القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأحزاب

آية
إجمالي الآيات: 73 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
📝 التفسير:
{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا 61} (1) وأن لعنة الله سبحانه وتعالى ستطاردهم أينما حلوا، وسيسلط الله سبحانه وتعالى أهل كل بلد ينزلون فيه عليهم فلا يتركونهم يستقرون أبداً. ومعنى «ثقفوا»: وجدوا وأدركوا.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: «أينما» معمول لـ «ملعونين» أم لـ «أخذوا»؟
الجواب: «أينما» اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية وهو معمول لجوابه «أخذوا»، و «ملعونين» من متعلقات لا يجاورونك؛ إذ هو حال من فاعله دخل الاستثناء على الظرف «قليلاً» وعلى الحال معاً، أفاد ذلك الزمخشري، ولا يتعلق بأخذوا؛ لأنه لا يعمل ما بعد أداة الشرط فيما قبلها.
الآية 62
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
📝 التفسير:
{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه سنته في كل من يلحق الأذى بأنبيائه وبالمؤمنين في كل زمان، وذلك أنه يسلط عليهم ويبيح دماءهم مما يؤدي إلى قتلهم واستئصالهم وطردهم (2).
{وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا 62} فليحذر أولئك المنافقون والمرجفون والذين يلحقون الأذى بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يصيبهم مثل ما أصاب الذين من قبلهم ممن آذوا أنبياءهم.

__________
(2) - سؤال: يقال: إن الأذية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تنقطع بعد ذلك، ولم يعرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباح دماء أهلها أو نحو ذلك مما ذكر في الآية، فكيف وهو صادق الوعد والوعيد؟
الجواب: يقال في الجواب: قد ترك المنافقون أذية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التعرض للنساء المؤمنات وتركوا إعلان الإرجاف بعد نزول التهديد، وتركوا أيضاً إظهار الأذى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وأظهروا الإخلاص رياءً وخافوا على أنفسهم وتركوا ما كانوا يعملون من الأذى؛ لأن الإسلام كان عند نزول الآية قد قويت شوكته وكثر أهله.
الآية 63
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
📝 التفسير:
{يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا سأله سائل عن موعد القيامة فليجب عليهم بهذا الجواب، وهو: أن موعدها مما يختص الله سبحانه وتعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه لا من أهل السماء ولا من أهل الأرض.
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا 63} (1) وقد يكون اقترب موعد حلولها، وأما موعدها بالتحديد فلا يعلم بذلك أحد.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا 63}؟
الجواب: «ما» استفهامية مبتدأ، وجملة «يدريك .. » في محل رفع خبر، ونائب فاعل يدريك ضمير يعود إلى المبتدأ، والكاف مفعول به ثان، و «لعل الساعة .. » في محل نصب المفعول الثالث. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة والمفعول الثالث محذوف أي: وما يدريك أمرها.
الآية 64
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا 64 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65 يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا 66} (2)وأما الكافرون فقد لعنهم الله تعالى وأخزاهم في الدنيا، وأما في الآخرة فذلك أشد وأطم في نار جهنم خالدين فيها أبداً، ولو لم يكن لهم من العذاب إلا تلك الحسرة والندامة التي تملأ قلوبهم في ذلك الموقف لكفتهم، ناهيك عن أنواع العذاب الذي سيجدونه.

__________
(2) - سؤال: ما موضع جملة: {لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65}؟ وما العامل في «يوم» النصب؟ وما إعمال: {يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ}؟ وما هو هذا الألف الذي ألحقوه بالرسول في قوله: {الرَّسُولَا 66}؟

الجواب: «لا يجدون ولياً ولا نصيراً» في محل نصب حال ثانية، والأولى خالدين. والعامل في «يوم» النصب هو قوله: «يجدون» أو «اذكر» محذوفاً. وألف «الرسولا» و «السبيلا» تسمى ألف الإطلاق أي إطلاق الصوت حيث أنهم جعلوا فواصل الآي كقوافي الشعر.
الآية 65
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا 64 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65 يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا 66} (2)وأما الكافرون فقد لعنهم الله تعالى وأخزاهم في الدنيا، وأما في الآخرة فذلك أشد وأطم في نار جهنم خالدين فيها أبداً، ولو لم يكن لهم من العذاب إلا تلك الحسرة والندامة التي تملأ قلوبهم في ذلك الموقف لكفتهم، ناهيك عن أنواع العذاب الذي سيجدونه.

__________
(2) - سؤال: ما موضع جملة: {لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65}؟ وما العامل في «يوم» النصب؟ وما إعمال: {يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ}؟ وما هو هذا الألف الذي ألحقوه بالرسول في قوله: {الرَّسُولَا 66}؟

الجواب: «لا يجدون ولياً ولا نصيراً» في محل نصب حال ثانية، والأولى خالدين. والعامل في «يوم» النصب هو قوله: «يجدون» أو «اذكر» محذوفاً. وألف «الرسولا» و «السبيلا» تسمى ألف الإطلاق أي إطلاق الصوت حيث أنهم جعلوا فواصل الآي كقوافي الشعر.
الآية 66
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا 64 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65 يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا 66} (2)وأما الكافرون فقد لعنهم الله تعالى وأخزاهم في الدنيا، وأما في الآخرة فذلك أشد وأطم في نار جهنم خالدين فيها أبداً، ولو لم يكن لهم من العذاب إلا تلك الحسرة والندامة التي تملأ قلوبهم في ذلك الموقف لكفتهم، ناهيك عن أنواع العذاب الذي سيجدونه.

__________
(2) - سؤال: ما موضع جملة: {لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65}؟ وما العامل في «يوم» النصب؟ وما إعمال: {يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ}؟ وما هو هذا الألف الذي ألحقوه بالرسول في قوله: {الرَّسُولَا 66}؟

الجواب: «لا يجدون ولياً ولا نصيراً» في محل نصب حال ثانية، والأولى خالدين. والعامل في «يوم» النصب هو قوله: «يجدون» أو «اذكر» محذوفاً. وألف «الرسولا» و «السبيلا» تسمى ألف الإطلاق أي إطلاق الصوت حيث أنهم جعلوا فواصل الآي كقوافي الشعر.
الآية 67
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
📝 التفسير:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا 67} يذكرهم الله تعالى بالموقف الذي سيقفونه يوم القيامة عندما يُلْقُون اللوم على كبرائهم وسادتهم الذين اتبعوهم، ولكن ذلك لن ينفعهم عند الله سبحانه وتعالى، فقد خلق لهم العقول التي يميزون بها الحق من الباطل فلماذا لم يتبعوا عقولهم وما أرشدتهم إليه.
الآية 68
رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا 68} بسبب إضلالهم وإغوائهم لنا ضاعف لهم العذاب والعنهم في جهنم.
الآية 69
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا 69} (1)يحذر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن لا يسلكوا سبيل بني إسرائيل الذين كانوا ينسبون إلى موسى عليه السلام السوء والفحشاء ويلصقون به التهم الباطلة التي هو بريء منها (2)، وأن يحذروا أن يفعلوا مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعل أولئك، وذلك كقذف عائشةَ ورميها بالفاحشة، وخيانته في تقسيم الغنائم وغير ذلك مما يلطخ عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحط منزلته بين الناس ويسبب النفرة عنه. ومعنى «وجيهاً»: مقبولاً ذا قدرٍ وجاه.


__________
(1) - سؤال: هل عرف شيء مما أوذي به موسى فبرأه الله منه؟

الجواب: تفيد هذه الآية أنهم اتهموا موسى بمعصية الله سبحانه وتعالى معصية كبير منفرة؛ إذ من شأن أهل الخبث إذا أرادوا أن يشوهوا أحداً أن يفعلوا ذلك، فقوله: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا 69} يدل على أنهم اتهموه بمعصية لله، وقوله: {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ} يدل على أنها منفرة، وعلى هذا فلا يبعد صحة الرواية التي رويت أنهم أرشوا امرأة زانية لتخرج بين الناس وتصيح أن موسى زنى بها. هذا معنى الرواية.

(2) - سؤال: ما صحة ما روي في بعض كتب الحديث أنهم كانوا يعيبونه في خلقه وأن به أدرة فكان يغتسل عليه السلام وقد وضع ثوبه على حجر ثم إن ثوبه طار فكان يتبعه وهو يقول: ثوبي حجر، حتى رأوا سلامة عورته من الأدرة؟
الجواب: لا ينبغي أن تصح هذه الرواية؛ لما فيها من نقص على موسى عليه السلام بخروجه عارياً بين الناس، ومثل ذلك لا يكون من جهلة الأتباع فكيف لنا أن ننسبها إلى موسى عليه السلام.
وبعد، فالأدرة ليست مما يعاب به الرجل في دينه، وإنما هي فتق يخرج منه ثوب البطن إلى مكان الخصيتين فتكبر الخصيتان وتثقل، وليس ذلك من فعل الإنسان حتى يعاب به.
الآية 70
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا 70} احذروا سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه من قول مثل تلك الأكاذيب والافتراءات، وتحروا قول الحق وليكن الصدق هو الغرض الذي تسددون أقوالكم إليه.
الآية 71
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا 71} (2)إذا اتقيتم الله سبحانه وتعالى وتحريتم قول الصدق فإن الله تعالى سيصلح دينكم ودنياكم وسيغفر لكم ذنوبكم وسيئاتكم، واعلموا أن طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي الطريق الموصلة إلى الفوز العظيم.

__________
(2) - سؤال: ما الذي يستفاد من هذه الآية والتي قبلها في المخرج لهذه الأمة من المأزق الذي وصلت إليه؟
الجواب: مخرج هذه الأمة مما هي فيه اليوم هو في شيئين اثنين:
1 - ... الالتزام بتقوى الله تعالى، والتقوى هي: أن يطاع الله تعالى فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

2 - ... الالتزام بقول الحق والصدق وترك القول الباطل الذي كثر اليوم أهلوه؛ من ثلم أعراض الصالحين وذمهم وإلصاق التهم بهم وتنفير الناس عنهم، ولكن {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس:98].
الآية 72
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
📝 التفسير:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 72} (1) الأمانة هي تكاليف الإسلام وشرائعه التي أرسل الله تعالى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس، وقد صور الله تعالى لنا عظمة دين الإسلام وشرائعه فقال: إنه عرض هذه الأمانة التي هي دين الإسلام وشرائعه على السموات والأرض والجبال فامتنعت من قبولها وخافت من حملها، فصورها الله تعالى لنا بهذه الصورة من أجل أن يملأ قلوبنا تعظيماً لها، ولنحرص غاية الحرص على القيام بها وحملها حق حملها، وأن لا نفرط في صغير أحكامها ولا كبيرها.
__________
(1) - سؤال: يقال: الاستئناف بقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 72} يوحي بأن الإنسان هو السبب في تحمله للأمانة، فكيف يتعقل أن السبب كونه ظلوماً وجهولاً؟ وما المراد بهذا الحكم؟ هل الغالب أم ماذا؟
الجواب: ليس قوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 72} هو العلة والسبب لحمل الإنسان الأمانة، وإنما هو استئناف يبين به حالة الإنسان في حمله لما حمله من الأمانة، فبين أن الناس عامة خاسوا في حملها وظلموا أنفسهم بالتفريط في حملها، وتهاونوا بها ولم يف إلا القليل، والكثرة الغالبة مفرطون مضيعون لها.
الآية 73
لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ (2)اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 73} أخبرنا الله تعالى هنا بالحكمة التي من أجلها كلف عباده بشرائع الإسلام وأحكام الدين فقال تعالى إنه كلف عباده من أجل أن يجازيهم على أعمالهم في الدار الآخرة فمن أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما السر في قوله: «ويتوب» بدل قوله: «ويثيب» أو نحوها؟ وما العلة في تقديم المنافقين على المشركين؟

الجواب: قد يكون السر -والله أعلم- هو اللطف للمؤمنين إلى أن يكون مطلبهم من الإيمان والعمل الصالح ورجاؤهم هو الوصول إلى أن يتوب الله عليهم، فإذا كان هذا هو غايتهم ومطلبهم سلموا من العجب والغرور بما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح، فلو قال: «ليثيب» لتوجه الإنسان المؤمن بعبادته وأعماله الصالحة لطلب الثواب، فمع طول المدة فقد يعجب المؤمن بكثرة ثوابه لكثرة عمله، وكلما زاد في العمل الصالح والعبادة ازداد سروراً وأريحية لما يتوهم ويتصور من كثرة الثواب، وهذه الآية في المعنى مثل قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ 67} [القصص]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ 18} [التوبة]. والوجه في البدء بذكر المنافقين الاهتمام بشأن خطورتهم وتحذير المؤمنين منهم؛ لأنهم كانوا متخللين لصفوف المسلمين وفي أوساطهم وربما اغتروا بهم ولم يسلموا من حيلهم وخداعهم لتظاهرهم بالإسلام.