القرآن الكريم مع التفسير

سورة النحل

آية
إجمالي الآيات: 128 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} وكذلك يذكرنا الله سبحانه وتعالى بأنه أنعم علينا بأن جعل لنا ظلالاً نستكن تحته من حر الشمس، وقد ذكر الله نعمته هذه؛ لأن بلاد العرب كانت أرضاً حارة.
{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} وكذلك هيأ لخلقه أماكن في الجبال يستكنون تحتها من الأمطار وغيرها.
{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} (2)وكذلك هو الذي أنعم علينا بأن جعل لنا الملابس التي تقينا من حر الشمس حتى لا تتشوه أجسامنا، وكذلك سخر لنا الملابس التي تحمينا من بأس بعضنا البعض في الحروب، وهي دروع الحديد، وتكون على شكل حلق صغيرة مترابطة لينة؛ لكي يستطيع الإنسان أن يتحرك من خلالها، وأن يلبسها بسهولة تقي لابسها من ضرب السيوف وطعن الرماح.
{كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ 81} ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه هو الذي وفر لنا كل ما نحتاجه في جميع مجالات حياتنا نعمة منه علينا لأجل أن ننقاد له ونستسلم لأوامره، ونشكره عليها.

__________

(2) -سؤال: يقال: فائدة الملابس الوقاية من البرد هي الأغلب والأكثر، وأما الوقاية من الحر فأقل فلماذا خص الوقاية من الحر هنا؟

الجواب: نزل القرآن الكريم على قوم ساكنين في بلاد شديدة الحرارة يشوي سمومها جلودهم، وكانوا يتقون ذلك بالثياب، أما البرد فقليل نادر في بلادهم.
الآية 82
فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
📝 التفسير:
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ 82} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قريشاً إن أعرضوا وتولوا بعدما ذكَّرهم بآياته وبنعمه عليهم- فقد أدى ما عليه، فما عليه إلا تبليغهم بآيات الله سبحانه وتعالى، وتذكيرهم بها حتى يتبين لهم الحق ويعرفوه؛ فإذا علموه وعرفوه فقد أدى ما عليه، سواء استجابوا أم أعرضوا وتمردوا.
الآية 83
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ
📝 التفسير:
{يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ 83} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بأنهم يعترفون بأن النعم التي هم فيها منه جل وعلا، ثم ينكرونها ويجحدونها ولا يؤدون شكرها استكباراً منهم على الله سبحانه وتعالى، وكفراً منهم لما أنعم به عليهم.
الآية 84
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} اذكر يا محمد وذكِّر قريشاً بيوم القيامة عندما يبعث الله سبحانه وتعالى من كل أمة نبيها يشهد عليها عند الله سبحانه وتعالى بأنه قد بلغهم، وأنهم رفضوا وأعرضوا، وكذلك العلماء الذين يبلغون عن أنبيائهم في كل عصر سيكونون شهداء على أهل عصرهم من أجابهم، ومن أعرض عنهم (1).
{ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ 84} لا يؤذن للكفار حينئذ بالكلام، ولا ينفعهم أي عذر أو مراجعة لله تعالى، أو استئناف في الحكم كما في حال الدنيا إذا أخطأ شخص على أي شخص آخر؛ فإنه يأخذ معه من وجهاء قومه ليذهبوا ويعتذروا إليه ويستسمحوه، ففي يوم القيامة لن ينفعهم ذلك ولن يكون لهم أي مفر أو مهرب من عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه، وهذا هو المراد بقوله: {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ 84} (2).

__________
(1) -سؤال: يقال: من أين نأخذ هذا الحكم بالنسبة للعلماء؟

الجواب: الأنبياء هم حجج الله تعالى على الناس، أما بعد موت الأنبياء فلا يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر، ولا يخفى أن حجة الله تعالى قائمة على الناس بعد رسول الله وإلى يوم القيامة، وذلك بالقرآن وبأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث الثقلين، وكما في حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ... ))؛ لذلك فدلالة الآية هي بمعونة هذه الأحاديث ونحوها.

(2) -سؤال: يا حبذا لو فصلت هذه اللفظة فقد تشكل على بعض القاصرين؟
الجواب: الأصل «عَتَبَ» وبابه نصَر وطرِب، يعتب عَتَباً وعَتْباً، عتب عليه بمعنى: وجِد عليه وغضب عليه مع الإذلال، ولا زلنا نستعمل هذا اللفظ إلى اليوم. وأعتبه بمعنى: سرَّه، واستعتبه بمعنى: استرضاه، أي: طلب رضاه. اهـ من المختار.
الآية 85
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 85} يقطع الله سبحانه وتعالى أمل أولئك الذين يدعون الخروج من النار ويقولون إن الله سبحانه وتعالى سيعذب كلاً على قدر معصيته، ثم يخرجه من جهنم، ويخبرهم بأن من استحق جهنم ودخلها فلا أمل له في الخروج منها، وإنما سيعذب فيها دائماً وأبداً، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه لن يمهلهم لحظة واحدة بعد مبعثهم، وإنما يحاسبهم ويدخلهم جهنم مباشرة من دون إمهال أو تروٍّ.
الآية 86
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ 86} أولئك المشركون الذين كانوا يعبدون غير الله سبحانه وتعالى أخبر الله عنهم بأنهم يوم القيامة حين يرون الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى سيقولون يا ربنا هؤلاء الأرباب التي كنا نعبدها من دونك، ثم إن معبوداتهم عندما تسمعهم تتبرأ منهم وتنكر أنها ادعت الإلهية، أو أمرت أحداً بعبادتها، ويخبرونهم أنهم إنما كانوا يعبدون الشيطان، وأما هم أي: المعبودون فلم يكونوا يدَّعون ذلك، وذلك أنهم كانوا ينحتون أصناماً على شكل الملائكة في زعمهم ثم يعبدون الصنم على أساس أنهم يعبدون ذلك الملك، فإذا كان يوم القيامة فإن الملائكة ستنكر عليهم أنها ادعت الربوبية، أو أمرتهم بعبادتها، وتقول: إنكم كاذبون في ادعائكم ذلك.
الآية 87
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} فحينئذ سيستسلمون لله سبحانه وتعالى عندما يرون الملائكة تكذبهم وسينقادون للواقع الذي وقعوا فيه وصاروا إليه.
{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 87} وتلك التي كانوا يعبدونها ويدعون إلهيتها سوف تضيع عنهم يوم القيامة، وعندها سيستسلمون لله تعالى ويعترفون حينئذ بكفرهم وتكذيبهم أمام الأشهاد، وبعدل الله وعدم ظلمه لهم بحكمه عليهم باستحقاق النار؛ لأن الله سبحانه وتعالى لن يحكم عليهم بها إلا عندما يعترفون على أنفسهم بأنهم يستحقونها.
الآية 88
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ 88} يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن حال الذين كفروا بأنه سوف يعذبهم بسبب كفرهم، وسيزيدهم عذاباً فوقه بسبب صدهم عن سبيله، ومنع الناس عن الهدى والإيمان، وإدخال الناس في الضلال.
الآية 89
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (1) وهو يوم القيامة سيبعث الله سبحانه وتعالى مع كل أمة نبيها يكون شهيداً عليهم.
{وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} وسيكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهيداً على أمته، وعندما أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيل إنه بكى عندما علم أنه سيكون شهيداً على أمته لشدة رحمته وشفقته على أمته من عذاب الله سبحانه وتعالى، وحرصه الشديد على استنقاذهم من عذاب الله.
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا (2)لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ 89} (3) أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه بيان الحق والباطل والهدى والضلال، وفيه بيان الطريق التي توصل إلى ثواب الله سبحانه وتعالى، وكذلك فيه البشرى للمؤمنين بثواب الله تعالى والأمن يوم القيامة.

__________
(1) -سؤال: يقال: هل من اللازم أن لا تطلق الأمة إلا على الجماعة المعاصرين لنبي من الأنبياء من جهة اللغة أو الشرع أو نحو ذلك أم يصح ولو على طائفة من الأمة؟
الجواب: كلمة «أمة» تطلق على جماعة من الناس أو من غيرهم بدليل: {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ} [القصص:23]، وإذا قلنا: «أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم » فالمقصود الذين بعث إليهم. و «أمة» في الآية كلمة مطلقة في كل جماعة من الناس، إلا أنه يمكن تقييدها بقوله: {نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} فعرفنا أن المقصود بكل أمة هو كل أمة بعث الله تعالى إليها رسولاً، وقد بعث الله تعالى إلى بني إسرائيل موسى عليه السلام وبعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة وهو نبيهم ورسول الله إليهم إلى يوم القيامة بدليل: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:29]، ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) وهكذا موسى عليه السلام إلى أن نسخت شريعته.
(2) -سؤال: ما إعراب: {تِبْيَانًا}؟

الجواب: يعرب مفعولاً من أجله.

(3) -سؤال: يتوهم البعض أن القرآن قد اشتمل على بيان كل مسائل الدين، وأنه لا يقبل من السنة إلا ما قد ذكر في القرآن ويتجاهل أعداد الركعات وأنصباء الزكاة والديات ونحوها فلو بينتم هل نحن محتاجون إلى السنة المطهرة لمعرفة أمثال هذه التفاصيل، أم نكتفي بالقرآن فحسب؛ لكان مناسباً؟
الجواب: حقاً فقد أنزل الله تعالى القرآن تبياناً لكل مسائل الدين الإسلامي، إلا أن كثيراً من مسائل التشريع (العبادات والمعاملات) وردت على سبيل الإجمال، فوكل الله تعالى بيانها إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... } [النور:54]، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، وقال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، فبهذه الآيات ونحوها كان ما أمر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو نهى عنه، وكل ما شرع وسن من ضمن البيان القرآني وداخلاً تحت أوامره ونواهيه وتشريعاته.
الآية 90
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (2)وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 90} يذكر الله سبحانه وتعالى المشركين وغيرهم من عباده بما فيهم المسلمون أنه لم يأت بدين خارج عن المعقول، ومخالف لفطر العقول، وإنما أمركم بما فيه مصلحتكم، وهو العدل والإحسان، وأمركم بصلة أرحامكم لما فيه من زيادة الروابط والعلاقات التي فيها كثير من المصالح والمنافع لكم التي تستحسنها عقولكم، ونهاكم عن كل القبائح التي تستفحشها العقول وتستنكرها، ولم ينهكم عن شيء تستحسنه عقولكم، ونهاكم عن الظلم لما فيه من الإفساد بينكم.
أخبركم الله سبحانه وتعالى بكل ذلك لعلكم ترجعون إليه وتتفكرون في الدين الذي أتاكم به ربكم، وأنه الدين الذي تقتضيه فطر عقولكم.
والإحسان هو (1) الأعمال الصالحة التي تستحسنها العقول كشكر المنعم، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى القربى مع أنهم قد دخلوا تحت العدل والإحسان، وذلك ليبين أن صلتهم بمكانة عظيمة وكبيرة عنده تعالى.
__________
(1) -سؤال: من أين استفيد هذا المعنى للإحسان؟
الجواب: استفيد من نحو قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91]، فسمى الله تعالى أهل تلك الأعذار محسنين إذا نصحوا لله ورسوله والنصيحة لله ولرسوله هي الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاء في السنة تفسير الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه ... الحديث. والإحسان يفسر أيضاً بالإحسان إلى الناس وإنما فسرناه بالعمل الصالح لكونه أكثر وأشمل مع دخول الإحسان إلى الناس فيه.
الآية 91
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} وأمرهم الله سبحانه وتعالى بأنه إذا كان بينهم وبين أحد عهد فالواجب أن يوفوا به، ولا ينقضوه.
{وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 91} لأن من عاهد عهداً (1) فقد جعل الله سبحانه وتعالى كفيلاً عليه؛ فلا ينبغي أن ينقض عهده (2)، وقد توعد الله سبحانه وتعالى من خانه في عهده فسيجازيه على ذلك.
__________
(1) -سؤال: هل ترون أن توكيدها هو عقد العهد فيها؟
الجواب: توكيد الأيمان هو عقد العهد فيها.
(2) - سؤال: رجل عاهد والده أن لا تخرج مشكلة من مشاكلهم عن إطار البيت، ثم زادت المشاكل فاضطر الولد أن يشكو على بعض قرابته فهل يعد فعله نقضاً للعهد؟ وهل هو معذور في نقضه أم كيف يعمل؟ مع العلم بأنه سيتحمل كثيراً من المشاكل لو لم يخرجها؟
الجواب: يبدو لي أن المقصود بالعهد في بال الطرفين هو الستر على أهل البيت بترك إظهار ما يحدث من المشاكل التي يكون في ظهورها نقص أو خدش في مكانة أهل البيت من المشاكل التي تحصل في العادة وتتكرر، وقد حصل في الماضي منها كثيراً فالعهد وقع على ترك إظهار مثل تلك المشاكل التي حصلت وتكررت في البيت، وإذا حصلت تمت معالجتها. هكذا ظهر لي ما وقع عليه العهد وعليه فإذا كانت المشكلة التي أظهرها الابن على بعض قرابته لم يمكن حلها ولا معالجتها داخل البيت، وإذا تركت بدون حل تأزم الوضع وتضاعفت المشاكل وحصل فساد، وكان للابن أمل في الحل عند بعض قرابته فأطلعه على المشكلة لحلها فلا يعد فعله نقضاً للعهد.
الآية 92
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} (3)ولا تكون حالكم كالمرأة التي تتعب نفسها في الغزل والنسج حتى تحكم صنعه وغزله، ومتى فرغت من غزلها ذلك- بدأت بنقضه، فيذهب تعبها ذلك هباءً، شبه الله سبحانه وتعالى ذلك الذي ينقض عهده بعد توكيده وإبرامه بهذه المرأة التي تغزل ثم تنقض غزلها.
والأنكاث: هم الذين ينكثون العهد مثل المرأة التي تنقض الغزل بعد إحكامه، كأولئك الذين عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإيمان بالله ورسوله والجهاد بين يديه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بعد ذلك ينقضون عهدهم هذا، وكذلك كل العهود سواءً كانت مع الله سبحانه وتعالى أو مع أحد من خلقه، فلا يصح ولا يجوز نقضها؛ لأن نقضها من الكبائر التي توعد الله سبحانه وتعالى عليها بالعذاب الشديد.
{تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} أي تجعلون أيمانكم حيلة تحتالون بها وطريقا ووسيلة إلى الفساد والغدر.
{أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} (1) كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين في ضعف بينما كان المشركون في قوة وعزة، وكان هناك أناس عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد عزموا على نقض عهدهم معه، والذهاب إلى قريش لكونهم أقوى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وأمر بالوفاء بالعهد، ولو كان يلحق ضرر من ذلك القوي، وأربى يعني أقوى وأعزَّ.
{إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} أي: بأن جعل أناسا أقوى من أناس آخرين، أخبر أن ذلك منه اختبار لكم هل ستوفون بعهودكم أم لا؟
{وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 92} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيحكم بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه بينهم في الدنيا، وهو ما كان من الاختلاف بين المؤمنين مع المشركين، ومع اليهود والنصارى؛ فسيحكم الله سبحانه وتعالى بين هذه الأمم المختلفة يوم القيامة، ويبين لهم المحق من المبطل منهم جميعاً.

__________

(3) -سؤال: ما إعراب: {أَنْكَاثًا}؟ وما نوع اسميتها؟ وكيف يكون معناها طبق ذلك؟

الجواب: تعرب «أنكاثاً» مفعول به ثان لنقضت لتضمنه معنى صيرت، أو جعلت، وقد أعربوها حالاً من «غزلها» وأنكاث جمع نِكث بكسر أوله وهو الحاصل من نقض الحبال والأكسية وحلها لإعادة نسجها، والمعنى الذي ذكرناه في التفسير مبني على هذا.

(1) -سؤال: ما موضع المصدر المؤول: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ}؟
الجواب: موضعه الجر بلام التعليل محذوفة.
الآية 93
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لو أراد أن يكره الناس جميعاً على الإسلام لفعل، ولكن حكمته اقتضت خلاف ذلك، وأن يتركهم واختيارهم ومشيئتهم ليرتب على ذلك الثواب والعقاب؛ لأنه لا يُستَحقُّ الثوابُ والعقابُ إلا على ما كان موقوفاً من الأعمال على الاختيار، فلا يستحق الإنسان الثواب إلا إذا ذهب إلى الهدى باختياره ليس معه غرض غير ذلك، وأيضاً اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه على ضعف وقلة حظ في الدنيا؛ لأجل ألا يذهب إليه إلا من لا غرض له سوى الهدى والإيمان، إذ لو كان معه قوة ودولة وسلطة لأقبل الناس إليه ودخلوا في دينه لأجل قوته وغناه وسطوته، لا لأجل الإيمان، وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يفتح لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم خزائن الأرض، ويجعل مفاتيحها بيده.
{وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 93} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يرد أن يكرههم ويلجئهم، وأنه أراد أن يوكلهم إلى اختيارهم؛ فمن اختار الهدى جعله الله في زمرة المهتدين، ومن اختار الضلال جعله الله في زمرة الضالين (1)،ثم أكد الله سبحانه وتعالى على أنه سيسأل كل امرئ عن كل ما عمله من صغير وكبير يوم القيامة، وسيحاسبه عليه ويجازيه.

__________
(1) -سؤال: هل تريدون أن قوله: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 93} قرينة قوية على أن المراد بالإضلال والهداية الحكم والتسمية؟

الجواب: نعم ذلك قرينة قوية على أن المراد بالإضلال والهداية هو الحكم والتسمية.
الآية 94
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} ثم أكد الله سبحانه وتعالى عليهم مرة ثانية بالوفاء بالعهود والمواثيق والأيمان، وأراد بالأيمان المعقودة على شيء، وهنا قد نهى الله سبحانه وتعالى عن اتخاذ الأيمان حيلة ووسيلة لأن يأمنَ أحدٌ جانبَكَ وأنت تريدُ الغدرَ به والفسادَ، وأخبر أن ذلك معصية كبيرة يستحق عليها العقاب والعذاب الشديد.
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 94} (1) أراد الله سبحانه وتعالى أن نقض العهود والمواثيق والأيمان من الكبائر التي تخرج صاحبها من اسم الإيمان، ويستحق بسببها العذاب والنار؛ لأنها من الصد عن سبيل الله لما فيها من الإفساد والغدر.
__________
(1) -سؤال: هل في الآية دليل على أن التحيل بالأيمان بأن تجعل وسيلة للغدر والخيانة سبب للخروج من الهدى؟ وهل يطرد هذا في كبائر العصيان؟
الجواب: في الآية دليل على ذلك، ويطرد أيضاً في كبائر الذنوب قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 63} [النور]، وقال سبحانه: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ 10} [الروم]، وقال تعالى في أصحاب السبت: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ 163} [الأعراف]، وقال سبحانه: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ 162 إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ 163} [الصافات]، فمن ارتكب معصية كبيرة ولم يتب إلى الله منها كان عرضة للوقوع في العظائم والفتن والتمادي في الغواية والضلال.
الآية 95
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} ثم أكد الله سبحانه وتعالى على ذلك بالنهي عن نقضِ العهد وقبولِ أي ثمن مقابل ذلك؛ لأنه خروج من الدين وكبيرة يستحق عليها النار.
{إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 95} (1) وأخبر أن الوفاء بالعهد هو الأفضل عنده سبحانه وتعالى؛ لأنه سيعطي على ذلك الثواب العظيم.
__________
(1) -سؤال: ما فائدة الشرط هنا في آخر الآية؟
الجواب: الفائدة فيه في هذا المكان وفي أمثاله تنبيه المخاطب وبعثه على البحث والنظر في حقيقة الخبر المعقب بهذا الشرط.
الآية 96
مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} أراد الله سبحانه وتعالى أن متاع الدنيا سيفنى وسيبقى إثمه، وأن ثوابه هو أبقى لهم إذا وفوا بعهودهم وأيمانهم.
{وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 96} وعد من الله سبحانه وتعالى لأهل الوفاء بأنه سيجازيهم بأحسن الأجر وأوفاه وأكمله.
الآية 97
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وهذا أيضاً وعد من الله للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنه سيحييهم في الدنيا الحياة الطيبة، وسيرزقهم الأمن والأمان والطمأنينة والرضا بما قسمه لهم، وفي هذه الآية حث وترغيب على الإيمان والعمل الصالح لأنهم إذا علموا أنهم سيحييون بعيدين عن القلق والاضطراب والمكاره والشدائد وضنك العيش؛ فسيكون ذلك أدعى إلى المسارعة في الأعمال الصالحة.
والمؤمن الصادق الإيمان ولو كان قليل المال فإن الله تعالى يجعل في قلبه قناعة ورضا وطمأنينة؛ لأنه عالم بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه، وأنه إذا ابتلاه بشيء فهو راضٍ بما قسم الله له، وعالم بأنه سيعوضه عما فاته في الدنيا؛ فلا ينقطع أمله ورجاؤه في الله سبحانه وتعالى، بل يكون في فرح وسرور دائمين لعلمه بما عند الله، وأن ما عند الله هو خير وأبقى، وأنه وإن لم يعط مقابل تلك البلوى في الدنيا فهو عالم بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه مقابل ذلك في الآخرة، بخلاف أولئك العاصين والمتمردين على الله؛ فلبعدهم عنه ينقطع رجاؤهم فيه، ويصيبهم اليأس والقنوط، فيزيد ذلك في حسراتهم وهمومهم وغمومهم.
ولأن المؤمن عالم بأن الله سبحانه وتعالى عدل حكيم فيعتقد بأن فيما ابتلاه الله به مصلحة له يعلمها وأن بلواه خير له في دينه ودنياه من عافيته.
{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 97} وأخبر الله سبحانه وتعالى بأنه مع سعادتهم التي يعطيهم في الدنيا سيوفيهم أجورهم في الآخرة، وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين.
الآية 98
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
📝 التفسير:
{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 98} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إذا شرعوا في قراءة القرآن أن يستعيذوا من الشيطان الرجيم.
الآية 99
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 99} وأخبر الله سبحانه وتعالى أن الشيطان ليس له تسلط على المؤمنين المتوكلين المعتمدين عليه، ولا طريق (1)له إليهم، وأنه آيس منهم، ومقتنع بأنهم محاطون بتوفيق الله سبحانه وتعالى وتسديده، وأنه لن يستطيع شيئاً فيهم، فإن من اعتمد على الله سبحانه وتعالى وتوكل عليه؛ فإنه سيكفيه من شر إبليس ومكره.

__________
(1) -سؤال: يقال: كيف يفسر وقوع بعض الزلات من أشخاص لهم قدم في العبادات؟

الجواب: إذا وقع المؤمن في زلة فإنه يتداركها بالتوبة ولم يصر كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ 201} [الأعراف]، {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... } الآية [آل عمران:153]، لذلك لا يستولي عليهم الشيطان ولا يسخرهم لطاعته ولا يدخلهم في حزبه وجنده.
الآية 100
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ 100} وأخبر أن سلطان الشيطان ليس إلا على أولئك الذين يعملون المعاصي وقد أصبحوا تحت سيطرة إبليس وقبضته، وقوله: {هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} أراد بذلك أن من أطاع الشيطان فقد عبده وأشركه في العبادة (1).
__________
(1) -سؤال: فما يكون معنى الباء في قوله «به» حينئذ؟
الجواب: الباء للتعدية ومشركون مضمن معنى مؤمنين أي أنهم مؤمنون بالشيطان ومشركونه في الطاعة التي لا تنبغي إلا لله الواحد القهار.