القرآن الكريم مع التفسير

سورة القصص

آية
إجمالي الآيات: 88 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ 61} (1) أراد الله سبحانه وتعالى أيهما أفضل أهذا الذي وعده الله بالثواب والدرجات الرفيعة في الجنة أم ذلك الذي يركض وراء شهوات الدنيا وهوى نفسه غير مبال بما نهاه الله سبحانه وتعالى عنه؟ فكل قصده أن يشبع رغبات نفسه من دون مبالاة بعواقب ذلك في الآخرة، وبما سيناله من العقاب على ذلك؟ فأيهما أفضل إن كنتم من أهل العقول؟ فحتماً فإن كل عاقل سيختار الثواب الدائم ووعد الله تعالى على ذلك المتاع القليل الزائل، ومعنى «من المحضرين» أي: من المعذبين في جهنم.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ .... كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ}؟
الجواب: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء سببية عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، وهذا المحذوف هو الذي دخلت عليه همزة الإنكار، أي: أساويتم بين أهل الدنيا والآخرة؟ فهذا هو المستنكر الذي دخلت عليه همزة الإنكار. «من وعدناه» من: اسم موصول مبتدأ، وعدناه: صلة الموصول، «كمن» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، «متعناه متاع الحياة الدنيا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
الآية 62
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 62} يذكر الله سبحانه وتعالى المشركين بيوم القيامة عندما يناديهم فيقول لهم: أين تلك الآلهة التي كنتم تجعلونها شركاء في الإلهية والعبادة؟ فأين هي كي تنفعكم الآن؟
الآية 63
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ (1) كَمَا غَوَيْنَا} فيجيب أولئك الذين قد حق عليهم العذاب وقد استوجبوا حلوله بهم وهم كبار القوم والزعماء وأصحاب الكلمة النافذة (2)، فيجيبون الله سبحانه وتعالى بأن هؤلاء هم الذين أغويناهم يا رب كما غوينا من قبلهم.
{تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ 63} (3)ونحن بريئون من دعائهم إلى عبادتنا واتخاذهم لنا آلهة، فلسنا ندعي الإلهية وإنما أغويناهم فقط كما قد غوينا من قبلهم.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {أَغْوَيْنَاهُمْ} تكرير لقوله: {أَغْوَيْنَا}؟ إن كان فما فائدته؟
الجواب: ليس ذلك بتكرير، بل قوله: {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال تقديره: لماذا أغويتموهم؟ أو نحوه.
(2) - سؤال: يقال: ظاهر ما سيأتي من تبريهم أن القائلين من المعبودات التي يعبدونها، فكيف رأيكم في ذلك؟
الجواب: الذين تبرأوا هم من المعبودات، وتبريهم كتبري الشيطان يوم القيامة: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ... } الآية [إبراهيم:22]، فكأنهم قالوا: ما عبدونا ولكن عبدوا أهواءهم الفاسدة.
(3) - سؤال: هل في هذه الآية دليل على تكذيب المجبرة فيما ادعوه من القضاء والقدر؟ فمن أي ناحية؟

الجواب: نعم، فيها دليل وأي دليل، وذلك من حيث أن المعبودات من دون الله اعترفوا بأنهم الذين أغووا أتباعهم وأنهم هم الذين غووا، قالوا ذلك في موطن لا مجال للكذب فيه، ولو فرضنا أنهم كذبوا في ذلك لأكذبهم الله ولرد عليهم، ولا مخلص للمجبرة من هذا البرهان الواضح، إلا أن يقولوا: إن أهل هذا القول قدرية متمسكون بمذهبهم في عرصات القيامة!!
الآية 64
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} فيأمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يدعوا شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله تعالى.
{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} وفعلاً يدعون آلهتهم تلك، كفرعون وإبليس وغيرهم من الجبابرة والمتكبرين، ولكنهم مشغولون بأنفسهم وقت النداء فلا يستطيعون أن يجيبوهم.
{وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ (1) أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ 64} وأيقنوا عند ذلك أنهم قد استحقوا العذاب، وكل ذلك يحسرهم الله تعالى ويندمهم بأنهم لو كانوا من الذين استجابوا للحق والهدى لما وصلوا إلى ما هم فيه الآن.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «لو» في الآية؟ وهل جوابها محذوف كما هو ظاهر كلامكم؟
الجواب: يجوز أن تكون «لو» على بابها، وجوابها محذوف، ويجوز أن تكون للتنديم فلا تحتاج إلى جواب.
الآية 65
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ 65 (2)} ثم ينادي الله تعالى المشركين (3) أيضاً، ويسألهم ماذا فعلتم مع الرسل الذين أرسلناهم إليكم؟ وكيف كان جوابكم عليهم عندما كانوا يدعونكم إلى عبادة الله تعالى؟
__________
(2) - سؤال: ما العامل في «يوم» النصب؟ وما إعراب: {مَاذَا أَجَبْتُمُ}؟
الجواب: «يوم» منصوب بفعل محذوف تقديره: واذكر يوم يناديهم. و «ماذا» اسم استفهام في محل نصب مفعول مطلق منصوب بأجبتم، والمعنى: أيّ إجابة أجبتم المرسلين؟ وأجبتم المرسلين: فعل وفاعل ومفعول به.
(3) - سؤال: هل يصح أن يُجْعَل النداء لكل من قصر في إجابة الأنبياء في الواجبات ولو كان مِلِّيّاً بدليل آية (67)؟
الجواب: النداء شامل لكل من أرسل إليهم رسول مؤمنهم وكافرهم بدليل التفصيل الذي ذكرتم في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ ... } الآية.
الآية 66
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ
📝 التفسير:
{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ 66} فعند ذلك تنعقد ألسنتهم فلا يحيرون جواباً من هول ما يرون وفضاعته، حتى إنهم لا يتحدثون فيما بينهم.
الآية 67
فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
📝 التفسير:
{فَأَمَّا (1) مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ 67}
يرغب الله تعالى عباده في التوبة، وأن بابها مفتوح لمن أراده كائناً من كان، فمن تاب وأخلص توبته وإيمانه لله سبحانه وتعالى فإنه سيقبله، وسيكون من الفائزين بثواب الله تعالى. و «عسى» من الله تعالى: وعد بالقبول.

__________
(1) - سؤال: ظاهر أما هنا أنها للتفصيل فأين القسم الآخر من جانبي التفصيل؟
الجواب: ذلك للتفصيل، وقد ذكر هنا أحد القسمين وهو حكم المؤمنين وطوى ذكر القسم الآخر للعلم به من السياق، حيث قد ذكر ما يدل عليه في قوله: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ}.
الآية 68
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ (2) وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 68} كان المشركون يعترضون على إرادة الله سبحانه وتعالى في بعثه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للنبوة والرسالة، وقد استنكروا عليه لماذا جعلها في محمد ذلك الرجل الفقير اليتيم؟ ألم ير غيره يجعلها فيه؟ ولماذا لم يبعث فلاناً أو فلاناً وعددوا رجالاً من كبار قريش؟
فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأن أمر الاختيار إليه، وأنه الذي يختار من أراد فليس ذلك إليهم سواء عليهم قبلوا أم لم يقبلوا.
__________
(2) - سؤال: ما المناسبة في ختم هذه الآية بالتسبيح؟
الجواب: المناسبة ظاهرة وذلك من حيث إن المشركين جعلوا لأنفسهم منزلة الربوبية باقتراحهم أن تكون النبوة في غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رجالات قريش العظام، واستنكارهم اختيار الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ 31} [الزخرف]، فختمت الآية بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شريك يعقِّب على اختياره وأحكامه ويقترح غيرها: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41].
الآية 69
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
📝 التفسير:
{وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ 69} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون قد استبطأوا نزول العذاب بقريش لما كانوا ينزلونه بهم من الأذى والعذاب في مكة، وقد طال انتظارهم لنزول نصر الله سبحانه وتعالى وإخراجهم من الذل والقهر الذي كان المشركون يلحقونه بهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسليه ويخبره بأن ما وعدهم به قريب فما عليهم إلا الصبر، فهو عالم بجميع أعمال المشركين سرها وعلانيتها، وسيجازيهم عليها، فما عليهم إلا الصبر وسيرون وعد الله تعالى عما قريب.
الآية 70
وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ (1) وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 70} ثم رد الله تعالى على المشركين فأخبرهم أنه لا معبود في هذا الكون إلا هو فلا شريك له في استحقاق الإلهية والعبادة كما يزعم المشركون؛ لأنه وحده الذي يستحق الحمد والثناء على النعم التي يعطيها عباده، وأما تلك التي يعبدونها فلا تستطيع شيئاً من ذلك.
__________
(1) - سؤال: ما علة الحمد في الآخرة، وقد انتهى دار التكليف؟
الجواب: المعنى أن الله تعالى هو الذي يستحق الحمد في الدنيا والآخرة، فهو وحده الذي أنعم على أهل الدنيا بما فيها من النعم، وهو وحده الذي ينعم بنعم الآخرة على عباده الصالحين، وليس المراد في هذه الآية طلب الحمد في الآخرة وإنما يراد أنه وحده المستحق للحمد في الآخرة لكونه هو الذي تفضل بما فيها من النعيم الدائم، وعباده الصالحون وإن حمدوه في الآخرة فإنما يقولونه لإظهار السرور والفرح بعظم فضل الله عليهم، لا على وجه التكليف.
الآية 71
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ (1) أَفَلَا تَسْمَعُونَ 71} يذكر الله تعالى المشركين بآياته لينتبهوا من غفلتهم إن أرادوا، ويرجعوا إليه ويتركوا ما هم فيه من عبادة الأصنام، فأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسألهم: كيف لو أن الله جعل الليل ممتداً إلى يوم القيامة فهل ستستطيع الأصنام أن تأتيكم بنهار تستضيئون بنوره؟ فحتماً سيكون جوابهم بالنفي، وأنها لا تستطيع ذلك.
__________
(1) - سؤال: ما فائدة التنكير هنا؟
الجواب: فائدته الدلالة على أنه نوع من الضياء، فالتنكير للتنويع.
الآية 72
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ 72} (2) وأيضاً كيف لو جعل الله تعالى جميع الوقت نهاراً دائماً؛ فهل تستطيع الأصنام أن تأتيكم بليل تهدؤون فيه من تعب النهار؟ فحتماً سيكون جوابهم أيضاً بالنفي.
_____________
(2) - سؤال: ما هي مناسبة ختم الآية بقوله: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ 72} والتي قبلها بقوله: {أَفَلَا تَسْمَعُونَ 71}؟
الجواب: قرن الضياء بقوله: {أَفَلَا تَسْمَعُونَ 71} لكثرة فوائد الضياء ومنافعه التي لا يبصر منها إلا النور، وقرن الليل بقوله: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ 72} لكون منافعه يبصرها الناس جميعاً وهي الظلام والهدوء والسكون، هكذا يقول بعض المفسرين، وهو قول حسن.
الآية 73
وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْ رَحْمَتِهِ (3)جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 73} (1) ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر المشركين بنعمه عليهم ورحمته بهم إذ جعل لهم الليل ليسكنوا فيه ويرتاحوا مما لحقهم من التعب في السعي وراء أرزاقهم في نهارهم، وجعل لهم النهار ليسعوا في أمور معايشهم وطلب أرزاقهم، وأيضاً جعل لهم هذه النعمة ليشكروه عليها ويؤدوا حقها من الطاعة والعبادة لله تعالى، غير أنهم رفضوا واستكبروا مع معرفتهم اليقينية بأن أصنامهم هذه التي يعبدونها لا تفعل لهم شيئا.

__________
(3) - سؤال: ما موضع {وَمِنْ رَحْمَتِهِ} الإعرابي؟ وما الوجه في تقديمها؟

الجواب: «من رحمته» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم في محل رفع، و «جعل لكم» في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر مرفوع، وقد حذفت «أن» المصدرية هنا كما حذفت في قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقدم الخبر «ومن رحمته» للاهتمام بذكر الرحمة من حيث إنها المقصود الأهم الذي يراد تذكيرهم بها والتفكر والنظر فيها.

(1) - سؤال: هل في هذه الآية لف ونشر مرتب؟ فما فائدته؟ أم لا؟ فكيف تحمل الآية؟
الجواب: فيها لف ونشر مرتب، وفائدته تحسين الكلام وإخراجه في صورة بديعة يستعذبها السمع ويطرب لها السامع.
الآية 74
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 74} وذلك يوم القيامة سينادي الله تعالى المشركين سائلاً أين تلك الآلهة التي كنتم تعبدونها من دونه، فنادوها لعلها تجيبكم أو تنفعكم؛ يُبَكِّتُهم الله سبحانه وتعالى، ويندمهم على أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.
الآية 75
وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا (2) بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 75} الشهداء هم الأنبياء والأوصياء والأئمة ومن يقوم (3)مقامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ الناس شرائع ربهم وأحكام دينهم، فأخبر الله تعالى أنه سيحضر هؤلاء الشهود ليشهدوا على أممهم عند الله تعالى يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم وأعذروا إليهم وأنذروهم؛ لأن المكذبين سيقولون يوم القيامة ما جاءنا من بشير ولا نذير (1)فعندها يحضر الله تعالى هؤلاء الشهود يشهدون عليهم؛ ثم بعد شهادة الشهود يسأل المشركين والمكذبين بأن يأتوا ببراهينهم وحججهم لعلهم يجدون مخرجاً، ولكنهم لا يجدون أي مخرج أو طريق فيضطرون إلى الاعتراف بما شهد عليهم أولئك الشهود، وأما تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها، ويدعون أنها سوف تنفعهم فقد ضاعت عنهم يوم القيامة، وكذا جميع ما كانوا يختلقونه من الباطل في الدنيا.


__________
(3) - سؤال: ما أروع مقالتكم هذه لكن هل يحتاج إلى إقامة دليل على أن الأمة هي الجماعة في برهة معينة من الزمان؟

الجواب: مطلق الأمة هي الجماعة من الناس كما في قوله تعالى: {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص:23]، فأهل كل رأي يجمعهم أو مذهب يطلق عليهم أمة في أي وقت، فيقال لأهل الإرشاد الموجودين في هذا الوقت: أمة.

(1) - سؤال: يقال: هل يعارض هذا قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ 8 قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} [الملك]؟ أم لا فكيف يجمع بينهما؟

الجواب: يمكن دفع التعارض بأن يقال: يجمع الله كل شهيد مع أمته: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ 6} [الأعراف]، فمع وجود الشهيد عند السؤال والجواب لا يمكن للمشهود عليهم أن ينكروا، فشهادة الشهيد قائمة بالقوة. ويمكن الجمع بأن اعترافهم يكون بعد أن يشهد عليهم الشهداء، وقد جاء في آية المجادلة قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ 18} [المجادلة]، وقال تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ 23 انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 24} [الأنعام]، فإن في هذا ما يدل أنه سيحصل في يوم العرض الإنكار من المنافقين والمشركين، وحينئذ فيتوجه قيام الأشهاد بأداء الشهادة على أممهم بما عملوا من كفر وفسوق ونفاق.
الآية 76
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ثم انتقل الله سبحانه وتعالى إلى ذكر قصة قارون لما فيها من العظات والعبر للمعتبرين، فأخبر تعالى أنه كان رجلاً (1) من بني إسرائيل مكنه الله في الأرض، وأعطاه الكنوز والأموال الكثيرة، وقد عبر عن كثرتها بأن مفاتيح خزائنه من كثرتها كانت تثقل (2) مجموعة من الرجال الأقوياء، فبسبب ما مكنه الله تعالى طغى على موسى وخرج عليه ووقف في وجه دعوته، وكل ذلك بدل أن يشكر الله تعالى على ما أعطاه من النعم.
{إِذْ (3)قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ 76} وكان قومه (4) ينصحونه بترك البطر والتبذر بما أنعم الله تعالى عليه، والفرح الذي نهاه قومه عنه هو الذي يؤدي إلى نسيان نعمة الله تعالى عليه، حتى يرى نفسه بسبب فرحه وبطره عظيماً وذا شأن كبير، ويتكبر بما أنعم الله تعالى عليه ويتعالى على الناس بما آتاه الله تعالى؛ وأما فرح (5)السرور مع عدم نسيان نعم الله تعالى وأداء حق شكرها فذلك محمود.


__________
(1) - سؤال: هل هو صحيح أنه كان ابن عم موسى عليه السلام؟ وهل يصح ما في كتب التفسير أنه دبر امرأة تدعي على موسى أنه زنى بها؟
الجواب: لم يرد في القرآن إلا أن قارون كان من قوم موسى، أي: من بني إسرائيل، فيكون بينهما قرابة إما قريبة أو بعيدة.
(2) - سؤال: هل يصح ما يقال إن في الآية قلباً وأن أصلها: العصبة أولو القوة تنوء بالمفاتيح؟ أم كيف؟
الجواب: لا يصح ذلك لأن المعنى مستقيم، ولا ينبغي القول بالقلب إلا إذا لم يصح الكلام ويستقم إلا على تقدير القلب، وهاهنا لا يوجد مبرر للقول بالقلب، فالمعنى هو: أن مفاتح خزائن قارون لتميل بالعصبة من ثقلها إذا حملوها.
(3) - سؤال: ما إعراب «إذ» هنا؟

الجواب: تعرب ظرفاً لقوله: «فبغى».

(4) - سؤال: هل هؤلاء القوم ممن آمن بموسى وصدقه أم كيف؟
الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن بني إسرائيل - (قوم موسى) - كانوا مائلين إلى موسى ودينه، وفيهم ذوو بصائر، وفيهم الجهال والعوام وضعاف الإيمان ومن لا يبالي بالدين، مع ميولهم جميعاً إلى موسى والإيمان به، ولذلك خرجوا معه جميعاً وأذعنوا لطاعته. أما قوله تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ... } الآية [يونس:83]، فالمراد لم يظهر التصديق بموسى ويعلن إيمانه إلا ذرية من قومه، أما البقية فلم يجسروا على إظهار الإيمان بموسى والتصديق له؛ لخوفهم من فرعون فقد كان عالياً من المسرفين.
(5) - سؤال: ما هو الدليل على توجيهكم الرشيد هذا في الفرح؟

الجواب: الفرح والسرور طبيعة تحصل عند حصول سببها بغير اختيار صاحبها لا يقدر على ردها، وهذا أمر وجداني لا يحتاج إثباته إلى دليل، فإذا حصل ذلك عند المؤمن شكر الله وحمده على ما أولاه من فضله فهذا فرح المؤمن، وإذا حصل عند غير المؤمن أشر وبطر ولم يعترف بفضل الله عليه، واعتقد أنه هو الذي ساق الخير والنعمة إلى نفسه بعمله وحسن تدبيره وسياسته، وهذا فرح غير المؤمن، قال تعالى للمؤمنين: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58} [يونس]، فأمرهم الله بأن يفرحوا أي: أن يعتدوا بنعمة الله عليهم ويستعظموها في أنفسهم ويشكروا الله تعالى عليها ويعترفوا بفضل الله عليهم ورحمته بهم حين هداهم إلى الإسلام؛ لذلك نقول: إن المراد بذم الفرح في القرآن هو ذم ما يترتب عليه من نتائج ذميمة هي الكفر بنعمة الله وفضله والانتفاخ بالكبر والغرور، وسياق قصة قارون في هذه السورة يشهد لما ذكرنا.
الآية 77
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{وَابْتَغِ فِيمَا (1) آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} ونصحوه بأن ينتفع بما آتاه الله من الأموال، ويطلب بها وجه الله تعالى والدار الآخرة، وذلك بإنفاقها في سبيل الله وعلى الفقراء والمساكين وصلة الأرحام ونحو ذلك من أوجه البر التي يكثر تعدادها، وفي ذلك دليل على أنه لا حرج في أن يتمتع الإنسان بما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه مهما كان يؤدي ما يجب عليه من الحقوق في أمواله.
{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (2) يعني قابل إحسان الله إليك بالإحسان في أموالك وذلك بتأدية ما أوجب الله فيها من الحقوق وبشكر الله والاعتراف له بالمنة.
{وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ 77} ولا تجعل ما وهبك الله تعالى من الأموال وسيلة إلى السعي بالفساد بين الناس والإفساد في الأرض.
__________
(1) - سؤال: هل «في» في قوله: {فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ} على أصلها أم أنها بمعنى «من»؟
الجواب: هي على أصلها لأن المراد أن يعترف لله بفضله ونعمته عليه وأن يشكره ويحمده عليه، ولا يجعل ما آتاه الله سبباً للفساد في الأرض والبغي والعدوان، وأن يجعل ماله سبباً يقربه إلى الله وإلى ثوابه ويتحقق ذلك بالشكر لله والاعتراف بفضله وأن لا يستعمله في حرام أو فساد أو بغي أو عدوان، وأن يؤدي حق الله فيه، وأن يصل من أمر الله بصلته ويحسن إلى من أمر الله بالإحسان إليه.
(2) - سؤال: ما هو إعراب قوله: {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}؟
الجواب: الكاف حرف جر، و «ما» مصدرية مسبوكة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إحساناً مثل إحسان الله إليك.
الآية 78
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى (1) عِلْمٍ عِنْدِي} عندما وعظه أصحابه وبعض قومه، وبذلوا له تلك النصائح أجاب عليهم جواب المستكبرين، ونسي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنعم عليه، وأعطاه ورزقه، فقال: إن ما عنده من الأموال إنما اكتسبها بما عنده من الخبرة والبصيرة في كسب الأموال وتجميعها، وأنه لولا ذلك وما عنده من العلم لما كان عنده شيء، فكفر بالله تعالى وكفر بنعمه عليه.
{أَوَلَمْ (2) يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ (3)مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ (4) الْمُجْرِمُونَ 78} بلى قد علم أن الله قد أهلك من هو أقوى منه وأكثر أموالاً؛ يستنكر الله تعالى عليه لماذا لا يعتبر بمن أهلكهم ممن سبقوه على الرغم من القوة التي كانوا عليها، وكثرة أموالهم وكنوزهم؟ فقد أهلكهم الله تعالى بسبب كفرهم.

__________
(1) - سؤال: ما معنى «على» هنا؟ وهل يستنبط من جوابه هذا أن الفرح الذي نهاه عنه قومه هو ما قلتم أنه الذي يصاحبه نسيان نعمة الله وعدم إرجاع ذلك إليه؟
الجواب: «على علم» متعلق بمحذوف حال من نائب الفاعل في «أوتيته» فهي على معناها الذي هو الاستعلاء، والمعنى: إنما أوتيته حال كوني متمكناً على العلم كتمكن الراكب على المركوب، مثلها في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [لقمان:5]، وفي جواب قارون هنا ما يفيد أن الفرح المذموم هو ما يصاحبه نسيان نعمة الله تعالى ونسيان فضله وكفر نعمته مع ما يتبع ذلك من الفخر والغرور والعجب.
(2) - سؤال: هل الاستفهام في هذه الآية تقريري أم استنكاري؟ وتفضلوا بإيراد ضابط نفرق به بين الاستفهامين؟
الجواب: قد قالوا في مثل هذا الاستفهام إنه تقريري وإنه إنكاري، أي: إنه تقرير لما بعد النفي أو استنكاري للنفي والمنفي.
(3) - سؤال: بماذا تعلق: {مِنْ قَبْلِهِ}؟ وكذا {مِنَ الْقُرُونِ}؟

الجواب: «من قبله» متعلق بأهلك، و «من القرون» متعلق بمحذوف حال من «من هو أشد .. » مقدماً عليه.

(4) - سؤال: إلام يعود الضمير في {ذُنُوبِهِمُ}؟ إن كان للـ «مجرمون» فكيف يجمع بينه وبين {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92} وأمثالها؟ وإن كان إلى قوله: {مَنْ هُوَ أَشَدُّ} فهل يبتني عليه عدم التكليف بمعاداة المهلكين السابقين ونحو ذلك؟
الجواب: يعود الضمير إلى المجرمون، ولا مخالفة بين هذا وبين نحو قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92} ونحوها، وذلك أن المراد بـ «المجرمون» في هذه الآية المهلكون في الدنيا المذكورون في أول هذه الآية: {أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ ... } وكان الظاهر أن يأتي بضميره إلا أنه عدل إلى الظاهر ليصفهم بالإجرام وأنه سبب إهلاكهم.
الآية 79
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
📝 التفسير:
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} (2) ثم إنه خرج ذات يوم في كامل زينته متبختراً بينهم، وتظهر عليه أمارات العلو والفخر والكبر.
{قَالَ (3)الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 79} (1) عندما رآه ضعاف الإيمان اغتروا وعظم ذلك في أنفسهم وما رأوا عليه من الهيئة والهيبة وتمنوا أنهم لو كانوا مكانه، وقد نسوا الله تعالى وما عنده.
__________
(2) - سؤال: بماذا تعلق {فِي زِينَتِهِ}؟ وهل «في» هنا على بابها أم كيف؟ وهل المراد زينته الشخصية أم الأموال ونحو ذلك؟
الجواب: تعلق «في زينته» بمحذوف حال من فاعل «خرج»، والمراد بالزينة الأموال بدليل ما بعده: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 79} فإن في ذلك ما يدل على أنه خرج يعرض ما عنده من المال الكثير الذي عظم في عيون الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها.
(3) - سؤال: ما العلة في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟

الجواب: فصلت لكونها مستأنفة في جواب سؤال مقدر ناشئ عن الجملة التي قبلها، فكأنه قيل: فماذا قال قومه.

(1) - سؤال: ما هو الضابط في إرادة الحياة الدنيا الذي نجريه عليها أينما وردت في ألفاظ القرآن؟
الجواب: التوسع في الأموال وجمعها والتنعم فيها وبناء المساكن الراقية و ... إلخ حلال، هذا هو الأصل؛ بدليل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32]، ويصير ذلك مذموماً بـ:
- ... أن يشتغل بها عما أوجب الله تعالى عليه: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون:9].
- ... أن يجمعها من حلال وحرام كالغش والتطفيف والربا ونحو ذلك.
- ... أن ينفقها في حلال وحرام وبغي وفساد.
- ... أن لا يؤدي ما أوجب الله عليه فيها من الزكاة ونحوها.
- ... أن يغتر بها وينسى فضل الله عليه ويتعاظم ويعجب بما ذكر الله هنا عن قارون.
الآية 80
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (2) وَيْلَكُمْ (3)ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} فوبخهم أهل العلم من المؤمنين على ذلك الكلام وذكروهم بالله سبحانه وتعالى وما عنده من الثواب، وألّا يغتروا بما هو عليه من متاع الدنيا الفانية، فإن ما عند الله من الثواب أفضل وأعظم مما هو عليه.
{وَلَا يُلَقَّاهَا (1) إِلَّا الصَّابِرُونَ 80} وهي هذه الكلمة التي نطق بها هؤلاء المؤمنون؛ لأنه لا يتذكر ما عند الله سبحانه وتعالى من الخير والثواب في مثل هذه المواطن إلا أهل هذه الصفة؛ لأن أكثر الناس عندما يرون زينة الدنيا وزخارفها ومتاعها فإنهم يفتتنون وينسون ثواب الله والدار الآخرة.

__________
(2) - سؤال: هل يمكن أن نستدل من هذه الآية على أنه لا نجاة من فتن الدنيا إلا لأهل العلم والمعرفة؟ فمن أي ناحية؟
الجواب: فيها دليل على أنه لا نجاة من فتن الدنيا إلا لأهل العلم كما ذكرتم في السؤال، وذلك لما في الموصول وصلته «الذين أوتوا العلم» من الإشارة إلى العلة والسبب الذي بعثهم على أن يقولوا: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ}، وأيضاً مقابلتهم للذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها يقوي تلك الإشارة ويشهد لها.
(3) - سؤال: ما إعراب: {وَيْلَكُمْ}؟

الجواب: مفعول مطلق لفعل محذوف مقدر من معناه، أي: أهلككم الله إهلاكاً أو عذبكم عذاباً، والويل: هو العذاب أو الهلاك، وقد أضيف الويل إلى ضمير المفعول به الذي كان متصلاً بالفعل أهلك وعذب: «أهلككم أو عذبكم».

(1) - سؤال: إلام عاد الضمير في الآية؟
الجواب: الضمير عائد إلى مذكور باعتبار المعنى؛ لأن ما قاله أهل العلم بمعنى «كلمة».