القرآن الكريم مع التفسير
سورة يوسف
آية
الآية 81
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
📝 التفسير:
{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} (1) يدبرهم أخوهم الأكبر، ويشير عليهم بأن يرجعوا إلى أبيهم ويخبروه بحقيقة ما جرى.
{وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ 81} وأمرهم بأن يخبروه بأنهم قد عاهدوه، ولم يكونوا يعلمون ماذا سيكون في علم الله سبحانه وتعالى، وأشار عليهم بأن يخبروه بأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما أخذوه ولما عاهدوه.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف ساغ لهم أن يقولوا: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} وهم لم يعلموا علماً يقينياً؟
الجواب: ساغ لهم أن يقولوا ذلك بناءً على ظاهر ما رأوا وقد استدركوا ذلك بقولهم: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ 81} أي ما كنا عالمين بما خفي ولم يظهر فلعل واضعاً وضع الصواع في رحل أخينا بغير علمه وبغير علمنا، فما شهدنا إلا بما رأيناه وعلمناه. وبعد، فليسوا من أهل العصمة ولم يكن قولهم هذا شهادة يترتب عليها حكم السرق.
{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} (1) يدبرهم أخوهم الأكبر، ويشير عليهم بأن يرجعوا إلى أبيهم ويخبروه بحقيقة ما جرى.
{وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ 81} وأمرهم بأن يخبروه بأنهم قد عاهدوه، ولم يكونوا يعلمون ماذا سيكون في علم الله سبحانه وتعالى، وأشار عليهم بأن يخبروه بأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما أخذوه ولما عاهدوه.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف ساغ لهم أن يقولوا: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} وهم لم يعلموا علماً يقينياً؟
الجواب: ساغ لهم أن يقولوا ذلك بناءً على ظاهر ما رأوا وقد استدركوا ذلك بقولهم: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ 81} أي ما كنا عالمين بما خفي ولم يظهر فلعل واضعاً وضع الصواع في رحل أخينا بغير علمه وبغير علمنا، فما شهدنا إلا بما رأيناه وعلمناه. وبعد، فليسوا من أهل العصمة ولم يكن قولهم هذا شهادة يترتب عليها حكم السرق.
الآية 82
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
📝 التفسير:
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} ويشير عليهم أيضاً بأنه إذا لم يصدقهم، فليقولوا له أن يسأل أهل مصر عن حقيقة ذلك الذي جرى.
{وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ 82} وأن يسأل القافلة التي معهم، وسيخبرونه بواقع ما حصل، وأمرهم أن يقسموا له على ذلك بأنه جرى.
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} ويشير عليهم أيضاً بأنه إذا لم يصدقهم، فليقولوا له أن يسأل أهل مصر عن حقيقة ذلك الذي جرى.
{وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ 82} وأن يسأل القافلة التي معهم، وسيخبرونه بواقع ما حصل، وأمرهم أن يقسموا له على ذلك بأنه جرى.
الآية 83
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} بعد أن أقبلوا على أبيهم، وقصوا عليه ما جرى- أصابه الحزن الشديد، واتهمهم (1) بأن أنفسهم قد زينت لهم أمراً في شأن أخيهم كما فعلوه من قبل بأخيهم يوسف.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} وعزم على أن يصبر على مصابه هذا، وعلى ترك عقابهم ولومهم.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 83} وأوكل أمره هذا إلى الله سبحانه وتعالى، ودعاه بأن يرد إليه يوسف وأخاه.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف ساغ له أن يتهمهم هذا الاتهام من غير أن يتحقق الأمر؟
الجواب: ساغ له ذلك لقرائن وأمارات:
- أنه قد صدر منهم ما صدر في يوسف بعدما حلفوا لأبيهم وتعهدوا له في حفظه.
- ثم تكرر منهم الحلف والتعهد في أخيهم الثاني وأكدوا لأبيهم حفظه و .. إلخ فحصل ما حصل وتكررت قصة يوسف مرة أخرى.
- أخذ يوسف لأخيه على شريعة يعقوب أثار شكوك يعقوب في أولاده أنهم تعاونوا مع ملك مصر في أخذ ولده.
- وأن المأخوذ هو أخو يوسف لأمه وأبيه دون سائر أولاده، مع سبق الإلحاح على أبيهم في سفره معهم.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} بعد أن أقبلوا على أبيهم، وقصوا عليه ما جرى- أصابه الحزن الشديد، واتهمهم (1) بأن أنفسهم قد زينت لهم أمراً في شأن أخيهم كما فعلوه من قبل بأخيهم يوسف.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} وعزم على أن يصبر على مصابه هذا، وعلى ترك عقابهم ولومهم.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 83} وأوكل أمره هذا إلى الله سبحانه وتعالى، ودعاه بأن يرد إليه يوسف وأخاه.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف ساغ له أن يتهمهم هذا الاتهام من غير أن يتحقق الأمر؟
الجواب: ساغ له ذلك لقرائن وأمارات:
- أنه قد صدر منهم ما صدر في يوسف بعدما حلفوا لأبيهم وتعهدوا له في حفظه.
- ثم تكرر منهم الحلف والتعهد في أخيهم الثاني وأكدوا لأبيهم حفظه و .. إلخ فحصل ما حصل وتكررت قصة يوسف مرة أخرى.
- أخذ يوسف لأخيه على شريعة يعقوب أثار شكوك يعقوب في أولاده أنهم تعاونوا مع ملك مصر في أخذ ولده.
- وأن المأخوذ هو أخو يوسف لأمه وأبيه دون سائر أولاده، مع سبق الإلحاح على أبيهم في سفره معهم.
الآية 84
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
📝 التفسير:
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} (2) اعتزل في جانب بعيداً عن أولاده، ولم يظهر حزنه أمامهم؛ لأنه عزم على ألا يرى حزنه أحد غير الله سبحانه وتعالى، وكان في عزلته يشكو حاله ومصيبته إليه وحده بعيداً عنهم.
{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ 84} من كثرة حزنه، وتوالي المصائب عليه عميت عيناه، وأراد بكظيم: أنه قد امتلأ حزناً في داخله.
__________
(2) -سؤال: ما إعراب: {يَاأَسَفَى}؟
الجواب: «أسفا» منادى مضاف إلى ياء المتكلم حذفت الياء وعوض عنها الألف.
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} (2) اعتزل في جانب بعيداً عن أولاده، ولم يظهر حزنه أمامهم؛ لأنه عزم على ألا يرى حزنه أحد غير الله سبحانه وتعالى، وكان في عزلته يشكو حاله ومصيبته إليه وحده بعيداً عنهم.
{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ 84} من كثرة حزنه، وتوالي المصائب عليه عميت عيناه، وأراد بكظيم: أنه قد امتلأ حزناً في داخله.
__________
(2) -سؤال: ما إعراب: {يَاأَسَفَى}؟
الجواب: «أسفا» منادى مضاف إلى ياء المتكلم حذفت الياء وعوض عنها الألف.
الآية 85
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ 85} يوبخون أباهم على عدم نسيانه ليوسف، وقد مضى على فراقه فترة من الزمان نحوٌ من أربعين سنة، وإلى متى سيبكي؟ وهل سيظل يبكي عليه إلى أن يبلغ نهاية العمر، ويصير أبيض الرأس واللحية، أو إلى أن يأتي عليه الموت؟ يلومونه على بكائه وحزنه ذلك الذي لم ينته. ومعنى «حرضاً (1)»: أي مشرفاً على الموت ومقارباً له.
__________
(1) -سؤال: مم أخذ: {حَرَضًا}؟
الجواب: «حرضاً» مصدر حرِض بكسر الراء، وأصل الحرض: فساد الجسم والعقل من مرض أو غيره.
{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ 85} يوبخون أباهم على عدم نسيانه ليوسف، وقد مضى على فراقه فترة من الزمان نحوٌ من أربعين سنة، وإلى متى سيبكي؟ وهل سيظل يبكي عليه إلى أن يبلغ نهاية العمر، ويصير أبيض الرأس واللحية، أو إلى أن يأتي عليه الموت؟ يلومونه على بكائه وحزنه ذلك الذي لم ينته. ومعنى «حرضاً (1)»: أي مشرفاً على الموت ومقارباً له.
__________
(1) -سؤال: مم أخذ: {حَرَضًا}؟
الجواب: «حرضاً» مصدر حرِض بكسر الراء، وأصل الحرض: فساد الجسم والعقل من مرض أو غيره.
الآية 86
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 86} كانوا قد سمعوه وهو يبكي، ثم وبخوه على ذلك؛ فأخبرهم أنه لا يشكو إليهم، وأنه إنما يشكو حزنه إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وأخبرهم أنه لا يريد أن يسمعوا شكواه وبكاءه، وأخبرهم أنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده الصالحين لحكمة ومصلحة يعلمها لهم في ذلك، وهي إرادة أن يثيبهم على ذلك، وأخبرهم أيضاً أنه يعلم أن يوسف لا يزال حياً في مكان ما، وأن أمر اختفائه لحكمة ومصلحة يعلمها الله سبحانه وتعالى، وأن هذه البلوى لا بد أن يكون بعدها فرج، وأخبرهم أنه منتظر لهذا الفرج.
وكان ذلك لأمارات قد تقدمت تدل على ذلك من الرؤيا التي كان رآها يوسف، وهي أن الله سبحانه وتعالى سيختاره ويصطفيه، ويجعله نبياً، ويرفع ذكره في الأرض، ويعلو شأنه، وأن أباه وإخوته سوف يسجدون له حينئذ.
{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 86} كانوا قد سمعوه وهو يبكي، ثم وبخوه على ذلك؛ فأخبرهم أنه لا يشكو إليهم، وأنه إنما يشكو حزنه إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وأخبرهم أنه لا يريد أن يسمعوا شكواه وبكاءه، وأخبرهم أنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده الصالحين لحكمة ومصلحة يعلمها لهم في ذلك، وهي إرادة أن يثيبهم على ذلك، وأخبرهم أيضاً أنه يعلم أن يوسف لا يزال حياً في مكان ما، وأن أمر اختفائه لحكمة ومصلحة يعلمها الله سبحانه وتعالى، وأن هذه البلوى لا بد أن يكون بعدها فرج، وأخبرهم أنه منتظر لهذا الفرج.
وكان ذلك لأمارات قد تقدمت تدل على ذلك من الرؤيا التي كان رآها يوسف، وهي أن الله سبحانه وتعالى سيختاره ويصطفيه، ويجعله نبياً، ويرفع ذكره في الأرض، ويعلو شأنه، وأن أباه وإخوته سوف يسجدون له حينئذ.
الآية 87
يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
📝 التفسير:
{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} عندما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بشأن أخيهم، وأنه قد سرق، وقد أُخِذَ جزاءً على ذلك- أمرهم أن يرجعوا إلى أرض مصر فيسألوا عن يوسف وأخيه، وليكن ذلك ببصيرة وتروٍّ دون أن يحس بهم أحد، وكأنه كان قد أحس أن الفرج قد قرب، وأنه سيكون من أرض مصر. والتحسس والتجسس بمعنى واحد.
{وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ 87} والروح هو الفرج؛ لأن المؤمن إذا أصابه شر فلا ينقطع رجاؤه في الله، بل يجعل أمله مستمراً فيه وفي ثوابه، وأما الكافر فإذا أصابه الشر فإنه يصيبه اليأس والقنوط غير مؤمل في الله سبحانه وتعالى ولا راجياً لرحمته وفرجه {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ 49} [فصلت].
فينبغي على المؤمن عندما تصيبه مصيبة، أو تحل به شدة ألا يصيبه اليأس، ويجب عليه أن يكون راجياً لله سبحانه وتعالى، ومؤملاً فيه لكشف بليته ومحنته، يأمرهم أبوهم بذلك، وينهاهم أن يذهبوا وهم على يأس مما يرجوه أبوهم ويؤمله، أو في ظنهم أن يوسف قد مات، وقد فني قبل زمان، وأن ما يكون من أبيهم ليس إلا أوهاماً.
{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} عندما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بشأن أخيهم، وأنه قد سرق، وقد أُخِذَ جزاءً على ذلك- أمرهم أن يرجعوا إلى أرض مصر فيسألوا عن يوسف وأخيه، وليكن ذلك ببصيرة وتروٍّ دون أن يحس بهم أحد، وكأنه كان قد أحس أن الفرج قد قرب، وأنه سيكون من أرض مصر. والتحسس والتجسس بمعنى واحد.
{وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ 87} والروح هو الفرج؛ لأن المؤمن إذا أصابه شر فلا ينقطع رجاؤه في الله، بل يجعل أمله مستمراً فيه وفي ثوابه، وأما الكافر فإذا أصابه الشر فإنه يصيبه اليأس والقنوط غير مؤمل في الله سبحانه وتعالى ولا راجياً لرحمته وفرجه {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ 49} [فصلت].
فينبغي على المؤمن عندما تصيبه مصيبة، أو تحل به شدة ألا يصيبه اليأس، ويجب عليه أن يكون راجياً لله سبحانه وتعالى، ومؤملاً فيه لكشف بليته ومحنته، يأمرهم أبوهم بذلك، وينهاهم أن يذهبوا وهم على يأس مما يرجوه أبوهم ويؤمله، أو في ظنهم أن يوسف قد مات، وقد فني قبل زمان، وأن ما يكون من أبيهم ليس إلا أوهاماً.
الآية 88
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} عادوا إلى مصر، ودخلوا على عزيزها يشكون عليه حالهم، وما هم فيه من الجدب والجوع والفاقة، وأن بضاعتهم التي يريدون أن يبتاعوا بها الحب كاسدة ورديئة، ولا رغبة لأحد فيها، وكانت بضاعتهم الجلود.
{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ 88} ورجوا منه أن يكرمهم، وأن يمن عليهم بإحسانه، ويكيل لهم غير ناظر إلى رداءة بضاعتهم، وأن يجعل ذلك صدقة، وخاصة أنهم قد عرفوا عنه ما عرفوا من الكرم والسخاء وعدم رده لمن يأتيه.
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} عادوا إلى مصر، ودخلوا على عزيزها يشكون عليه حالهم، وما هم فيه من الجدب والجوع والفاقة، وأن بضاعتهم التي يريدون أن يبتاعوا بها الحب كاسدة ورديئة، ولا رغبة لأحد فيها، وكانت بضاعتهم الجلود.
{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ 88} ورجوا منه أن يكرمهم، وأن يمن عليهم بإحسانه، ويكيل لهم غير ناظر إلى رداءة بضاعتهم، وأن يجعل ذلك صدقة، وخاصة أنهم قد عرفوا عنه ما عرفوا من الكرم والسخاء وعدم رده لمن يأتيه.
الآية 89
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ 89} (1)
فحينئذ أذن الله سبحانه وتعالى لنبيه يوسف أن يظهر حقيقة أمره، ويكشفها لإخوته، وأن الوقت قد حان لمحنة يعقوب أن تنقضي، وأنه قد استحق ثواب الله سبحانه وتعالى على صبره، فبدأ بتوبيخهم على ما فعلوا به وبأخيه.
__________
(1) -سؤال: لماذا أطلق عليهم الجهل؟ هل المراد عدم علمهم أو المراد تجاهلهم أم كيف؟
الجواب: أطلق عليهم الجهل ليخفف عليهم صدمة المفاجأة بما يجري مجرى العذر لهم فيما فعلوا، والمراد بالجهل أنهم فعلوا ما فعلوا قبل أن تكبر مداركهم وتستحكم عقولهم في معرفة الحسن والقبيح.
{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ 89} (1)
فحينئذ أذن الله سبحانه وتعالى لنبيه يوسف أن يظهر حقيقة أمره، ويكشفها لإخوته، وأن الوقت قد حان لمحنة يعقوب أن تنقضي، وأنه قد استحق ثواب الله سبحانه وتعالى على صبره، فبدأ بتوبيخهم على ما فعلوا به وبأخيه.
__________
(1) -سؤال: لماذا أطلق عليهم الجهل؟ هل المراد عدم علمهم أو المراد تجاهلهم أم كيف؟
الجواب: أطلق عليهم الجهل ليخفف عليهم صدمة المفاجأة بما يجري مجرى العذر لهم فيما فعلوا، والمراد بالجهل أنهم فعلوا ما فعلوا قبل أن تكبر مداركهم وتستحكم عقولهم في معرفة الحسن والقبيح.
الآية 90
قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} عندما وبخهم على ما فعلوا أمعنوا النظر إلى وجهه وتحققوا في ملامحه، وعرفوا أنه هو؛ فسألوه حينئذٍ وكان استفهامهم هذا لتقرير (1) شيء قد ثبت عندهم حقيقته، وكانوا من قبل لا يفكرون في ذلك، ولا يتخيلون أن يكون يوسف هو عزيز مصر، وعندهم أنه من المستحيل أن يكون قد بلغ تلك المرتبة حتى يفكروا في ذلك ولو كانوا يرون نفس ملامح يوسف فيه، وغاية ما في الأمر أن يكونوا قد شبهوه بأنه من بيت نبوة؛ لما يرون من الصفات التي يحملها من الإيمان والكرم وحسن المعاملة التي لا يحملها إلا ذوو الأقدار الرفيعة.
{قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} قد أنعم الله سبحانه وتعالى علينا بالصحة والسلامة والاجتماع.
{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 90} (2) يخبرهم بما وصل إليه من الكرامة والرفعة والعزة وقال لهم: إن ذلك حصل بسبب الصبر وتحري تقوى الله، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، غير أن الله سبحانه وتعالى لعلمه وحكمته قد يدخر أجر بعضهم ليوم القيامة لحكمة ومصلحة يعلمها، وهي أنه لو أعطاه أجره في الدنيا؛ لكان ذلك سبباً في بعده عن الله سبحانه وتعالى وهلاكه وخسارته للآخرة.
__________
(1) -سؤال: من أين نفهم أن استفهامهم للتقرير؟
الجواب: يفهم من تأكيدهم للجملة بالاسمية وإنَّ واللام مع السياق.
(2) -سؤال: هل المراد بالإحسان هنا الإجادة في العمل أم الإحسان الشرعي أم عبادة الله كأنك تراه؟
الجواب: المراد هو الإحسان في عبادة الله وحسن طاعته.
{قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} عندما وبخهم على ما فعلوا أمعنوا النظر إلى وجهه وتحققوا في ملامحه، وعرفوا أنه هو؛ فسألوه حينئذٍ وكان استفهامهم هذا لتقرير (1) شيء قد ثبت عندهم حقيقته، وكانوا من قبل لا يفكرون في ذلك، ولا يتخيلون أن يكون يوسف هو عزيز مصر، وعندهم أنه من المستحيل أن يكون قد بلغ تلك المرتبة حتى يفكروا في ذلك ولو كانوا يرون نفس ملامح يوسف فيه، وغاية ما في الأمر أن يكونوا قد شبهوه بأنه من بيت نبوة؛ لما يرون من الصفات التي يحملها من الإيمان والكرم وحسن المعاملة التي لا يحملها إلا ذوو الأقدار الرفيعة.
{قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} قد أنعم الله سبحانه وتعالى علينا بالصحة والسلامة والاجتماع.
{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 90} (2) يخبرهم بما وصل إليه من الكرامة والرفعة والعزة وقال لهم: إن ذلك حصل بسبب الصبر وتحري تقوى الله، والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، غير أن الله سبحانه وتعالى لعلمه وحكمته قد يدخر أجر بعضهم ليوم القيامة لحكمة ومصلحة يعلمها، وهي أنه لو أعطاه أجره في الدنيا؛ لكان ذلك سبباً في بعده عن الله سبحانه وتعالى وهلاكه وخسارته للآخرة.
__________
(1) -سؤال: من أين نفهم أن استفهامهم للتقرير؟
الجواب: يفهم من تأكيدهم للجملة بالاسمية وإنَّ واللام مع السياق.
(2) -سؤال: هل المراد بالإحسان هنا الإجادة في العمل أم الإحسان الشرعي أم عبادة الله كأنك تراه؟
الجواب: المراد هو الإحسان في عبادة الله وحسن طاعته.
الآية 91
قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} (1) أيقنوا حينئذ أن الله سبحانه وتعالى قد فضله، ورفعه عليهم، واعترفوا له بخطأ ما صنعوه به.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91}؟
الجواب: «إن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة {كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} في محل رفع خبرها واللام هي الفارقة.
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} (1) أيقنوا حينئذ أن الله سبحانه وتعالى قد فضله، ورفعه عليهم، واعترفوا له بخطأ ما صنعوه به.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91}؟
الجواب: «إن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة {كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} في محل رفع خبرها واللام هي الفارقة.
الآية 92
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} أخبرهم بأنه لن يؤاخذهم على ما فعلوه ولن يعاقبهم أو يذكر ذنبهم.
{يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 92} (2) أمرهم أن يستغفروا الله سبحانه وتعالى، وأن يتوبوا إليه، وسيتوب عليهم.
__________
(2) -سؤال: هل هو دعاء لهم بالمغفرة أم أنه أمر لهم بها كما يبدو من كلامكم أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: ذلك إرشاد لهم إلى طلب المغفرة من الله، فمغفرته مرصدة للمستغفرين وباب التوبة مفتوح للتائبين، وهو أرحم الراحمين، وقد يكون يوسف عليه السلام التمس منهم الندم والتوبة حين قالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} فاستغفر لهم فيكون ذلك دعاءً لهم بالمغفرة.
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} أخبرهم بأنه لن يؤاخذهم على ما فعلوه ولن يعاقبهم أو يذكر ذنبهم.
{يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 92} (2) أمرهم أن يستغفروا الله سبحانه وتعالى، وأن يتوبوا إليه، وسيتوب عليهم.
__________
(2) -سؤال: هل هو دعاء لهم بالمغفرة أم أنه أمر لهم بها كما يبدو من كلامكم أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: ذلك إرشاد لهم إلى طلب المغفرة من الله، فمغفرته مرصدة للمستغفرين وباب التوبة مفتوح للتائبين، وهو أرحم الراحمين، وقد يكون يوسف عليه السلام التمس منهم الندم والتوبة حين قالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91} فاستغفر لهم فيكون ذلك دعاءً لهم بالمغفرة.
الآية 93
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93} وأمرهم أن يذهبوا بقميصه إلى أبيه؛ فإذا شمه فسيعود إليه بصره، كرامة من الله سبحانه وتعالى لنبيه، وأمرهم أيضاً أن يأتوا بأهلهم وجميع ما معهم ليسكنوا عنده في أرض مصر.
وكانت هذه المرحلة هي بداية استيطان بني إسرائيل لأرض مصر، فقد دخلوا مصر وهم اثنا عشر رجلاً وأبوهم يعقوب عليه السلام وأولادهم، ولم يخرجوا إلا في عهد موسى عليه السلام وهم ألوف.
{اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93} وأمرهم أن يذهبوا بقميصه إلى أبيه؛ فإذا شمه فسيعود إليه بصره، كرامة من الله سبحانه وتعالى لنبيه، وأمرهم أيضاً أن يأتوا بأهلهم وجميع ما معهم ليسكنوا عنده في أرض مصر.
وكانت هذه المرحلة هي بداية استيطان بني إسرائيل لأرض مصر، فقد دخلوا مصر وهم اثنا عشر رجلاً وأبوهم يعقوب عليه السلام وأولادهم، ولم يخرجوا إلا في عهد موسى عليه السلام وهم ألوف.
الآية 94
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ 94} فما إن خرجت العير من أرض مصر حتى بدأ يعقوب يشم رائحة يوسف وخاطب من عنده بأنه لولا أنكم ستتهمونني بالخرف وضياع العقل لأقسمت أن يوسف على مقربة منا (1).
__________
(1) -سؤال: يقال: بأن يعقوب كان آنذاك في الشام فهل هذا صحيح؟ وبماذا يفسر؟
الجواب: الظاهر أن يعقوب اشتم رائحة يوسف ' حين خرجت القافلة (العير) من مصر مباشرة قبل أن تدخل أرض الشام، وفي هذا معجزة كبرى لنبي الله يعقوب، وإعلام من الله له بأن الفرج قد قرب وحصلت مؤشراته، وفيه أيضاً بيان كرامة ولده يوسف عليه السلام وعظيم منزلته ورفعة شأنه وقدره عند الله سبحانه وتعالى.
{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ 94} فما إن خرجت العير من أرض مصر حتى بدأ يعقوب يشم رائحة يوسف وخاطب من عنده بأنه لولا أنكم ستتهمونني بالخرف وضياع العقل لأقسمت أن يوسف على مقربة منا (1).
__________
(1) -سؤال: يقال: بأن يعقوب كان آنذاك في الشام فهل هذا صحيح؟ وبماذا يفسر؟
الجواب: الظاهر أن يعقوب اشتم رائحة يوسف ' حين خرجت القافلة (العير) من مصر مباشرة قبل أن تدخل أرض الشام، وفي هذا معجزة كبرى لنبي الله يعقوب، وإعلام من الله له بأن الفرج قد قرب وحصلت مؤشراته، وفيه أيضاً بيان كرامة ولده يوسف عليه السلام وعظيم منزلته ورفعة شأنه وقدره عند الله سبحانه وتعالى.
الآية 95
قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ
📝 التفسير:
{قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ 95} فقال الحاضرون عنده: تالله إنك لتتكلم في غير الصواب وتتحدث عن أوهام وخيالات ناتجة عن هيامك بحب يوسف وغرامك به، وفي الحقيقة فقد كان في كامل قواه العقلية، وكان كلامه عن ثقة ويقين؛ لإلهام قد ألهمه الله سبحانه وتعالى إياه.
{قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ 95} فقال الحاضرون عنده: تالله إنك لتتكلم في غير الصواب وتتحدث عن أوهام وخيالات ناتجة عن هيامك بحب يوسف وغرامك به، وفي الحقيقة فقد كان في كامل قواه العقلية، وكان كلامه عن ثقة ويقين؛ لإلهام قد ألهمه الله سبحانه وتعالى إياه.
الآية 96
فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} فما إن شمّ ريح القميص ذلك حتى عاد عليه بصره. والبشير: هو الذي ينقل الخبر السار إلى من يسترُّ به، وقد قيل: إن البشير أحد أولاد يعقوب.
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 96} وكانوا يتهمونه بالخرف والهجر، وأنه قد رجع إلى ضلاله القديم في يوسف حين كان يقول لهم إنه ما زال حياً، وإنه سيعود فليبحثوا عنه؛ فعند ذلك زجرهم على ما كانوا يرمونه به، ووبخهم على ما كانوا يرمونه به من الضلال في حديثه عن يوسف، وأن يوسف لا يزال حياً وأنهم لم يصدقوه، فها هو كلامي ذلك يتحقق؛ فانظروا لقد عاد يوسف، وها هو من يبشرنا به، وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كان يلهمه ذلك.
{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} فما إن شمّ ريح القميص ذلك حتى عاد عليه بصره. والبشير: هو الذي ينقل الخبر السار إلى من يسترُّ به، وقد قيل: إن البشير أحد أولاد يعقوب.
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 96} وكانوا يتهمونه بالخرف والهجر، وأنه قد رجع إلى ضلاله القديم في يوسف حين كان يقول لهم إنه ما زال حياً، وإنه سيعود فليبحثوا عنه؛ فعند ذلك زجرهم على ما كانوا يرمونه به، ووبخهم على ما كانوا يرمونه به من الضلال في حديثه عن يوسف، وأن يوسف لا يزال حياً وأنهم لم يصدقوه، فها هو كلامي ذلك يتحقق؛ فانظروا لقد عاد يوسف، وها هو من يبشرنا به، وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كان يلهمه ذلك.
الآية 97
قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ 97} ندموا على ما فرط منهم فيه، وفي أخيهم يوسف، وطلبوا من أبيهم أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى فيطلب لهم المغفرة.
{قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ 97} ندموا على ما فرط منهم فيه، وفي أخيهم يوسف، وطلبوا من أبيهم أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى فيطلب لهم المغفرة.
الآية 98
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 98} ووعدهم بأنه سوف يستغفر لهم، كأنه أجَّل ذلك إلى وقت يكون الدعاء فيه مستجاباً، ولم يسأل الله سبحانه وتعالى وقت طلبهم كما ذكرت الآية (1).
__________
(1) -سؤال: هل هو صحيح أنه أخر الاستغفار إلى الثلث الأخير من الليل؟
الجواب: قد روى ذلك والله أعلم بصحته، إلا أن الأولى والأحسن في حمل تأخير الاستغفار وتفسيره على أنه كان من أجل أن يكون في وقت إجابة.
{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 98} ووعدهم بأنه سوف يستغفر لهم، كأنه أجَّل ذلك إلى وقت يكون الدعاء فيه مستجاباً، ولم يسأل الله سبحانه وتعالى وقت طلبهم كما ذكرت الآية (1).
__________
(1) -سؤال: هل هو صحيح أنه أخر الاستغفار إلى الثلث الأخير من الليل؟
الجواب: قد روى ذلك والله أعلم بصحته، إلا أن الأولى والأحسن في حمل تأخير الاستغفار وتفسيره على أنه كان من أجل أن يكون في وقت إجابة.
الآية 99
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} عندما خرجوا من الشام مع أهاليهم إلى أرض مصر، ودخلوا على يوسف- ضم أبويه إليه، وقبَّلهما وأجلسهما بجنبه، وكأنَّ ذلك الاستقبال كان خارج أرض مصر يدل على ذلك سياق الكلام بعده.
{وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ 99} بعد أن استقبلهم ذلك الاستقبال سار بهم نحو مصر.
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} عندما خرجوا من الشام مع أهاليهم إلى أرض مصر، ودخلوا على يوسف- ضم أبويه إليه، وقبَّلهما وأجلسهما بجنبه، وكأنَّ ذلك الاستقبال كان خارج أرض مصر يدل على ذلك سياق الكلام بعده.
{وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ 99} بعد أن استقبلهم ذلك الاستقبال سار بهم نحو مصر.
الآية 100
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أجلسهما على السرير، ثم سجد له إخوته بعد ذلك وأبواه، وسجودهم ذلك كان لله سبحانه وتعالى، وقد كان في شريعتهم جواز التحية بالسجود لله سبحانه وتعالى (2).
{وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} تذكر حينها رؤياه تلك التي رآها أيام صباه، وأشار إلى أبيه كيف أن تلك الرؤيا قد تحققت.
{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} (1) يعدد يوسف عليه السلام نعم الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أبيه وإخوته.
{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 100} وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي دبر هذه الأمور بلطفه، وهيأ الأسباب إلى أن ساقهم إليه، وأصبحوا على هذه الحال.
__________
(2) -سؤال: يقال: إذا كان هذا السجود لله فأي تعظيم فيه للمسجود له؟
الجواب: كان يوسف عليه السلام كالكعبة (البيت الحرام) التي يتوجه الناس إليها في صلاتهم وركوعهم وسجودهم تعظيماً وتشريفاً لها مع أن الصلاة والركوع والسجود لله، فعلى هذا يحمل سجود أبوي يوسف وإخوته، وسجود الملائكة لآدم.
(1) -سؤال: قد يقال: ما الداعي إلى تسمية أرض الشام بدواً؟ وما هو الضابط في التسمية؟ وهل في الآية دليل على تفضيل القرية على البدو؟ وما وجه ذلك؟ وهل يتعارض مع دليل العزلة أم لا؟
الجواب: كان يعقوب وأولاده يسكنون أرض كنعان وهم أهل مواش وبرية، وقد كان ليعقوب مواشٍ يرعاها أولاده كما في أول السورة، وأهل الشام بدو وحضر. والبدو: هم الذين يتتبعون منابت الأعشاب للرعي فيها، فإذا أجدب المكان الذي نزلوه انتقلوا بخيامهم وأغنامهم إلى مكان آخر تتوفر فيه المراعي. وفي الآية دليل واضح على فضل القرية على البداوة، وهناك أدلة أخرى على ذلك مثل قوله تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة:97]. والوجه في تفضيل القرى على البداوة هو أنها تتوفر في القرى المصالح الدينية والدنيوية، وفيها تزكو العقول والأخلاق، وفيها مدارس العلم والعلماء وطلبة العلم ومساجد الجمع والجماعات، وفيها أسباب التعاون على الخيرات والطاعات و ... إلخ. أما فضل العزلة فهو مترتب على حصول سببها وهو ظهور الفساد وسيطرته على المساجد والمدارس في القرية وفساد أهلها، فإذا حصل مثل ذلك فالبداوة أفضل والابتعاد عن القرية وأهلها أولى وأفضل. فعلى هذا فلا تعارض ففضل القرى عام لجميع الأحوال وفضل العزلة خاص ببعض الأحوال.
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أجلسهما على السرير، ثم سجد له إخوته بعد ذلك وأبواه، وسجودهم ذلك كان لله سبحانه وتعالى، وقد كان في شريعتهم جواز التحية بالسجود لله سبحانه وتعالى (2).
{وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} تذكر حينها رؤياه تلك التي رآها أيام صباه، وأشار إلى أبيه كيف أن تلك الرؤيا قد تحققت.
{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} (1) يعدد يوسف عليه السلام نعم الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أبيه وإخوته.
{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 100} وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي دبر هذه الأمور بلطفه، وهيأ الأسباب إلى أن ساقهم إليه، وأصبحوا على هذه الحال.
__________
(2) -سؤال: يقال: إذا كان هذا السجود لله فأي تعظيم فيه للمسجود له؟
الجواب: كان يوسف عليه السلام كالكعبة (البيت الحرام) التي يتوجه الناس إليها في صلاتهم وركوعهم وسجودهم تعظيماً وتشريفاً لها مع أن الصلاة والركوع والسجود لله، فعلى هذا يحمل سجود أبوي يوسف وإخوته، وسجود الملائكة لآدم.
(1) -سؤال: قد يقال: ما الداعي إلى تسمية أرض الشام بدواً؟ وما هو الضابط في التسمية؟ وهل في الآية دليل على تفضيل القرية على البدو؟ وما وجه ذلك؟ وهل يتعارض مع دليل العزلة أم لا؟
الجواب: كان يعقوب وأولاده يسكنون أرض كنعان وهم أهل مواش وبرية، وقد كان ليعقوب مواشٍ يرعاها أولاده كما في أول السورة، وأهل الشام بدو وحضر. والبدو: هم الذين يتتبعون منابت الأعشاب للرعي فيها، فإذا أجدب المكان الذي نزلوه انتقلوا بخيامهم وأغنامهم إلى مكان آخر تتوفر فيه المراعي. وفي الآية دليل واضح على فضل القرية على البداوة، وهناك أدلة أخرى على ذلك مثل قوله تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة:97]. والوجه في تفضيل القرى على البداوة هو أنها تتوفر في القرى المصالح الدينية والدنيوية، وفيها تزكو العقول والأخلاق، وفيها مدارس العلم والعلماء وطلبة العلم ومساجد الجمع والجماعات، وفيها أسباب التعاون على الخيرات والطاعات و ... إلخ. أما فضل العزلة فهو مترتب على حصول سببها وهو ظهور الفساد وسيطرته على المساجد والمدارس في القرية وفساد أهلها، فإذا حصل مثل ذلك فالبداوة أفضل والابتعاد عن القرية وأهلها أولى وأفضل. فعلى هذا فلا تعارض ففضل القرى عام لجميع الأحوال وفضل العزلة خاص ببعض الأحوال.