القرآن الكريم مع التفسير

سورة آل عمران

آية
إجمالي الآيات: 200 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
📝 التفسير:
{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} فإن عادت إليك النصارى ليجادلونك {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} من بعد أن أخبرناك بالخبر الحق والصدق، والحجج الواضحة النيرة، ولم يقبلوا ذلك؛ {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ 61} ثم إنهم عادوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليجادلوه، فدعاهم للمباهلة (1) وتواعدوا لليوم الثاني للمباهلة، فتشاورت النصارى فيما بينهم بعدما طلبهم فقالوا: إن أتانا بأصحابه وبجيشه فليس بنبي، وإن لم يأت إلا بأهل بيته وخاصته فاحذروا ولا تباهلوه فهو نبي، فلما جاء اليوم الثاني خرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي وهو المراد بقوله: {وَأَنْفُسَنَا} وفاطمة وهي المرادة بقوله: {وَنِسَاءَنَا} والحسن والحسين وهما المرادان بقوله: {أَبْنَاءَنَا} فهربوا من المباهلة عندما جاءهم بخاصته وأهل بيته خوفاً على أنفسهم من الهلاك، ودعوه للمصالحة، وطلبوا منه أن يكتب بينهم عهداً، ويطلب ما أراد من الصلح (2).

__________
(1) - سؤال: ما هو المقصود بالمباهلة؟
الجواب: البَهْلَة: اللعنة، وبَهَلَه الله: لعنه وأبعده من رحمته، «ثم نبتهل»: ثم نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم، ويستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً.
(2) - سؤال: هل أجمع المفسرون على أن المراد بالمباهلة أهل البيت عليهم السلام؟

الجواب: الظاهر أن المفسرين مطبقون على أن المراد بـ «أبنائنا» في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ... } الحسن والحسين '، والمراد بنسائنا فاطمة &، وأنفسنا علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت عليه هذه الآية خرج ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين.
الآية 62
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} هذا الذي قصه الله تعالى من شأن مريم وعيسى، وأنه ولدها، وليس ابن الله، وأنه كمثل آدم، وأنه رسول الله هو القصص الحق، وأما ما تزعمه النصارى من أن عيسى ابن الله و .. إلخ فهو باطل تعالى الله عنه.
{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} لا رب سواه وليس عيسى إلا عبد لله ورسول أرسله إلى بني إسرائيل خلقه بقدرته من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 62}.
الآية 63
فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} وأبوا اتباع الحق والصدق {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ 63} وسيجازيهم على تمردهم وإفسادهم في الأرض.
الآية 64
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو اليهود والنصارى: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} يعني كلمة تكون وسطاً، يعني حقاً مجمعاً عليه بيننا وبينكم، نتبعها نحن وأنتم، والكلمة هذه هي قوله تعالى: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} عدم عبادة أحد إلا الله فالمصدر المؤول في محل جر بدلاً من قوله (كلمة) وأهل الكتاب فهم معترفون بالله خالق الكون، ولكنهم يهربون من عبادته وحده وجميع أهل الكتاب اليهود والنصارى وكذا المسلمون معترفون بربوبية الله وإلهيته.
{وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} فنحن جميعاً نكون بمنزلة واحدة، لا نعبد إلا الله، لا يعبد بعضنا البعض الآخر، ولا نعدل عن عبادة الله وحده إلى عبادة غيره.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} ولم يسمعوا {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64} اشهدوا بأنا مسلمون لله ومستسلمون ومنقادون له، لا نعبد غيره، ولا نشرك معه في العبادة أحداً غيره.
الآية 65
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} لماذا تجادلون في إبراهيم.
{وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} فكيف تقول اليهود: إن إبراهيم _ كان يهودياً، وتقول النصارى: إنه كان نصرانياً {أَفَلَا تَعْقِلُونَ 65} تفهمون وتعقلون أنه لا يصح أن يكون يهودياً أو نصرانياً ولم توجد بعدُ اليهودية والنصرانية فالديانة اليهودية إنما وجدت في عهد موسى وهارون، والديانة النصرانية إنما وجدت في عهد عيسى عليه السلام.
الآية 66
هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{هَا أَنْتُمْ (1) هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} (2) أنتم هؤلاء جادلتم في شيء أنتم به عالمون فأنصفناكم بالحجاج ورددنا حجتكم بالحجة القاهرة؛ {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} لماذا تحاجون في إبراهيم وليس لكم بملته علم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 66}.
__________
(1) - سؤال: ما فائدة الهاء في قوله: {هَا أَنْتُمْ}؟
الجواب: فائدتها تنبيه المخاطب ليفتح أذنيه ويصغي لما بعدها من الكلام، وفيها إيذان المخاطب بأن ما يأتي بعدها من الكلام جدير بالاهتمام.
(2) - سؤال: ما هو الشيء الذي جادلوا فيه وهم به عالمون؟
الجواب: الذي يظهر من الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ... } الآية- أن الجدال الذي جادلوا فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وهم به عالمون كان في الأحكام والأخبار التي أنزلها الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن حيث اعترضها اليهود وادعوا أنها مخالفة لما أنزله الله إليهم في التوراة.
الآية 67
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} فلم يكن إبراهيم على الديانة اليهودية، ولا على النصرانية ولكن كان مائلاً عن الديانات الباطلة وتابعاً لدين الحق مسلماً لله وجهه ولم يكن من المشركين، وقوله: {حَنِيفًا} يعني مائلاً عن الشرك، {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 67}.
الآية 68
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} (1) كان اليهود والنصارى يقولون: نحن أولى بإبراهيم؛ لأنا على دينه وهو على ديننا، فرد الله عليهم بأن أولى الناس به الذين اتبعوه وهذا النبي، يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو أولى به {وَالَّذِينَ آمَنُوا} به فهم أولى به منكم أيها اليهود والنصارى، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ 68} ناصرهم ومؤيدهم.
__________
(1) - سؤال: ما هي الأولوية للمؤمنين بإبراهيم عليه السلام؟
الجواب: الأولوية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين بإبراهيم هي ما يفهم مما حكى الله تعالى عن إبراهيم: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 36} [إبراهيم]، فمن اتبع إبراهيم عليه السلام لحقه فيما كان عليه من الهدى ورضوان الله ومحبته وولايته والفوز بثوابه والأمن من عقابه، ومن لم يتبع إبراهيم عليه السلام خاب وخسر، ولم يكن له نصيب في رضوان الله ومحبته وولايته وثوابه، وكان من الضالين. هذا، وقد ادعى كل من اليهود والنصارى أن ما هم عليه من الدين اليهودي والنصراني هو ملة إبراهيم عليه السلام، ودينه الذي كان يدين الله به، فرد الله عليهم كما ذكرنا.
الآية 69
وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{وَدَّتْ طَائِفَةٌ (2) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} (3)
كان أهل الكتاب حريصين على أن يضلوا المؤمنين، ويخرجوهم ويصدوهم عن دينهم إلى دين اليهود والنصارى فما نجحوا ولا أفلحوا، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 69} ولا يسعون في الواقع إلا في هلاك أنفسهم، وهم لا يعلمون.
?___________
(2) - سؤال: هل المراد بالطائفة البعض أو الكل؟
الجواب: المراد البعض، وذلك أنه لا يُحْسِن ترويج الشبه وزخرفتها والتلبيس على الناس وتصوير الباطل بصورة الحق والعكس- إلا أهل المعرفة والفطنة دون العوام وأهل الجهل منهم.
(3) - سؤال: ما إعراب «لو» في الآية؟

الجواب: «لو» حرف مصدري بمنزلة «أن» الناصبة للفعل المضارع، و «لو» والفعل الذي دخلت عليه مؤول بمصدر مفعول به منصوب لـ «ودت»، وفي «لو» مع ذلك رائحة التمني.
الآية 70
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ 70} (1) كان من المفروض على أهل الكتاب أن يؤمنوا بآيات الله؛ لأن دلالة صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجودة عندهم في كتبهم، فكيف يكفرون وهم يعلمون أن ما جاء به حق وصدق؟!
__________
(1) - سؤال: هل المراد بشهادتهم إقرارهم بالدليل على نبوته في كتبهم؟
الجواب: المراد بشهادتهم إقرارهم بصدق دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحة نبوته، وأنه النبي الذي بشر الله به في التوراة، وكانوا -كما روي- يعترفون بذلك فيما بينهم ويقرون به، وإذا لقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين أنكروا وكفروا.
الآية 71
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} كان اليهود يخلطون الحق بالباطل؛ لأجل أن يضيعوا الحق الذي عرفوه في التوراة، ويُلَبِّسُوا على الناس؛ لئلا يهتدوا إلى الدين الحق.
{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 71} يكتمون الحق وهو موجود عندهم في كتبهم، يعني محمداً وأوصافه، وما جاء به وتصديق دعوته، مع ما هم عليه من العلم بصدقه وصدق دعوته وكل ذلك حسداً وبغياً وتمرداً على الله.
الآية 72
وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} -من اليهود- قالوا: سوف نعمل للمسلمين حيلة -وذلك لأجل أن يصدوا الناس عن الإسلام- كانوا يقولون لبعضهم البعض: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} اتفقوا فيما بينهم أن يذهب ناس منهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول اليوم (2)
فيؤمنوا به، ثم إذا كان آخر اليوم يقولون: تبين لنا أنه ليس الدين الحق، وأننا كنا نظن أنه الدين الحق، ثم تبين لنا أنه ليس به، وذلك لأجل أن ينفروا الناس عن الإسلام، ويبعدوهم عنه.
{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 72} لأجل أن يتراجع الناس عن الإسلام، ويخرجوا منه.
_______
(2) - سؤال: كيف كان وجه النهار أول اليوم؟

الجواب: في {وَجْهَ النَّهَارِ} استعارة مكنية واستعارة تخييلية، فشُبِّه النهارُ بالإنسان تشبيهاً مضمراً في النفس، فلما صوره بصورة الإنسان أثبت له وجهاً تخييلاً.
الآية 73
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} لا تعترفوا لأحد بحق إلا لمن اتبع دينكم فقط فاعترفوا له بأنه الحق وغيره الباطل.
{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} (1) الهدى هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، وليس على ما قالت اليهود {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} (2) فلا تعترفوا لأحد بأنه قد أوتي مثل ما أوتيتم بأن تقولوا للمسلمين بأنه قد جاءكم الحق مثل ما قد جاءنا (3).
{أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} وذلك إذا اعترفتم لهم بالحق فسوف يجادلونكم عند ربكم يوم القيامة بأنكم قد اعترفتم لهم وذلك لأجل إذا كان يوم القيامة لم يكن للمسلمين عليكم طريق ولا سبيل، ولا حجة يحتجون بها عليكم عند الله- يلقنون ذلك أتباعهم مثلما يلقن الرجل صاحبه إذا كان عليه خصومة كيف يفعل عند القاضي بأن يسكت؛ لأجل أن لا يفتح للخصم طريقاً عند القاضي.
{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} فلا تعترضوا على الله في اختياره أيها اليهود، وليس لكم أن تتحكموا عليه في اختياره وفضله.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 73} له أن يختار نبياً من غيركم يا معشر اليهود،
__________
(1) - سؤال: هل هذه جملة معترضة؟
الجواب: هي جملة معترضة بين العامل ومعموله، والعامل هو «ولا تؤمنوا» ومعموله هو «أن يؤتى».
(2) - سؤال: ما موضع المصدر المؤول: {أَنْ يُؤْتَى} الإعرابي؟
الجواب: موضعه الجر بالباء الجارة المتعلقة بـ «لا تؤمنوا».
(3) - سؤال: يظهر لنا أن قوله: «أن يؤتى» معمول لـ «تؤمنوا» وهو مشكل خصوصاً مع المعطوف: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}؟

الجواب: إعراب هذه الآية وتفسيرها من أصعب المشكلات في القرآن الكريم، وقد أعربوها على وجوه كثيرة، ولكنها كلها لم تسلم من الإشكالات. والذي رأيته أقرب إلى السلامة من الإعراب هو: أن قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} استفهام استنكاري حذفت منه همزة الاستفهام، ويكون التقدير: أَمِنْ أجل أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم قلتم ما قلتم ودبرتم ما دبرتم؟ ويدل لهذا: أن ابن كثير وهو من السبعة قرأها بهمزتين، والمستثنى منه في قوله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} مقدر حذف لوجود ما يدل عليه في الكلام وهو: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ... } والتقدير: ولا تؤمنوا ولا تعترفوا أن الله أعطى محمداً والمسلمين من كرامة النبوة والكتاب مثل ما أعطاكم، ولا تعترفوا أن المسلمين سيحاجوكم عند الله يوم القيامة بما أعطاهم من الحجة إلا لمن كان على دينكم من اليهود.
الآية 74
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
📝 التفسير:
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 74} فلا يحق لكم ولا ينبغي الاعتراض على ما يريد الباري تعالى لعظمته وجلاله وكبريائه وربوبيته.
الآية 75
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (1) قال الله: إن بعض اليهود أصحاب أمانة إذا ائتمنته فلن يخونك، {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} وبعضهم أهل خيانة حتى في الشيء اليسير فسيخونك فيه، {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} لم تفارقه وأما إذا تركته فسيخونك ويأخذه.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (2)
أي: أنهم اعتقدوا من قبل أنفسهم أنه ليس عليهم في المسلمين، وفي قريش ومن ليس على دينهم حرج إذا أخذوا منه شيئاً، وأن أموالهم حلال لهم، وليس الحرام إلا أن يأخذ يهودي على يهودي فقط، وأما أموال غيرهم فهي حلال لهم.
{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75} يكذبون على الله بأنه قال ليس عليهم حرج ولا مؤاخذة إذا أخذوا على الأميين شيئاً، وهم عالمون أنهم يكذبون على الله، وأنه سيؤاخذهم على ذلك.

__________
(1) - سؤال: هل يؤخذ من هذا لزوم الاعتراف للفاسق ونحوه بما فيه من خصال الخير؟
الجواب: يؤخذ جواز ذكر الفاسق والاعتراف والإقرار بما فيه من خصال الخير، أما الوجوب فلا يؤخذ من الآية.
(2) - سؤال: إلى ماذا الإشارة بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ}؟

الجواب: يعود إلى أخذهم للأمانة، واستحلالهم لأكلها وعدم تأديتها.
الآية 76
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ 76} (1) قال الله: ليس القول ما قلتم بأنكم أهل الحق وغيركم أهل الباطل، بل من أوفى بعهده مع الله واتقاه فإن الله سيحبه، ولو لم يكن من اليهود.
__________
(1) - سؤال: يا حبذا لو فصلتم القول في «بلى» فالمعروف عند الكثير أنها لإيجاب الكلام المنفي حتى قال بعض المعربين: إنها لإيجاب ما نفوه بقولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}، ولم يظهر ذلك، فكيف؟
الجواب: «بلى» هي لإيجاب المنفي قبلها كما يقوله المعربون، وقد كان تفسيري مبنياً على المعنى، وذلك من حيث إن اليهود يستحلون أموال الناس لأنهم أهل الحق، والناس أهل باطل، والأصل: بلى عليكم سبيل فيما فعلتم.
الآية 77
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 77} (2)
الذين ينقضون عهد الله ويحلفون الأيمان الفاجرة؛ لأجل حاجة تافهة من الدنيا- توعدهم الله بأن ليس لهم نصيب من رحمة الله يوم القيامة، ولا حظ لهم في ثوابه، وهو ساخط عليهم، فلا يكلمهم، ولا ينظر إليهم، وهذا على سبيل الكناية عن شدة غضب الله عليهم، ألا ترى إذا غضب أحد على شخص فإنه لا ينظر إليه ولا يكلمه- عبَّر الله عن غضبه بما نفهمه ونشاهده فيما بين المخلوقين.
{وَلَا يُزَكِّيهِمْ} بل يحكم عليهم بأنهم فجار، ويدخلهم النار (1).
__________
(1) - سؤال: هل المراد بالتزكية التعديل؟
الجواب: المراد لا يحكم بطهارتهم من الذنوب الموجبة للنار.
(2) - سؤال: ما هو الاشتراء المقصود في الآية؟

الجواب: هو أخذهم المال القليل بدلاً عن الوفاء بعهد الله الذي أخذه عليهم في العمل بما شرعه لهم في التوراة وفرضه عليهم فيها.
الآية 78
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} يعني من اليهود {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 78} يقرؤون لهم على أنها التوراة، وليست هي، وإنما اختلقوه من عند أنفسهم، فيرتلونه (2) على أنه من التوراة كذباً على الله، وهم مع ذلك يعلمون أنهم يكذبون عليه، ومتأكدون من ذلك.
__________
(2) - سؤال: هل المراد بـ «يلوون» يقرؤون على هيئة المرتل والتالي؟
الجواب: المراد هو ذلك إلا أنهم يميلون بألسنتهم ويوجهونها إلى المحرف ويتركون الصحيح.
الآية 79
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} لا ينبغي لأحد من البشر أن يبعثه الله نبياً، ثم بعد ذلك يأمرهم هذا النبي بعبادته، وذلك لأن النصارى كانت تدعي أن عيسى يأمرهم بعبادته، ثم رد الله عليهم بهذا.
{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} أي: ولكن يأمرهم بعبادة الله والانقطاع إليه، واختصاصه بالخضوع، وذلك أن العابد المنقطع إلى الله يسمى ربانياً (1).
{بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ 79} (2) بسبب أنكم من أهل العلم بالكتاب وأهل دراسته، فالمفروض أن تكونوا متعبدين لله وخاضعين له، ومطيعين ومنقادين له، ولا تتكبروا عليه بادعائكم الربوبية، يعني: لنبيه عيسى عليه السلام.
__________
(1) - سؤال: يقال: إن لفظة «رباني» لا تطلق إلا مقترنة بالعلم كما يقال: «عالم رباني» فهل هو صحيح أم لا؟
الجواب: لا يشترط الاقتران بدليل هذه الآية.
سؤال: أفيدونا ما هي المناسبة بين «رباني» وبين المنقطع إلى الله؟
الجواب: المناسبة أن المرء ينسب إلى عمله الذي عُرِف به وانقطع إليه، فلما انقطع العالم إلى الله وإلى عبادته وطاعته نُسِب إليه فقالوا: رباني، أي: لا شغل له غير عبادة ربه وطاعته.
(2) - سؤال: يقال: هل في الآية دليل على أن الطريق الربانية هو التعلم والدراسة أم لا؟
الجواب: بل في الآية دليل على أن تعلم العلم ودراسته وتعليم الناس مقدم على العبادة، أي: أن العلم هو الأول ثم العمل والعبادة، فالعبادة هي نتيجة العلم، والعلم هو السبب والعبادة مسبب.
الآية 80
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَا يَأْمُرَكُمْ (3)أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} لا يأمركم الله ولا أنبياؤه بعبادة الملائكة والأنبياء، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 80} كيف يأمركم بالكفر بعد إذ كنتم مسلمين- استنكاراً من الله عليهم كيف يصدر من الله العلي الكبير أن يأمر بعبادة غيره ويأمرهم بالشرك به والكفر بربوبيته ووحدانيته.
________
(3) - سؤال: ما وجه النصب في قوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ}؟
الجواب: النصب هو بالعطف على: {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ} ولا صلة للتوكيد.
سؤال: ما يكون معنى «إذ» على هذا التوجيه الذي قررتموه؟

الجواب: إذ اسم زمان أي بعد فترة إسلامكم.