القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنعام

آية
إجمالي الآيات: 165 • المفسرة: 1 (1%)
الآية 61
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ 61 ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ 62} إن الله سبحانه وتعالى هو القاهر بقدرته وسلطانه لجميع مخلوقاته، فلا يظن المشركون أنهم في مأمن من أخذه، وملائكته تحفظ عليهم أعمالهم (2)
__________
(1) -سؤال: ما وجه تسمية رد الأرواح بعثاً؟ وإلى أين يرجع الضمير: {يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}؟
الجواب: سمى ردها بعثاً لأنه سمى النوم وفاة «موتاً»، ويعود الضمير «فيه» إلى النهار.
(2) - سؤال: هل يصح أن تحمل الحفظة على ملائكة يحفظونه من أسباب الموت ونحوه أم لا؟ وما إعراب {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}؟

الجواب: الأولى أن الحفظة هم الذين يحصون أعمال المكلفين ويسجلونها لقوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} فقوله: {عَلَيْكُمْ} يفيد ما ذكرنا، ولو كان المراد الحفظ من أسباب الموت لقال: ويرسل لكم حفظة، ثم إن سياق الآية يرشد إلى ما ذكرنا: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ 62}. و {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} صفتان تابعتان للفظ الجلالة.
الآية 62
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ 61 ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ 62} إن الله سبحانه وتعالى هو القاهر بقدرته وسلطانه لجميع مخلوقاته، فلا يظن المشركون أنهم في مأمن من أخذه، وملائكته تحفظ عليهم أعمالهم (1)
وتحصي حركاتهم وسكناتهم، وكل ما نطقت به ألسنتهم؛ فإذا جاءت آجالهم التي كتبها الله تعالى على كل واحد منهم انتزعت ملائكة الموت أرواحهم كما أمرهم الله تعالى لا يفرطون ولا يقدمون ولا يؤخرون، ثم يردون بعد الموت إلى ربهم الحق الذي كانوا يشركون به ليحاسبهم على كل صغير وكبير من أعمالهم، وهو الحاكم وحده يوم القيامة، والأمر له كله.
ولا تستبعدوا ذلك أيها المشركون فإنه حين يحل بكم ستعلمون أنه قريب، وتقولون: ما أسرع قدوم هذا اليوم الذي كنا نستبعده (2)، وكأنهم لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها؛ وقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام: كيف يحاسب الله تعالى الخلائق يوم القيامة في وقت واحد؟ فأجاب عليه السلام: (كما يرزقهم في وقت واحد كذلك سيحاسبهم).

__________

(1) - سؤال: هل يصح أن تحمل الحفظة على ملائكة يحفظونه من أسباب الموت ونحوه أم لا؟ وما إعراب {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}؟

الجواب: الأولى أن الحفظة هم الذين يحصون أعمال المكلفين ويسجلونها لقوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} فقوله: {عَلَيْكُمْ} يفيد ما ذكرنا، ولو كان المراد الحفظ من أسباب الموت لقال: ويرسل لكم حفظة، ثم إن سياق الآية يرشد إلى ما ذكرنا: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ 62}. و {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} صفتان تابعتان للفظ الجلالة.
(2) -سؤال: إذا قيل: ظاهر الآية أنه في سرعة إجراء الحساب، فكيف يتوجه الكلام؟
الجواب: ما ذكرنا هو أحد التفاسير التي يذكرها المفسرون، والمناسب للتخويف هو ما ذكرنا أي أن الحساب آت لا محالة، وكل آت قريب فاحذروا، أما سرعة إجراء الحساب بين الخلائق يوم القيامة فليس فيه من التخويف مثل ما ذكرنا من حيث أن التخويف بسرعة الحساب أو ببطئه سواء. هذا، ولا محذور في التفسير بالأمرين أي سرعة مجيئه وسرعة إجرائه بين الخلائق.
الآية 63
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63 قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ 64} (2)
إنكم أيها المشركون تعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينجيكم من المهالك التي تلقاكم وأنتم على ظهر البحر والأمواج تحيط بكم، وينجيكم من المهالك التي تلقاكم في متاهات البر، ويخلصكم منها، تدعونه حينئذٍ فيجيبكم، فما هو الذي صرفكم عن عبادته إلى عبادة الأصنام التي لا تنفعكم؟ وتعلمون أنها لا تملك النفع لكم، ولا تستطيع دفع المهالك عنكم.
__________

(2) -سؤال: ما المقصود بظلمات البر والبحر؟ ولماذا سميت ظلمات؟
الجواب: المقصود مخاوف البر والبحر وشدائدهما التي يشرفون فيها على الهلاك، وسميت ظلمات لأنهم لا يهتدون إلى كيفية الخروج من الأهوال والمخاوف إلا بالدعاء الخالص لله.
سؤال: ما محل جملة {تَدْعُونَهُ}؟

الجواب: هي في محل نصب حال من الكاف في {يُنَجِّيكُمْ}.
الآية 64
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 63 قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ 64} (2)
إنكم أيها المشركون تعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينجيكم من المهالك التي تلقاكم وأنتم على ظهر البحر والأمواج تحيط بكم، وينجيكم من المهالك التي تلقاكم في متاهات البر، ويخلصكم منها، تدعونه حينئذٍ فيجيبكم، فما هو الذي صرفكم عن عبادته إلى عبادة الأصنام التي لا تنفعكم؟ وتعلمون أنها لا تملك النفع لكم، ولا تستطيع دفع المهالك عنكم.
__________

(2) -سؤال: ما المقصود بظلمات البر والبحر؟ ولماذا سميت ظلمات؟
الجواب: المقصود مخاوف البر والبحر وشدائدهما التي يشرفون فيها على الهلاك، وسميت ظلمات لأنهم لا يهتدون إلى كيفية الخروج من الأهوال والمخاوف إلا بالدعاء الخالص لله.
سؤال: ما محل جملة {تَدْعُونَهُ}؟

الجواب: هي في محل نصب حال من الكاف في {يُنَجِّيكُمْ}.
الآية 65
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ 65} (1)
تظنون أيها المشركون أنكم إذا خرجتم من مهالك البحر وأمواجه إلى البر أنكم قد أصبحتم في مأمن، فعدتم إلى الشرك بعد إخلاص الدعاء لله تعالى في البحر، فلا تظنوا ذلك فإن قدرة الله تعالى محيطة بكم حيثما كنتم، فهو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من السماء يستأصلكم به، أو يخرج عليكم عذاباً من باطن الأرض يأخذكم به، أو يسلط بعضكم على بعض بالقتل حتى يستأصلكم؛ فتعجب منهم يا محمد، وانظر إلى سخافة عقولهم كيف وضحنا لهم الحق، وكشفنا لهم عن سبيله، وبيناه بالحجج والبراهين من أجل أن يعرفوا الحق ويفهموه، ولكنهم مع كل ذلك أعرضوا وتمردوا، بعدما استحكمت معرفتهم به.
__________
(1) -سؤال: ما معنى: {يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} وكيف جاز نسبته إلى الله سبحانه وتعالى؟
الجواب: المعنى: يخلطكم فرقاً مختلفة الأهواء والمذاهب كل فرقة تكره الأخرى وتعاديها. وجاز نسبة ذلك إلى الله تعالى لأن المخاطبين قد استحقوا في حكم الله العذاب، وله جل وعلا أن يأخذهم بعذاب من عنده أو أن يسلط بعضهم على بعض، ولا شبهة في جواز أن يفعل الله أي الأمرين شاء بمن استحق العذاب، وبعد فقد أمر الله المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال طوائف من أهل الكفر.
سؤال: ما معنى {نُصَرِّفُ الْآيَاتِ}؟

الجواب: نكررها أي: يأتي بها مرة بصورة دليل عقلي، ومرة بصورة التنبيه، وأخرى بالتذكير، ومرة بالترغيب، ومرة بصورة ترهيب، وأخرى ... إلخ.
الآية 66
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ
📝 التفسير:
{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ 66 لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 67} (1) إن قومك يا محمد قد كذبوا بما جئتهم به من عند الله تعالى مع أنه حق واضح لا غموض فيه ولا التباس، فلا عذر لهم عنده تعالى، وقد بلغت رسالة ربك إليهم أكمل تبليغ، وما عليك إلا البلاغ، وليس عليك أن يهتدوا ويستجيبوا لدعوتك ورسالتك، وقل لهم إنك لست موكلاً عليهم تحصي عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها.
وما جاءكم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار القيامة والجزاء والحساب، وما وعدكم به من العذاب سيتحقق على حسب ما أخبركم به، وستعلمون صدقه حين لا ينفعكم العلم والتوبة.
__________
(1) -سؤال: إلام يعود الضمير: {وَكَذَّبَ بِهِ}؟ وهل سبق له ذكر؟
الجواب: يعود الضمير إلى العذاب المذكور في الآية التي قبلها، أو إلى القرآن الذي يدل ذكر آياته ووعيده على ذكره.
سؤال: ما معنى «مستقر» في قوله: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} حسب أصل اللغة؟
الجواب: الصيغة موضوعة وضعاً نوعياً صالحة في وضعها أن تستعمل اسم مفعول أو اسم زمان أو اسم مكان أو مصدراً، وهي هنا اسم زمان، والمعنى أن لكل نبأ أخبر الله به من وعد ووعيد وغير ذلك زمناً يحصل فيه ويتحقق ما أخبر به أي أن ما يخبر الله به حق وصدق، ولا بد أن يقع تصديق ذلك حسب ما أخبر به.
الآية 67
لِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ 66 لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 67} (1) إن قومك يا محمد قد كذبوا بما جئتهم به من عند الله تعالى مع أنه حق واضح لا غموض فيه ولا التباس، فلا عذر لهم عنده تعالى، وقد بلغت رسالة ربك إليهم أكمل تبليغ، وما عليك إلا البلاغ، وليس عليك أن يهتدوا ويستجيبوا لدعوتك ورسالتك، وقل لهم إنك لست موكلاً عليهم تحصي عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها.
وما جاءكم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار القيامة والجزاء والحساب، وما وعدكم به من العذاب سيتحقق على حسب ما أخبركم به، وستعلمون صدقه حين لا ينفعكم العلم والتوبة.
__________
(1) -سؤال: إلام يعود الضمير: {وَكَذَّبَ بِهِ}؟ وهل سبق له ذكر؟
الجواب: يعود الضمير إلى العذاب المذكور في الآية التي قبلها، أو إلى القرآن الذي يدل ذكر آياته ووعيده على ذكره.
سؤال: ما معنى «مستقر» في قوله: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} حسب أصل اللغة؟
الجواب: الصيغة موضوعة وضعاً نوعياً صالحة في وضعها أن تستعمل اسم مفعول أو اسم زمان أو اسم مكان أو مصدراً، وهي هنا اسم زمان، والمعنى أن لكل نبأ أخبر الله به من وعد ووعيد وغير ذلك زمناً يحصل فيه ويتحقق ما أخبر به أي أن ما يخبر الله به حق وصدق، ولا بد أن يقع تصديق ذلك حسب ما أخبر به.
الآية 68
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 68} لا تجلس يا محمد عند القوم الذين يكذبون بآيات الله تعالى ويستهزئون بدينه، ولا تقعد عندهم في حال حديثهم وابتعد عنهم واهجرهم ما داموا في حديث التكذيب والاستهزاء والسخرية من الدين، فإذا دخلوا في حديث آخر ليس فيه استهزاء ولا تكذيب بالدين فلا حرج عليك في القعود معهم والجلوس عندهم (1)، وإذا نسيت ما أمرناك به من الابتعاد عن الخائضين في التكذيب فقعدت معهم فإذا ذكرت أمر ربك ونهيه لك فابتعد عنهم وأعرض عنهم.
__________
(1) -سؤال: كيف يجمع بين جواز الجلوس معهم إذا خاضوا في غير التكذيب وبين النهي عن مجالسة الفاسق؟
الجواب: الجمع هو بأن يقال: جواز الجلوس مع الظالمين المصرين على ظلمهم هو في حال التذكير لهم والترغيب في الهدى أو للإصلاح أو لمصلحة خاصة أو عامة أو نحو ذلك. والتحريم هو أن لا يكون الجلوس لنحو ما ذكرنا بل للرغبة في مجالستهم ومسامرتهم ومضاحكتهم. ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يذهب إلى مجالس المشركين لتذكيرهم وترغيبهم في الإسلام، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسير لحاجته لنحو بيع وشراء وقضاء واستقضاء، ولعقد صلح و .. إلخ.
الآية 69
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 69} وليس على الذين يطيعون الله تعالى فيما أمرهم، ويتقون ما نهاهم عنه أي ذنب ما داموا مطيعين لله تعالى ومتقين له، ولا تتعدى ذنوب المكذبين إلى المتقين ولا تتجاوزهم إليهم، ولكن عليهم أن يذكروهم ويعظوهم ليتذكروا ويتعظوا.
الآية 70
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
📝 التفسير:
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ 70} (1) لا يهمنك يا محمد ما تراه من استرسال قومك في التكذيب والاستهزاء والتمرد على الله تعالى فقد بلغتهم ما أمرك الله بتبليغه من الرسالة، وليس عليك أن يؤمنوا، فدعهم فيما هم فيه، وربك هو الذي سيتولى جزاءهم.
وذكر بآيات القرآن وبما أوحى الله تعالى إليك إعذراً وإنذاراً قبل أن يقعوا في الهلكة، ويحيط بهم العذاب، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا تنفع الشفاعة ولا الفدية، هنالك يسلمون إلى الهلكة، ويستولي عليهم عذاب الله تعالى وسخطه في عذاب جهنم خالدين، شرابهم الحميم جزاءً على كفرهم وتكذيبهم بآيات الله تعالى ورسوله.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} وما معناها؟ وهل يصح أن يكون معناها: تحبس في النار؟
الجواب: قد أعربت {أَنْ تُبْسَلَ} مفعول من أجله على تقدير: مخافة أن تبسل، وأن والفعل في تأويل مصدر مجرور بالإضافة أو منصوب على نزع الخافض، وقد ذكروا في معنى «تبسل»: أن تُسْلَمَ للهلكة، أن تحبس، أن تفضح، أن تؤخذ بما كسبت، أن تجزى، أن ترتهن، وكلها متقاربة المعنى.
سؤال: ما محل جملة: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ}؟ وما معنى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ}؟
الجواب: الجملة في محل رفع صفة لنفس، {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} وإن تفد كل فداء والعدل الفدية سميت عدلاً لأن المفدى يُعْدَلُ بمثله من المال.
الآية 71
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ (1) لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ 71} (2) كيف تدعوننا أيها الكفار إلى عبادة الأوثان التي لا تنفع ولا تضر؟ ونترك عبادة الله تعالى الذي خلق السماوات والأرض وخلقنا، وبيده حياتنا وموتنا، وهو على كل شيء قدير؛ أتريدون أن نترك الهدى بعد أن دخلنا فيه واستوضحت لنا سبله؟ فنكون كالسائر في التيه، تستغويه الشياطين وتبعده عن الطريق (3)،
فهو في ضلاله متحير، وله أصحاب ينادونه ليرجع إلى الطريق فلا يقدر أن يهتدي إليها.
واعلموا أيها المشركون أن الهدى الحق هو الهدى الذي أرسلني به الله تعالى إليكم دون ما أنتم عليه من الشرك، وقد أمرنا الله تعالى أن نستجيب لطاعته، ونستسلم لأمره، فلا يسعنا الخروج عن طاعة الله وهداه، ولا تطمعوا في ذلك منا.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب {حَيْرَانَ} و {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ}؟
الجواب: «حيران» منصوب على الحالية من ضمير المفعول في {اسْتَهْوَتْهُ} و {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ} حال ثانية من ضمير المفعول، و {يَدْعُونَهُ} في محل رفع صفة لأصحاب.
(2) - سؤال: هل المراد بالهدى الاهتداء في الطريق الحقيقية؟ وهل معنى: {ائْتِنَا} هلم إلينا؟
الجواب: المراد بالهدى هو الاهتداء في الطريق، ومعنى {ائْتِنَا} هلم إلينا، تعال إلينا.
سؤال: كان مقتضى النظم: «وأمرنا بأن نسلم» فلماذا عدل إلى «لنسلم»؟
الجواب: اللام هي لام التعليل والمعنى أن الله تعالى أمرنا بما أمرنا به من الأحكام لكي نكون مسلمين.
(3) -سؤال: هل المثل حقيقي: «تغولته الغول»، وأن الشياطين تغوي الإنسان عن الطريق؟

الجواب: يأتي الشيطان الإنسان السائر لوحده في طريق بوساوس يشغله بها عن تعرف المغاوي والحذر منها فيقع بسبب تلك الوساوس في المغاوي والضلال، فمن هنا يصح القول إن الشياطين أغوته عن الطريق وأوقعته في الضياع ويكون قولهم: «تغولته الغول» حقيقياً، أي: بواسطة الوساوس والتشويش بها على السائر في الطريق، وليس للشيطان «الغول» عمل سوى الوسوسة والتشويش بها على الذهن.
الآية 72
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
📝 التفسير:
{وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ 72} (1) وأمرنا سبحانه وتعالى بإقامة الصلاة، وأن نحذر مخالفته وعصيانه، وأخبرنا بأن مرجعنا إليه في يوم القيامة للحساب والجزاء.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَنْ أَقِيمُوا}؟
الجواب: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالعطف على ما دخلت عليه اللام.
الآية 73
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ (2)
يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ 73} إن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما لغرض عظيم وحكمة بالغة وذلك ليرتب على خلقهما الثواب والعقاب في يوم القيامة، وليس الأمر كما تظنونه أيها المشركون أن الحياة الدنيا تنتهي بالموت وليس بعدها لا جزاء ولا حساب، ولا بعث ولا نشور، وذلك وعد من الله تعالى حق لا ريب فيه وليس بعسير عليه تعالى، فإنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، وكل ما أتاكم الله تعالى به من الوحي والقرآن فهو حق وحقيقة فسيبعث الله تعالى الناس جميعاً، ويحشرهم يوم القيامة لا يغادر منهم أحداً، ولا ينسى؛ لأنه عالم الغيب والشهادة، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، بذلك قضت حكمته، وهو المطلع على ما ظهر وما بطن.

__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَنْ أَقِيمُوا}؟
الجواب: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالعطف على ما دخلت عليه اللام.
(2) -سؤال: ما هو العامل في {يَوْمَ}؟ وما هو الذي عطف بالواو في قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ ... }؟
الجواب: يوم: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و {قَوْلُهُ الْحَقُّ} مبتدأ مؤخر، والمعطوف بالواو وهو الجملة المكونة من المبتدأ والخبر {وَلَهُ الْمُلْكُ} جملة معطوفة على الجملة التي قبلها، و {عَالِمُ الْغَيْبِ} خبر مبتدأ محذوف، وهاهنا جمل متعاطفة هي كما يلي:
- الله وحده هو الذي خلق السموات والأرض لأمر عظيم ولحكمة بالغة.
- وقضاء الله تعالى قضاء حق حين يقضي بالبعث والقيامة.
- وله وحده الملك في يوم البعث والحساب.
- وهو سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة لا تخفى عليه خافية من أعمال الخلق ما ظهر منها وما خفي وما كبر وما صغر.
- وهو تعالى الحكيم الذي لا يحكم إلا بالحق والعدل «الخبير» المطلع بعلمه على السرائر والضمائر لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
الآية 74
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 74} (1)
لا يكبر في نفسك يا محمد ما تلقاه من المشركين من التكذيب لآيات الله تعالى والكفر به فقد لقي أبوك إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما لقيت من التكذيب والعناد حتى من أقرب أقاربه وهو أبوه، حين دعاهم إلى الإيمان بالله تعالى وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وبَيَّنَ لهم طريق الهدى والدين الحق، وبَيَّن أن ما هم عليه من الشرك ضلال مبين، فلم يستجيبوا له، وكذبوا به، وتمردوا عليه، ثم أجمعوا على تحريقه بالنار.
__________
(1) - سؤال: هل لتنكير المفعولين: {أَصْنَامًا آلِهَةً} علة أو نكتة؟
الجواب: التنكير قد يفيد هنا التحقير.
سؤال: يقال: إن فائدة ذكر اسم الأب «آزر» ليعلم أنما هو أخو أبيه «عمه» فما رأيكم؟ أو ترونه أباه حقيقة؟

الجواب: الظاهر أن آزر أبو إبراهيم عليه السلام الحقيقي: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} [التوبة:114]، {وَاغْفِرْ لِأَبِي} [الشعراء:86]، {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} [الممتحنة:4]، {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ ... يَاأَبَتِ ... يَاأَبَتِ ... يَاأَبَتِ} [مريم:42، 43، 44، 45]، وغير ذلك، وظاهر الإطلاق الحقيقة، وكثرة ذلك في القرآن يقوي الظاهر. ولا نقص في مكانة إبراهيم عليه السلام بكفر أبيه {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:165]، كما أنه لا نقص على نوح عليه السلام بكفر ابنه.
الآية 75
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 75} (1) إن الله سبحانه وتعالى وضح لإبراهيم وأراه آيات عظمته وجلاله، وآيات قدرته وعلمه، ودله على سبل المحاججة وقوة البيان، وتماماً كما فصل الله سبحانه وتعالى من بيان محاججة إبراهيم لقومه في هذه الآيات؛ ليحمله رسالته إلى قومه (2)، ولينذرهم بما أوحاه إليه، وليكون إبراهيم عليه السلام على يقين من دينه وإيمانه.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {كَذَلِكَ} وحَلُّ معناها؟
الجواب: {كَذَلِكَ} أعربت مبتدأ أي: مثل ذلك التعريف الذي عرفناك يا محمد عرفنا إبراهيم .. أي: أن الكاف مبتدأ بمعنى مثل. وقد أعربت {كَذَلِكَ} مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف مقدر قبلها، وأيضاً مفعولاً مطلقاً للفعل الذي بعدها.
سؤال: ما معنى {مَلَكُوتَ}؟ ومم أخذت؟
الجواب: {مَلَكُوتَ} الملك العظيم، وهو مأخوذ من الملك بزيادة الواو والتاء لإفادة أنه عظيم.
(2) - سؤال: هل مرادكم أن قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 75} معطوف على محذوف تقديره ما ذكرتموه: ليحمله رسالته .. إلخ؟
الجواب: المراد هو ذلك لأن العطف يدل على أن ثمة معطوفاً عليه.
الآية 76
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ 76 فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ (1)
بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي (2) فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ 77 فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ 78 إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (3) لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ 79} يبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات طرق الحجاج الحكيمة (4)
التي علمها نبيه إبراهيم عليه السلام، وذلك أن قومه كانوا يعبدون الأصنام التي ينحتونها ويصورونها بأيديهم ثم ينصبونها للعبادة، فدعاهم إبراهيم عليه السلام إلى ترك عبادتها؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ودعاهم إلى عبادة رب السماوات والأرض وما بينهما.
ومعنى الآية: فلما دخل الليل رأى كوكبا لامعاً في السماء ودعا قومه إلى النظر إليه، وقال: هذا أكبر من الأصنام (5) وأعلا منها وأعظم، فهو أحق بالعبادة، ثم لما كان آخر الليل غاب ذلك النجم، ثم رجع إبراهيم إليهم قائلاً: إن رب السماوات والأرض لا ينبغي أن يغيب عن ملكه فلذلك لا يصلح للربوبية.
فلما كانت الليلة الثانية طلعت القمر وكانت أعظم من ذلك النجم، وقال لقومه: هذه القمر أعظم منه وأكبر، وأعظم من الأصنام التي تنحتونها، وهي أحق بالربوبية، ثم لما غابت القمر أظهر إبراهيم عليه السلام التحير وقال: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ... } إلخ (6)
ليبين لقومه أن عليهم أن يواصلوا البحث والنظر معه حتى يصلوا إلى معرفة الإله الحق.
ثم طلعت الشمس في اليوم الثاني فقال لقومه: هذه أعظم وأكبر من الأصنام ومن النجم ومن القمر، وهي أحق بالربوبية والعبادة، ثم لما غربت الشمس قال إبراهيم: لا يصح أن يغيب الرب عن مملكته، فلنطلب لنا رباً غير الأصنام والنجوم والقمر والشمس، وما هو إلا الذي خلق السماوات والأرض والنجوم والشمس والقمر وخلق الأحجار والجبال والحيوانات، فهذا هو الرب الذي ينبغي أن نميل إلى عبادته، ونستسلم لعزته، ونترك عبادة ما سواه.
فقد أرانا إبراهيم عليه السلام بحسن محاججته لقومه كيفية الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، وإبطال ربوبية ما سواه بما علمه الله تعالى، وأراه من آياته الدالة عليه.

__________

(1) -سؤال: لماذا ذكّر الصفة {بَازِغًا} مع القمر، وأنثها مع الشمس، وكلاهما مؤنث؟

الجواب: لفظ القمر مذكر ولفظ الشمس مؤنث بدليل: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ... } [يس:39]، {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا ... } [يس:40]، {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ 1} [القمر]، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1} [الشمس]، {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 1} [التكوير]، {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه:130] {وَقَمَرًا مُنِيرًا 61} [الفرقان]، {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ 18} [الانشقاق].
(2) - سؤال: هل قوله: {هَذَا رَبِّي} على جهة الإقرار أم الاستفهام وحذف حرفه، أم ماذا؟
الجواب: بعدما استدل إبراهيم عليه السلام على بطلان إلهية المعبودات الأرضية «الأصنام» توقع أو خاف من قومه أن يعبدوا الأجرام السماوية الكبيرة وأعظمها الشمس والقمر والنجوم الزاهرة بنورها، فأراد عليه السلام أن يبطل إلهيتها وربوبيتها قبل أن يحتج لإلهية رب السماوات والأرض لتوقعه أنهم سيفتنون بإلهية الكوكب أو القمر أو الشمس فتنازل لهم في معرفته حتى كأنه أحدهم فأراهم الكوكب الزاهر بعد طلوعه فتكلم هو عليه السلام بما توقع أن يقولوه هم ويعتقدوه، وكأنه يتكلم باسمهم وبما يلوح لهم في أذهانهم عند رؤية الكوكب؛ ليطمئنوا إليه، ولم يقل إبراهيم عليه السلام {هَذَا رَبِّي} لا اعتقاداً ولا استفهاماً، وإنما قاله على سبيل الفرض والتقدير ليتسنى له إبطال إلهيته.
(3) - سؤال: ما معنى: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}؟
الجواب: المعنى: أنه وجه عبادته وطاعته لله.
(4) -سؤال: هل هي براهين عقلية حاججهم بها ليوصلهم إلى معرفة الله؟ وهل يؤخذ منها وجوب المحاججة بالعقل في إثبات التوحيد؟

الجواب: حاجج إبراهيم عليه السلام بحجج العقل التي يفهمها العقل بفطرته، وقد حكى الله تعالى في القرآن تلك الحجج أو بعضها {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ 95 وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ 96} [الصافات]، {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ 73} [الشعراء]، {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ 63} [الأنبياء]، وإلى آخر ما حكاه الله تعالى من حجج إبراهيم عليه السلام التي حاجج بها قومه وهي حجج عقلية. ويؤخذ من هنا ومن قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125]، الاستدلال والاحتجاج بالحجج العقلية التي من شأنها أن يفهم منها الحق ويستوضحه، والحكيم هو الذي يحتج لكل خصم بما يتناسب مع فهمه من أدلة العقول.

(5) -سؤال: من أين نفهم أنه قال: هذا أكبر من الأصنام؟
الجواب: نفهم ذلك مما حكاه الله تعالى من استنكار إبراهيم عليه السلام لعبادة قومه للأصنام وهي حجارة لا تضر ولا تنفع، وأنها لا تصلح للإلهية والربوبية فأراهم إلى أنه يبحث عن الإله الحق، واستَجَرَّهم معه إلى ما ذكر الله تعالى هاهنا من قصة البحث والنظر، وعند البحث والنظر قال لهم عليه السلام: هذا الكوكب الزاهر أعظم وأكبر من الحجارة التي تعبدونها، ثم طلع القمر ثم الشمس، و ... إلخ. وكل ذلك الحجاج من إبراهيم عليه السلام هو من أجل إبطال إلهية الأصنام، وإبطال عبادتها، وبيان إلهية الله تعالى وربوبيته، واستحقاقه للعبادة.
(6) - سؤال: وما معنى قوله: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ 77} فظاهره عدم معرفته؟

الجواب: قد ذكرنا أنه عليه السلام يتكلم وكأنه كأحدهم في الجهل بربه من أجل أن يستجرّهم إلى البحث والنظر، ولم يقل ذلك عن نفسه وإنما قاله عن قومه.
الآية 77
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
📝 التفسير:
انظر آية 76
الآية 78
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
انظر آية 76
الآية 79
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
📝 التفسير:
انظر آية 76
الآية 80
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا (1) وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (2)
أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ 80 وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 81} ثم رجع قوم إبراهيم إلى محاججته بعدما بين لهم الحق بالحجج الواضحة والبراهين النيرة، ولكنهم تعنتوا واستكبروا وتمردوا بعد وضوح الحجة وبيان المحجة، وخوفوه آلهتهم، وحذروه أن يناله منها ما يكره، فقال إبراهيم عليه السلام: أتطمعون بمحاججتكم لي أن تردوني عن الهدى، وقد بصرني ربي أنواره، وهداني إليه، واستقر علمه في قلبي، واستيقنته نفسي، وكيف تخوفوني أصنامكم؟!! وهي لا تقدر على الضر والنفع، ولا تملك ذلك، وإنما هي حجارة لا حياة فيها، ولا قدرة ولا علم، وأنتم تعرفون ذلك، وأنتم الذي صنعتموها بأيديكم، فكيف أخافها؟!!
وكيف لا تخافون أنتم من غضب رب العالمين حين أشركتم به، وعبدتم سواه، وهو يدعوكم إلى عبادته، وترك عبادة من سواه، فأنتم أحق أن تخافوا من رب العالمين؛ لأنه على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فأنتم لذلك أحق بأن تخافوا الله تعالى، أما الأصنام فليس بيدها قدرة ولا علم، فكيف أخافها ولا دليل لكم على ربوبيتها؟ فمن هو الأحق بالأمن أنا أم أنتم؟

__________
(1) -سؤال: كيف صح له عليه السلام الاستثناء بقوله: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا}؟
الجواب: المعنى: إلا أن يشاء الله تعالى أن يجعل ما يُخَافُ في شيء مما يعبد من دون الله كالشهاب الثاقب «النيزك» الذي ترمى به الشياطين فقد يكثر الله ذلك كثرة يخاف منها، والنيازك هي قطع من الكواكب وهذا على تقدير أنهم كانوا يعبدون الكواكب، فمن هذه الناحية استثنى إبراهيم عليه السلام مثل هذه الحالة المفروضة التي من شأنها أن يحصل الخوف منها.
(2) - سؤال: ما إعراب: {عِلْمًا}؟ ...

الجواب: يعرب تمييزاً «تمييز نسبة».