القرآن الكريم مع التفسير

سورة يونس

آية
إجمالي الآيات: 109 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} (2) عندما ألقوا بحبالهم وعصيهم قال لهم موسى: إن هذا الذي ألقيتموه هو السحر في الحقيقة.
{إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ 81} سيبطل الله سبحانه وتعالى سحركم هذا؛ لأن عملكم هذا إفساد في الأرض، والله لا يقبل عمل المفسدين.
__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ}؟
الجواب: «ما» اسم موصول مبتدأ، «جئتم به» صلة الموصول، «السحر» خبر المبتدأ.
الآية 82
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
📝 التفسير:
{وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ 82} وسيظهر الله سبحانه وتعالى الحق بقدرته وإرادته، وسيبينه للناس ولو كره فرعون وحزبه، ولا بد أن يظهر الحق، وفعلاً قد ظهر الحق، وآمن السحرة، وخاب فرعون وما دبره وذلك حين ألقى موسى عصاه فانقلبت ثعباناً عظيماً فأخذ يبتلع كل ما ألقوه من السحر حتى قضى عليه فعند ذلك بهت الناس وخرت السحرة على وجوهها ساجدة لرب موسى وهارون وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.
الآية 83
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
📝 التفسير:
{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ (1) مِنْ قَوْمِهِ} فلم يستجب له أحد إلا القليل من بني إسرائيل.
{عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} (2) هؤلاء الذين آمنوا بموسى كانوا قلة قليلة من بني إسرائيل، ومع ذلك هم خائفون من فرعون أن يعذبهم بالقتل والصلب.
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ 83} وسبب خوفهم من فرعون: أنه متكبر في الأرض ومتجبر فيها، ومسرف في الدماء والقتل؛ فكان يقتل من غير مبالاة البريء وغيره، وهذا هو معنى الإسراف.
__________
(1) -سؤال: لماذا أطلق الله تعالى على المؤمنين من قومه «ذرية»؟
الجواب: قد يكون ذلك أن المؤمنين لموسى هم من الشباب آمنوا بموسى دون آبائهم.
(2) -سؤال: ما موضع المصدر: {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} الإعرابي؟
الجواب: موضعه الجر بدلاً من «فرعون» بدل اشتمال، أي: على خوف من فتنة فرعون.
الآية 84
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84} (3)
وتوجه موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل يحثهم على الصبر وقال لهم: اعتمدوا على الله سبحانه وتعالى وتوكلوا عليه، ولا تخافوا من فرعون وبطشه، وسيكفيكم الله سبحانه وتعالى شره وأذاه.

__________

(3) -سؤال: ما فائدة استخدام موسى عليه السلام للشرط في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ} ولم يجعله على القطع؟ وما السر في استخدامه أيضاً في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84} بعد قوله: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ}؟

الجواب: الفائدة من الشرط الأول والثاني هو بعث قومه على امتثال ما أمرهم به فالأول من حيث أن الإيمان والتصديق يقتضي المبادرة والاقتناع بالامتثال، والثاني من حيث أن الإسلام أي: الاستسلام لله والانقياد لأمره يقتضي الطاعة، وقد كان المقام يقتضي مثل ذلك الحث وغلق باب الأعذار على من آمن من بني إسرائيل لما عرف من عنادهم في باب الطاعة ولما يحيط بهم من مخاوف آل فرعون.
الآية 85
فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً (1) لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 85 وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 86} فتوجهت بنو إسرائيل إلى الله بالدعاء بعدما وعظهم موسى وتوكلوا عليه وطلبوه أن يحفظهم من ظلم فرعون وبطشه وأن يجعلهم في منجاة من جبروته وكفره.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما معنى الفتنة في قوله: {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 85}؟
الجواب: المعنى: لا تجعلنا موضع فتنة، أي: موضع عذاب، فإنهم إذا عذبوهم افتتنوا، أي: لا تسلطهم علينا فنفتتن.
الآية 86
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً (1) لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 85 وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 86} فتوجهت بنو إسرائيل إلى الله بالدعاء بعدما وعظهم موسى وتوكلوا عليه وطلبوه أن يحفظهم من ظلم فرعون وبطشه وأن يجعلهم في منجاة من جبروته وكفره.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما معنى الفتنة في قوله: {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 85}؟
الجواب: المعنى: لا تجعلنا موضع فتنة، أي: موضع عذاب، فإنهم إذا عذبوهم افتتنوا، أي: لا تسلطهم علينا فنفتتن.
الآية 87
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ (2) لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ 87} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى وأخيه هارون بأن يتخذا لمن آمن من بني إسرائيل بيوتاً تكون محل عبادة لهم يعبدون الله سبحانه وتعالى فيها بعيداً عن فرعون وبطشه، وليتخفوا بدينهم في بيوتهم من أعين فرعون وجواسيسه، وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى سيؤيدهم وسينصرهم ويحفظهم ويقهر عدوهم.
__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {أَنْ تَبَوَّآ}؟ وما معنى {قِبْلَةً} ومم أخذ ذلك؟
الجواب: «قبلة» مجاز عن مكان الصلاة أو المصلى أو المسجد والعلاقة الجزئية، و «أن» مفسرة، ولا محل للجملة التي بعدها لأنها تفسيرية.
الآية 88
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كان موسى عليه السلام قد استبطأ النصر الذي قد وعده الله سبحانه وتعالى به، ومكث ينتظر نحواً من أربعين سنة وهو يرى فرعون وبطشه وتجبره على بني إسرائيل وقتلهم، فعندها دعا الله سبحانه وتعالى فقال: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} آتيتهم يا رب هذه الأموال وهذا التمكن في الأرض فاتخذوها وسيلة (1) لإضلال الناس والبطش بهم، والتكذيب والتمرد.
{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} دعا عليهم بهذا الدعاء: وهو ألا تنموا أموالهم ولا تجاراتهم، وأن يسلبهم نفعها، وكان هذا من الله سبحانه وتعالى ابتلاءً واختباراً لموسى ومن معه هل سيصبرون ويثبتون على إيمانهم ويستمسكون بدينهم؟
{وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ 88} (2) كان موسى عليه السلام قد غضب من فرعون ومن معه غضباً شديداً فدعا عليهم بأن لا يدخل الإيمان في قلوبهم أبداً ليدخلوا جهنم فيتشفى منهم عند رؤيتهم يتعذبون.
وفي الحقيقة لم يكن هذا من موسى إلا لأنه كان قد عرف أنهم لن يؤمنوا أبداً؛ إذ قد أطلعه الله سبحانه وتعالى على ذلك، وإلا فإنه لا يجوز لأحد أن يدعو على الكافر بأن يثبته الله سبحانه وتعالى على الكفر.

__________
(1) - سؤال: هل اللام الداخلة على «يضلوا» للعاقبة؟ وما قرائن ذلك؟
الجواب: اللام هي لام العاقبة، ودليل ذلك: ما علم بنصوص القرآن من أن الله تعالى أعطى العباد ما أعطاهم من طيبات المتاع في الدنيا ليشكروه كقوله تعالى: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 26} [الأنفال]، ونحو هذه الآية في القرآن كثير.
(2) -سؤال: فضلاً ما معنى: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}؟ وإعراب: {فَلَا يُؤْمِنُوا} تفصيلاً؟
الجواب: المعنى: اربط على قلوبهم حتى لا يخرج منها شيء ولا يدخلها شيء. والفاء سببية رابطة، ولا نافية، ويؤمنوا: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالطلب.
الآية 89
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} (1) أخبرهما الله سبحانه وتعالى أنه قد استجاب دعاءهما.
{فَاسْتَقِيمَا} على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ونشر دينه.
{وَلَا تَتَّبِعَانِّ (2) سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ 89} ولا تميلا إلى فرعون وباطله، واثبتا على ما أنتما عليه.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف نسب الدعوة إليهما ولم يدع إلا موسى '؟
الجواب: قيل: إن موسى كان يدعو وهارون يؤمِّن على دعائه.
(2) -سؤال: لماذا كسرت نون {تَتَّبِعَانِّ} مع أنها نون توكيد؟
الجواب: كسرت لوقوعها بعد ألف الاثنين لمشابهتها لنون المثنى.
الآية 90
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
📝 التفسير:
{وَجَاوَزْنَا (3) بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} عندما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر هرباً من فرعون وجنوده، وفلق الله سبحانه وتعالى لموسى البحر.
{فَأَتْبَعَهُمْ (4) فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا} لحق بهم فرعون بجنوده ودخل بهم فرعون من وسط البحر من حيث مر موسى وقومه فلما توسط فرعون وجنوده البحر أطبقه الله عليهم.
{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ (5)الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ (1) بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ 90} عندما شاهد فرعون الموت وأيقن بالهلاك عند ذلك آمن بالله سبحانه وتعالى.

__________

(3) -سؤال: لماذا أسند الله المجاوزة إلى نفسه؟ وما معناها؟
الجواب: أسندها إلى نفسه لأنه الذي أمر وفتح الطريق، ومعنى: «جاوز بهم» عبَر بهم وسار بهم.
(4) -سؤال: ما العلة في استخدام الفعل: «أتبعهم» مكان «تبعهم»؟
الجواب: «أتبعهم» بمعنى لحقهم، يقال: تبعته حتى أتبعته، أفاد ذلك في الكشاف.
سؤال: فضلاً ما إعراب كل من: {بَغْيًا وَعَدْوًا} و {حَتَّى}؟
الجواب: يعرب «بغياً» مفعول من أجله وهذا وجه من ثلاثة وجوه، و «عدواً» معطوف عليه، و «حتى» ابتدائية، ومعناها الغاية.
(5) -سؤال: ما معنى إدراك الغرق لفرعون؟

الجواب: المعنى: أحاط به الماء وغمره.

(1) - سؤال: هل في وضع قوله: {إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} مكان: «إلا الله» سر وحكمة فما هي؟
الجواب: نعم في ذلك سر وحكمة هي: أن المشركين في ذلك الزمان كان لهم آلهة متعددة سموها بأسماء الله أو ببعض أسماء الله، فأراد فرعون أن يدل على إيمانه دلالة لا تقبل الاحتمال فكانت: {إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ .... } هي العبارة والدلالة التي لا تقبل الاحتمال.
الآية 91
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ 91} أتؤمن يا فرعون الآن وقد فات وقت الإيمان، إنه لا يقبل منك اليوم، وقد عصيت ربك قبل هذا اليوم وكنت من المفسدين في الأرض.
الآية 92
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ
📝 التفسير:
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه سيحفظ جثة فرعون، ويخرجها من البحر ليراها جميع الناس؛ لأن الناس كانوا مستبعدين لهلاكه لظنهم أنه إله، وأنه يستحيل عليه الهلاك.
{لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} ليعتبروا بك، ويعرف الناس أنك لست بإله، وليعرفوا أن موسى هو النبي الذي وعدوا به؛ لأنه كان قد ذاع فيما بينهم أن الله سبحانه وتعالى سيبعث نبياً يكون هلاك فرعون على يديه، فإذا رأوا ذلك عرفوا صدق نبوته وأنه نبي من عند الله.
{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ 92} فأكثر الناس في غفلة عن آيات الله سبحانه وتعالى التي يأتيهم بها، وجثة فرعون هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى فلم يعتبروا بها ولم يتعظوا.
الآية 93
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} (2)أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه قد هيأ لبني إسرائيل مكاناً صالحاً للاستيطان وذلك في بلاد الشام، وأنه قد بسط عليهم الرزق.
{فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} (1) وكانوا جميعاً يداً واحدة وكلمة واحدة فلما أن أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم الرسل بدأوا يختلفون حينئذ فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر مع أنه كان من المفترض أن يكونوا على العكس من ذلك، وأن يجتمعوا على أنبيائهم لعظيم نعم الله عليهم.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 93} هؤلاء الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بأنهم اختلفوا بين مصدق بنبيه ومكذب به- فإنه سيحكم بينهم يوم القيامة بالحق والعدل فيعذب المكذبين، ويثيب المؤمنين.

__________

(2) -سؤال: هل المراد بهذه الآية ذكر حالتهم بعد الانتقام من فرعون؟ أم أنها حكاية لحالهم السابق؟

الجواب: المراد بالآية ذكر حالتهم التي صاروا إليها بعد الانتقام من فرعون، وبعد خروجهم من مصر إلى الشام، أما حالهم في مصر فقد كانوا مقهورين مستضعفين: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص:5].

(1) -سؤال: ما معنى «حتى» في قوله: {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ}؟ ولماذا سمى ما جاءت به الأنبياء علماً؟
الجواب: معنى «حتى» الغاية أي: أن اجتماعهم وعدم اختلافهم مستمر إلى أن جاءهم العلم على ألسنة رسلهم. وسمى الله تعالى ما جاءت به الأنبياء علماً لينوه بشرف العلم وعظيم مكانته.
الآية 94
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
📝 التفسير:
{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 94} لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شك وريبة من القرآن وإنما هذا من باب: «إياك أعني واسمعي يا جارة»، فالخطاب موجه لشخص بينما المقصود به غيره.
وذلك أن بعض المؤمنين كان قد دخل في قلبه الشك في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن لما رأوه من الضعف في الإسلام وعدم انتشاره، وعدم استجابة الكثيرين لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمرهم الله سبحانه وتعالى ألا يظنوا أن عدم انتشار الإسلام، وعدم التصديق لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكثر الناس كان لنقص في الدين أو خلل، فالرسول رسول الله حقاً، والقرآن حق وصدق من عند الله سبحانه وتعالى، وإذا كان في قلوبكم شك فاسألوا علماء أهل الكتاب وسيخبرونكم بالحق (1).
__________
(1) -سؤال: هل هناك تعارض بين هذا وبين ما روي من النهي عن القراءة في كتب أهل الكتاب أم لا؟ فكيف يجمع بينهما؟
الجواب: المراد بسؤال أهل الكتاب في قوله: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} هو سؤال الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام وعبدالله بن صوريا وتميم الداري؛ لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم، فمن هنا يظهر عدم التعارض المذكور في السؤال.
الآية 95
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ 95} الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن المقصود غيره كما ذكرنا.
الآية 96
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ 96 وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ 97} (2)
وهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة الله سبحانه وتعالى هم قريش، وكلمة الله هي العذاب، أراد الله سبحانه وتعالى بذلك أن يقنع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم لن يؤمنوا أبداً ليقطع طمعه في إيمانهم، وأن الله سبحانه وتعالى مهما جاءهم به من الآيات فلن يؤمنوا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً كل الحرص على إيمان قريش حتى كاد أن يقتل نفسه أسفاً وحسرة عليهم.
فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية وذلك حين علم الله تعالى من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتمنى آية عظيمة من آياته علها تنفع في إيمانهم وأما بلسانه فلم يكن قد سأل الله سبحانه وتعالى ذلك.
وأخبره أيضاً أن شأنهم كشأن آل فرعون عندما لم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب بهم فلم ينفعهم ذلك الإيمان.

__________

(2) -سؤال: قد تستدل المجبرة بهذه الآية على مذهبهم، وهو أن ثبوت كلمة الله عليهم هو السبب في عدم إيمانهم فكيف يجاب عليهم؟

الجواب: علم الله سابق غير سائق، وقد زيف الرازي الاستدلال على الجبر بسبق علم الله -أي: أن علم الله هو المؤثر في إيمان المؤمن وكفر الكافر- لما يلزم من كون الله تعالى مجبراً في أفعاله لسبق علمه بها، والرازي كما لا يخفى من أكبر متكلمي الأشعرية إن لم يكن أكبرهم.
الآية 97
وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ 96 وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ 97} (2)
وهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة الله سبحانه وتعالى هم قريش، وكلمة الله هي العذاب، أراد الله سبحانه وتعالى بذلك أن يقنع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم لن يؤمنوا أبداً ليقطع طمعه في إيمانهم، وأن الله سبحانه وتعالى مهما جاءهم به من الآيات فلن يؤمنوا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً كل الحرص على إيمان قريش حتى كاد أن يقتل نفسه أسفاً وحسرة عليهم.
فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية وذلك حين علم الله تعالى من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتمنى آية عظيمة من آياته علها تنفع في إيمانهم وأما بلسانه فلم يكن قد سأل الله سبحانه وتعالى ذلك.
وأخبره أيضاً أن شأنهم كشأن آل فرعون عندما لم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب بهم فلم ينفعهم ذلك الإيمان.

__________

(2) -سؤال: قد تستدل المجبرة بهذه الآية على مذهبهم، وهو أن ثبوت كلمة الله عليهم هو السبب في عدم إيمانهم فكيف يجاب عليهم؟

الجواب: علم الله سابق غير سائق، وقد زيف الرازي الاستدلال على الجبر بسبق علم الله -أي: أن علم الله هو المؤثر في إيمان المؤمن وكفر الكافر- لما يلزم من كون الله تعالى مجبراً في أفعاله لسبق علمه بها، والرازي كما لا يخفى من أكبر متكلمي الأشعرية إن لم يكن أكبرهم.
الآية 98
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ
📝 التفسير:
{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ 98} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى أن من شأن كل الأمم التي بعث إليها أنبياءه ورسله عدم التصديق والإيمان فأنزل بهم عذابه واستأصلهم إلا قوم يونس من بين هؤلاء جميعاً؛ فإنهم آمنوا عندما رأوا أمارات نزول العذاب عليهم، وخرجوا حينها جميعهم بأهاليهم وأنعامهم يتضرعون ويتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم عذابه، فتاب الله سبحانه وتعالى عليهم عندما علم صدق توبتهم، ورفع عنهم عذابه فعاشوا إلى أن استوفى كل منهم أجله المقدر له، وأنهم لو لم يؤمنوا لكان قد قطع آجالهم في الحال وعذبهم.
__________
(1) -سؤال: ما معنى «لولا» في الآية؟ ومن أين نستفيد النفي الذي يوحي به كلامكم أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: معنى «لولا» التنديم هنا؛ لأنها دخلت على الفعل الماضي، والتنديم إنما يكون في أمر لم يكن ولم يحصل، فمن هنا استفدنا النفي.
الآية 99
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ 99} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على إيمان قريش أشد الحرص، وكاد أن يقتل نفسه ويهلكها في ملاحقتهم؛ فأخبره الله سبحانه وتعالى أنه لو شاء أن يكرههم على الإيمان لفعل، ولكن حكمته اقتضت أن يكون ذلك باختيارهم وإرادتهم، وأنك يا محمد لن تستطيع أن تكرههم، وما عليك إلا تبليغهم فقط.
الآية 100
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ 100} أما أولئك الذين لم تنفع فيهم الدعوة، ورفضوا أن يستجيبوا لدعوة الرسل فقد طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، وسلبهم توفيقه وهداه.
والمراد بإذن الله: يعني بألطافه وعلمه، وقد علم أن أولئك لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية.
ومعنى الرجس: هو الخذلان، والخذلان: هو سلب التوفيق والألطاف، ومن سلب الله عنه الألطاف والتنوير والتوفيق وقع في الرجس -أي: في المعاصي- وخاض فيها. والرجس هنا مجاز لغوي.