ساعاته في الليل، وهذه من الآيات المشاهدة عياناً فلا تحتاج إلى كثرة التدبر والتأمل لمعرفة ذلك.
والسميع هو الذي يعلم جميع المسموعات فلا يخفى عليه شيء منها ولا يغيب عن علمه شيء منها، والبصير هو الذي لا يخفى عليه شيء من المبصرات أو يغيب عن علمه شيء منها.
__________
(4) - سؤال: إلام الإشارة بـ «ذلك»؟ وهل بينها فرق هي والتي في الآية قبلها؟
الجواب: قد تقدم ما يفيد عن ذلك الاستفسار [تحت الآية 30]، وبإعرابهما قد يتبين الفرق ففي قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ} ذلك: مبتدأ، بأن الله: خبر، والباء سببية. و «ذلك» في قوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} هي مبتدأ والخبر محذوف.
الآية 62
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} فعندما نرى آثار قدرته سنعرف أنه الإله الحق الذي يستحق العبودية وحده.
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} وأن تلك الآلهة التي يعبدونها من دونه لا حظ لها ولا نصيب في شيء من صفات الإلهية فلا قدرة ولا علم ولا حياة ولا سمع ولا بصر فعبادتها باطلة وعُبَّادُها مبطلون.
{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ 62} وأنه وحده الإله الذي تعالى عن مشابهة المخلوقين، فلا قدرة أو عظمة أو سلطان فوق قدرته وقوته وعظمته وسلطانه وليس له مماثل ولا مشابه.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} فعندما نرى آثار قدرته سنعرف أنه الإله الحق الذي يستحق العبودية وحده.
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} وأن تلك الآلهة التي يعبدونها من دونه لا حظ لها ولا نصيب في شيء من صفات الإلهية فلا قدرة ولا علم ولا حياة ولا سمع ولا بصر فعبادتها باطلة وعُبَّادُها مبطلون.
{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ 62} وأنه وحده الإله الذي تعالى عن مشابهة المخلوقين، فلا قدرة أو عظمة أو سلطان فوق قدرته وقوته وعظمته وسلطانه وليس له مماثل ولا مشابه.
الآية 63
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} ألم تنظر وتشاهد أيها المخاطب أو أيها النبي آثار قدرة الله تعالى من إنزال المطر من السحاب الذي يتكون ويجتمع أمام عينيك بعد أن لم يكن، فلا بد أن يكون هناك من أوجده وهيأه على هذه الصفة، ولا بد أن يكون قادراً وعالماً وحكيماً وإلا لما استطاع أن يوجده على ذلك القدر الذي لا يزيد ولا ينقص عما يحتاجه الخلق، إذ لو زاد لفسدت الحياة وغرقت الأرض بما فيها، وكذلك لو نقص (1).
{فَتُصْبِحُ (2) الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} وأنه ينبت به أنواع الثمار والفواكه والحبوب وجميع ما يحتاجه الخلق مما يجعل الأرض خضراء بعد أن كانت يباساً لا أثر لشيء من ذلك عليها، فهذه آية محسوسة ومشاهدة تدل على أن هناك مدبراً دبرها، وموجداً أوجدها، ولا بد أن يكون قادراً حكيماً إذ أوجدها على هذه الصفة من الدقة والإحكام.
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ 63} (3)فهو لطيف بعلمه، ومعناه أنه يداخل بعلمه كل شيء ويخترق بواطن الأشياء (4)، فهو يعلم بما في تخوم الأرض وطبقاتها، ويخترق الصخرة الصماء، ويخترق ظلمات الليل وظلمات البحار، وعالم أيضاً بما خفي ودق من أسرار مخلوقاته وتراكيبها، صغيرها وكبيرها، فعلمه يتغلغل في داخل الأشياء التي لا يستطيع شيء أن ينفذها أو يدخل فيها ويعلم بما في داخلها، والأستار والحجب مكشوفة أمامه.
والخبير أيضاً هو العالم بكل شيء المحيط بتفاصيل كل شيء فلا يشغله علمه بشيء عن علمه بالشيء الآخر فعلمه بالأشياء على سواء، وكلها تحت قدرته وقبضته، ولا يشغله شيء عن شيء.
__________
(1) - سؤال: لعلكم تريدون أنه لا عبرة بالزيادة البسيطة التي قد تلاحظ أو أنه نادر فلا عبرة به؟ لكن يشكل علينا كثيراً ما يقع من النقص عن احتياج البشر فلا تروى كل الأراضي الزراعية فكيف؟ وما رأيكم؟
الجواب: ينزل الله تعالى المطر على قدر الحاجة وحسب ما تقتضي الحكمة، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ 27} [الشورى]، فما لوحظ من نقص في ريِّ بعض الأرض فلحكمة ومصلحة بينها الله تعالى في كتابه.
(2) - سؤال: لِمَ لم ينصب قوله: {فَتُصْبِحُ} جواباً للاستفهام؟
الجواب: قد سأل سيبويه الخليل عن ذلك فكان الجواب بما مفاده: إن الكلام موجب أي أن «ألم تر .. » بمعنى رأيت، هذا معنى ما أفاده جواب الخليل، وشراح كتاب سيبويه.
(3) - سؤال: ما مناسبة تذييل الآية بقوله: {لَطِيفٌ خَبِيرٌ 63}؟
الجواب: المناسبة هي تأكيد الكلام الذي تقدم.
(4) - سؤال: وهل يصح أن يحمل اللطيف على أنه يفعل ما فيه لطفٌ للعباد ومصلحة ينتفعون به؟ أم ترونه ضعيفاً؟
الجواب: يصح أن يكون المعنى أن الله هو المحسن إلى خلقه في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، وقد فسره بعضهم بقوله: هو الذي يعلم دقائق المصالح وغوامضها ما دنى منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح طريق الرفق دون العنف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} ألم تنظر وتشاهد أيها المخاطب أو أيها النبي آثار قدرة الله تعالى من إنزال المطر من السحاب الذي يتكون ويجتمع أمام عينيك بعد أن لم يكن، فلا بد أن يكون هناك من أوجده وهيأه على هذه الصفة، ولا بد أن يكون قادراً وعالماً وحكيماً وإلا لما استطاع أن يوجده على ذلك القدر الذي لا يزيد ولا ينقص عما يحتاجه الخلق، إذ لو زاد لفسدت الحياة وغرقت الأرض بما فيها، وكذلك لو نقص (1).
{فَتُصْبِحُ (2) الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} وأنه ينبت به أنواع الثمار والفواكه والحبوب وجميع ما يحتاجه الخلق مما يجعل الأرض خضراء بعد أن كانت يباساً لا أثر لشيء من ذلك عليها، فهذه آية محسوسة ومشاهدة تدل على أن هناك مدبراً دبرها، وموجداً أوجدها، ولا بد أن يكون قادراً حكيماً إذ أوجدها على هذه الصفة من الدقة والإحكام.
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ 63} (3)فهو لطيف بعلمه، ومعناه أنه يداخل بعلمه كل شيء ويخترق بواطن الأشياء (4)، فهو يعلم بما في تخوم الأرض وطبقاتها، ويخترق الصخرة الصماء، ويخترق ظلمات الليل وظلمات البحار، وعالم أيضاً بما خفي ودق من أسرار مخلوقاته وتراكيبها، صغيرها وكبيرها، فعلمه يتغلغل في داخل الأشياء التي لا يستطيع شيء أن ينفذها أو يدخل فيها ويعلم بما في داخلها، والأستار والحجب مكشوفة أمامه.
والخبير أيضاً هو العالم بكل شيء المحيط بتفاصيل كل شيء فلا يشغله علمه بشيء عن علمه بالشيء الآخر فعلمه بالأشياء على سواء، وكلها تحت قدرته وقبضته، ولا يشغله شيء عن شيء.
__________
(1) - سؤال: لعلكم تريدون أنه لا عبرة بالزيادة البسيطة التي قد تلاحظ أو أنه نادر فلا عبرة به؟ لكن يشكل علينا كثيراً ما يقع من النقص عن احتياج البشر فلا تروى كل الأراضي الزراعية فكيف؟ وما رأيكم؟
الجواب: ينزل الله تعالى المطر على قدر الحاجة وحسب ما تقتضي الحكمة، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ 27} [الشورى]، فما لوحظ من نقص في ريِّ بعض الأرض فلحكمة ومصلحة بينها الله تعالى في كتابه.
(2) - سؤال: لِمَ لم ينصب قوله: {فَتُصْبِحُ} جواباً للاستفهام؟
الجواب: قد سأل سيبويه الخليل عن ذلك فكان الجواب بما مفاده: إن الكلام موجب أي أن «ألم تر .. » بمعنى رأيت، هذا معنى ما أفاده جواب الخليل، وشراح كتاب سيبويه.
(3) - سؤال: ما مناسبة تذييل الآية بقوله: {لَطِيفٌ خَبِيرٌ 63}؟
الجواب: المناسبة هي تأكيد الكلام الذي تقدم.
(4) - سؤال: وهل يصح أن يحمل اللطيف على أنه يفعل ما فيه لطفٌ للعباد ومصلحة ينتفعون به؟ أم ترونه ضعيفاً؟
الجواب: يصح أن يكون المعنى أن الله هو المحسن إلى خلقه في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، وقد فسره بعضهم بقوله: هو الذي يعلم دقائق المصالح وغوامضها ما دنى منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح طريق الرفق دون العنف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
الآية 64
لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
📝 التفسير:
{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فهو المالك لما فيهما والمدبر لجميع ما فيهما، والمتصرف في كل ذلك.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 64} (2) فهو غني عن كل شيء غير محتاج إلى شيء من خلقه، إذاً فمن كانت هذه صفاته فهو الذي ينبغي أن نتوجه بعبادتنا إليه، وهو وحده الذي يستحق الخضوع والانقياد والاستسلام، وهو الذي ينبغي أن نعترف له بذلك وبأنه المنعم والمتفضل علينا بكل شيء، لا أن نتوجه بعبادتنا إلى غيره ممن لا يستحق أي شيء من صفات الإلهية.
__________
(2) - سؤال: ما وجه عطف هذه الجملة على ما قبلها أم أنها لغير العطف؟
الجواب: الواو اعتراضية والجملة معترضة وفائدة ذلك توكيد الكلام الذي قبلها.
{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فهو المالك لما فيهما والمدبر لجميع ما فيهما، والمتصرف في كل ذلك.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 64} (2) فهو غني عن كل شيء غير محتاج إلى شيء من خلقه، إذاً فمن كانت هذه صفاته فهو الذي ينبغي أن نتوجه بعبادتنا إليه، وهو وحده الذي يستحق الخضوع والانقياد والاستسلام، وهو الذي ينبغي أن نعترف له بذلك وبأنه المنعم والمتفضل علينا بكل شيء، لا أن نتوجه بعبادتنا إلى غيره ممن لا يستحق أي شيء من صفات الإلهية.
__________
(2) - سؤال: ما وجه عطف هذه الجملة على ما قبلها أم أنها لغير العطف؟
الجواب: الواو اعتراضية والجملة معترضة وفائدة ذلك توكيد الكلام الذي قبلها.
الآية 65
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} يبين الله تعالى لنا آثار قدرته وعظمته وجلاله لأجل أن نتوجه بعبادتنا إليه ولا نتخذ إلهاً سواه، فأخبر أن كل ما في الأرض قد سخره لنا من الحيوانات والنبات والبحار، وأنها كلها تصب في مصالحنا، ونتصرف فيها كيفما نشاء.
{وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} وأيضاً سخر لنا السفن التي تحملنا وتسير بنا في البحار بأمره وتدبيره وقدرته.
{وَيُمْسِكُ (1) السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (2) وكذلك هو الذي أمسك السماء خشية أن تسقط على الأرض، وأمسك النجوم بقدرته عن الوقوع على الأرض.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ 65} (3) فهو يرأف بعباده فلا يؤاخذهم بسبب عصيانهم له ولا يمنع عنهم خيره، بل لا يزال ينعم عليهم وينزل عليهم بركات السماء ويخرج لهم خيرات الأرض، فيسخر لهم كل ما في الأرض مع عصيانهم وتمردهم عن طاعته.
__________
(1) - سؤال: علام عطف الفعل «يمسك»؟
الجواب: معطوف على «سخر» فهو وفاعله في محل رفع.
(2) - سؤال: يقال: ما فائدة هذا الاستثناء؟
الجواب: الكلام في قوة النفي أي: لا يتركها تقع بأي حال من الأحوال إلا بإذنه فالاستثناء متصل من أعم الأحوال، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال.
(3) - سؤال: اشتملت كل آية من هذه الآيات السبع المتقدمة على صفتين من صفات الله سبحانه مع تتابعها وكونها الوحيدة في القرآن فهل يظهر لكم في ذلك سر أو نكتة أفيدونا بها أحسن الله إليكم؟
الجواب: يذكر الله تعالى المؤمنين في الآية الأولى بأنه عليم بما نالهم من الأذى وعليم بمن ظلمهم وطال بغيه عليهم وأنه حليم لا يعاجل الظالم بالعقوبة لإكمال الحجة عليه ولعله يراجع نفسه ويتوب إلى الله لذلك على المؤمنين أن يصبروا ولا يستعجلوا عقوبة المجرم الظالم، وهكذا ذيلت كل آية بما يناسبها في معناها.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} يبين الله تعالى لنا آثار قدرته وعظمته وجلاله لأجل أن نتوجه بعبادتنا إليه ولا نتخذ إلهاً سواه، فأخبر أن كل ما في الأرض قد سخره لنا من الحيوانات والنبات والبحار، وأنها كلها تصب في مصالحنا، ونتصرف فيها كيفما نشاء.
{وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} وأيضاً سخر لنا السفن التي تحملنا وتسير بنا في البحار بأمره وتدبيره وقدرته.
{وَيُمْسِكُ (1) السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (2) وكذلك هو الذي أمسك السماء خشية أن تسقط على الأرض، وأمسك النجوم بقدرته عن الوقوع على الأرض.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ 65} (3) فهو يرأف بعباده فلا يؤاخذهم بسبب عصيانهم له ولا يمنع عنهم خيره، بل لا يزال ينعم عليهم وينزل عليهم بركات السماء ويخرج لهم خيرات الأرض، فيسخر لهم كل ما في الأرض مع عصيانهم وتمردهم عن طاعته.
__________
(1) - سؤال: علام عطف الفعل «يمسك»؟
الجواب: معطوف على «سخر» فهو وفاعله في محل رفع.
(2) - سؤال: يقال: ما فائدة هذا الاستثناء؟
الجواب: الكلام في قوة النفي أي: لا يتركها تقع بأي حال من الأحوال إلا بإذنه فالاستثناء متصل من أعم الأحوال، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال.
(3) - سؤال: اشتملت كل آية من هذه الآيات السبع المتقدمة على صفتين من صفات الله سبحانه مع تتابعها وكونها الوحيدة في القرآن فهل يظهر لكم في ذلك سر أو نكتة أفيدونا بها أحسن الله إليكم؟
الجواب: يذكر الله تعالى المؤمنين في الآية الأولى بأنه عليم بما نالهم من الأذى وعليم بمن ظلمهم وطال بغيه عليهم وأنه حليم لا يعاجل الظالم بالعقوبة لإكمال الحجة عليه ولعله يراجع نفسه ويتوب إلى الله لذلك على المؤمنين أن يصبروا ولا يستعجلوا عقوبة المجرم الظالم، وهكذا ذيلت كل آية بما يناسبها في معناها.
الآية 66
وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فهو الذي أحياكم من العدم وهو الذي سيميتكم، ثم بعد ذلك يبعثكم بعد موتكم، فتوجهوا إليه بالعبادة، واحذروا من الغفلة عنه وعن طاعته.
{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ 66} (1) بعد أن عدد الله نعمه العظيمة على الإنسان أخبر أن الإنسان بطبيعته شديد الكفران بنعمة ربه لا يعترف لله بنعمة ولا يقر له بمنة.
__________
(1) - سؤال: يقال: فما الذي يخرج المؤمنين من عموم بني الإنسان في كفران نعم الله؟
الجواب: الظاهر أن المراد حقيقة الإنسان وماهيته فاللام لام الحقيقة والماهية، وإذا حملت على الاستغراق فيخصص عمومها سياق هذه الآيات، وما ورد فيها من الثناء على المؤمنين والوعد لهم بالثواب.
{وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فهو الذي أحياكم من العدم وهو الذي سيميتكم، ثم بعد ذلك يبعثكم بعد موتكم، فتوجهوا إليه بالعبادة، واحذروا من الغفلة عنه وعن طاعته.
{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ 66} (1) بعد أن عدد الله نعمه العظيمة على الإنسان أخبر أن الإنسان بطبيعته شديد الكفران بنعمة ربه لا يعترف لله بنعمة ولا يقر له بمنة.
__________
(1) - سؤال: يقال: فما الذي يخرج المؤمنين من عموم بني الإنسان في كفران نعم الله؟
الجواب: الظاهر أن المراد حقيقة الإنسان وماهيته فاللام لام الحقيقة والماهية، وإذا حملت على الاستغراق فيخصص عمومها سياق هذه الآيات، وما ورد فيها من الثناء على المؤمنين والوعد لهم بالثواب.
الآية 67
لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ 67} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه جعل لكل أمة مُتَعَبَّداً يتعبدهم به، وشريعة يعبدونه بها، فلا تأبه يا محمد باليهود أو النصارى إن أتوك قائلين بأنك لست على الحق، وأنه ينبغي لك أن تعود إلى ملتهم، فاعلم أنك مبعوث إلى أمتك بشريعة جديدة يتعبدون لله سبحانه وتعالى بها كما هو شأن كل رسول بعثه الله سبحانه وتعالى إلى أمة بشريعة جديدة (2).
ثم أمره الله تعالى بعد ذلك أن يستمر على دعوة الناس إلى الدين الذي جاءهم به والذي هو الدين الحق والطريق المستقيم.
__________
(2) - سؤال: على هذا فكيف سيجيبهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إذا قالوا: إنها لا تلزمهم شريعته التي جاء بها إذ هم متعبدون بشرائع أنبيائهم السابقين؟
الجواب: قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف يجيب فقال تعالى بعد هذه الآية: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ 68} أي: أن أهل الكتاب قد علموا صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه فيما جاءهم به من رسالة الله وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فقل لهم: الله أعلم بما تعملون من الكذب على الله ومن تحريف التوراة بعد استحكام علمكم بصحة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيجازيكم على أعمالكم الخبيثة.
{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ 67} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه جعل لكل أمة مُتَعَبَّداً يتعبدهم به، وشريعة يعبدونه بها، فلا تأبه يا محمد باليهود أو النصارى إن أتوك قائلين بأنك لست على الحق، وأنه ينبغي لك أن تعود إلى ملتهم، فاعلم أنك مبعوث إلى أمتك بشريعة جديدة يتعبدون لله سبحانه وتعالى بها كما هو شأن كل رسول بعثه الله سبحانه وتعالى إلى أمة بشريعة جديدة (2).
ثم أمره الله تعالى بعد ذلك أن يستمر على دعوة الناس إلى الدين الذي جاءهم به والذي هو الدين الحق والطريق المستقيم.
__________
(2) - سؤال: على هذا فكيف سيجيبهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إذا قالوا: إنها لا تلزمهم شريعته التي جاء بها إذ هم متعبدون بشرائع أنبيائهم السابقين؟
الجواب: قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف يجيب فقال تعالى بعد هذه الآية: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ 68} أي: أن أهل الكتاب قد علموا صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه فيما جاءهم به من رسالة الله وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فقل لهم: الله أعلم بما تعملون من الكذب على الله ومن تحريف التوراة بعد استحكام علمكم بصحة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيجازيكم على أعمالكم الخبيثة.
الآية 68
وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ 68} إذا أتوك ليجادلوك عن دينهم فأخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى مطلع على أعمالهم من تحريف كتبهم، وكتمانهم لما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتبهم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصافه وما أشبه ذلك.
{وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ 68} إذا أتوك ليجادلوك عن دينهم فأخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى مطلع على أعمالهم من تحريف كتبهم، وكتمانهم لما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتبهم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصافه وما أشبه ذلك.
الآية 69
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 69} (1) وأخبرهم أن الله تعالى سيحكم بين جميع أهل الملل والأديان المختلفة فيجازي كلاً منهم بما يستحق؛ لأن كل فرقة منهم كانت تدعي بأنها التي على الحق وحدها وأن غيرها في ضلال.
__________
(1) - سؤال: ما الوجه في فصل هذه الآية عما قبلها؟
الجواب: الوجه أنها مستأنفة وليست داخلة في مقول القول ولا في خبر الشرط والجواب لذلك فصلت وهي مستأنفة لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 69} (1) وأخبرهم أن الله تعالى سيحكم بين جميع أهل الملل والأديان المختلفة فيجازي كلاً منهم بما يستحق؛ لأن كل فرقة منهم كانت تدعي بأنها التي على الحق وحدها وأن غيرها في ضلال.
__________
(1) - سؤال: ما الوجه في فصل هذه الآية عما قبلها؟
الجواب: الوجه أنها مستأنفة وليست داخلة في مقول القول ولا في خبر الشرط والجواب لذلك فصلت وهي مستأنفة لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الآية 70
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 70} ألم تعلم (2)يا محمد؟ أو ألم تعلم أيها الإنسان أن الله أحاط علماً بكل ما في السماوات وما في الأرض لا يخفى عليه مثقال ذرة ولا حركة متحرك ولا سكونه؟ عبر الله سبحانه وتعالى بالْكَتْبِ ليصوّر ويمثل لخلقه بما يفهمونه ويتخيلونه ويتعاملون به فيما بينهم، فإن الإنسان إذا أراد حفظ شيء حتى لا ينساه فإنه يسجله في كتاب، فعبر الله سبحانه وتعالى عن عدم نسيانه بذلك الذي نفهمه، وإلا فهو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من ذلك فلا يجوز عليه النسيان؛ لأنه ليس من الجنس الذي يجوز عليهم النسيان من المخلوقين، فعلمه كل ذلك وإحصاؤه لجميع أعمال بني آدم ومحاسبتهم على كل صغير وكبير أمر سهل عليه ويسير.
__________
(2) - سؤال: ما المراد بهذا الاستفهام؟ أو ما الفائدة منه؟
الجواب: هذه الآية مستأنفة لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاستفهام لتقرير ما بعد النفي فإذا كان علم الله تعالى محيطاً بكل ما في السماء والأرض لا يغيب عن علمه لا صغير ولا كبير فسيوفي الله أعداءك يوم القيامة ما يستحقون من الجزاء.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 70} ألم تعلم (2)يا محمد؟ أو ألم تعلم أيها الإنسان أن الله أحاط علماً بكل ما في السماوات وما في الأرض لا يخفى عليه مثقال ذرة ولا حركة متحرك ولا سكونه؟ عبر الله سبحانه وتعالى بالْكَتْبِ ليصوّر ويمثل لخلقه بما يفهمونه ويتخيلونه ويتعاملون به فيما بينهم، فإن الإنسان إذا أراد حفظ شيء حتى لا ينساه فإنه يسجله في كتاب، فعبر الله سبحانه وتعالى عن عدم نسيانه بذلك الذي نفهمه، وإلا فهو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من ذلك فلا يجوز عليه النسيان؛ لأنه ليس من الجنس الذي يجوز عليهم النسيان من المخلوقين، فعلمه كل ذلك وإحصاؤه لجميع أعمال بني آدم ومحاسبتهم على كل صغير وكبير أمر سهل عليه ويسير.
__________
(2) - سؤال: ما المراد بهذا الاستفهام؟ أو ما الفائدة منه؟
الجواب: هذه الآية مستأنفة لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاستفهام لتقرير ما بعد النفي فإذا كان علم الله تعالى محيطاً بكل ما في السماء والأرض لا يغيب عن علمه لا صغير ولا كبير فسيوفي الله أعداءك يوم القيامة ما يستحقون من الجزاء.
الآية 71
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
📝 التفسير:
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ 71} بعد أن عدد الله سبحانه وتعالى آياته التي بثها لخلقه في السماوات والأرض والتي تدل على قدرته وعظمته وإلهيته أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها أو يلقوا لها بالاً، وذهبوا إلى عبادة تلك الآلهة التي لا تملك من صفات الإلهية شيئاً، ولا يملكون أي دليل أو حجة على إلهيتها، فعبادتهم لها ليس إلا اتباعاً للهوى والشهوات، وحباً فيما يكون حال اجتماعهم حولها من الرقص والغناء مع القيان والغلمان.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا كان يوم القيامة فلن يجد هؤلاء أي نصير لهم ينصرهم من هذه الآلهة أو يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله سبحانه وتعالى.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ 71} بعد أن عدد الله سبحانه وتعالى آياته التي بثها لخلقه في السماوات والأرض والتي تدل على قدرته وعظمته وإلهيته أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها أو يلقوا لها بالاً، وذهبوا إلى عبادة تلك الآلهة التي لا تملك من صفات الإلهية شيئاً، ولا يملكون أي دليل أو حجة على إلهيتها، فعبادتهم لها ليس إلا اتباعاً للهوى والشهوات، وحباً فيما يكون حال اجتماعهم حولها من الرقص والغناء مع القيان والغلمان.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا كان يوم القيامة فلن يجد هؤلاء أي نصير لهم ينصرهم من هذه الآلهة أو يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله سبحانه وتعالى.
الآية 72
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} (1) إذا تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو المؤمنون شيئاً من القرآن على المشركين.
{تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} تتغير وجوه المشركين ويستشيطون غضباً وغيظاً عند سماع تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} ويشتد بهم الغضب إلى أن يهموا بالسطو والوثوب على الذين يتلون عليهم آيات الله.
{قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ (2) وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 72} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأنهم إن كانوا يظنون أن هذا القرآن شرٌّ فليعلموا أن أشر منه النار التي سيعذبكم الله فيها، فالمفروض أن تنفروا منها ومما يسوقكم إليها، لا أن تنفروا من الحق وتهربوا منه.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب بينات؟
الجواب: تعرب حالاً.
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب قوله: {النَّارُ}؟
الجواب: خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة «وعدها الله ... »
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} (1) إذا تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو المؤمنون شيئاً من القرآن على المشركين.
{تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} تتغير وجوه المشركين ويستشيطون غضباً وغيظاً عند سماع تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} ويشتد بهم الغضب إلى أن يهموا بالسطو والوثوب على الذين يتلون عليهم آيات الله.
{قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ (2) وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 72} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأنهم إن كانوا يظنون أن هذا القرآن شرٌّ فليعلموا أن أشر منه النار التي سيعذبكم الله فيها، فالمفروض أن تنفروا منها ومما يسوقكم إليها، لا أن تنفروا من الحق وتهربوا منه.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب بينات؟
الجواب: تعرب حالاً.
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب قوله: {النَّارُ}؟
الجواب: خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة «وعدها الله ... »
الآية 73
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} أخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه قد ضرب لهم هذا المثل لعلهم ينتفعون به إذا سمعوه، فيرجعوا إلى صوابهم ورشدهم ويتركوا غيهم وضلالهم.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} ينبههم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا إلى حقارة آلهتهم هذه التي يعبدونها وعلى مدى ضعفها، فلا تقدر أن تخلق حتى مثلَ أضعفِ مخلوقاته الذباب، وهيهات أن تستطيع ذلك ولو اجتمعت المعبودات جميعاً.
{وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ (2) الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} حتى المدافعة عن أنفسها ولو من أضعف المخلوقات فهي لا تستطيع ذلك، وكانوا يتقربون إلى الأصنام بالهدايا والنذر من الذبائح والعسل والسمن ونحو ذلك، فتحداهم الله سبحانه وتعالى بتلك الذبابة التي تقع فوقها وتأكل من هداياها أن يستردوا شيئاً مما تسلبه الذبابة منها.
{ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ 73} المطلوب هو الذبابة، والطالب هي الآلهة، فهم جميعاً في غاية الضعف والوضاعة.
فقد ضرب الله سبحانه وتعالى لهم هذا المثل لعلهم يرجعون إلى عبادته؛ لأنه القادر على كل شيء والمتحكم في كل شيء.
__________
(2) - سؤال: إلام يعود الضمير المذكر في قوله: {يَسْلُبْهُمُ}؟
الجواب: يعود إلى {الَّذِينَ تَدْعُونَ}.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} أخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه قد ضرب لهم هذا المثل لعلهم ينتفعون به إذا سمعوه، فيرجعوا إلى صوابهم ورشدهم ويتركوا غيهم وضلالهم.
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} ينبههم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا إلى حقارة آلهتهم هذه التي يعبدونها وعلى مدى ضعفها، فلا تقدر أن تخلق حتى مثلَ أضعفِ مخلوقاته الذباب، وهيهات أن تستطيع ذلك ولو اجتمعت المعبودات جميعاً.
{وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ (2) الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} حتى المدافعة عن أنفسها ولو من أضعف المخلوقات فهي لا تستطيع ذلك، وكانوا يتقربون إلى الأصنام بالهدايا والنذر من الذبائح والعسل والسمن ونحو ذلك، فتحداهم الله سبحانه وتعالى بتلك الذبابة التي تقع فوقها وتأكل من هداياها أن يستردوا شيئاً مما تسلبه الذبابة منها.
{ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ 73} المطلوب هو الذبابة، والطالب هي الآلهة، فهم جميعاً في غاية الضعف والوضاعة.
فقد ضرب الله سبحانه وتعالى لهم هذا المثل لعلهم يرجعون إلى عبادته؛ لأنه القادر على كل شيء والمتحكم في كل شيء.
__________
(2) - سؤال: إلام يعود الضمير المذكر في قوله: {يَسْلُبْهُمُ}؟
الجواب: يعود إلى {الَّذِينَ تَدْعُونَ}.
الآية 74
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
📝 التفسير:
{مَا قَدَرُوا (1) اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (2) إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 74} لم يعظم المشركون الله سبحانه وتعالى ولم يروا له ما يستحقه من العظمة والكبرياء عندما اتخذوا معه شركاء لا تكافئه أو تماثله في شيء من صفاته، فكان ينبغي أن يعظموه حق عظمته ويخافوا نقمته ويتوجهوا إليه؛ لأن الخير والشر كله بيده، فليحذروا ضره وليرجوا ما عنده من النفع إن كانوا من أهل العقول كما يزعمون، ولكن أعمتهم الدنيا وملذاتها، وركضوا وراء شهواتهم وأهوائهم، ومعنى «عزيز»: غالب لا يعجزه الانتقام.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {قَدَرُوا اللَّهَ} من التقدير فلماذا لم يضعف؟ أم إنه من القدر فهل يتعدى بنفسه مع التخفيف؟
الجواب: في الرازي عن الواحدي: يقال: قَدَر الشيء إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره، يَقْدُرُهُ بالضم قدراً، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وإن غم عليكم فاقدروا له)) أي: فاطلبوا أن تعرفوه. هذا أصله في اللغة. اهـ ونقل أيضاً تفسير ذلك: عن ابن عباس: فاعظموه حق عظمته. وعن أبي العالية: ما وصفوه حق صفته. وعن الأخفش: ما عرفوه حق معرفته. اهـ لذلك نقول: إن قدر هذا متعدٍّ بنفسه. وأصله التخفيف، وليس من التقدير.
(2) - سؤال: ما إعراب: {حَقَّ قَدْرِهِ}؟
الجواب: تعرب مفعولاً مطلقاً.
{مَا قَدَرُوا (1) اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (2) إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 74} لم يعظم المشركون الله سبحانه وتعالى ولم يروا له ما يستحقه من العظمة والكبرياء عندما اتخذوا معه شركاء لا تكافئه أو تماثله في شيء من صفاته، فكان ينبغي أن يعظموه حق عظمته ويخافوا نقمته ويتوجهوا إليه؛ لأن الخير والشر كله بيده، فليحذروا ضره وليرجوا ما عنده من النفع إن كانوا من أهل العقول كما يزعمون، ولكن أعمتهم الدنيا وملذاتها، وركضوا وراء شهواتهم وأهوائهم، ومعنى «عزيز»: غالب لا يعجزه الانتقام.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {قَدَرُوا اللَّهَ} من التقدير فلماذا لم يضعف؟ أم إنه من القدر فهل يتعدى بنفسه مع التخفيف؟
الجواب: في الرازي عن الواحدي: يقال: قَدَر الشيء إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره، يَقْدُرُهُ بالضم قدراً، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وإن غم عليكم فاقدروا له)) أي: فاطلبوا أن تعرفوه. هذا أصله في اللغة. اهـ ونقل أيضاً تفسير ذلك: عن ابن عباس: فاعظموه حق عظمته. وعن أبي العالية: ما وصفوه حق صفته. وعن الأخفش: ما عرفوه حق معرفته. اهـ لذلك نقول: إن قدر هذا متعدٍّ بنفسه. وأصله التخفيف، وليس من التقدير.
(2) - سؤال: ما إعراب: {حَقَّ قَدْرِهِ}؟
الجواب: تعرب مفعولاً مطلقاً.
الآية 75
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
📝 التفسير:
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ 75} ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً يتحملون تبليغ رسالاته إلى أنبيائه ورسله ¢، كما أنه يختار من البشر من يتحمل أمر تبليغ رسالاته إلى الناس، وكان جبريل هو الذي يرسله الله بتبليغ الوحي إلى الأنبياء والرسل، وأما النبوة والرسالة فلا يختار لها إلا من علم أنه أهل لحمل رسالته.
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ 75} ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً يتحملون تبليغ رسالاته إلى أنبيائه ورسله ¢، كما أنه يختار من البشر من يتحمل أمر تبليغ رسالاته إلى الناس، وكان جبريل هو الذي يرسله الله بتبليغ الوحي إلى الأنبياء والرسل، وأما النبوة والرسالة فلا يختار لها إلا من علم أنه أهل لحمل رسالته.
الآية 76
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
📝 التفسير:
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ 76} فهو عالم بجميع أحوال الناس والملائكة، لا يخفى عليه منها شيء لا الحالية ولا المستقبلة ولا الماضية فهو يعلمها جميعاً على سواء، وسيحاسبهم على صغيرها وكبيرها يوم القيامة.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ 76} فهو عالم بجميع أحوال الناس والملائكة، لا يخفى عليه منها شيء لا الحالية ولا المستقبلة ولا الماضية فهو يعلمها جميعاً على سواء، وسيحاسبهم على صغيرها وكبيرها يوم القيامة.
الآية 77
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ثم التفت الله سبحانه وتعالى بخطابه إلى المؤمنين خاصة فأمرهم بالصلاة له، وقد خص الركوع والسجود بالذكر لينبه على أهميتهما وليحثهم على زيادة الاهتمام بهما أكثر من بقية أركانها؛ لأنها التي تدل على الخضوع لله تعالى والتواضع؛ فانحناء الظهر في الركوع فيه تعبير عن غاية التعظيم لله سبحانه وتعالى، وأما السجود فهو تعبيرٌ عن غاية التواضع له تعالى.
{وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} (1) أي: امتثلوا لأوامره.
{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 77} بادروا إلى الإكثار من أعمال الخير لتكسبوا زيادة الثواب وتفوزوا برضوان الله سبحانه وتعالى، وقد عرفه باللام التي يشار بها إلى الجنس ليصدق على كل خير وعلى أعمال الخير جميعها التي تنجذب إليها فطرة العقل أو دل عليها الشرع الشريف.
__________
(1) - سؤال: هل هذا من عطف العام على الخاص؟ وما فائدته؟
الجواب: نعم ذلك من عطف العام على الخاص، وقد ذكر الخاص «الركوع والسجود» الذي هو الصلاة، وإنما قدمها لأنها أهم العبادات ومقدمة عليها في الرتبة، فهي كالعنوان للعبادات: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة:3].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ثم التفت الله سبحانه وتعالى بخطابه إلى المؤمنين خاصة فأمرهم بالصلاة له، وقد خص الركوع والسجود بالذكر لينبه على أهميتهما وليحثهم على زيادة الاهتمام بهما أكثر من بقية أركانها؛ لأنها التي تدل على الخضوع لله تعالى والتواضع؛ فانحناء الظهر في الركوع فيه تعبير عن غاية التعظيم لله سبحانه وتعالى، وأما السجود فهو تعبيرٌ عن غاية التواضع له تعالى.
{وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} (1) أي: امتثلوا لأوامره.
{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 77} بادروا إلى الإكثار من أعمال الخير لتكسبوا زيادة الثواب وتفوزوا برضوان الله سبحانه وتعالى، وقد عرفه باللام التي يشار بها إلى الجنس ليصدق على كل خير وعلى أعمال الخير جميعها التي تنجذب إليها فطرة العقل أو دل عليها الشرع الشريف.
__________
(1) - سؤال: هل هذا من عطف العام على الخاص؟ وما فائدته؟
الجواب: نعم ذلك من عطف العام على الخاص، وقد ذكر الخاص «الركوع والسجود» الذي هو الصلاة، وإنما قدمها لأنها أهم العبادات ومقدمة عليها في الرتبة، فهي كالعنوان للعبادات: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة:3].
الآية 78
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
📝 التفسير:
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} اسعوا جهدكم في إرضاء الله سبحانه وتعالى، وفعل ما يرضيه من الطاعات، وضحوا بما تستطيعون في سبيل دينه وإعلاء كلمته (2).
{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} اختاركم أيها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصطفاكم على سائر الأمم، وجعلكم أهلاً لتبليغ رسالة نبيكم في حياته وبعد موته، وقد أراد بهم العرب خاصة.
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فقد أتاكم بالدين السهل والتكاليف اليسيرة، ولم يحملكم التكاليف الشاقة التي تثقل ظهوركم.
{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (1) دين أبيكم إبراهيم، فقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بدين إبراهيم.
وهذه السورة قد خاطب الله سبحانه وتعالى بها أهل مكة والمدينة جميعاً، وقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} دلالة على أن ذراري عدنان وقحطان من سلالة (3)إبراهيم عليه السلام، وليس كما يقوله بعض المؤرخين اليمنيين من أن قحطان من ذرية نبي الله هود عليه السلام؛ لأن ما ذكرنا هو الذي يطابق ما أتى في القرآن، والعرب الحقيقيون هم عدنان وقحطان، وأما البقية فيسمون العرب المستعربة.
وأيضاً يؤيد ما ذكرنا سابقاً: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على أناس من بني سلمة يتناضلون ويتسابقون في الرماية فصاح عليهم قائلاً: ((ارموا يا بني سلمة فإن أباكم كان رامياً)) يعني به نبي الله إسماعيل عليه السلام، وبنو سلمة هؤلاء من ذرية قحطان من قبائل الأوس والخزرج.
{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} فقد سمى نبي الله إبراهيم عليه السلام ذريته باسم المسلمين، وذلك فيما حكاه الله سبحانه وتعالى من دعوة إبراهيم عليه السلام زمن نبوته: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128]، وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَفِي هَذَا} وأيضاً في القرآن فقد سماكم إبراهيم عليه السلام المسلمين.
ثم ذكر السبب في اختياره واصطفائه لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حمل رسالته فقال:
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فهذا هو السبب فإذا كان يوم القيامة فإن الرسول سيأتي ليشهد على من أنكر أن الحجة لم تبلغه وأن أحداً لم يحذره أو ينذره؛ وكذلك أنتم أيها المؤمنون العرب إذا أنكرت أمة من الأمم أن الحجج لم تصل إليهم، وأن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تصلهم فعندها سيقوم هؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لتبليغ دعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من الأئمة والعلماء (4) فيشهدون عليهم بأنهم قد بلغوهم، ولكنهم رفضوا وكذبوا وتمردوا.
{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فاشكروا الله سبحانه وتعالى على أنه اختاركم واصطفاكم أيها العرب على بقية الأمم لحمل رسالته وتبليغها، وتوجهوا إليه بالعبادة والمداومة على الصلوات وأخرجوا زكاة أموالكم.
{وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} تمسكوا بدينه من غير ميل أو انحراف إلى شيء من حبائل الشيطان.
{هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ 78} (5) فهو ناصركم ومعينكم، وهو خير من ينصر ويعين، فلا تبتغوا ناصراً سواه.
__________
(2) - سؤال: هل تريدون أنها تصدق المجاهدة على جهاد العدو وجهاد النفس فما المرجح لذلك؟
الجواب: المجاهدة المرادة هنا: هي بذل الجهد في الإتيان بما أمر الله تعالى به وفي الانتهاء عما نهى عنه فيدخل في ذلك جهاد العدو وجهاد النفس، وقد مرت كثير من القرائن الدالة على هذا.
(1) - سؤال: هل شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفس شريعة إبراهيم عليه السلام في كل شيء، أم المراد الموافقة في ركائز الشريعة وأصولها؟ وما حجة ذلك رضوان الله عليكم؟
الجواب: المقصود هو الموافقة في ركائز الشريعة أما تفاصيل الأحكام فليست مقصودة، وذلك لأن تفاصيل الأحكام الشرعية تابعة للمصلحة، وهي تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، ودليل ذلك ما عرف في شريعتنا شريعة الإسلام، فقد فرض الله تعالى الصلاة في أول الإسلام ركعتين ركعتين أي الظهر والعصر والعشاء والفجر، ثم بعد حين زاد الله تعالى ركعتين ركعتين في الظهر والعصر والعشاء في الحضر، وأقر التشريع الأول في السفر. وكان الصيام في أول ما فرضه الله على صفة معروفة ثم نسخ الله صفة الصيام تلك إلى ما نعرفه اليوم.
سؤال: ما إعراب: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وكذا: {مِنْ حَرَجٍ}؟
الجواب: «ملة» مفعول مطلق مؤكد لما تضمنه الكلام السابق من قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وما بعده، أو ينصب بأخص أو باتبعوا. «من حرج» مفعول به مجرور لفظاً بـ «من» الزائدة، منصوب محلاً.
(3) - سؤال: نِعْمَ ما أوردتموه في تفسير هذه الآية فهو يوافق ظاهر الخطاب والأثر لكن بقي لدى بعض المرشدين إشكالات:
1 - ... هل أثبت أحد من أهل النسب المعتبرين كون قحطان من ذرية إبراهيم عليه السلام؟
2 - ... استدلال أغلب أئمة أهل البيت عليهم السلام إن لم نقل جميعهم والشيعة بالآية على حجية إجماع أهل البيت عليهم السلام بما فيها من الاجتباء والشهادة مع قوله: {أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}؟
3 - ... استدلال كافة المسلمين بـ {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} على رفع الحرج عن جميع من أسلم ولو لم يكن من العرب وهذا قد يدل على عمومها؟
4 - ... أن تفضيل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصطفائها يعم من آمن ولو من غير العرب كصهيب وسلمان ونحوهم؟
5 - ... ظاهر قولكم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيشهد على المؤمنين لأن الخطاب في «اجتباكم وسماكم وعليكم» راجع إليهم، فكيف ستكون شهادة النبي على من آمن؟ فإن خرجتم عن هذا الظاهر لمرجح فلم لم نخرج عنه في قوله: {أَبِيكُمْ} إلى أن المراد به قريش أو بنو هاشم بمرجح استقامة الشهادة من الأئمة الطاهرين على بقية الناس بالاتباع والمعاضدة و ... و ... إلخ. مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فانظروا كيف تخلفوني فيهما))، و ((كسفينة نوح))، ((من أحب أن يحيا حياتي))، وقول علي عليه السلام: (لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه)، وغير ذلك؟
الجواب:
1 - ... قد روى في حلية الأولياء وفي البخاري وصحيح ابن حبان ومغازي الواقدي وكثير من كتب الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على نفر من أسلم أي من الأوس أو الخزرج من أهل المدينة يتناضلون فقال: ((ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً)).
2 - ... الآية وإن عمت بظاهرها بني إسماعيل العدنانية والقحطانية فإنما ذلك لاشتمالهم على أهل الحق الذين هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولبني إسماعيل بذلك الشرف العظيم لكون الرسول الخاتم منهم، وأهل الحق أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 2} [الجمعة]، {رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 128} [التوبة].
3 - ... الآية عامة لجميع المسلمين: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وكذا ما قبلها، وقد بينا في رقم (2) أنه لا تنافي بين عمومها وبين دلالتها على حجية أهل البيت واختصاصهم بكونهم أهل الحق وألسنة الصدق وخلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
4 - ... وتفضيل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعم كل من دخل في الإسلام إلا أن من المتسالم عليه أن العرب أفضل من العجم لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وقريش أفضل من سائر العرب لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وبنو هاشم أفضل من سائر قريش لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وأهل البيت أفضل من سائر بني هاشم لكونهم أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر بني هاشم.
5 - ... يفهم جواب هذا مما قدمناه وكتبناه في الأرقام السابقة.
(4) - سؤال: ما المرجح هنا للقصر على الأئمة والعلماء؟
الجواب: لأن المقصود بما ذكر من فضل المسلمين وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الأئمة الهادون والعلماء المحقون الذين يقضون بالحق وبه يعدلون من بيت الرسالة ومن أوليائهم.
(5) - سؤال: فضلاً ما معنى الفاء في قوله: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى}؟ إن كانت عاطفة فكيف صح عطف الإنشاء على الخبر؟
الجواب: لا يشترط في العطف بالفاء توافق الجملتين المتعاطفتين في الخبر أو الإنشاء فإذا وجد المصحح للعطف الذي هو معنى الفاء صح العطف مطلقاً.
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} اسعوا جهدكم في إرضاء الله سبحانه وتعالى، وفعل ما يرضيه من الطاعات، وضحوا بما تستطيعون في سبيل دينه وإعلاء كلمته (2).
{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} اختاركم أيها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصطفاكم على سائر الأمم، وجعلكم أهلاً لتبليغ رسالة نبيكم في حياته وبعد موته، وقد أراد بهم العرب خاصة.
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فقد أتاكم بالدين السهل والتكاليف اليسيرة، ولم يحملكم التكاليف الشاقة التي تثقل ظهوركم.
{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (1) دين أبيكم إبراهيم، فقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بدين إبراهيم.
وهذه السورة قد خاطب الله سبحانه وتعالى بها أهل مكة والمدينة جميعاً، وقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} دلالة على أن ذراري عدنان وقحطان من سلالة (3)إبراهيم عليه السلام، وليس كما يقوله بعض المؤرخين اليمنيين من أن قحطان من ذرية نبي الله هود عليه السلام؛ لأن ما ذكرنا هو الذي يطابق ما أتى في القرآن، والعرب الحقيقيون هم عدنان وقحطان، وأما البقية فيسمون العرب المستعربة.
وأيضاً يؤيد ما ذكرنا سابقاً: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على أناس من بني سلمة يتناضلون ويتسابقون في الرماية فصاح عليهم قائلاً: ((ارموا يا بني سلمة فإن أباكم كان رامياً)) يعني به نبي الله إسماعيل عليه السلام، وبنو سلمة هؤلاء من ذرية قحطان من قبائل الأوس والخزرج.
{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} فقد سمى نبي الله إبراهيم عليه السلام ذريته باسم المسلمين، وذلك فيما حكاه الله سبحانه وتعالى من دعوة إبراهيم عليه السلام زمن نبوته: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128]، وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَفِي هَذَا} وأيضاً في القرآن فقد سماكم إبراهيم عليه السلام المسلمين.
ثم ذكر السبب في اختياره واصطفائه لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حمل رسالته فقال:
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فهذا هو السبب فإذا كان يوم القيامة فإن الرسول سيأتي ليشهد على من أنكر أن الحجة لم تبلغه وأن أحداً لم يحذره أو ينذره؛ وكذلك أنتم أيها المؤمنون العرب إذا أنكرت أمة من الأمم أن الحجج لم تصل إليهم، وأن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تصلهم فعندها سيقوم هؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لتبليغ دعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من الأئمة والعلماء (4) فيشهدون عليهم بأنهم قد بلغوهم، ولكنهم رفضوا وكذبوا وتمردوا.
{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فاشكروا الله سبحانه وتعالى على أنه اختاركم واصطفاكم أيها العرب على بقية الأمم لحمل رسالته وتبليغها، وتوجهوا إليه بالعبادة والمداومة على الصلوات وأخرجوا زكاة أموالكم.
{وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} تمسكوا بدينه من غير ميل أو انحراف إلى شيء من حبائل الشيطان.
{هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ 78} (5) فهو ناصركم ومعينكم، وهو خير من ينصر ويعين، فلا تبتغوا ناصراً سواه.
__________
(2) - سؤال: هل تريدون أنها تصدق المجاهدة على جهاد العدو وجهاد النفس فما المرجح لذلك؟
الجواب: المجاهدة المرادة هنا: هي بذل الجهد في الإتيان بما أمر الله تعالى به وفي الانتهاء عما نهى عنه فيدخل في ذلك جهاد العدو وجهاد النفس، وقد مرت كثير من القرائن الدالة على هذا.
(1) - سؤال: هل شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفس شريعة إبراهيم عليه السلام في كل شيء، أم المراد الموافقة في ركائز الشريعة وأصولها؟ وما حجة ذلك رضوان الله عليكم؟
الجواب: المقصود هو الموافقة في ركائز الشريعة أما تفاصيل الأحكام فليست مقصودة، وذلك لأن تفاصيل الأحكام الشرعية تابعة للمصلحة، وهي تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، ودليل ذلك ما عرف في شريعتنا شريعة الإسلام، فقد فرض الله تعالى الصلاة في أول الإسلام ركعتين ركعتين أي الظهر والعصر والعشاء والفجر، ثم بعد حين زاد الله تعالى ركعتين ركعتين في الظهر والعصر والعشاء في الحضر، وأقر التشريع الأول في السفر. وكان الصيام في أول ما فرضه الله على صفة معروفة ثم نسخ الله صفة الصيام تلك إلى ما نعرفه اليوم.
سؤال: ما إعراب: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} وكذا: {مِنْ حَرَجٍ}؟
الجواب: «ملة» مفعول مطلق مؤكد لما تضمنه الكلام السابق من قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وما بعده، أو ينصب بأخص أو باتبعوا. «من حرج» مفعول به مجرور لفظاً بـ «من» الزائدة، منصوب محلاً.
(3) - سؤال: نِعْمَ ما أوردتموه في تفسير هذه الآية فهو يوافق ظاهر الخطاب والأثر لكن بقي لدى بعض المرشدين إشكالات:
1 - ... هل أثبت أحد من أهل النسب المعتبرين كون قحطان من ذرية إبراهيم عليه السلام؟
2 - ... استدلال أغلب أئمة أهل البيت عليهم السلام إن لم نقل جميعهم والشيعة بالآية على حجية إجماع أهل البيت عليهم السلام بما فيها من الاجتباء والشهادة مع قوله: {أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}؟
3 - ... استدلال كافة المسلمين بـ {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} على رفع الحرج عن جميع من أسلم ولو لم يكن من العرب وهذا قد يدل على عمومها؟
4 - ... أن تفضيل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصطفائها يعم من آمن ولو من غير العرب كصهيب وسلمان ونحوهم؟
5 - ... ظاهر قولكم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيشهد على المؤمنين لأن الخطاب في «اجتباكم وسماكم وعليكم» راجع إليهم، فكيف ستكون شهادة النبي على من آمن؟ فإن خرجتم عن هذا الظاهر لمرجح فلم لم نخرج عنه في قوله: {أَبِيكُمْ} إلى أن المراد به قريش أو بنو هاشم بمرجح استقامة الشهادة من الأئمة الطاهرين على بقية الناس بالاتباع والمعاضدة و ... و ... إلخ. مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فانظروا كيف تخلفوني فيهما))، و ((كسفينة نوح))، ((من أحب أن يحيا حياتي))، وقول علي عليه السلام: (لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه)، وغير ذلك؟
الجواب:
1 - ... قد روى في حلية الأولياء وفي البخاري وصحيح ابن حبان ومغازي الواقدي وكثير من كتب الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على نفر من أسلم أي من الأوس أو الخزرج من أهل المدينة يتناضلون فقال: ((ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً)).
2 - ... الآية وإن عمت بظاهرها بني إسماعيل العدنانية والقحطانية فإنما ذلك لاشتمالهم على أهل الحق الذين هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولبني إسماعيل بذلك الشرف العظيم لكون الرسول الخاتم منهم، وأهل الحق أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 2} [الجمعة]، {رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 128} [التوبة].
3 - ... الآية عامة لجميع المسلمين: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وكذا ما قبلها، وقد بينا في رقم (2) أنه لا تنافي بين عمومها وبين دلالتها على حجية أهل البيت واختصاصهم بكونهم أهل الحق وألسنة الصدق وخلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
4 - ... وتفضيل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعم كل من دخل في الإسلام إلا أن من المتسالم عليه أن العرب أفضل من العجم لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وقريش أفضل من سائر العرب لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وبنو هاشم أفضل من سائر قريش لكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وأهل البيت أفضل من سائر بني هاشم لكونهم أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر بني هاشم.
5 - ... يفهم جواب هذا مما قدمناه وكتبناه في الأرقام السابقة.
(4) - سؤال: ما المرجح هنا للقصر على الأئمة والعلماء؟
الجواب: لأن المقصود بما ذكر من فضل المسلمين وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الأئمة الهادون والعلماء المحقون الذين يقضون بالحق وبه يعدلون من بيت الرسالة ومن أوليائهم.
(5) - سؤال: فضلاً ما معنى الفاء في قوله: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى}؟ إن كانت عاطفة فكيف صح عطف الإنشاء على الخبر؟
الجواب: لا يشترط في العطف بالفاء توافق الجملتين المتعاطفتين في الخبر أو الإنشاء فإذا وجد المصحح للعطف الذي هو معنى الفاء صح العطف مطلقاً.