القرآن الكريم مع التفسير

سورة التوبة

آية
إجمالي الآيات: 129 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 61
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} وبعض من المنافقين يلحقون الأذى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون إنه مسماع يصدق كل من تكلم عنده، يعنون بذلك أنه أبله وغير حاذق، وليس ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا لأخلاقه الرفيعة، وكرمه العظيم، ويستحيي أن يرد لأحد طلباً؛ فلذلك كان لا يرد أحداً قد جاء إليه معتذراً كائناً من كان ما دام يستطيع ذلك، وليس فيه ضرر على الدين.
وهو في الحقيقة لا يصدق كلامهم، وإنما كان يستمع لكلامهم إذا تكلموا عنده؛ لئلا ينفرهم فتمتلئ قلوبهم عليه وعلى الإسلام والمسلمين، فيؤدي ذلك إلى أن يقفوا في وجه دعوته.
{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يقول لهم: إنه أذن خير لهم، أي: أنه يسمع ما يقال له، فيغضي عن الشر ولا يؤاخذ عليه، ويتجاوز عما يسيئه ولا يتحدث به ولا يؤاخذ قائله، ولا يعمل بالوشاية، فسماعه كله خير للمسلمين جميعاً للمؤمنين والمنافقين، فهو يستمع لهم لأجل مصالحهم، {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يصدق بالله، ويصدق المؤمنين إذا تكلموا عنده بشيء، {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} أراد بذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للذين آمنوا ولم يخلصوا في إيمانهم والمراد المنافقون، فهو رحمة لهم عندما يستمع إليهم، ويقبل أعذارهم؛ لأجل أن يستر عليهم، وأما التصديق فلا يصدق إلا المؤمنين، ولا يصدق إلا بالله، وسكوته عندما يعتذرون إليه ليس تصديقاً لهم وإنما رحمة بهم وستراً عليهم.
{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 61} يهددهم الله تعالى بأنه سيعذبهم على هذه الأذية التي يلحقونها بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي ما ينسبون إليه من النقائص كمسماع وأبله، وغير ذلك.
الآية 62
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} يأتي المنافقون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ويحلفون لهم بأنهم مؤمنون، وأنهم صادقون، وفي الحقيقة إنهم إنما يقولون ذلك لأجل إرضائهم.
{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ 62} والمفترض بهم أن يرضوا الله ورسوله، ويحرصوا على ذلك إن كانوا على ما يزعمون.
الآية 63
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{أَلَمْ يَعْلَمُوا (1) أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ 63} استنكر الله سبحانه وتعالى عليهم كيف لم يعلموا أنه من يعاد الله ورسوله فإن جزاءه نار جهنم خالداً فيها مخلداً، ويحادد بمعنى: يعادي.
__________
(1) -سؤال: هل يحتمل أنه استفهام تقريري نحو: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 1} [الشرح]؟
الجواب: يجوز أن تقول في هذا ونحوه: إنه استفهام تقريري واستفهام إنكاري؛ فالتقريري لما بعد النفي «يعلموا» والاستنكاري للنفي «لم يعلموا»، هكذا قالوا.
الآية 64
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ
📝 التفسير:
{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} فهم في أشد الحذر والخوف من ذلك مع أنهم كافرون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع اتهامهم له بالكذب والافتراء، ولكنهم خائفون أن ينزل الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة تفضحهم.
{قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ 64} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول للمنافقين: افعلوا ما بدا لكم من استهزاء ومكر فالله سيفضحكم ويكشف أسراركم وأخباركم.
الآية 65
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ
📝 التفسير:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} بعد أن يفضحهم الله سبحانه وتعالى، ويطلع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على أسرارهم؛ فسيسألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ماذا كنتم تفعلون؟ فيجيبون: إنما كان ذلك منا مزاحاً ولسنا جادين فيما نقول.
{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ 65} فيجيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بل كنتم تستهزؤون بالله وآياته ورسوله (1)، يلقنه الله سبحانه وتعالى كيف يجيبهم.
__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر الآية الاستفهام فكيف؟
الجواب: الاستفهام للإنكار التوبيخي الذي هو واقع وفاعله ملوم، والدليل أنه واقع أول الآية: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} وأيضاً الآية التي تليها: {لَا تَعْتَذِرُوا ... }.
الآية 66
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
📝 التفسير:
{لَا تَعْتَذِرُوا} فلن يقبل لكم عذر {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}؛ لأن استهزاءكم بالله سبحانه وتعالى وبنبيه صلى الله عليه وآله وسلم كفر، {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ 66} إذا عفا الله سبحانه وتعالى عن طائفة بعد أن يتوبوا ويحسن إيمانهم (2) فهناك طائفة أخرى سيرفضون التوبة والإيمان ويمكثون على كفرهم، ولا بد أن يوقعهم الله سبحانه وتعالى في عذابه، وهذا وعيد لهذه الطائفة التي ترفض الإيمان والتوبة.
__________

(2) -سؤال: من أين نستفيد أن الطائفة المعفو عنها هي التي تتوب وتحسن؟
الجواب: نستفيد ذلك من تعليله لتعذيب الطائفة بالإجرام {بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ 66}، فإن ذلك يشير إلى أن الطائفة المعفو عنها قد زال عنها صفة الإجرام بعد أن كانت الطائفتان مجرمتين جميعاً؛ بدليل قوله: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، ولا تزول صفة الكفر والإجرام إلا بالتوبة والرجوع إلى الله.
الآية 67
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} (3)طبيعة المنافقين واحدة ومبدأهم واحد وكلهم يأمرون بالمنكر ويفعلونه، وينهون عن المعروف، وطبيعتهم البخل في أموالهم فلا يؤدون زكاتها.
{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} أخبر الله سبحانه وتعالى بأنهم تركوا طاعة الله فحرمهم من رحمته وثوابه.
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 67} (1) فهؤلاء هم المنافقون، وهم المتمردون والخارجون عن حدود الله سبحانه وتعالى.

__________

(3) -سؤال: ما محل جملة: {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}، وجملة: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ}؟

الجواب: جملة: «بعضهم من بعض» في محل رفع خبر المبتدأ «المنافقون والمنافقات .. »، وجملة: «يأمرون بالمنكر ... » لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مستأنفة لبيان الروابط التي جمعت المنافقين وربطت بعضهم ببعض، ويجوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر ثانٍ للمبتدأ.
(1) -سؤال: يرد كثيراً تسمية المنافقين فاسقين، والكافرين فاسقين، ونحو ذلك، وهذا يشكك في ثبوت الحقائق الشرعية لهذه المسميات، وبذلك يختلط على الناظر خصوصاً مع عدم القرائن إذا قلنا إنه مجاز شرعي، فكيف الحل؟
الجواب: تسمية الكافر والمنافق باسم الفاسق تسمية غير مشككة لأنهما فاسقان وزيادة، واسم الفسق يعم الكافر والمنافق ومرتكب الكبيرة في الإسلام، وهذه الثلاثة الأسماء حقائق شرعية، وردت في القرآن لمعانٍ دينية خاصة، ثم إن أهل الشرع اصطلحوا بعد ذلك على استعمال كلمة «فاسق» في المسلم الذي يرتكب معصية كبيرة وخصوها به، فهي لذلك حقيقة اصطلاحية شرعية [1]، وقد كانت حقيقة دينية في الثلاثة الأصناف، والذي أحوج أهل الشرع إلى ذلك -في ظني- أن علماء الشريعة حين دونوا علم الفقه، وجمعوا أحكام الإسلام الشرعية، وميزوا بعضها عن بعض خصوا كلمة فاسق بالمسلم المرتكب للكبيرة دون غيره، وجمعوا الأحكام التي يستحقها وفصلوها وقالوا أحكام الفاسق هي .. إلخ، وأحكام الكافر هي .. إلخ، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
[1]- ملاحظة: يريد السائل هل ثبت تسمية من ارتكب كبيرة من الكبائر بالفسق من باب الحقيقة الشرعية الدينية لا الشرعية الاصطلاحية أم كيف؟
الجواب: نعم ثبت تسميته من باب الحقيقة الشرعية الدينية، وتخصيصه بتلك التسمية من باب الشرعية الاصطلاحية.
الآية 68
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
📝 التفسير:
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} فهذا جزاؤهم، {هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ 68} فيكفيهم نار جهنم جزاءً على أعمالهم، فقد لعنهم الله سبحانه وتعالى وطردهم عن رحمته، فلا حظ لهم فيها ولا نصيب.
الآية 69
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
📝 التفسير:
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن صفة الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} فصفة (1) هؤلاء كصفة من سبقهم من الكفار.
{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} يعني أولئك الكفار السابقين قد استمتعوا في الدنيا بحظهم الذي قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى فيها من الأموال والأولاد والصحة والعافية، وقد اغتروا بما أعطاهم.
{فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} يخبر الله سبحانه وتعالى عن المنافقين والكفار الذين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم قد استمتعوا في الدنيا كما قد استمتع أولئك فيها {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ} استمتعتم بما أعطاكم الله في الدنيا مثل ما استمتع أولئك، {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} خضتم في تكذيبكم واستهزائكم بنبيكم كما خاض أولئك السابقون في استهزائهم وتكذيبهم بأنبيائهم، وبما جاءوا به.
والمراد أن كلامهم فيما بينهم الذين يخوضون فيه لا يكون إلا حول الاستهزاء والتكذيب بأنبيائهم، وبما جاؤوهم به.
{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 69} أعمال البر التي يصنعونها في الدنيا، وصنائع المعروف التي يفعلونها قد حبطت، وسلبوا جزاءها وثوابها الذي في الدنيا، وكذلك في الآخرة فقد خسروها.
وذلك لأن للكفار والمنافقين صنائع معروف يصنعونها في الدنيا من أعمال البر والمعروف كما ذكر في الحديث: ((إن القوم يكونون كفاراً فيتواصلون ويتباذلون فتنمو أموالهم، وتزكوا ثمارهم، وتغزر أنهارهم، وتنموا تجاراتهم))، فهذا هو الثواب الذي يستحقونه يعطيهم الله سبحانه وتعالى إياه في الدنيا.
وهؤلاء الذين هذه صفتهم قد خسروا الدنيا والآخرة، فلا ينالون شيئاً من ثواب الدنيا ولا من ثواب الآخرة.

__________
(1) -سؤال: هل تريدون أن قوله: {كالذين} خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أنتم كالذين؟
الجواب: نعم هو خبر لمبتدأ محذوف.
الآية 70
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} استنكر الله (1) سبحانه وتعالى عليهم عدم اعتبارهم بما حل بمن مضى من هؤلاء جزاءً على أعمالهم وتكذيبهم حتى كأنهم لم يسمعوا ويعرفوا بقصصهم، وما مضى عليهم، والمؤتفكات: قرى قوم لوط عليه السلام، وائتفاكهن: انقلابهن، أي: المنقلبات التي جعل الله أعاليهن أسافلهن يقال: «أَفَكَه» إذا قلبه، وبابه (ضرب).
يحثهم الله سبحانه وتعالى على الاعتبار لينزجروا ويحذروا؛ لأن من رأى شخصاً وقع في مكروه أو مصيبة بسبب عمل عمله؛ فإنه سيتجنب أن يعمل مثل عمله خوفاً أن يحل به مثل ما حل بذلك الشخص.
{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} فكذبوا بها واستهزئوا بها، فعذبهم الله سبحانه وتعالى جزاءً على ذلك.
{فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 70} فقد اقتضت حكمته وعدالته أن يعذبهم، فتعذيبهم ليس ظلماً لهم؛ لأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم وعنادهم وتمردهم.
__________
(1) -سؤال: وهل يصح أن يقال فيه استفهام تقريري؟
الجواب: يجوز أن يقال في هذا الاستفهام ونحوه: إنه تقريري أي: لما بعد النفي، واستنكاري للنفي، هكذا قال علماء الإعراب.
الآية 71
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ينصر بعضهم بعضاً، {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 71} (1)بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المنافقين ذكر صفات المؤمنين وأنهم على عكسهم تماماً؛ فسيدخلهم الله سبحانه وتعالى في رحمته وسيثيبهم جزاءً على أعمالهم هذه، فهو العزيز الغالب، والحكيم الذي من شأنه أن يضع كل شيء في موضعه، ويعطي ثوابه لمن يستحقه، وعقابه لمن يستحقه.

__________
(1) -سؤال: هل تدل الآية على أن من لم يتصف بهذه الصفات أو ببعضها فلا حظ له في رحمة الله تعالى؟ ومن أيِّ ناحية؟

الجواب: في الآية دليل على ذلك، وذلك من حيث أنه تعالى جعل رحمته لمن جمع بين تلك الصفات، فمن لم يكن متصفاً بتلك الصفات أو ببعضها فليس له في هذا الوعد نصيب، ولا تعويل على قول من يقول: إن أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيدخلون الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بعد تعذيبهم في النار على حسب ذنوبهم؛ لأن قواطع النصوص القرآنية تزيف ذلك القول وترده، والقرآن هو أوثق الحبال وأقواها وأعظمها {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران:103]، {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ 18} [غافر]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ... } [النساء:93]، والنصوص القرآنية في هذا الباب كثيرة. وقد رد الله تعالى على اليهود حين قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} فقال: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 80 بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 81} [البقرة].
الآية 72
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (1) وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (2)ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 72} يرغب الله سبحانه وتعالى المؤمنين في هذه الآية أن يعملوا الأعمال الصالحة، وذلك بوعده لهم بأن جزاءها الجنة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا الثواب ليرغبوا في طاعته، ويقبلوا عليها بجد واجتهاد، وإلا فالمفترض بكل امرئ أن يطيع الله سبحانه وتعالى شكراً له على نعمه التي أنعم بها عليه كنعمة الخلق والرزق والعافية والأموال والأولاد، وحفظه من كل الأخطار التي تحيط به في كل وقت، فالواجب عليه أن يطيعه ولا يعصيه مقابل هذا الذي أعطاه ووهبه له من النعم؛ لأن شكر المنعم واجب، والمكافأة على الإحسان واجبة؛ فما دامت كل هذه الأشياء منه، وهو الذي وهبها فالمفروض مقابلتها بالإحسان، وهو الطاعة والانقياد حتى ولو لم يكن ثواب أو عقاب.
وبعد كل هذه النعم حكم على من عصاه بأنه يعذبه سبحانه وتعالى في نار جهنم خالداً فيها مخلدا.
وأكبر وأعظم من هذا الثواب هو رضا الله سبحانه وتعالى، فما دام راضياً عنك فسيزيدك أكثر مما تستحقه، وسيجازيك على عملك أضعافاً مضاعفة.

__________
(1) -سؤال: ما وجه المخالفة بين: جنات عدن، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، والمأوى، ونحو ذلك؟
الجواب: وجه مخالفة الصفات هو الترغيب والتشويق إلى طلب الجنة الموصوفة بتلك الصفات، فتارة يقول: جنات عدن؛ لعلمه أن المكلفين يرغبون ويتشوقون إلى الإقامة الدائمة التي لا موت فيها، وتارة يقول: جنات النعيم ليرغبهم بذكر النعيم؛ لعلمه أنهم يميلون إلى النعيم ويشتاقون له، وتارة يقول: جنة الفردوس؛ لعلمه أنهم يرغبون في الكرامة الرفيعة والمنازل العالية. وجنة المأوى هي -والله أعلم- الجنة التي تأوي إليها أرواح الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين في هذه الحياة الدنيا، وهي فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، وليست من الجنان التي يزف إليها المتقون يوم القيامة.
(2) - سؤال: ما وجه عدم عطف {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} على {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا}؟

الجواب: لم يعطف «ورضوان من الله» على «جنات تجري .. » لأن الرضوان داخل ضمن {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} وليس الرضوان شيئاً آخر غير ما ذكر، ولو عطف الرضوان على جنات لأفاد أن الرضوان شيء آخر. بيان ذلك: أن الرضا والرضوان والسخط والغضب من صفات الله تعالى، ومعنى ذلك في حق الله: الثواب والعقاب، أو الحكم بذلك، فرضوان الله عن أهل الجنة هو إعطاؤهم نعيم الجنة الدائم وتخليدهم فيه، وغضب الله وسخطه على أهل النار هو تعذيبهم في دركاتها وتخليدهم في عذابها، ولا يجوز أن نصف الله جل وعلا بصفة الغضب الحقيقي الذي هو فوران دم القلب وغليانه، وانتفاخ الأوداج؛ لأنه تعالى متعال عن صفات المخلوق الضعيف {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وذكر قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} مع أنه قد ذكر ضمناً فيما قبله ليفيد أن الله تعالى سيزيدهم على ما ذكر من فضله أضعافاً مضاعفة ينعمهم فيها، وكبرها من حيث المضاعفة الدائمة لأسباب النعيم، والله أعلم.
الآية 73
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 73} خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم آمراً له بمجاهدة الكفار والمنافقين.
وفي سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاهد الكفار بالسيف وبالقرآن والوعظ والإرشاد والدعوة، وأما المنافقون فلم يذكر في سيرته أنه جاهدهم بالسيف، وإنما كان يجاهدهم بالوعظ والتذكير، وقد أمره الله سبحانه وتعالى بأن يبلغ جهده فيهم وفي دعوتهم، وتبليغهم آياته، وتكريرها عليهم عسى أن تدخل في قلوبهم، ولم يحمل عليهم سيفاً، ولم يَسْبِ نساءهم، ولم يتغنم أموالهم، ولم يخرجهم من بيوتهم.
ومن صفاتهم أنهم لم يكونوا ظاهرين مثل بقية الكفار؛ لأنهم كانوا يتسترون بالإسلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه كان في منتهى الذكاء والفطنة والفراسة التي لا تخطئ، ولكنه مع كل ذلك لم يكن يعرفهم جميعاً، وإنما كان يعرف البعض ممن قد أطلعه الله سبحانه وتعالى عليهم، قال تعالى {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة:101]، وبعض المنافقين قد أظهروا أمرهم وكشفوا سترهم مثل عبدالله بن أُبَيّ ومن معه عندما خرجوا بثلث جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، وانفصلوا عنه؛ فعرفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون، مع أنه قد بقي من المنافقين بقية في ساحة المعركة لم يعرفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يطلع عليهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن ذلك قال تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة:101]، ومعنى مردوا على النفاق: تمرنوا على النفاق حتى مهروا فيه.
وأمره الله سبحانه وتعالى بأن يغلظ على الكفار والمنافقين، فإغلاظه على الكفار بضربهم بالسيف والترصد لهم في كل طريق، وأخذ تجاراتهم، واستباحة أموالهم، وأما الإغلاظ على المنافقين فهو أن يخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى قد أطلعه على صفاتهم وكذبهم، واستهزائهم بآيات الله سبحانه وتعالى، وما أشبه ذلك من صفاتهم، وأن الله سيعذبهم، وينزل نقمته بهم.
واعلم أن الجهاد كلمة عامة للجهاد بالسيف، والجهاد بالدعوة، والاجتهاد في إصلاح شأن المسلمين، وجهاد النفس وأعمال البر كلها.
الآية 74
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} يأتي المنافقون ليحلفوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم لم يتكلموا بشيء يسوءه، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يطلع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وما يدور بينهم في شأنه.
{وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} مع أنهم قد كفروا بالله سبحانه وتعالى، وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبما جاء به بعد ما دخلوا في الإسلام.
{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير أن الله سبحانه وتعالى قد خيب آمالهم، ولم يمكنهم من الوصول إليه.
وكان عزمهم على ذلك في العقبة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عائد من تبوك إلى المدينة، اتفقوا على أن يُنَفِّرُوا ناقته؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك أصابها الفزع فتهرب فزعة في غير طريق فتقتحم المهالك فيسقط النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفورها، ومع ذلك فما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحسن إليهم، ويقربهم ويتلطف لهم، ويكثر تذكيرهم ووعظهم؛ لعلهم يرجعون.
{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} ليس فعلهم ذلك إلا بطراً منهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما فتح الفتوح غنم أموالاً طائلة، فوسع عليهم وأعطاهم كما أعطى غيرهم حتى أصبحوا أصحاب أموال وتجارات وثراء وغناء، وليس ذنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا هذا، ولم يكن يأتيهم منه إلا كل خير، والذي نقموا عليه هو أنه أكرمهم وأعطاهم، وجعل لهم هيبة وعزاً بين جميع القبائل العربية، وبسببه صار لأهل المدينة دولة تهابها كل الناس حتى كسرى وقيصر، فهذا هو الذي نقموه عليه.
{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} إن أرادوا أن يرجعوا عن غيهم وضلالهم إلى طريق الهدى، ويدخلوا في الإسلام فهذا هو الأفضل لهم في الدنيا والآخرة.
{وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وإن أصروا على ضلالهم ونفاقهم- فسوف يعذبهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا بالخزي والذلة والمهانة والصغار، وفي الآخرة بعذاب النار وبئس المصير.
{وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 74} قد غضب الله سبحانه وتعالى عليهم، فعذابه لا محالة لاحقهم ومصيبهم، ولا يوجد على وجه الأرض من يدفع عنهم عذاب الله.
الآية 75
وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ 75} (1) بعض المنافقين عاهدوا الله سبحانه وتعالى بأنه إن أغناهم وأوسع عليهم- ليتصدقن وليشكرن الله ويطيعنه ولا يعصونه.
__________
(1) -سؤال: سمى الله فعل ثعلبة بن حاطب عهداً، والمذكور المشهور في السير أنه إنما وعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعداً بأنه سيفعل ويفعل، فهل يسمى مجرد الوعد عهداً؟ وهل يلزم الإنسان بمجرد ذلك ما وعد به؟ من فضلكم فصلوا القول في ذلك.
الجواب: ظاهر القرآن أن ثعلبة وعد الله وعداً مؤكداً بالأيمان، وإذا صدر الوعد على هذه الصفة سمي أيضاً عهداً، وعهد ثعلبة على أن يؤدي ما أوجب الله عليه في المال من الزكاة، وعلى أن يكون من المؤمنين الذين يطيعون الله تعالى ويعملون الصالحات، والزكاة وطاعة الله أمران واجبان في الأصل، وزادهما العهد تأكيداً.
- ... ومجرد الوعد من غير يمين لا يسمى عهداً.
- ... ويجب الوفاء بالوعد فيما هو واجب، وهذا واضح.
- ... ويجب الوفاء أيضاً فيما التزمه الإنسان وتحمله لغيره ورضي الغير، سواء أكان التزاماً بمال أو بفعل أو بقول أو بترك.
- ... هناك حالات لا يجب فيها الوفاء مثل: سآتيكم عصراً للحديث والجلسة، إذا عدت من السفر فسوف أمر عليكم، إذا شريت مني السلعة الفلانية فسأنقص لك من سعرها كذا وكذا. بخلاف ما إذا قال: إذا تعاونت مع فلان في أمره بمبلغ كذا وكذا فسأتعاون معك في أمرك الفلاني بمبلغ كذا وكذا، ففي مثل هذه الحال يجب الوفاء.
- ... وضابط ما لا يجب الوفاء به: أن يخبر الإنسان عما هو عازم على فعله في المستقبل من المندوبات أو المباحات أو المعروف؛ فإذا تغير رأي الإنسان عما أخبر به فيجوز له أن لا يفعل، كأن يخبر أصحابه أن سيسافر معهم غداً في رحلتهم أو في حجهم؛ فيفرحون، ثم يبدو له أن لا يسافر؛ فلا حرج عليه ولو استاءوا من تراجعه.
الآية 76
فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 76} فلما أعطاهم الله ما طلبوا من السعة والغنى نقضوا عهدهم، وذلك أن ثعلبة ذهب إلى النبي شاكياً إليه الفقر وشدة العيش طالباً منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى له بأن يوسع له في الرزق ويغنيه؛ فنصحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الأحسن له البقاء على حالته هذه، ولكنه أصر وألح عليه، فعند ذلك دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم له فلم يلبث مدة حتى أوسع الله عليه في الرزق، وأصبحت له أموال طائلة؛ فنقض العهد الذي كان عاهد الله سبحانه وتعالى عليه فنزلت هذه الآية.
الآية 77
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
📝 التفسير:
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ 77} (1) تسبب نقضهم للعهد وإخلافهم الوعد وعدم صدقهم فيما قالوه تسبب ذلك كله في امتلاء قلوبهم نفاقاً وكفراً.
(1) -سؤال: قد يقول أهل الجبر: إن إعقابهم النفاق من الله حال بينهم وبين الإيمان، وليس معنى قولنا: إن الله قَدَّر عليهم النفاق إلا ذلك، فكيف يجاب عليهم؟
الجواب: أن فاعل {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا} هو البخل والتولي والإعراض في قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 76} وليس الله هو الفاعل كما قد يتوهم، وهذه الآية مثل قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 14} [المطففين]، والقرآن يبين بعضه بعضاً.
الآية 78
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
📝 التفسير:
{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 78} ألا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى عالم ومطلع على ما في قلوبهم، وعالم بنياتهم الخبيثة، فهو تعالى عالم بنياتهم يوم عاهدوا، وأنهم في ذلك الوقت مبيتون للنقض والإخلاف.
الآية 79
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} كان المنافقون يسخرون من المؤمنين الذين يأتون بما قدروا عليه من صدقة التطوع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتنقصونهم.
{وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} الذين كانت حالتهم ضعيفة، وكانوا يعطون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلاً على قدر حالته؛ فإن المنافقين كانوا يسخرون منهم ويتنقصونهم أيضاً ويستحقرونهم لقلة ما تصدقوا به.
{سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79} والمراد به أنه سيجازيهم على صنيعهم هذا.
الآية 80
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فقد استحقوا غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه، ولن ينفعهم استغفارك لهم، وليس المراد به التخيير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الاستغفار وعدمه.
والتعبير بـ «سبعين مرة» هو مثل يضرب لقطع الطمع في الشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرحمته كان يريد ويتمنى أن يغفر الله لهم لشدة شفقته على الناس من عذاب النار، فهو لا يريد لأحد أن يدخلها حتى كاد أن يقتل نفسه من الأسف والحسرة على عدم إيمان الكافرين؛ لما يعلم من العاقبة التي تنتظرهم؛ فأراد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يقطع طمع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن مغفرته لهم.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 80} (1)
السبب في عدم مغفرته لهم هو أنهم كفروا بالله ورسوله فقد استحقوا عدم مغفرته ورحمته ما داموا خارجين عن حدوده.
__________
(1) -سؤال: هل الهداية المنفية عنهم في الآية هي عدم إثابتهم أو ماذا؟

الجواب: المراد أنه تعالى لا يثيبهم في الدنيا بزيادة التنوير والبصيرة والتوفيق، كما يثيب المؤمنين المستجيبين المطيعين له تعالى، فإنه تعالى يثيبهم بذلك كما قال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29]، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد:28].