القرآن الكريم مع التفسير

سورة النمل

آية
إجمالي الآيات: 93 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي (4)الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} ولن تستطيع يا محمد أن تهدي هؤلاء الذين قد ضلوا، شبههم الله تعالى بالعمي الذين مهما وصفت لهم الطريق وحاولت فلن يستطيعوا أن يهتدوا إليها، فكيف تستطيع أن تدلهم على شيء لا يستطيعون أن يروه أو يسيروا إليه.
{إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ 81} (1) واعلم أنه لن يقبل منك ويسمعك يا محمد إلا من استحكم الإيمان في قلبه، وصار من المستسلمين لله تعالى والمنقادين له.
__________
(4) - سؤال: إذا تشبث أهل الجبر بهذه الآية، فكيف يجاب عليهم؟

الجواب: لا متشبث لأهل الجبر في هذه الآية؛ لأن الله تعالى شبه الكافرين المعرضين عن قبول الهدى الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالموتى، ووجه الشبه بينهم وبين الموتى عدم القبول والانتفاع والاستجابة لما يقال لهم، وليس في هذه الآية بيان المانع لهم من القبول والانتفاع والاستجابة، فنحن نقول: إن الذي منعهم من ذلك هو الكبر والأهواء والشهوات وحب الدنيا، فهذا هو الذي أعمى أبصارهم وأصم آذان قلوبهم عن الهدى ودين الحق.

(1) - سؤال: يقال: ما العلة في إسناد الإسماع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانت بمعنى أنه لا يستمع منه إلا أهل الإيمان؟
الجواب: العلة في ذلك أن الله تعالى أراد أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعض التعب والمشقة فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجهد نفسه غاية الإجهاد ليسمع قومه آيات الله ويتابعهم وكان ذلك شغله الشاغل حتى رحمه ربه فقال له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا 6} [الكهف]، أي: لعلك قاتل نفسك وأنت تتابعهم وتلاحقهم لتسمعهم الحق والهدى، ففي هذه الآية يقول الله تعالى له: هون على نفسك فلا سبيل لك إلى إسماع قومك، فهون على نفسك.
الآية 82
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ (2)كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ 82} ثم أخبر الله تعالى بأنه إذا وقع العذاب على المشركين يوم القيامة فإنه سيخرج لهم دابة تشهد عليهم بأنهم كانوا من المكذبين والمعرضين عن آيات الله تعالى وعن أنبيائه ورسله (1).

__________
(2) - سؤال: ما محل المصدر: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا ... } الإعرابي؟

الجواب: موقعه الجر بباء محذوفة، أو النصب بنزع الخافض.

(1) - سؤال: ما رأيكم فيما روي أن الدابة نار تخرج من قعر عدن تجمع الناس إلى أرض المحشر، أو حيوان كذلك تسمى الجساسة؟ وعلى مقتضى نظركم يشكل علينا أن الإشهاد يعرى عن الفائدة إذا كان بعد وقوع العذاب على ظاهر الآية؟ وما صحة ما روي عن بعض أئمتنا أن الدابة هو الإمام المهدي المنتظر؟
الجواب: لم يظهر صحة ما روي في الدابة، وخروج الدابة لا يكون إلا بعد وقوع القول عليهم أي: حصول الوعيد، وعند حصوله {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158]، وقد يمكن -وإن كان خلاف الظاهر- أن التقدير: وإذا شارف وقوع القول عليهم أو قرب وقوعه، أي: فيكون خروج الدابة بين يدي الساعة، أي: أنه علامة من علاماتها، وقد يكون -والله أعلم- أن وقوع القول عليهم أي: وقوع العذاب عليهم في الدنيا وهو العذاب الذي توعد الله به المكذبين، وعلى هذا فيخرج الله تعالى للمعذبين عند نزول العذاب بهم وحلوله عليهم دابة من الأرض تكلمهم بأن ما حل بهم من العذاب هو بسبب تكذيبهم بآيات الله وعدم إيمانهم بما جاءهم به رسولهم من آيات الله وبيناته.
وعسى أن يكون هذا القول أقرب الأقاويل، وذلك لأنه جاء بعد ذكره لمشركي قريش الذين أجهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في إسماعهم آيات الله فلم يسمعوا، فقال الله له صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ... } إلى قوله: {إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ 81}، ثم قال تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ... }، فالضمير في «عليهم» يعود إلى أولئك الموتى والصم الذين أجهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في إسماعهم فلم يسمعوا.

ومما يقوي هذا القول أنه جاء بعد هذه الآية قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ... } ثم ذكر بعد ذلك: يوم ينفخ في الصور، فإن في ذلك ما يؤيد ما ذكرنا من أن خروج الدابة يكون في العذاب النازل على المكذبين في الدنيا.
وقد يقوي هذا القول: أن المؤمن إذا حضره الموت فإن الملائكة تحضره وتبشره بما له عند الله من الكرامة، أما المشركون فيخرج الله تعالى لهم دابة من الأرض تبشرهم بما أعد الله لهم من العذاب لتكذيبهم بآيات الله وكفرهم به، وعدم إيمانهم بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يبعد أن تكون الدابة من الملائكة إلا أن الله تعالى صورها بصورة دابة من دواب الأرض الموحشة التي ينفر منها الإنسان.
الآية 83
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ (1) فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ 83} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه في يوم القيامة سيحشر من كل أمة فريقاً منهم وهم زعماؤهم وكبارهم الذين كانوا يضلون الناس ويغوونهم، فيوقف أوائلهم حتى يلحق أواخرهم، ثم إنه سيجمعهم في مكان للسؤال والجواب.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم لم يظهر لنا بعدُ التحقيقُ في الأمة هل هم الحاصلون وقت كل نبي، أم أتباع الأنبياء مطلقاً؟ أم أنها محددة بفترة زمنية أم ماذا؟
الجواب: الأمة هي الجماعة من الناس بدليل قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ} [القصص:23]، وقوله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ 159} [الأعراف]، وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم المسلمون الذين آمنوا ودخلوا في دينه بدليل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]، فيشمل المسلمين الأولين ومن يأتي بعدهم من المسلمين إلى يوم القيامة؛ بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ستفترق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة ... )) الحديث. إذا عرفت هذا فالأمة هي الجماعة التي يجمعها أمر ديني أو دنيوي قلّت أو كثرت، وسواء طال زمان اجتماعهم على ذلك الأمر الجامع أم قصر.
الآية 84
حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 84} فإذا اجتمع هؤلاء سألهم الله تعالى عن التكذيب بآياته هل لأنهم لم يعلموها ولم يتحققوا معانيها أم أفعالهم الردية هي التي قادتهم إلى ذلك فلم يعملوا بما جاءتهم به الأنبياء والرسل، فعند ذلك لا يستطيعون ولا يهتدون إلى جواب يخلصون به أنفسهم عند الله سبحانه وتعالى وذلك قوله تعالى:{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ 85}
الآية 85
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ
📝 التفسير:
{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ 85} فلم يحيروا جواباً، ولم يجدوا ما يجيبون به سؤال ربهم، وحق عليهم العذاب بسبب كفرهم.
الآية 86
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 86} ألم ينظر المشركون إلى صنيع الله سبحانه وتعالى ورحمته بهم إذ جعل لهم الليل ليسكنوا فيه من تعب ما لحقهم في النهار، وجعل لهم النهار يسعون فيه إلى مصالحهم ومعايشهم وأرزاقهم؟ فإن في ذلك آية لهم لو كانوا يعقلون، ثم أخبر الله تعالى عن واقع حال المكذبين بأنهم لن ينتفعوا بذلك، وأنه لا ينتفع بآياته إلا المؤمنون.
الآية 87
وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ (1) يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ 87} يذكِّرُهم الله سبحانه وتعالى بيوم الحشر والنشر وهو يوم النفخ في الأموات وإعادة الأرواح إلى الأجساد، فأخبر أنه سيحيي كل من خلق في السماوات والأرض (2).
وقد أراد بذلك النفخة الأولى عندما يميت الله تعالى كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله تعالى عدم موته من الملائكة (3)، وذلك أن الله تعالى سوف ينفخ نفختين: الأولى لإماتتهم، والثانية لحشرهم ونشرهم، وأن كل من في السماوات والأرض سوف يأتونه صاغرين مستسلمين ومنقادين.

__________
(1) - سؤال: علام انتصب «يوم»؟
الجواب: انتصب بفعل محذوف تقديره: اذكر يوم.
(2) - سؤال: يقال: إذاً فما يكون المراد بـ {مَنْ شَاءَ اللَّهُ}؟ وهل من الممكن أن نقول: بأن الاستثناء لا يراد به إلا المبالغة في إحكام الباري تعالى للسيطرة في ذلك اليوم كما قلنا في آية الأنعام: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... } [الأنعام:128]؟

الجواب: ذكر الله تعالى في آية أخرى النفخة الأولى والنفخة الثانية، ولم يذكر الله تعالى في هذه الآية إلا النفخة الأولى واكتفى عن ذكر النفخة الثانية بقوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ 87}، ونحن ذكرنا في التفسير المعنى المقصود من النفختين الذي هو الحشر والبعث، ويصح أن يقال: إنه لا يراد بالاستثناء إلا بيان عظمته واستيلاء سلطانه ونفاذ أمره فيما يريد، أي: أنه لا حدود لنفاذ مشيئته وإرادته فيما يريد، وقد يكون هذا هو الأولى، والله أعلم.

(3) - سؤال: من فضلكم هل من دليل على عدم إماتة بعض الملائكة؟ وما السر في عدم إماتتهم؟ ومتى سيموتون؟ وكيف يتصور النفخ في صور الأجساد إذا كانت لإماتتهم وهم أحياء؟
الجواب: الدليل هو ما جاء في هذه الآية من الاستثناء، والعلة في عدم إماتتهم هو تكريمهم وتشريفهم وتمييزهم بذلك عن المخلوقين، وسيميتهم فيما بعد. هذا، ويمكن هنا وجه آخر في الاستثناء هو أن الاستثناء من الفزع دون الموت، أي: أن المخلوقين يفزعون إلا من شاء الله. والنفخ: هو عبارة عن إماتتهم بسبب أو بغير سبب.
الآية 88
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ (2) اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ 88} أخبر الله تعالى أنه جعل الجبال آية من آياته الدالة على عجيب صنعه وقدرته، وذلك أن الرائي لها يحسبها جامدة وثابتة في مكانها بينما هي تمشي وتجري في سرعة مذهلة، يخبر الله تعالى عن حالها في الدنيا (3).
__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {صُنْعَ اللَّهِ}؟
الجواب: «صنع الله» مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر دلالة السياق أنها في الآخرة، فكيف؟
الجواب: الظاهر أنه انتقل بعد ذكره ليوم القيامة فذكر بعده آية من آيات قدرته وعلمه وحكمته فقال: {وَتَرَى الْجِبَالَ ... } الآية، والدليل أنها في الدنيا قوله في آخر الآية: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فإن ذلك يدل على أنه أراد منا النظر في خلقها وإتقان الله لصنعها، و ... إلخ.
الآية 89
مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
📝 التفسير:
{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ 89} من عمل الأعمال الصالحة في الدنيا فسيجازيه الله تعالى أضعافاً مضاعفة يوم القيامة، وأهل الأعمال الصالحة هؤلاء سوف ينجيهم الله تعالى من أهوال يوم القيامة وأفزاعها، فهم في أمن وأمان وطمأنينة (1).
__________
(1) - سؤال: يقال: وكيف يجمع بين هذا وبين حديث المجموع: ((وإن لها يوم القيامة لصرخة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه من صرختها))؟
الجواب: يمكن الجمع بأن جثو الملائكة والأنبياء والمؤمنين قد كان لا لفزع وخوف بل لأن المقام مقام هيبة وتعظيم وأدب مع الله، وانتظار ما يفعله الله بالكافرين وماذا يحل بهم من غضبه ونقمته، فإن الحال تقتضي ذلك وتستدعيه.
الآية 90
وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وَجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 90} (2) وأما من عمل الأعمال السيئة والمعاصي في الدنيا فسوف يكبهم الله تعالى على وجوههم في النار جزاءً على ما عملوه من التكذيب والكفر والتمرد والفسوق والعصيان.
__________
(2) - سؤال: هل قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 90} مقول لقول محذوف في محل النصب على الحال؟ أم منفصل عما قبله فما وجهه؟
الجواب: نعم، هي مقول لقول محذوف في محل نصب على الحالية، أي: مقولاً لهم: هل تجزون ... ، وليس منفصلاً عما قبله.
الآية 91
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ (3) رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} (4)هذا من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمره الله تعالى أن يقوله للمشركين، وأن الله تعالى لم يأمرني بعبادة الأصنام. والبلدة المحرمة هي مكة التي جعلها حرماً آمناً.
{وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} (1) وأن يخبر المشركين بأن كل ما في السموات والأرض فهو لله تعالى وحده.
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 91} وأن يخبرهم بأن الله تعالى قد أمره أن يكون من المنقادين له والمطيعين له.
__________
(3) - سؤال: ما إعراب المصدر: {أَنْ أَعْبُدَ}؟ وهل قوله: {الَّذِي حَرَّمَهَا} وصف لرب؟
الجواب: المصدر في محل جر بباء محذوفة أو منصوب بنزع الخافض، و «الذي» صفة لرب.
(4) - سؤال: هل هناك سر في حذف الأمر في هذه الآية بـ «قل» كما في أخواتها؟

الجواب: السر هو الإيجاز لا غير، والله أعلم.

(1) - سؤال: هل هذه الجملة معطوفة على جملة الصلة كما يظهر أم أنها مستأنفة؟
الجواب: الواو للحال وليست عاطفة، وجيء بهذه الجملة الحالية للاحتراس، أي: لئلا يتوهم أنه رب البلدة لا رب غيرها.
الآية 92
وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ
📝 التفسير:
{وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} (2) ويخبرهم أيضاً بأن الله تعالى قد أمره أن يتلوا عليهم القرآن إن أرادوا أن يهتدوا بهديه، ويعملوا بأحكامه، ويرتدعوا عن الشرك والمعاصي التي هم فيها.
{فَمَنِ اهْتَدَى (3)فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فمن اهتدى بهدي القرآن واستجاب لآياته فلن ينفع بذلك إلا نفسه.
{وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ 92} وأما من بقي على كفره وضلاله، ورَفَضَ الاستماع لآياته، فأخبرهم يا محمد أنك لست إلا مبلغاً، وأخبرهم أنك لست مكلفاً بإدخالهم في الهدى حتماً، فوبال ضلالهم راجع عليهم.

__________
(2) - سؤال: هل لا زال الحصر شاملاً لمدلول هذه الآية؟
الجواب: الحصر متناولاً أيضاً لمضمون هذه الآية؛ لظاهر العطف، وذلك أن قريشاً استنكرت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين عبد الله وحده ودعا إلى عبادته وحده، وحين دعا إلى الإسلام ونبذ دين الشرك، وحين تلا عليهم القرآن ودعاهم إليه، أي: إنما أمرني بهذه الأمور الثلاثة لا بغيرها مما تدعوني إليه؛ من عبادة غير رب هذه البلدة، ومن الدخول في دين المشركين، ومن ترك تلاوة القرآن؛ فالقصر قصر قلب حين اعتقدوا أن الدين الحق هو دينهم دين الشرك وعبادة الأصنام.
(3) - سؤال: هل في هذه الجملة مع قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} رائحة دلالة على أنه لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم ظن التأثير؟

الجواب: نعم، فيها ما يدل على أنه لا يجب تغيير المنكر باليد عند العجز عن تغييره باليد، أما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان فتدل الآية وما قبلها على وجوب بيان الحق والدعوة إليه، فإن قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} دليل على ذلك.
الآية 93
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} وأمره الله سبحانه وتعالى بأن يحمد الله تعالى على إتمام تبليغه حججه وآياته.
{سَيُرِيكُمْ (1) آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 93} (2) وأن يخبر المشركين بأن الله تعالى سيريهم بيناته وحججه وأنهم سيعرفونها غير أنهم سيعرضون عن قبولها وعن الاستماع إليها، ولكن الله تعالى سيجازيهم على ذلك فهو مطلع على جميع أعمالهم ما ظهر منها وما خفي، وما صغر وما كبر، لا تخفى عليه خافية.
__________
(1) - سؤال: ما الوجه في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟
الجواب: الجملة هذه هي من ضمن مقول القول الذي في قوله فقل الحمد لله، وفصلت لأن الجملة الأولى «الحمد لله» إنشائية، وجملة «سيريكم» خبرية فبين الجملتين كمال الانقطاع.
(2) - سؤال: علام عطفت جملة: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} إن كانت عاطفة؟ وإلا فما هي؟ وما المناسبة في كون هذه الآية الكريمة خاتمة لهذه السورة المباركة؟
الجواب: الواو اعتراضية، والجملة بعدها معترضة كما يسميها الزمخشري، أي: أن الجملة شبه مؤكدة لما سبقها، ومن البديع في هذه الآية أنها تشعر بنهاية السورة وتمامها، وذلك من حيث أن الحمد لله المأمور به النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل على تمام النعمة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث أن الله قد أعانه على تبليغ ما أمره بتبليغه من الآيات لقومه، وأدى ما وجب عليه، ولم يبق إلا أن يحمد الله على ذلك.