القرآن الكريم مع التفسير

سورة النساء

آية
إجمالي الآيات: 176 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
📝 التفسير:
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} كانوا إذا جمعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمرهم قالوا: نحن مستعدون ومطيعون وسنفعل وسنفعل.
{فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ} أي: خرجوا.
{بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} قالوا كلاماً غير ذلك الذي قالوه عندك من الالتزام بما أمرتهم من الطاعة.
{وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} (1) وسيجازيهم على نفاقهم.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلا تؤاخذهم، وتَجَاهَلْهم، وعاملْهم يا محمد مثلما تعامل المسلمين والله سيؤيد دينه وسينصره.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} والجأ إلى الله وهو الذي سينصرك، فلا تهتم لكيد المنافقين فالله كافيك كيدهم. {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا 81} فمن توكل عليه كفاه.

__________
(1) - سؤال: ما معنى التبييت؟ ومن هو فاعل «تقول» هل النبي أو الطائفة؟
الجواب: التبييت من البيتوتة وهي: الجلوس في البيت ليلاً، وذلك أصلح للتفكير العميق، وأجود للوصول إلى الرأي المناسب. وفاعل تقول هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الطائفة، فالكلام محتمل للأمرين، ويجوز تقدير أيهما، والتفسير جاء على أن الطائفة هي الفاعل.
الآية 82
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
📝 التفسير:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} استنكر الله تعالى على المنافقين إعراضهم عن التدبر للقرآن، فلو أنهم نظروا فيه وتدبروه لزالت عنهم الشكوك، ولذهب الريب، ولتبين لهم الحق واستوضحوا سبله.
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا 82} لو كان القرآن من عند غير الله -أي: من كلام البشر- لوجدوا فيه اختلافاً في البلاغة من سورة لسورة ومن آية لآية كما هو المعروف في كلام العرب وقصائدهم، فترى أجود قصائدهم تختلف أبياتها في البلاغة، وقد لا يكون في القصيدة من أشعارهم إلا بيت أو بيتان أو ثلاثة تكون بليغة وبديعة وسائر القصيدة بخلاف ذلك، وتشتهر القصيدة بسبب تلك الأبيات القليلة (بيت القصيد)، أما القرآن فبلاغة آياته في أعلى درجات البلاغة لا تختلف بلاغته من آية لآية ولا من سورة لسورة، وهكذا فإن معانيه وأخباره لا تختلف ولا تتناقض؛ فلماذا لا تنظرون فيه وتدبرونه حتى تستيقنوا أنه كلام الله.
الآية 83
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} إذا خرجت سرية للمسلمين أو نحوها- قاموا بالإرجاف في المدينة، وتخويف الناس، وأنه قد حصل على المسلمين، وحصل ... ، وحصل (1) ...
{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: الخبر هذا الذي أذاعوه لو تركوه للرسول ولأهل البصائر (1) - لعرفوا كيف مصدر الخبر هذا ومصداقيته.
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا 83} يُذَكِّر الله المسلمين: لولا فضل الله عليكم، وإرساله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليكم يعلمكم شرائع دينكم- لكنتم في الشرك والكفر، والجهل والضلال (2).

__________
(1) - سؤال: هذا في أمر الخوف، فكيف يرجفون في أمر الأمن؟
الجواب: قد يترتب على إذاعة أمر الأمن بعض التراخي، ويحصل ترك شيء من الحذر والاحتياط.
(1) - سؤال: هل يصح أن يحمل معنى الآية: لعلم أهل البصائر المصلحة فيُنشَر الخبر، أو علموا المفسدة فلا ينشر؟
الجواب: يصح ذلك وهو مراد ومقصود في الآية.
سؤال: هل يؤخذ من الآية لزوم استشارة العلماء وأهل البصائر حتى في أبسط الأمور كنشر الخبر أو كتمه؟
الجواب: يؤخذ من الآية لزوم ذلك فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، وما له دخل في سياسة سلطانهم ورجال دولتهم، وفيما يتعلق بعلماء الدين وعظماء المسلمين، ونحو ذلك.
(2) - سؤال: هل يصح أن يحمل فضل الله ورحمته على عدم مؤاخذتهم على الأغلاط التي ارتكبوها، نحو الإرجاف ونشر الأخبار؟
الجواب: يجوز أن يكون فضل الله كما ذكرتم، ولا مانع منه، بل ولا مانع من تفسيرها بالأمرين جميعاً.
الآية 84
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا
📝 التفسير:
{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} فقاتل يا محمد فلست مسؤولاً إلا عن نفسك؛ فإذا أمرك الله بالقتال فقاتل؛ خرج معك من خرج، والله هو الذي سيؤيد دينه وينصره، أما أولئك المنافقون فما ضروا إلا أنفسهم.
{وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} وحثهم على القتال.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} فالله هو الذي سيمنع قوة الكافرين وبأسهم وقتالهم، ولا حول لكم أيها المؤمنون ولا قوة إلا بقوة الله وتأييده ونصره (1).
{وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا 84} أي: أشد صولة وأعظم سلطاناً من المشركين وأبلغ تعذيباً، فتوجهوا بطاعتكم إليه وأسندوا ظهوركم إليه واعتمدوا عليه فقوته فوق كل قوة، والتنكيل: المبالغة في التعذيب بما يحصل معه الزجر للغير والاعتبار.
__________
(1) - سؤال: أحفظ عن الإمام زيد أن كلمة «عسى» في القرآن للإيجاب والقطع لا للترجي، فما وجهة نظركم في ذلك؟
الجواب: الأمر كما روي عن الإمام زيد عليه السلام، فهي من الله تعالى وعد صادق لا يخلف الله الميعاد.
الآية 85
مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا
📝 التفسير:
{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} فمن سعى في عمل خير لينفع به الناس بحيث يكون واسطة في ذلك حصل له قسطه من الثواب حتى أنه لو دل عليه فقط وغيره هو الذي عمله- لحصل له ثوابه.
ومن سار في مضرة على المسلمين وسعى فيها، ولو لم يفعل شيئاً- لحصل له قسطه من العذاب، والنصيب والكفل معناهما واحد.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا 85} (2) شهيداً على كل شيء وحسيباً ورقيباً يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وسيلقى كل مكلف جزاء عمله.
_________
(2) - سؤال: هل يصح أن نفسر قوله: «مقيتا» بالمقتدر أو الحفيظ؟
الجواب: فسرها الزمخشري بقوله: مقيتاً: شهيداً حفيظاً، وقيل: مقتدراً.
الآية 86
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا 86} فإذا أكرمك أحد بكرامة (3)
فجازه بمثلها أو بأكثر منها، وفسروها بأنه إذا قيل لك: السلام عليكم، فرد بـ (عليكم السلام ورحمة الله وبركاته) أو بـ (عليكم السلام)؛ بمثلها أو بأحسن منها.
_____
(3) - سؤال: من فضلكم ما وجه حملها على الكرامة أو الهدية مع السلام؟

الجواب: من حيث أن الآية دلت على مقابلة الإحسان بالإحسان أو أحسن منه، ومقابلة التحية بالتحية أو بأحسن منها هو الأصل، وألحق بها غيرها من وجوه الإحسان {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ 60} [الرحمن].
سؤال: من أين أخذ أن الابتداء بالتحية سنة فقط؟
الجواب: الآية دليل على وجوب الرد، ولم يرد دليل على وجوب ابتداء السلام أو التحية، والأصل عدم الوجوب.
سؤال: هل «صباح الخير» ونحوها تحية شرعية أم لا؟
الجواب: الآية مطلقة تصدق على ما يسمى تحية، سواء كانت شرعية أم عرفية.
الآية 87
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
📝 التفسير:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا 87} (1) فسيجمع الله المؤمنين والمنافقين وأهل الكتاب والمشركين يوم القيامة، وسيحكم بينهم، وسيأخذ كل امرئ جزاءه، ولا بد أن يقع هذا، لا ريب فيه ولا شك.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب «حديثاً»؟
الجواب: حديثاً: منصوب على أنه تمييز لوجه نسبة الصدق إلى الله.
الآية 88
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
📝 التفسير:
كان هناك منافقون خارج المدينة قد أسلموا في مكة وأبوا أن يهاجروا، وهم متمكنون من الهجرة، وهم غير المنافقين الذين كانوا في المدينة، وقد اختلف المسلمون في أمرهم فناس يقولون بأنهم مؤمنون، وناس يقولون إنهم منافقون فقال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} (2) ما لكم اختلفتم في المنافقين إلى فئتين؟ استنكر الله عليهم ذلك الاختلاف، ولماذا لا تكون الكلمة واحدة، ويقولون جميعاً إنهم منافقون، وهم كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} وقد تركهم الله في الكفر بسبب ذنوبهم، وأصل الركس: رد الشيء مقلوباً إلا أنا فسرناه بتركهم في الكفر ليتناسب مع عظمة الله وقدسيته؛ لأنه لا يرضى الكفر ولا يريده.
{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} أتنسبونهم إلى الهدى وهم ضالون، ولو كانوا مؤمنين لبادروا إلى طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا 88} فمن حكم الله عليه بأنه ضال ومنافق- فلن تجد له طريقاً إلى الهدى (1).
__________
(1) - سؤال: يقال: قد يستدل أهل الجبر بهذا لعدم خروج أربابه من الضلال فكيف نرد عليهم؟
الجواب: هذه الآية مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 6} [البقرة]، فأخبر الله عن الذين كفروا أنهم لا يؤمنون لعلمه بأنهم لن يزالوا مصرين على الكفر والتمرد، وعلم الله تعالى لا تأثير له في إصرارهم على الكفر؛ لذلك فحكم الله الذي ذكرناه يراد به الإخبار عن الضالين بأنهم لن ينفكوا عن ضلالهم، وليس لعلم الله تعالى تأثير في ضلالهم وإصرارهم، وليس حكمه تعالى بضلالهم إلا الإخبار بأنهم لا ينفكون عنه ولن يخرجوا منه، لإصرارهم وعنادهم وتمردهم وقساوة قلوبهم.
(2) - سؤال: لو تكرمتم بإعراب المقطع كاملاً: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}؟
الجواب: «ما لكم» ما: مبتدأ، لكم: جار ومجرور خبر. و «فئتين» حال من الضمير في لكم، والعامل فيه متعلق الجار والمجرور. و «في المنافقين»: جار ومجرور متعلق بـ «فئتين» لأنه في قوة: افترقتم.
الآية 89
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
📝 التفسير:
{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} أي: أولئك المنافقون الذين في مكة يتمنون أن تكفروا وتصيروا مثلهم.
{فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} واعتبروهم أعداءً حتى يلحقوا بكم إلى المدينة مهاجرين.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} وأبوا الهجرة؛ {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 89} فلا زالوا كفاراً لم يسلموا فاقتلوهم (2).
__________
(2) - سؤال: يقال: بأن في الآية دليلاً على قتل المنافقين؟ فمتى طُبِّقَ هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: هذه الآية دليل على قتل الذين أسلموا ولم يهاجروا مع انتفاء الأعذار التي يعذرون بها عند الله، وقد قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ولم يعذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم العباس. أما المنافقون الذين هاجروا فلم يقاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمر بقتالهم؛ لأنهم قد عصموا دماءهم بإظهار الإسلام والهجرة.
الآية 90
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} إلا إذا وصلوا عند ناس بينكم وبينهم صلح فلا تقتلوهم حرمة للعهد الذي بينكم وبين القوم (1).
{أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (2) أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} أو أتوا إليكم مستسلمين ضائقة صدورهم، وقد جبنوا عن قتالكم، وعن قتال قومهم- فاتركوا قتالهم فقد كفيتم شرهم.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} وهؤلاء هم المنافقون؛ لكن الله قد ألقى في قلوبهم الرعب فجبنوا عن (3) قتال المسلمين، وعن قتال الكافرين؛ لأنهم كانوا في الوسط بين الإيمان والكفر.
{فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} استسلموا، وقالوا: لسنا مقاتلين لكم، {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا 90} فاتركوهم لشأنهم ولا تتعرضوا لهم بما يؤذيهم من قتال أو غيره.
__________
(1) - سؤال: هل يمكن أن يكون هذا دليلاً على أن المصلحة تترك إذا عارضتها مفسدة راجحة، فقتلهم مصلحة لكنه عارضه نقض العهد وهو مفسدة ظاهرة؟
الجواب: الأمر كذلك، وفي الآية ما يدل على ذلك.
(2) - سؤال: ما إعراب: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ}؟
الجواب: حصرت صدورهم: فعل وفاعل، و «أن» وما دخلت عليه: في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: عن مقاتلتكم، وجملة «حصرت صدورهم» في محل نصب حال مع تقدير «قد».
(3) - سؤال: كيف يتأتى التسليط من الله للمنافقين على المسلمين؟
الجواب: جعل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين هيبة في صدورهم وفي صدور غيرهم، والتسليط يكون بنزع الهيبة من صدورهم من غير أن يؤيدهم بنصره ويمدهم بمعونته؛ لأن الله تعالى لا يحب الكفر والكافرين.
الآية 91
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا
📝 التفسير:
ثم خاطب الله المسلمين فقال: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} من هؤلاء المنافقين {يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} يريدون أن تتركوهم وكذلك يريدون أن يتركهم قومهم أيضاً.
{كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} كلما دُعُوا إلى الشرك أشركوا؛ لأن إيمانهم كان ضعيفاً، ومعنى «أركسوا فيها»: انقلبوا في الفتنة شرَّ منقلب.
{فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} أي: هؤلاء القوم إن لم يعتزلوا قتالكم.
{وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} ولم يأتوا إليكم مستسلمين.
{وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} فأينما وجدتموهم فاقتلوهم.
{وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا 91} فقد سلطناكم عليهم فاقتلوهم، والسلطان المبين هو: ما جعل الله تعالى للمؤمنين من الحجة الواضحة في أخذهم وقتلهم.
الآية 92
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} (1) ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً، ولا يُتَوَقع ذلك منه ولا يتأتى؛ لأن المؤمنين إخوة، ودم المسلم على المسلم حرام إلا على جهة الخطأ.
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} فإذا حصل قتل الخطأ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} يعتقها القاتل كفارة لذلك.
{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} إلا إذا سامحوا وعفوا عنها.
{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} إذا قتل المسلم مسلماً على سبيل الخطأ لكن ذلك المسلم المقتول لا زال بين الكفار، ولا زال أهله كفاراً لا يصح أن يعطيهم الدية لأجل كفرهم- فيكفي تحرير رقبة مؤمنة وتسقط الدية.
{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} عهد وصلح وسلم، ولو كان من اليهود أو من النصارى أو من المشركين.
{فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فأما هؤلاء فلا بد من الدية وتحرير رقبة مؤمنة؛ لأجل العهد الذي بيننا وبينهم، ولأجل حرمة العهد والميثاق؛ لأن دمه قد صار محرماً بسبب العهد.
{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} رقبة يعتقها كما في وقتنا هذا.
{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} لا بد من التتابع بدل الرقبة.
{تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 92} (1)
شرع الله هذا الشرع وأمرهم بهذا لأجل حكمة في ذلك منه جل وعلا؛ لأنه عليم حكيم فهو عالم بما يصلح عباده؛ لأن الفاعل على هذا الوجه إذا علم ما الذي سيحصل عليه إن فعل ذلك- تحرز عن الأسباب التي يحصل قتل الخطأ بسببها كتخفيف السرعة في السيارات مثلاً وغير ذلك.


__________
(1) - سؤال: مم استثني قوله: «إلا خطأً»؟
الجواب: قد أعربوا ذلك على وجوه منها: أن الاستثناء مفرغ فيكون المستثنى منه مقدراً محذوفاً.
سؤال: هل يصح أن يحمل على ما قال أهل العربية: «ولا خطأ»؟
الجواب: إذا أمكن حمل ذلك على وجه قوي في اللغة فلا ينبغي العدول عنه إلى وجه ضعيف، وقد أمكن هنا الإعراب على وجه قوي.
سؤال: ما فائدة التعبير بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ... } إلخ؟
الجواب: في هذا التعبير تأكيد لمنع المؤمن ونهيه عن قتل مؤمن، وجاء التأكيد من دخول «كان».
- وفيه أن قتل المؤمن منافٍ للإيمان.
(1) - سؤال: ما الوجه في جعلها توبة مع أنه خطأ؟ وعلام نصب «توبة»؟
الجواب: هذه التوبة ليست من حصول القتل خطأً؛ لأن الخطأ معفو عنه، وإنما هي من التقصير في التحرز والاحتياط والتثبت والتحقق، فمثلاً السرعة وإن كانت مباحة إلا أنها لا تجوز إلا بشرط أن لا يترتب عليها الإضرار بأحد، فإذا حصل بها إضرار بأحد فقد تحقق ترك التحرز. وتوبة: مصدر منصوب مؤكد لما تضمنته الآية من تحديد الكفارة وأنواعها التي أوجبها الله تعالى على قتل الخطأ.
سؤال: ما الوجه لأهل المذهب في إيجاب الكفارة على المباشر دون المسبب؟

الجواب: الوجه أن المسبب ليس قاتلاً في الحقيقة فإذا وضع رجل حجراً في الطريق أو حفر حفرة فيها فتسبب ذلك في انقلاب سيارة وموت صاحبها، فإن صاحب السيارة هو الذي وقع في الحفرة بفعله، وصدم الحجر بفعله، فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة والواقع.
الآية 93
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93} عظّم الله تعالى في هذه الآية إثم قاتل المؤمن عمداً، وبيَّن فيها شدة غضب الله عليه وما يستحق من العذاب العظيم الخالد في نار جهنم؛ فهذا لا كفارة عليه؛ لأنه قد خرج من ولاية الله، واستحق غضب الله وسخطه.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} خاطب الله المؤمنين إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله ولقتال المشركين- فلا تقتلوا أحداً حتى تتبينوا وتتثبتوا حتى لا تقتلوا أحداً، ثم ينكشف أنه كان مؤمناً.
الآية 94
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (1) لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ (2) عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} إذا أقبل أحد إليكم يريد الإيمان، فلا تقولوا: إنه إنما أقبل إلينا خوفاً منا أن نقتله ونأخذ أمواله، وإنه لم يؤمن حقيقة، وإنما آمن خوفاً من القتل؛ فاقبَلُوا منه ولو كان إنما يقول ذلك نفاقاً؛ كأن ينهزم المشركون مثلاً وبقي منهم ناس بأموالهم لم يفروا وآمنوا- فاقبلوا منهم، ولا تقولوا إنهم إنما آمنوا للسلامة من القتل.
ومثل ما حصل من أسامة بن زيد بن حارثة حين قتل رجلاً وكان قد قال قبل أن يقتله: لا إله إلا الله؛ فقال أسامة بن زيد: إنما قالها خوفاً من السيف، فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وقال: ((هل فتشت على سويداء قلبه، فكيف وقد قال: لا إله إلا الله؟!!)) فإذا قد نطقها فكف عنه، ولو لم يقلها إلا ليدفع عن نفسه.
{فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} فسوف يعطيكم الله من عنده فلا تفعلوا وتقتلوا هذا الذي قد قال: لا إله إلا الله؛ لأجل تغنم أمواله.
{كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} (1) كنتم مشركين مثلهم ولم تدخلوا في الإسلام إلا بقولكم: لا إله إلا الله، ولم تحصنوا أموالكم وأنفسكم إلا بها.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم إذا بعث سرية أو نحوها للغزو بأنهم إذا مروا بأهل قرية فلا يبيتوهم، وأن يتريثوا علهم يسمعون أذاناً أو شيئاً يدل على إسلامهم، ويتبينوا حتى يتضح لهم أمرهم.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 94} عالم بأعمالكم مطلع على نواياكم؛ فأطيعوا الله في السر والعلن.

__________
(1) - سؤال: هل معنى إلقاء السلام: الاستسلام؟
الجواب: المعنى هو الاستسلام والانقياد، ويجوز أن يراد به تحية الإسلام وهي: السلام عليكم؛ لأنها قرينة وأمارة على إسلام قائلها.
(2) -سؤال: ما الذي يبتغون من عرض الدنيا بقتلهم للمستسلم؟
الجواب: يبتغون بقتله تغنم ماله.
(1) - هل يصح أن تحمل الآية على أنهم كانوا مثلهم في أنهم إنما أسلموا استسلاماً وخوفاً من القتل؟
الجواب: يصح أن تحمل الآية على أنهم كانوا مثلهم في أن بعضهم إنما أسلموا خوفاً من القتل، وبعضهم أسلم طوعاً، وصار الجميع مسلمين بالنطق بالشهادتين.
الآية 95
لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي (2)الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية لا يبعث الناس جميعاً، وإنما يترك أناساً منهم لئلا يترك المدينة بغير من يحميها، فقال: ليس سواء من يخرج للقتال، ومن يقعد بل يفضل الله {الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وهم جميعاً من أهل الصلاح عند الله، والمثوبة عند الله، ولم يدعُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس جميعاً للغزو إلا في يوم أحد، وجيش العسرة في غزوة تبوك، وأما بقية الغزوات فلم يَدْعُ إلا بعضهم لا جميعهم.
{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 95} غير المعذور أما المعذور فأجره كأجر المجاهد إذا كان لم يمنعه إلا عذره من الخروج.
الآية 96
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{دَرَجَاتٍ (1) مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 96} فهم مفضلون درجات على أولئك القاعدين ولهم مغفرة ورحمة ليس للقاعدين مثلهما.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب «درجات»؟
الجواب: «درجات» بدل من «عظيماً» في قوله: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 95}.
الآية 97
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} تحدث الله عن أولئك المؤمنين الذين امتنعوا عن الهجرة ومكثوا في مكة، وسماهم بقعودهم ظالمين لأنفسهم؛ إذا كان قعودهم لغير عذر، وإنما أقعدهم ضعف الإيمان؛ لأن الله كان قد أمر المؤمنين بالهجرة من مكة عن بكرة أبيهم إلا أهل الأعذار- فقعد ناس منهم وليسوا من أهل الأعذار؛ فإذا توفتهم الملائكة ولم يهاجروا بعد فستسألهم الملائكة: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ (2)
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} أي: سوف يعتذرون بهذا العذر، فتقول لهم الملائكة: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} فتفروا بدينكم من بين أظهر المشركين.
{_____
(2) - سؤال: أين خبر: «إن الذين ... »؟
الجواب: الخبر محذوف أي: هلكوا، وجملة: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} تبين المحذوف.
سؤال: من فضلكم ما معنى: {فِيمَ كُنْتُمْ} تبعاً للإعراب؟

الجواب: المعنى: في أي شيء كنتم، والمراد به التوبيخ. وفيم: جار ومجرور خبر لكان مقدم، وضمير المخاطبين المتصل اسمها.
الآية 98
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا 97 إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا 98} إلا هؤلاء الذين هم ضعاف ولا يعرفون طريقاً، ولا يهتدون لها، ويهلكون لو خرجوا بسبب خروجهم، ولا يدرون إلى أين يأوون، فهم معذورون عن الهجرة (1).
والهجرة واجبة في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده، ولها تفاصيل؛ إذا خاف المكلف الفتنة على دينه فتجب، أو أن يرغمه أحدٌ على معصية فتجب.
__________
(1) - سؤال: ما رأيكم في قول أصحابنا بوجوب الهجرة مع عدم الاستطاعة للنهي عن المنكر بالفعل؟
الجواب: قد يكون المراد بوجوب الهجرة الانتقال من حيث يوجد المنكر إلى مكان آخر كما في الحديث: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل))، أما مع عدم الاستطاعة على الهجرة من الدار الكافرة أو العاصية فقد عذر الله تعالى أهل الأعذار الحقيقية في الآية السابقة واستثناهم من الوعيد: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا 98 فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا 99} [النساء]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
سؤال: ما رأيكم في مثل زماننا هل يصبح الإنسان من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟

الجواب: لا يجوز حضور المنكر ومشاهدته في كل زمان ومكان، وقد كان الحسنان وعلي بن الحسين وأهل البيت في المدينة في عهد دول بني أمية ولم يخرجوا منها، وكان كثير من أئمة أهل البيت وعلمائهم متخفين في الأمصار التي كانت الدول الظالمة تحكمها بسلطانها، مما يدل على أن الهجرة لا تجب من ديار المسلمين، ولكن بشرط أن لا يحضر المسلم مواضع المنكر، أو أن يحمل على عمل معصية، أو قول باطل، أو أن يكون في عدم هجرته خذلان الحق والمحقين.
الآية 99
فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا
📝 التفسير:
{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا 99} أي: هؤلاء المستضعفون هم من أهل الرخصة، وقعودهم عن الهجرة معفو عنه.
الآية 100
وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} (1) يؤمنهم الله تعالى من الضياع؛ لأن بعضهم كان يدور بفكره أنه إذا خرج من مكة سوف يضيع وسيلحقه فقر وحاجة فأمنهم الله تعالى بأن من خرج مهاجراً سوف يجد ما يرغم به أنوف أعدائه من الرزق والسعة وحسن المعيشة.
{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 100} سوف يكتب الله له ثواب المهاجرين، نزلت في رجل كان قد سمع الأمر بالهجرة، وكان مريضاً؛ فأبى إلا أن يخرج، فحملوه على ناقته؛ فما لبث أن مات بعدما خرج من مكة؛ فنزلت.
__________
(1) - سؤال: هل تشمل كل من خرج من بلاده لطلب علم أو إرشاد أو فراراً بدينه؟
الجواب: ظاهر الآية يشمل كل من خرج من بلاده وبيته لعمل صالح يرضي الله: طلب علم، أو إرشاد، أو إصلاح بين الناس، أو قضاء حاجة مسلم، أو صلة رحم، أو ما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة.