القرآن الكريم مع التفسير

سورة النساء

آية
إجمالي الآيات: 176 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا 61} (2) وهم أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا؛ فإذا دعوا إلى حكم الله وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى حكم رسول الله صدوا وامتنعوا، ونفروا عن حكم الله، ولا يريدون أن يتحاكموا إلا إلى الطاغوت.
________
(2) - سؤال: هل المراد بهم اليهود أو المنافقون أو كلاهما؟
الجواب: المراد بهم المنافقون لا غير؛ لأن الضمير في «لهم» يعود إلى: {الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا}.
الآية 62
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا
📝 التفسير:
{فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا 62} (1) كيف يكون حالهم لو أن الله عاقبهم على بعض ذنوبهم هذه، وعلى بعض نفاقهم إذاً لجاءوا إليك معتذرين قائلين لك: لا نريد يا رسول الله إلا الإصلاح، ولا نريد إلا الإحسان، تنصلاً منهم عما أتوا من النفاق، وقصداً منهم لإقناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن صنيعهم ذلك إنما هو لأجل الإصلاح بين الناس، فلو أن الله أنزل بهم بعض عقابه على نفاقهم وصنيعهم هذا لأتوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتذروا إليه بذلك.
__________
(1) - سؤال: ظاهر الجواب «ثم جاءوك» فلماذا عبر عنه بـ «ثم»؟
الجواب: جواب الشرط هو: فكيف يكون حالهم المدلول عليه بقوله تعالى: {فَكَيْفَ}. وأما {ثُمَّ جَاءُوكَ} ليس الجواب، وفائدة «ثم» بيان تفاوت حال المنافقين قبل المصيبة وبعدها.
الآية 63
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} فهو عالم بما في قلوبهم من النفاق وسوء النية وفساد الطوية.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} لا تؤاخذهم ولا تجازهم، واسكت عنهم (2).
{وَعِظْهُمْ} ذكرهم بآيات الله.
{وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا 63} (3)
حذرهم عذاب الله وسخطه، وعلمهم آيات الله وحججه- لعل وعسى أن تصادف قلباً يعيها ويسمعها.
______
(2) - سؤال: لماذا أمر بالإعراض عنهم هنا، وقد أمره الله بالإغلاظ عليهم ومجاهدتهم في آية أخرى؟
الجواب: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يؤاخذ المنافقين كما يؤاخذ المشركين بسل السيف وأخذ المال و .. إلخ، وأمر في الآية الأخرى بالإغلاظ عليهم بذكرهم بأعمالهم الخبيثة وما هم عليه من النفاق، ومواجهتهم بذلك، وأمر بجهادهم بالحجة، ولم يؤمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يجاهدهم بالسيف، ولو أمر به لنفذ أمر ربه، إلا أنه لم يرو أنه فعل ذلك أو أمر به.
(3) - سؤال: هل يؤخذ من الآية لزوم مبالغة المرشدين والوعاظ في مواعظهم، وأن يتخيروا المواعظ المؤثرة؟

الجواب: نعم يؤخذ من الآية لزوم مبالغة المرشد في إيضاح الحق وبيانه في المواعظ والمجالس على قدر وسعه ومبلغ علمه؛ لأن الله أخذ على المؤمنين أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أعماله وأقواله.
الآية 64
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} (1) يخاطب الله اليهود والمنافقين بأنا لا نرسل الأنبياء والرسل إلا ليطاعوا، لا ليعصوا؛ فما بالكم أيها اليهود والمنافقون لا تستجيبون، ولا تطيعون، ولا تلين قلوبكم لآيات الله وحججه؟
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} (2) يبين الله تعالى أنه كان الأفضل لهم مكان التمرد والعصيان أن يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتذروا إليه، ويستغفروا الله، ويطلبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر لهم؛ إذاً لو فعلوا ذلك لغفر الله لهم ذنوبهم، وأدخلهم في رحمته، وسعدوا في الدنيا والآخرة، وهو المراد بقوله: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا 64}، ولكن المعصية لا تهمهم إذا فعلوها، ويستصغرونها ويحتقرونها، ولا يحسون في أنفسهم بالذنب حتى يستغفروا ويطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «بإذن الله» هنا؟
الجواب: المعنى بأمر الله للمبعوث إليهم بطاعته.
(2) - سؤال: ما معنى «إذ» في قوله: {إِذْ ظَلَمُوا}؟
الجواب: معنى {إِذْ ظَلَمُوا}: حين عصوا الله تعالى فيما مضى، فهي ظرف للزمان الماضي.
سؤال: من أين جعلت الآية دليلاً على التوسل؟
الجواب: تفيد الآية أن دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة إلى الله، وسبب في مغفرة ذنب من فزع إليه صلى الله عليه وآله وسلم من ذنبه، ومن هنا كانوا يفزعون إليه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أجدبوا و .. إلخ، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة إلى الله.
الآية 65
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
📝 التفسير:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (3)
أخبر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم لن يؤمنوا إلا إذا تحاكموا عندك، وتركوا المحاكمة إلى الطاغوت؛ فإذا تحاكموا إلى الطاغوت- فاعلم أنهم ليسوا بمؤمنين.
{ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 65} ولا يتضايقون من حكمك فيما بينهم ويقبلونه بكل ارتياح؛ فهذا شرط في إيمانهم، وهو أن يقبلوا حكمك بارتياح ورضاً وتسليم (1).
__________
(1) - سؤال: قد يجد المحكوم عليه أحياناً ضيقاً نفسياً من الحكم عليه، فهل قد دخل في هذا الوعيد؟
الجواب: إذا قبل ورضي فلا يدخل في الوعيد، ولا يعاقب على ما يجده في نفسه؛ لعدم قدرته على إزالته، ولكن عليه أن يجاهد الطبيعة، ولا يميل إليها ولا يطاوعها، ولولا وجود طبيعة الهوى والشهوة في المكلف لأطاع الناس جميعاً. والمقصود بقوله: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً وشكاً من قضائك فيهم، بل عليهم أن يؤمنوا ويوقنوا بأنك قضيت بالحق والعدل.
(3) - سؤال: ما فائدة قوله: «فلا» مع «وربك»؟

الجواب: فائدة «لا» مع القسم هي تأكيد القسم وتأكيد جوابه وتقويته، وقد وردت في القرآن كثيراً: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 1} [القيامة]، {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ 16} [الانشقاق]، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ 75} [الواقعة]، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ 38} [الحاقة]، و .. إلخ.
سؤال: هل يشمل قوله: {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الاختلاف في المسائل الدينية؟
الجواب: يشمل: {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} كل خلاف سواء الديني والدنيوي، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59]، فقوله: «في شيء» مطلق يصدق على كل شيء حصل فيه نزاع وخلاف ويعمه على سبيل البدل.
الآية 66
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} أخبر الله تعالى المسلمين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدر إيمانهم لو أن الله كتب على المنافقين: {أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} (2) يعني لما امتثلوا أمر الله لو أمرهم بهذا.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} كانوا متمردين على الله تعالى فكلما أمرهم الله ورسوله بأمر أو نهاهم عن شيء- تمردوا عليه وخالفوه وعصوه واستهزأوا به، فلو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان أفضل لهم من التمرد والعصيان، ولصار لهم قدر عند الله ولعلا شأنهم، وارتفعت درجاتهم في الدنيا والآخرة.
{وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا 66} ولكانوا أرسخ إيماناً، ولكانوا ثابتين على الهدى، ولما تزلزلوا، ومالوا من يمين إلى شمال، ولما هاجت بهم الفتن، ولكنهم لما لم يؤمنوا كانوا على هذا الحال مضطربة قلوبهم خائفة قلقة، ومنتظرين ماذا ينزل عليهم من الغضب والسخط.
_______
(2) - سؤال: كيف استثنى القليل ألِأَنهم يمتثلون؟ فكيف وهم من المنافقين؟
الجواب: نزلت الآية في المنافقين، والاستثناء يدل على أن قلة قليلة من المنافقين سيحسن إسلامهم، ويصدقون في إيمانهم، ويخلصون في أعمالهم.
الآية 67
وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا 67} ولو أطاعوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأعطاهم الله ثواب الدنيا وثواب الآخرة، وكانوا من أهل الشرف الرفيع.
الآية 68
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
📝 التفسير:
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا 68} ولوفقناهم لسلوك طريق الحق.
الآية 69
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا 69} (1)
وسيجعل الله أهل الطاعة في صف هؤلاء الأنبياء والصديقين والشهداء، ويدخلهم الله مداخلهم في جنات النعيم.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب قوله: «رفيقا»؟
الجواب: تعرب تمييزاً لبيان وجه الحسن المنسوب إلى أولئك.
سؤال: ما هو الإنعام الذي خص به هؤلاء الأنبياء؟

الجواب: خصهم الله تعالى بالنبوة والعصمة، والقرب القريب من الله، والأجر الجزيل، والرفعة الرفيعة في الدنيا والآخرة و .. إلخ، وليس المراد أن المطيع لله ورسوله يكون في منازلهم وفي مثل ما هم فيه من الكرامة والتعظيم، وإنما المراد أنه سيكون معهم وفي رفقتهم كما يكون في الدنيا من مرافقة الوزير والجندي والصديق والقاضي وغيرهم للإمام والسلطان، يجلسون معه في مجلس واحد، ويصحبونه في الطريق، ويتحدثون معه ينبسط لحديثهم، وينبسطون لحديثه، و .. إلخ.
الآية 70
ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
📝 التفسير:
{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا 70} ذلك هو العطاء العظيم والفضل الكبير الذي لا ينقطع، والشرف الرفيع الدائم الذي يعطيه الله لأهل طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكفى بالله عليماً: فهو تعالى عالم بالمؤمنين الصادقين المخلصين، وعالم بمن يستحق ذلك الثواب العظيم والفضل الكبير.
الآية 71
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} أمر الله المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من أعدائهم؛ لأن أعداء الإسلام كانوا محيطين بالمدينة من كل مكان اليهود، والمشركين، وكان المنافقون بين أوساطهم، وكلهم فاتحون أفواههم لالتهام الإسلام والمسلمين، ومتحينون للفرصة لاستئصالهم، والقضاء عليهم؛ فنبه الله المؤمنين بأن يكونوا على حذر شديد من أعدائهم، وفي غاية اليقظة والاحتراز.
{فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا 71} إذا دعاكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى النفار في سبيل الله فانفروا جماعة بعد جماعة، أو انفروا كلكم جميعاً على حسب ما تقتضيه المصلحة.
الآية 72
وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا
📝 التفسير:
{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} أيها المؤمنون، إن بين أظهركم أناساً يثبطون الناس عن النفير في سبيل الله، وهم المنافقون وضعيفو الإسلام.
{فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا 72} أولئك المثبطون إذا حصل على المسلمين هزيمة أو قتل قال: الحمد لله قد أنعم الله علي حين لم أكن معهم فأقتل.
الآية 73
وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} غنيمة وظفر على المشركين.
{لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} يتأسف ويتحسر على ما فاته من الغنيمة، وقد كان بوسعه أن يظفر منها بنصيب؛ لأنه من المسلمين الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى النفير في سبيل الله، إلا أن نفاقه وضعف إيمانه حبسه عن الاستجابة لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا 73} بالغنيمة والأموال فيكثر التأسف على ما فاته من الغنيمة والنصر والشرف.
الآية 74
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
وقوله: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} (1) معناها أنه يقول ذلك القول وهو: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً- كقول الذي يتمنى وهو ليس من المسلمين، أي: أن حال هذا الضعيف الإسلام كحال الذي ليس بمسلم، مع أنه ليس ممنوعاً من الذهاب معهم، والحصول على الغنيمة ما دام يدعي الإسلام.
{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} (2) أمر الله أولئك الموقنين بثواب الآخرة بالقتال في سبيله، وهم الذين يستجيبون لأمر الله ويأتمرون بأمره أما المنافقون فلا يستجيبون.
{وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا 74} يعني في الحالين سوف يؤتيه الله أجراً عظيماً، سواء قتل أو انتصر.
__________
(1) - سؤال: هل جملة: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} معترضة بين القول ومقوله؟
الجواب: نعم هي كذلك معترضه بين القول ومقوله، وفائدة الاعتراض السخرية والتهكم والتعجب من حيث أن تحسرهم في غير موضعه؛ لأن الذي يتحسر على فوات شيء في العادة هو من لا علم له به ولا بأسبابه، أما المنافقون فقد كانوا على علم بخروج المؤمنين لقتال أعدائهم، وكان في إمكانهم أن يخرجوا معهم.
(2) - سؤال: ما معنى «يشرون» وما فائدة التعبير به؟
الجواب: معنى «يشرون»: يبيعون أنفسهم من الله، وثمن ذلك هو ثواب الآخرة، والتعبير بذلك يفيد أن بذل المقاتلين لأنفسهم في سبيل الله صادر عن رغبة في بذل أنفسهم في مقابل ثواب الآخرة، كرغبة البائع في بذل المبيع للحصول على ثمنه.
الآية 75
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا
📝 التفسير:
{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} (1) تثاقل المسلمون حين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنفير في سبيل الله واستنقاذ المستضعفين في مكة من الرجال والنساء والولدان الذين لم يستطيعوا الهجرة من تحت سلطان قريش وقهرهم وتعذيبهم بسبب إيمانهم فعاتبهم الله على تثاقلهم واستنكر عليهم تباطؤهم على نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعوهم للنفير ويحثهم على الخروج في سبيله.
{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} وقد كان مستضعفو المسلمين في مكة يدعون الله أن يستنقذهم من أهل مكة وأن يخرجهم من بين أظهرهم.
{وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا 75} أي: اجعل لنا من عندك ناصراً يا رب يستنقذنا من أيدي المشركين (2).
يحث الله المسلمين هنا؛ لأجل أن يتنشطوا ويهتموا ويذهبوا إلى القتال في سبيله، وفي استنقاذ إخوانهم المحاصرين في مكة.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب جملة «ما لكم»، وجملة «لا تقاتلون»، وكذا «المستضعفين»؟
الجواب: «مالكم» ما: مبتدأ، ولكم: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، وجملة «لا تقاتلون»: لا محل لها من الإعراب، مستأنفة لبيان وجه الاستنكار في «مالكم». والمستضعفين: معطوف على لفظ الجلالة أي: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.
(2) - سؤال: هل معنى الجملة الأولى «ولياً» كمعنى الجملة الثانية التي بعدها؟
الجواب: الجملتان متقاربتان في المعنى، إلا أن الجملة الأولى فيها زيادة معنى الحفظ، وذلك أن الولي يحفظ أهل ولايته ويحوطهم.
الآية 76
الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا
📝 التفسير:
{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} فالمؤمنون يقاتلون لإعلاء كلمة الله، وأولئك اليهود والمشركون يقاتلون لإعلاء كلمة الطاغوت، والطاغوت: هو كل ما عُبِد من دون الله.
{فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} (1) أمر الله المؤمنين بقتال أنصار الباطل وجنود إبليس.
{إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا 76} (2) أخبرهم الله بذلك لأجل أن يتشجع المسلمون وتزيد عزائمهم؛ فإذا رأى المشركون منكم صدق العزم على القتال- خافوكم وكفوا عن مضايقتكم وضعفوا عن مقاتلتكم.
__________
(1) - سؤال: هل يؤخذ من قوله: {أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} أن المقصود بالطاغوت: الشيطان؟
الجواب: يؤخذ منها ذلك لأن الشيطان هو الذي زين للمشركين عبادة الأصنام، ودعاهم إلى الكفر بالله وبرسوله.
(2) - سؤال: هل المراد أن الحيل والمكر التي يلقيها إليهم الشيطان ضعيف؟
الجواب: المراد بكيد الشيطان هو: ما يلقيه بوساوسه من الحيل والمكر في قلوب أوليائه، وذلك ضعيف بالنسبة إلى قوة الله ونصره لجانب أوليائه المؤمنين.
الآية 77
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} في أول الإسلام أمر الله المسلمين أن يكفوا عن القتال، وأن يصبروا، ومكثوا على ذلك فترة طويلة، وكانوا يتمنون القتال حينها، ثم إن الله أمرهم بعد ذلك بالقتال، فحين أمرهم به تراخوا عنه بعدما كانوا يتمنونه، وأصبحوا يخشون الناس والقتال أشد من خشية الله (3).
{وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} (1) معترضين على الله حين أمرهم بالقتال وشرعه لهم وقد كانوا من قبل يطلبون الإذن لهم بالقتال.
{لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} وقالوا: لو أنك يا ربنا أخرت الأمر بالقتال إلى وقت قريب، يقولون ذلك تهرباً من الجهاد والقتال في سبيل الله لضعف إيمانهم.
{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا 77} أمر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم بأن الحياة الدنيا والعيش عليها قليل، والأفضل لكم أن تطلبوا الحياة الآخرة بطاعة الله وطاعة رسوله، والامتثال لأمر الله، ولن يظلمكم الله شيئاً، وسيوفيكم أجوركم على الجهاد، لا ينقصكم عليه شيئاً حتى على الخطوة تخطونها: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة:120]، وقد مر تفسير الفتيل.
وكان سبب أمرهم بالكف عن القتال- هو أنهم كانوا في أول الإسلام قلة قليلة، فلو أمرهم الله بالقتال وهم على هذه الحال من القلة لاستأصلتهم سيوف المشركين؛ فاستبقاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجل أن ينشروا الإسلام، ويعلموا الناس، ولم يأمرهم بالقتال إلا حين كثروا وازدادوا حتى لو قتل منهم من قتل فالإسلام في مأمن، ولا زال هناك من يحمله ويبلغه إلى الناس وينشره.

__________
(1) - سؤال: ظاهر الآية السابقة إنما هو قول فريق منهم، فلماذا تناول العتاب جميعهم؟
الجواب: كانوا جميعاً على رأي واحد وصفة واحدة، إلا أن فريقاً منهم أظهر أمره وكشف عما في نفسه، وعجز عن إخفاء فزعه وجزعه، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنواعاً:
- أظهروا نفاقهم واشتهروا به بين المسلمين.
- أسروا نفاقهم ولم يظهروه إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرف عليهم بفلتات ألسنتهم: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد:30].
- أسروا نفاقهم وتكتموا عليه، وتحفظوا غاية التحفظ، فلم يظهر منهم ما يدل على نفاقهم، ولم يستطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتعرف عليهم مع ما هو عليه من زكاء الفطرة وحدة الفطنة، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أزكى البشر عقلاً وأعلاهم فطنة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... } الآية [التوبة:
(3) - سؤال: هل المراد بالآية تعجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء وحالهم؟

الجواب: المراد بالآية تعجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من حال أولئك الذين أظهروا الحماسة لقتال المشركين وتشوقوا له في أول الأمر قبل أن يأمر الله به، ثم لما كتب الله عليهم القتال جبنوا واستولى عليهم الخوف الشديد من قتال المشركين، وكانوا كما وصفهم الله {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}.
الآية 78
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
📝 التفسير:
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} قدرة الله تعالى محيطة بالإنسان لا يستطيع الهرب من قدرة الله فسيأتيه الله تعالى بالموت حيثما كان من الأرض ولو كان مختبئاً في مبنى محكم البنيان أصم لا نافذة له ولا باب؛ فلن ينفعكم القعود والتهاون عن القتال.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} كان المنافقون وضعاف الإيمان إذا أصابهم خير ونعمة قالوا: هذه من عند الله، وإذا أصابتهم المصائب من نقص الأموال والأنفس والثمرات قالوا: هذه بسبب شؤم محمد، ولم نر هذا إلا من حين جاءنا محمد ونزل بلادنا، وبسبب شؤمه، وهذا هو المراد بالحسنة والسيئة هنا.
{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فهو الذي يأتي بالخير والشر، والشر هو الخوف والفقر ونقص الأموال والثمرات والمرض والضعف والموت والهموم، ونحو ذلك مما يصيب الإنسان في نفسه وولده وأهله وماله، أما المعاصي والفسوق فالإنسان هو الذي يفعلها ويصيبها وليست هي التي تصيب الإنسان، والآية تتحدث عما أصاب الإنسان لا عما يصيبه الإنسان.
{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا 78} (1) فما علة هؤلاء القوم لا يفهمون ولو بالغنا في تفهيمهم، ولا ينتبهون ولو واصلنا لهم التنبيه؟
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ}؟ وكذا إعراب: {لَا يَكَادُونَ} يعني الجملة؟
الجواب: «مَالِ هَؤُلَاءِ» ما: اسم استفهام مبتدأ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة {لَا يَكَادُونَ}: لا محل لها من الإعراب جيء بها لبيان وجه الاستنكار في الجملة التي قبلها وهي جواب لسؤال مقدر.
الآية 79
مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
📝 التفسير:
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ما وصلك من خير فهو من الله.
{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} (2)
وما لحقك أيها الإنسان من مكروه فهو بسبب معصيتك، ولو أطعتم الله لأرسل لكم خيرات السماء، وفجر لكم بركات الأرض، ولكنكم استرسلتم في عصيان الله فأصابكم ما أصابكم من المصائب بسبب ذنوبكم؛ جزاءً من الله وعقاباً.
{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا 79} ولم نرسله لكم ليأتيكم بالبلاء والوباء كما تزعمون، وهو تعالى مطلع على أعمال الناس جميعاً خيرها وشرها، وسيجازي كلاً على عمله، والله شاهدٌ على أعمالكم أيها الناس وسيجازيكم عليها.
________
(2) - سؤال: إذا كانت السيئة والخير من الله فما وجه قوله بعدُ: {فَمِنْ نَفْسِكَ}؟

الجواب: الخير والشر من الله سبحانه وتعالى، إلا أن الشر والخير وإن كانا من الله يحصلان بسبب من الإنسان قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 96} [الأعراف]، وقال سبحانه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7} [إبراهيم]، وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى:30]، {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 10 يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا 11 وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا 12} [نوح]. والمراد بالحسنة في الآية: الخير الذي يعطيه الله للإنسان مثل الصحة والسلامة وطول العمر والأمن وكثرة الأمطار وغزر الأنهار وصلاح الثمار وكثرة المال وكثرة الأرباح وأسباب المعاش و .. إلخ، والمراد بالسيئة: شح الأمطار وغور مياه الآبار والأنهار ونقص المال ونقص الأنفس والثمرات والأمراض والخوف و .. إلخ. ولا يدخل في الآية فعل الطاعات ولا فعل السيئات؛ لأن الله تعالى قال: {مَا أَصَابَكَ ... } ولم يقل: وما أصبتم.
الآية 80
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
📝 التفسير:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} فطاعته من طاعة الله.
{وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا 80} فمن لم يطعك منهم فاتركه ولست المسؤول عنه فيكفيك أن تبلغهم والله سيجازيهم.
عانى النبي والمسلمون من المنافقين وغيرهم، وكانوا لا زالوا قلة لولا تأييد الله لدينه ونصره لنكبوا الدعوة ولقضوا على الرسالة، وكان المنافقون هم الأغلبية في الساحة، وكلما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال بدأ هؤلاء بتثبيط المؤمنين وحط عزائمهم.