القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنفال

آية
إجمالي الآيات: 75 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
📝 التفسير:
{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 61} إذا مال عدوكم إلى السلم، وطلبوا الهدنة- فاقبلوا ذلك؛ فإن حصل منهم أي خيانة فأعلن بين الناس بنقض ذلك العهد كما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة.
الآية 62
وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ 62} إذا طلب المشركون منك السلم والصلح وهم في الواقع مضمرون لك الخديعة فاعلم بأن الله سبحانه وتعالى سيكفيك شرهم وسينصرك عليهم، فقد أيدك الله سبحانه وتعالى بالمؤمنين الذين آمنوا بك.
الآية 63
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وهو الذي ألف بينهم.
{لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 63} وهم الأوس والخزرج جمع الله سبحانه وتعالى بينهم، وزرع الألفة بين قلوبهم؛ فتآخوا بعد أن كانوا أعداءً قبل ذلك، وكانت العداوة قد استحكمت بينهم زماناً طويلاً، وصار بينهم قتل وقتال وثارات على مدى مائة وعشرين عاماً، وعندما جاء الإسلام جمع بين هاتين القبيلتين وذهب ذلك الذي كان بينهم، وأصبحوا إخوة متآلفين.
الآية 64
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 64} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن في هؤلاء الذين قد آمنوا معه الكفاية للقيام بأمر الجهاد معه -مع تأييد الله سبحانه وتعالى ونصره- والوقوف في أوجه أعداء الإسلام من المشركين واليهود والمنافقين وغيرهم، وسيحمون الإسلام، وفيهم الكفاية لنشره في الأرض، ولن تحتاج إلى أحد غيرهم؛ فتوكل على الله سبحانه وتعالى، وامض بهم لما أمرك الله به.
الآية 65
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
📝 التفسير:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} يحث الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على تحريض المؤمنين على القيام بأمر الجهاد (1).
{إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ 65} (2) نزلت هذه الآية في أول الإسلام وهو أن الفرد الواحد من المسلمين يقابل عشرة من المشركين، وذلك لأن المسلمين في أول الإسلام كانوا قلة قليلة، فأمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يثبتوا على القتال إذا كان الأمر كذلك، وألا يفروا
__________
(1) -سؤال: هل لتسمية الجهاد في هذا الموضع قتالاً نكتة فما هي؟

الجواب: كلمة الجهاد هي أوسع معنى من كلمة القتال، فكلمة القتال بعض من مدلول كلمة الجهاد، كما يظهر من مواردها في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]، وقوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا 52} [الفرقان]، أي: بالقرآن، وقوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم:9]، ولم يسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم السيف على المنافقين، كما ذلك معلوم من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان استعمال كلمة القتال بدلاً عن كلمة الجهاد أدلّ على المطلوب، وأدخل في النصوصية عليه؛ إذ لا تحتمل معنى آخر كما هو الحال في الجهاد.

(2) -سؤال: جعل الله سبحانه السبب في قيام الواحد للعشرة هو أن الكفار لا يفقهون، فما هو الذي لا يفقهونه؟
الجواب: الذي لا يفقهه المشركون هو ما أعده الله تعالى للمؤمنين المجاهدين من الثواب العظيم والدرجات الرفيعة في جنات الخلد، {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء:104]؛ لذلك يحرص الكافرون على السلامة من القتل ويهربون منه لأنهم يرون أن الموت أو القتل ضياع وخسارة ونهاية لحياتهم، أما المؤمن فيرى القتل فوزاً وربحاً وبداية لحياة أخرى يعظم نعيمها ويبقى ولا يفنى، و .. إلخ، فهذا هو الذي لا يفقهه الكافرون.
الآية 66
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
📝 التفسير:
ثم بعد ذلك كثر المسلمون وصاروا أهل كثرة، فحينها خفف الله سبحانه وتعالى عنهم هذا التكليف بقوله: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 66} (2)خفف الله سبحانه وتعالى على المسلمين عندما أصبحوا أهل كثرة من العشرة إلى الاثنين لكل واحد من المسلمين.
ومعنى ذلك: أنه لا يجوز لهم أن يفروا أو يتراجعوا عن مواجهة المشركين في حال كهذه، وهو ما داموا مثل نصف المشركين، وأن القتال قد وجب عليهم، والله سبحانه وتعالى سيؤيدهم بنصره.

__________

(2) -سؤال: في ذهني أن بعض أئمتنا أخذ من هذه الآية أنه لا يجب على أهل العدل قتال أهل البغي إلا إذا كانوا على النصف منهم في العدد والعدة، فهل توافقونه في هذا المأخذ؟ وهل يتعارض مع قول أهل المذهب بوجوبه متى ظنوا الغلبة؟ وما الراجح منهما؟

الجواب: الذي يظهر لي أنه لا تعارض بين الآية وبين قول أهل المذهب، فقد ذكر في الآية العلة الغائية في وجوب قتال المائة للمائتين وهي الغلبة للمشركين؛ لذلك فإن المؤمنين إذا كانوا أقل من النصف إلا أنهم من أهل البأس والشدة وأهل التجارب في الحرب، وأهل معرفة بالحيل والمراوغة والتمويه و .. إلخ، وحصل عند ذلك الظن بالتغلب على العدو وهزيمته وقتله، فإنه يجب حينئذ القتال، وذلك لأنهم وإن قل عددهم عن النصف إلا أنهم حينئذ بمنزلة النصف أو أكثر، وقد روي عن الإمام الهادي عليه السلام أنه قال لجيشه: «نحن مائتان، فقالوا: لسنا إلا مائة، فقال: أنتم مائة، وأنا بمنزلة مائة»، وهكذا العكس فلو كان المسلمون مثل الكافرين أو مثل نصفهم في العدد والعدة إلا أنهم كانوا أو أكثرهم من أهل الإيمان الضعيف، لا يتوقع منهم الصبر الطويل، أو كانوا من أهل الترف الذين لا يصبرون على الحر والبرد والشمس والجوع، وطلوع الجبال، وحمل الأثقال، وقطع المسافات، والتنقل كما ينبغي، أو لا معرفة لهم بالحرب والقتال والمراوغة والتمويه والتحيل و .. إلخ، فإذا لم يحصل ظن الغلبة، أو حصل ظن الهلاك إن دخل هؤلاء المعركة مع العدو؛ فلا يجوز إدخالهم فيها {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195].
الآية 67
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 67} (1) في يوم بدر أسر المسلمون من جيش المشركين سبعين أسيراً، وقتلوا منهم سبعين من صناديد قريش وكبارهم، والله سبحانه وتعالى كان يحب قتل هؤلاء الأسرى وكذلك نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وكان من المتعارف أن من أسر أسيراً فهو له: إن شاء أخذ الفدية، وإن شاء قتله، فنصحهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا يقبلوا فيهم فدية وأن يقتلوهم، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الضعف والحاجة إلى المال لأجل أن يستقووا به على الأعداء وينفقوا منه في سبيل الله، وينفقوا منه على أهاليهم وأولادهم ما دام قريش أصحاب أموال طائلة فسيدفعون في أسراهم أموالاً كثيرة؛ فإن رأيت أن نطلب الفدية؟
فأخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماذا سيحصل لهم إن أخذوا الفدية، وأنه سيقتل مقابل كل أسير يأخذون فديته رجل من المسلمين، ولكنهم ألحوا عليه في ذلك حتى أشفق عليهم، ووافق على مطلبهم هذا بعد أن حذرهم عواقبه، وأخبرهم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يريد لهم القتل (2)،وأنه ما ينبغي لنبي أن يأسر ويأخذ الفدية إلا بعد أن تمتلئ الأرض من قتلى المشركين ودمائهم، وأنه ينبغي أولاً أن يبني المسلمون هيبة الإسلام، ولن يكون له هيبة حتى يفعلوا ذلك ويقتلوهم، فإذا استقوى الإسلام، وصار له كيان ودولة- كان لهم حينئذ أن يأخذوا الفدية.
ومعركة بدر هذه كانت أول معركة في الإسلام مع المشركين، ففي أخذهم الفدية إظهار للضعف أمام المشركين؛ ولذلك عاتبهم الله سبحانه وتعالى بهذه الآية ووبخهم، وأخبرهم بأنهم قد أخطئوا في فعلهم هذا، وأنهم لو قتلوهم لكان ذلك أشد وقعاً على المشركين، وأوجع لهم وأعز للإسلام وللمسلمين، ولكنكم أيها المسلمون آثرتم عرض الدنيا، وهو أخذ الفداء، والله سبحانه وتعالى يريد أن يقوّي جانبَ الحق، ويزيد من هيبته، وذلك لن يحصل إلا بقتلهم.

__________
(1) -سؤال: ما محل جملة: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ... } الإعرابي؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب لأنها جملة مستأنفة.
(2) -سؤال: في ذهني أن الإمام الهادي عليه السلام قرر في مجموع رسائله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ممن وقف مع رأي أخذ الفدية وأن آخرين عارضوا ذلك، وكذلك ظاهر الآية أن العتاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهلا ذكرتم مصادر قولكم بأنه أخبرهم بماذا سيحصل وأنه سيقتل مسلم مقابل كل أسير وخرجتموه، والعفو من سماحتكم مطلوب؟

الجواب: ذكر قريباً منه في شرح نهج البلاغة عن الواقدي يرويه عن علي عليه السلام، وفي الجوهر الشفاف: وروي أنه قال لهم: ((إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم)) فقالوا: بل نأخذ الفداء، وذكره في المصابيح. وفي تفسير ابن كثير ما لفظه: وقال سفيان الثوري، عن هشام -هو ابن حسان- عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي عليه السلام قال: (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاءوا الفداء، وإن شاءوا القتل على أن يقتل منهم مُقْبِلاً مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا). رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به، وهذا حديث غريب. [ثم ذكر المصادر في الحاشية بقوله]: سنن الترمذي برقم (1567)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (8662)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث الثوري لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي زائدة». [وهو موجود في أغلب التفاسير يذكرونه بعد الرواية الأولى التي فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استشار أبا بكر وعمر ... ، ثم يقولون: وروي أنه ... إلخ].
الآية 68
لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ (1) لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 68} لولا أن الله سبحانه وتعالى قد كتب في كتابه أنه لن يعذب أحداً حتى يبين لهم ما يتقون- لعذب المسلمين على أخذهم الفدية، فالله سبحانه وتعالى لا يريد لهم أن يأخذوا الأسرى، وإنما أراد أن يقتلوهم في الحال، فما إن استفدت الأسرى أنفسها حتى بدأت تعد العدة للانتقام من المسلمين، وأخذ الثأر منهم على ما حصل عليهم.
__________
(1) -سؤال: هل قوله: {سَبَقَ} خبر لقوله: {كِتَابٌ}؟ أم أنه صفة له والخبر محذوف تقديره: موجود؟
الجواب: خبر «لولا» محذوف، و «سبق» صفة لكتاب، والخبر مقدر كما ذكرتم.
الآية 69
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 69} أباح الله سبحانه وتعالى الأكل من الغنائم، وأما الأسرى فما كان ينبغي أن يستفدوهم وإنما كان جزاؤهم القتل.
الآية 70
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 70} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يسأل الأسرى إذا كانوا يريدون الإيمان، ويقول لهم: إن الأولى بهم أن يؤمنوا وإنه إن كان الإيمان قد دخل في قلوبهم فسيعوضهم سبحانه وتعالى بدل الفدية التي دفعوها بخير منها؛ لأن المسلمين كانوا يستبقون الأسير بينهم إلى أن يأتي أهله ليستفدوه، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعظ هؤلاء الأسرى لعلهم يؤمنون.
الآية 71
وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 71} كان المسلمون بعد أن يأخذوا الفدية عن الأسير لا يفكونه إلا بعد أن يأخذوا منه العهود على عدم قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو التعرض للإسلام والمسلمين، فإذا أرادوا بعد عهدهم هذا الخيانة- فالله سبحانه وتعالى فوقهم، ولن يفلتوا منه؛ وقد جربوا عندما خانوا قبل ذلك، عندما رفضوا أن يؤمنوا به ويوفوا بعهده كيف مكن المسلمين منهم ومن أسرهم، فإن هم هموا بالخيانة ثانية فسيحصل لهم ما قد حصل لهم من قبل.
الآية 72
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} المؤمنون الذين هاجروا إلى المدينة، وجاهدوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك الذين آمنوا من أهل المدينة من الأوس والخزرج وآووا إخوانهم المهاجرين إليهم، ونصروا الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم - أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بأن بعضهم أولياء بعض؛ فينبغي أن يجتمعوا جميعاً، ويتناصحوا فيما بينهم، وألا يناصحوا الكفار واليهود، ولا يوالوهم، وأن يقطعوا كل ما بينهم من صلات.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} الذين آمنوا في مكة ورفضوا الهجرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، ومكثوا بين المشركين؛ فهؤلاء لا يجوز لكم موالاتهم ولا مناصرتهم، ولا إطلاعهم على شيء من أسرار الإسلام والمسلمين، واتركوهم فإن حكمهم حكم المشركين في المعاملة الدنيوية، وأما فيما بينهم وبين الله فذلك إليه تعالى.
{وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} أما إذا طلبوا منكم أن تنصروهم في الدين فانصروهم على أعدائهم.
{إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 72} (1) إذا استنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد وصلح- فلا تنصروهم عليهم.
__________
(1) -سؤال: هل في الآية دليل على أن المصلحة إذا عارضتها مفسدة أرجح منها (وهي نقض العهد) فيجب ترك المصلحة؟ أفيدونا في الموضوع؟
الجواب: يجب ترك المصلحة إذا عارضتها مفسدة أرجح منها بدليل العقل، فالعقل يستقبح أن يقدم العاقل على العمل بإيجار مائة مثلاً، ولكنه يعلم أنه إذا فعل خسر مائتين.
الآية 73
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ
📝 التفسير:
{وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} فلا تناصروهم ولا توالوهم، واتركوهم يتناصرون فيما بينهم.
{إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ 73} إذا لم تفعلوا صرم الولاء وتتركوا مناصرة الكفار وموالاتهم تحصل فتنة عظيمة (2) في الأرض وفساد كبير.
__________

(2) -سؤال: ما هي الفتنة التي توعد الله بحصولها؟
الجواب: الفتنة هي: القتل والحرب، أو قوة الكافرين وضعف المؤمنين واستذلالهم وظلمهم حتى يعودوا إلى دين الكفر.
الآية 74
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 74} فالمؤمنون الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاهدوا معه، وكذلك الذين آووهم ونصروهم من أهل المدينة، ولم يوالوا الكفار ولم يناصحوهم؛ فهؤلاء هم الذين يستحقون اسم الإيمان والمغفرة، والرزق الكريم في جنات النعيم.
الآية 75
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ (1) وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ} فقد أصبحوا منكم، وقد صاروا لكم أولياء.
{وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 75} فالرحم أولى برحمه في الميراث والنصرة والنفقة ونحو ذلك، وهذا حكم حكم به الله وأنزله في كتابه.
* * * * *
__________
(1) -سؤال: هل المراد من بعد الهجرة، ففيه دليل على أن بعض مسلمة الفتح حسن إسلامهم فما رأيكم؟
الجواب: ليس المراد أنهم هاجروا من بعد الهجرة، وإنما المراد الذين آمنوا ولم يهاجروا ثم من بعد قعودهم عن الهجرة هاجروا وجاهدوا. وقد حسن إسلام بعضهم وهم قلة مثل العباس بن عبدالمطلب وعقيل بن أبي طالب وغيرهما من بني هاشم وربما بعض خزاعة والله أعلم، وما ورد في القرآن من أنهم لا يؤمنون (أهل مكة) فالمراد أكثرهم، والسواد الأعظم منهم.