القرآن الكريم مع التفسير

سورة طه

آية
إجمالي الآيات: 135 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى
📝 التفسير:
{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (1) واشكروا نعمة الله سبحانه وتعالى عليكم، ولا تكذبوا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانوا قد قابلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وكانوا يرمونه بالسحر ويحذرون الناس منه بأنه كذاب وليس ذلك النبي الذي وعد الله سبحانه وتعالى به في التوراة.
{وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ (2) فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى 81} وحذرهم الله تعالى من الخروج عن حدوده وتعاليمه، وأن تكون النعم التي أنعم بها عليهم سبباً في طغيانهم وضلالهم، وأخبرهم أنه سينزل عليهم غضبه وعذابه إن لم يشكروا نعمه عليهم، ومعنى «هوى»: وقع في الهاوية.
__________
(1) - سؤال: هل المخاطب في قوله: {كُلُوا} بنو إسرائيل السابقون الذين رزقوا بالمن والسلوى أم المعاصرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
الجواب: المراد به السابقون الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام إلا أن النعمة على الأولين نعمة على ذراريهم المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرف الآباء وكرامتهم تنسحب على ذراريهم لذلك خاطبهم الله تعالى كما لو كانوا هم أهل المن والسلوى.
(2) - سؤال: فضلاً ما معنى «في» في قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ}؟ وإلام يرجع الضمير؟
الجواب: معناها الظرفية أي: لا تطغوا في طيبات ما رزقناكم أي: بأن تكون معاصيكم لله في طيبات ما رزقناكم بأن تجعلوا مثلاً العنب خمراً أو تجعلونه رشوة أو رباً أو تأخذونه من غير حله، أو نحو ذلك.
الآية 82
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى
📝 التفسير:
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى 82} (1) يرغب الله تعالى بني إسرائيل في التوبة والرجوع إليه، وأنه سيقبلهم مهما كانت الذنوب التي عملوها، ما داموا قد رجعوا إليه.
والغفار هو كثير الغفران أو هو مبالغة في غفران الذنوب الكثيرة مهما كانت لمن تاب وآمن بالله تعالى وبما جاء به وعمل الأعمال الصالحة وسار في طريق الحق والهدى.
__________
(1) - سؤال: ما السر في استخدام أداة العطف «ثم» في قوله: {ثُمَّ اهْتَدَى 82} وهل هو تكرير لما قبله إذ الاهتداء هو الإيمان والعمل الصالح أم له مقصود آخر فما هو؟
الجواب: استعملت «ثم» هنا لتفيد أن ما بعدها أهم مما قبلها وأعظم وأشق، وأفضل عند الله، وليس {ثُمَّ اهْتَدَى 82} تكريراً لما قبله لأن المعنى المقصود بذلك ثم استقاموا على ذلك واهتدوا إلى المضي في طريق الإيمان والهدى والعمل الصالح، و «ثم» هنا مثلها في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ... } [فصلت:30]، كما في الحديث: ((قل آمنت بالله ثم استقم .. ))، ولا يخفى أن الاستقامة على الهدى والإيمان والعمل الصالح أشد وأشق من الدخول في ذلك.
الآية 83
وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى
📝 التفسير:
{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى 83} (2)كان موسى عليه السلام قد سبق السبعين الذين اختارهم من قومه ليذهبوا معه إلى الطور لكتابة التوراة، وكان قد وصل قبلهم فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك، وأنه كان من المفترض به أن يصلوا جميعاً، فاعتذر موسى عليه السلام إلى الله سبحانه وتعالى وقال: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى 84}
__________

(2) - سؤال: يا حبذا لو أعربتم: {مَا أَعْجَلَكَ}؟ وهل يتعدى «عجل» بـ «على» أو بـ «عن»؟

الجواب: «ما» اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ وجملة أعجلك في محل رفع خبر والمعنى: أي شيء أعجلك؟ وتتعدى «عجل» بـ «إلى» كما هنا، وتتعدى بنفسها كقوله تعالى: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف:150]، وبـ «في» كقول أمير المؤمنين عليه السلام: (يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له) وبالياء كقوله عليه السلام في وصيته لابنه: (قبل أن يعجل بي أجلي)، وبـ «عن» كقوله عليه السلام: (وحتى تعجل عن قعدتك).
الآية 84
قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى
📝 التفسير:
كان موسى عليه السلام قد سبق السبعين الذين اختارهم من قومه ليذهبوا معه إلى الطور لكتابة التوراة، وكان قد وصل قبلهم فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك، وأنه كان من المفترض به أن يصلوا جميعاً، فاعتذر موسى عليه السلام إلى الله سبحانه وتعالى وقال: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي (1) وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى 84} وإن ذلك لم يكن منه إلا أن الشوق دفعه لمناجاة الله تعالى، ولينال رضوانه.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي}؟
الجواب: «هم» مبتدأ، «أولاء» خبر، «على أثري» جار ومجرور خبر ثان.
الآية 85
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
📝 التفسير:
{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ 85} فأخبره الله تعالى بأن قومه الذين تركهم مع هارون قد افتتنوا بالعجل وقد فتنهم السامري إذ صنع لهم عجلاً وأمرهم أن يعبدوه، وقال إنه إلههم الذي ذهب موسى ليبحث عنه.
ومعنى {فَتَنَّا قَوْمَكَ}: اختبرنا (2) إيمانهم بالعجل، وكان السامري رجلاً ذا عقل ودهاء وحنكة.
__________

(2) - سؤال: يقال: هل الاختبار بنفس العجل أم بالتخلية للسامري في عمله؟
الجواب: حصلت الفتنة بالعجل والسامري معاً حيث صنع لهم السامري العجل ودعاهم إلى عبادته فاستجابوا لدعوته وعبدوا العجل.
الآية 86
فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي
📝 التفسير:
{فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} وبعد أربعين يوماً من مدة غيابه عن قومه، وبعد أن انتهى من كتابة التوراة عند الطور- رجع إلى قومه وقد امتلأ غضباً وغيضاً وأسفاً عليهم من فعلتهم تلك التي فعلوها، وهي عبادتهم للعجل.
{قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} يعاتب قومه على عبادتهم للعجل وتركهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، ويستنكر عليهم لماذا تركوا عبادة الله وقد وعدهم بأنه سيعزهم وسيرفع قدرهم في الدنيا، وأنه سيجعلهم خلفاء الأرض المسيطرين عليها بعد خلاصهم من فرعون وبطشه، وأنه سيوسع عليهم في الرزق والنعم؟ وسألهم مستنكراً: هل طال عليكم الزمان حتى نسيتم وعد الله لكم؟ أو هل شككتم في الله تعالى أنه سيكذب عليكم؟ فهذه أرجلكم خضراء لم تجفَّ بعد من ماء البحر الذي فلقه الله سبحانه وتعالى لكم وشاهدتم فيه آياته العظيمة.
{أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أم أنكم بفعلكم هذا تبحثون عما يغضب ربكم ويوجب عليكم سخطه؟
{فَأَخْلَفْتُمْ (1) مَوْعِدِي 86} وكان قد أخذ عليهم العهود والمواثيق بأن يطيعوا هارون في مدة غيبته، وأن يقيموا حدود الله سبحانه وتعالى وما أمرهم به.
__________
(1) - سؤال: هل الفاء عاطفة هنا؟ فعلام عطف قوله: {أَخْلَفْتُمْ}؟ وهل قوله: {مَوْعِدِي} مصدر ميمي أم اسم زمان؟
الجواب: الفاء عاطفة وعطف قوله: «أخلفتم» على قوله: {أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ ... } فالجملة المعطوفة سبب والجملة المعطوف عليها مسبب، وكان القياس أن يكون إخلاف الموعد سبباً في حلول غضب الله عليهم، إلا أنه ترك هذا وعدل إلى العكس ليفيد أن السامري وعبدة العجل تمردوا على موسى وارتكبوا فعل أكبر الكبائر من أجل أن يتوصلوا به إلى مخالفة موسى، أي: أن الذي دعاهم إلى فعل ذلك الجرم الكبير هو عصيان موسى وإخلاف موعده. و «موعدي» مصدر ميمي أي: وعدي.
الآية 87
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
📝 التفسير:
{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ 87} فأجابوا عليه بأن عبادتهم للعجل لم يكن بإرادتهم واختيارهم، وإنما السامري أغواهم وأعمى أبصارهم وأضلهم؛ واعتذروا له بأنه هو السبب في ذلك، وأنهم كانوا قد عادوا من مصر بحلي معهم كانوا يلبسونها فأخذ السامري هذه الحلي وألقاها في النار ليصيغها لنا على شكل عجل. ومعنى «أوزاراً»: أثقالاً.
وبحسب صنعته جعل لهذا العجل صوتاً وخواراً، وأخبرنا بأن هذا العجل هو إلهنا الذي ذهب موسى ليبحث عنه عند الطور فصدقناه
الآية 88
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ
📝 التفسير:
وبحسب صنعته جعل لهذا العجل صوتاً وخواراً، وأخبرنا بأن هذا العجل هو إلهنا الذي ذهب موسى ليبحث عنه عند الطور فصدقناه، وهذا هو معنى قوله: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا (1) لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (2) فَنَسِيَ 88} (3) وكذا أخبرنا أنك يا موسى نسيت أن ربك هاهنا حتى ذهبت تبحث عنه في ذلك المكان.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب {جَسَدًا} وكيف أطلقت الجسدية على المصنوع من الحلي؟
الجواب: «جسداً» بدل من «عجلاً» وقيل للعجل «جسداً» على حسب ما زينه لهم السامري من أنه حي عاقل لا يأكل ولا يشرب كالملائكة.
(2) - سؤال: لماذا نسب القول إليهم في قوله: {فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} مع أنه من قول السامري في الظاهر؟
الجواب: لما أخرج السامري العجل ودعاهم إلى عبادته قال بنو إسرائيل بعضهم لبعض: هذا إلهكم وإله موسى.
(3) - سؤال: هل يصح أن يعود ضمير {فَنَسِيَ} إلى السامري؟
الجواب: يصح عوده إلى السامري أي: ترك ما كان عليه من الإيمان، والأحسن أن يكون الضمير لموسى.
الآية 89
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
📝 التفسير:
{أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (4)وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا 89} استنكر عليهم لماذا لم يفكروا بعقولهم وينظروا في هذا الذي يعبدونه كيف لا يستطيع أن يرد عليهم أو يجيبهم إن تكلموا معه، أو ينفعهم إن طلبوا منه، فهل يستحق من كان كذلك أن يكون إلهاً يعبد؟
__________

(4) - سؤال: ما إعراب: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا}؟

الجواب: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة والمعطوف عليه مقدر بعد الهمزة، ويرون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه النون، والواو فاعل، و «أن» مخففة من الثقيلة لوقوعها بعد فعل يقين واليقين يناسبه التوكيد، واسمها ضمير الشأن، والجملة التي بعدها في محل رفع خبرها.
الآية 90
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} أخبر الله سبحانه وتعالى أن هارون كان قد وعظهم قبل أن يرجع موسى، وحذَّرهم من اتباع السامري وأخبرهم أنه إنما يريد أن يضلهم ويغويهم.
{وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي 90} هذا من كلام هارون عليه السلام ووعظه لهم أن الذي أنعم عليهم بالخلق والعقل والرزق هو ربهم الذي يستحق العبادة وليس هذا العجل.
الآية 91
قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى
📝 التفسير:
{قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى 91} ولكنهم عصوا هارون وتمردوا عليه، وأخبروه أنهم لن يتركوا عبادة العجل هذا حتى يرجع موسى، ثم يكون لنا معه كلام، وذلك أن موسى كان مهاباً عندهم، وكان صاحب شخصية قوية بين قومه، وكانوا يخافونه.
وفعلا فما إن رجع موسى حتى نسف هذا العجل وأحرقه ولم يستطيعوا أن ينبسوا ببنتِ شفه أو يتكلموا بكلمة أمامه، وانزجروا لزجره وتركوا عبادة العجل خوفاً منه ومن غضبه عليهم، وكم وعظهم هارون وحذرهم ولكن دون جدوى، حتى لقد هددوه بالقتل.
الآية 92
قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
📝 التفسير:
{قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا 92 أَلَّا تَتَّبِعَنِ (1)أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي 93} ثم رجع موسى بالكلام على أخيه هارون معاتباً له لماذا لم يتركهم ويلحق به عندما رأى منهم ما رأى من الكفر (2).

__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما موضع المصدر في: {أَلَّا تَتَّبِعَنِ} بالتفصيل؟

الجواب: موضعه الجر بحرف جر مقدر وهو متعلق بـ «منعك»، ويصح أن نقول: إن موضعه النصب بنزع الخافض.

(2) - سؤال: هل يؤخذ من الآية أن الاستطاعة بالمناصرين شرط في إزالة المنكر؟ وهل دلت على أن هناك واجباً آخر غير التغيير؟
الجواب: نعم تدل الآية على أن الاستطاعة شرط في وجوب إزالة المنكر إذ لم يستنكر موسى على هارون ' عدم تغييره المنكر وإزالته وإنما استنكر عليه البقاء بين ظهراني العصاة المقيمين على عبادة العجل. ودلت الآية على وجوب الخروج والابتعاد عن أهل المنكر إذا لم يستطع المكلف إزالة المنكر ولا تغييره.
الآية 93
أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
📝 التفسير:
{قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا 92 أَلَّا تَتَّبِعَنِ (1)أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي 93} ثم رجع موسى بالكلام على أخيه هارون معاتباً له لماذا لم يتركهم ويلحق به عندما رأى منهم ما رأى من الكفر (2).

__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما موضع المصدر في: {أَلَّا تَتَّبِعَنِ} بالتفصيل؟

الجواب: موضعه الجر بحرف جر مقدر وهو متعلق بـ «منعك»، ويصح أن نقول: إن موضعه النصب بنزع الخافض.

(2) - سؤال: هل يؤخذ من الآية أن الاستطاعة بالمناصرين شرط في إزالة المنكر؟ وهل دلت على أن هناك واجباً آخر غير التغيير؟
الجواب: نعم تدل الآية على أن الاستطاعة شرط في وجوب إزالة المنكر إذ لم يستنكر موسى على هارون ' عدم تغييره المنكر وإزالته وإنما استنكر عليه البقاء بين ظهراني العصاة المقيمين على عبادة العجل. ودلت الآية على وجوب الخروج والابتعاد عن أهل المنكر إذا لم يستطع المكلف إزالة المنكر ولا تغييره.
الآية 94
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
📝 التفسير:
{قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي 94} (2)كأن موسى من شدة غضبه كان قد أخذ برأس أخيه ولحيته وهو يعنف به، وكان هارون خلال ذلك يتودد إليه ويبرر موقفه بأنه لم يترك اللحاق به إلا خشية أن يتهمه بأن تركه لهم كان السبب في ضلالهم، وأنه لم يبال به ولا بوصيته له من البقاء بينهم وإصلاح أمرهم.

__________

(2) - سؤال: هل تدل الآية على جواز التصرف بفعل موسى بأخيه عند النهي عن المنكر؟ وما عذر موسى عليه السلام في فعله مع أنه لم يكن من أخيه شيء؟

الجواب: لا تدل الآية على جواز ما ذكرتم عند النهي عن المنكر، ولكن تدل على جواز تأديب المأمور المخالف لما أمر به أو التارك لفعل ما أمر به لغير عذر، وقد كان موسى عليه السلام تقدم إلى هارون بأوامر وتعليمات فلم يفعلها هارون وتحقق موسى أن هارون لم يفعلها فاستنكر موسى على هارون ذلك: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي 93} لذلك فعل موسى عليه السلام بهارون عليه السلام ما فعل من جره إليه برأسه وأخذه بلحيته، فلما بين هارون عذره لأخيه قال موسى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151} [الأعراف]، وموسى عليه السلام معذور فيما فعله فإنه رأى وتحقق في الظاهر من أخيه هارون عليه السلام معصية أمره ولم يتبين له عذر هارون وحجته إلا بعدما أخذ في تأديبه. وغاية ما في فعل موسى عليه السلام هو العجلة، والعجلة وشدة الغضب في ذلك المقام أمر مطلوب لعظم جريمة السامري وعبدة العجل فلولا ما رأوه منه من الشدة وقوة الغضب وفورانه لتمادوا في طغيانهم وأصروا على عبادة العجل ولما استجابوا لموسى كما لم يستجيبوا لهارون '.
سؤال: هل يؤخذ من الآية أن خشية تفرق الجماعة الواحدة عذر في ترك بعض الواجبات؟
الجواب: يؤخذ من الآية أن ترك بعض الواجبات جائز إذا خشي وقوع منكر أو خشي ترك واجب أهم، وقد كان اجتماع بني إسرائيل وعدم تفرقهم أمراً يريده الله، وذلك لما سبقت به حكمة الحكيم العليم من اختيار الله تعالى لهم لحمل الكتاب والحكمة والنبوة والملك، قال تعالى وهو يذكر بني إسرائيل يوم كانوا تحت ظلم فرعون: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... } [القصص].
سؤال: هل يحمل قوله: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي 94} على أنه من قول هارون لا من مقول موسى؟
الجواب: نعم هو من قول هارون عليه السلام الذي خشي أن يقوله موسى ويحتج به على هارون.
الآية 95
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ
📝 التفسير:
{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ 95} ثم تحول بخطابه إلى السامري يسأله عن قصته وخبره وما كان منه حتى فعل فعلته هذه المنكرة.
الآية 96
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
📝 التفسير:
{قَالَ بَصُرْتُ (1) بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} فأجابه بأنه توصل بذكائه وبصيرته إلى صناعة محكمة لم يعلمها بنو إسرائيل فأردت أن أظهرها لهم.
{فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي 96} وهي أنه قبض قبضة من تلك الحلي فرمى بها بين النار ليصيغ لهم هذا العجل الذي يصدر خواراً وصوتاً، وأخبر موسى بأن نفسه هي التي زينت له هذا العمل وحسنته له، وأن إبليس أغواه وأضله.
والرواية التي تقول إنه قبض قبضة من أثر حافر جبريل فألقاها في ذلك العجل فبدأ بالخوار فلا صحة لها في ظني، فليس لجبريل عليه السلام فرس، فملائكة الله تطير بأجنحة مثنى وثلاث ورباع (2).
__________
(1) - سؤال: هل تريدون أن اشتقاق الفعل من البصيرة لا من البصر بمعنى النظر؟
الجواب: الفعل هو بمعنى البصر الذي هو رؤية العين وهو كالفعل المذكور في قوله تعالى: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} [طه:11]، إلا أن تفسيره هنا بمعنى رؤية العين غير مستقيم فحملناه على رؤية القلب التي هي البصيرة والعلم بكيفية الصناعة لذلك قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ... } فشرح علمه بالصناعة الذي بصر به دون بني إسرائيل.
(2) - سؤال: ما أروع هذا التعليل الذي عللتم به لكن بقي لنا إشكال في {أَثَرِ الرَّسُولِ} كيف يكون هو الحلي؟

الجواب: لم يظهر لي الآن المعنى المراد بأثر الرسول، إلا أن الذي نص عليه القرآن من قصة العجل أن السامري أخذ من زينة القوم من حليهم فصاغها لهم عجلاً جسداً له خوار، وصناعة العجل لا تتم إلا بإلقاء الحلي في النار حتى تذوب فإذا ذابت أمكن تشكيلها إلى ما يريد الصائغ من الأشكال. وقد فسر الرازي: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} بأن السامري قبض قبضة من دين موسى وشريعته فلما ذهب موسى إلى ميعاد ربه نبذها أي تركها وطرحها، فلما ذكرنا فسرنا هذه الآية بما ظهر لنا من القصة التي جاءت في القرآن، والله أعلم.
الآية 97
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا
📝 التفسير:
{قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} فعندها طرده موسى عليه السلام وأخبره بأن الله سبحانه وتعالى قد عاقبه بأن لا يستطيع أن يجلس مع أحد، أن ينفر من كل من قرب منه، وأنه لا يستطيع أن يمس أحداً من البشر ليكون منبوذاً وبعيداً عن الناس بقية حياته (1).
{وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا (2) لَنْ تُخْلَفَهُ} وأخبره بأن له موعداً مع الله تعالى ليجازيه على عمله هذا.
{وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا 97} (3)إلهك هذا الذي أنت عاكف على عبادته سوف نحرقه أمام عينيك، ثم ننسف رماده ونذروه في البحر ليعلم أولئك الذين أضللتهم وغررت عليهم كذبك وافترائك.
وسبب اتباعهم له هو أنه بعمله هذا ذكَّرَهم بذلك الإلف المألوف والعهد المعهود الذي كانوا عليه في مصر من عبادة البقر وما أشبهها فحنت قلوبهم إلى ذلك ورجعوا إليه.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ}؟ وكيف كانت كناية عن عدم استطاعته لمساس البشر؟
الجواب: «أن تقول» أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم «إن». «لا» نافية للجنس، «مساس» اسمها مبني على الفتح وخبرها محذوف، ومساس مصدر ماسَّ الذي هو للمشاركة، والمعنى لا تمسني ولا أمسك، أو لا يحصل تماس بيني وبينك، ومن شأن هذا القول أن يدل بالالتزام على تأذي قائله من المساس وتضرره ولا سيما إذا كان: {أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} عقوبة من الله وعذاباً معجلاً في الدنيا، فيكون كناية عن عدم استطاعته لمماسة الناس. وقلنا عدم استطاعته لمساس البشر لما يلحقه من الألم البليغ كما يقول القائل: لا أستطيع إدخال يدي في النار، أي: لما يلحقها من الحريق.
(2) - سؤال: هل المراد به المصدر أو اسم الزمان؟
الجواب: لا مانع من تفسير الموعد بالمصدر أو اسم الزمان.
(3) - سؤال: ما هو الحكم الشرعي الذي يستنبط من هذه الآية؟

الجواب: يستنبط منها جواز إتلاف آلات الملاهي ونحوها مما صنع لفعل منكر، وأنه لا يلزم رد الأجزاء المكسرة إلى صاحبها ولو كان لها قيمة بل يجوز إتلافها، وتكون هذه الآية أصلاً في جواز معاقبة الوالي للعصاة المتمردين بإتلاف أموالهم.
الآية 98
إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا
📝 التفسير:
{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا 98} (1) وأخبرهم أنه لا إله لهم إلا الله وحده الذي أحاط علمه بكل شيء.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا 98}؟
الجواب: «وسع» فعل ماض وفاعله مستتر فيه، «كل» مفعول به مضاف، و «شيء» مضاف إليه مجرور بالإضافة، و «علماً» تمييز نسبة أي أنه محول عن فاعل، وكان الأصل: وسع علمه كل شيء.
الآية 99
كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا
📝 التفسير:
الكاف في كَذلِكَ منصوب المحل، وهذا موعد من الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، أى: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيرا لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعنى القرآن مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقى.
__________

(2) - سؤال: ما السر في تنكير {وِزْرًا}؟
الجواب: السر هو تعظيم الوزر وتهويله.
الآية 100
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
📝 التفسير:
الكاف في كَذلِكَ منصوب المحل، وهذا موعد من الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، أى: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيرا لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعنى القرآن مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقى.
__________

(2) - سؤال: ما السر في تنكير {وِزْرًا}؟
الجواب: السر هو تعظيم الوزر وتهويله.