القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأعراف

آية
إجمالي الآيات: 206 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 81
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ
📝 التفسير:
{وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ 80 إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً (1) مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ 81} أرسل الله سبحانه وتعالى لوطاً (2) عليه السلام إلى قومه فأنذرهم سوء أعمالهم التي يعملونها والتي لم يسبق أن فعلها أحد من العالمين؛ لشدة فحشها وقبحها، وهو اللواط، فقد انتشر بينهم بشكل عام، وقد أسرفوا وتجاوزوا الحد في الكفر والعصيان.
__________
(1) - سؤال: ما محل جملة {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ}؟ وما إعراب {شَهْوَةً}؟ وبماذا تعلق {مِّن دُونِ النِّسَاء}؟
الجواب: لا محل لجملة: {مَا سَبَقَكُم ... } لأنها مستأنفة لبيان شدة القبح وتأكيده، و «شهوة» مفعول من أجله منصوب، و {مِّن دُونِ النِّسَاء} حال من فاعل «تأتون» أي: متجاوزين النساء، وهو متعلق بمحذوف.
(2) -سؤال: هل تريدون أن «لوطاً» مفعول لفعل محذوف، أم معطوف على ما قبله؟
الجواب: يجوز أن يقدر الفعل فيكون من عطف الجمل، ويجوز أن يعطف على: «نوحاً» فيكون من عطف المفردات، ثم إنه يجوز أن ينتصب بـ «اذكر» محذوفاً أي: واذكر لوطاً إذ قال لقومه ...
الآية 82
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ (3)
إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ 82} كان قوم لوط عليه السلام يتراودون فيما بينهم ويتآمرون على نبي الله لوط عليه السلام بأن يطردوه من بينهم هو وأهله؛ لأنهم كانوا يتنزهون عن أعمالهم هذه القبيحة.
__________

(3) -سؤال: يقال: ما الوجه في جعل قوله: {جَوَابَ قَوْمِهِ} الخبر لـ «كان» مع أن قولهم: {أَن قَالُوا} يصح أن يكون محطاً للفائدة؟

الجواب: الوجه في ذلك أنه لم يكن لهم جواب على لوط أصلاً فيما دعاهم إليه من ترك الفواحش بل فاجأوه بالأمر من بعضهم البعض بطرده من بلدهم وإخراجه من بينهم، فأخبر الله تعالى بأن قولهم هذا هو الذي صدر عنهم وسماه جواباً -وإن لم يكن جواباً- على سبيل قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب
وقوله: ... تحية بينهم ... ضرب وجيع

ولما لم يصدر منهم جواب أصلاً وصدر منهم قول صح أن يجعل القول المعلوم موضوعاً «مبتدأ» ليبني عليه الخبر.
الآية 83
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ
📝 التفسير:
{فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ 83} (1) أنجاه الله سبحانه وتعالى وأهله إلا امرأته؛ لأنها كانت كافرة فأهلكها الله معهم.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما إعراب جملة: {كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ 83}؟ وما هو الغابر لغة؟ وكيف معناها في الآية؟
الجواب: {كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ 83} مستأنفة جواب عن سؤال نشأ من استثناء المرأة كأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين، والغابر: الباقي، والمعنى: كانت من الذين بقوا فهلكوا.
الآية 84
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
📝 التفسير:
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ 84} (2) أمطر الله سبحانه وتعالى على قرى قوم لوط حجارة من السماء، وقلب (3) الله سبحانه وتعالى عاليها سافلها، وأما الذين كانوا بعيداً منهم عن بيوتهم فقد رماهم الله سبحانه وتعالى بالحجارة وأبادهم جميعاً، وهذه القرى هي في بلاد الأردن.
__________

(2) - سؤال: ما إعراب: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ 84}؟
الجواب: كيف: هو خبر كان مقدم، وعاقبة: اسمها، والمجرمين: مضاف إلى عاقبة.
(3) - سؤال: من فضلكم كيف كان قَلْبُه لعاليها سافلها بالتفصيل؟
الجواب: رفع الله تعالى بلادهم من مكانها وقلعها ثم قلبها وردها مكانها وهي مقلوبة فجعل مساكنهم تحت الأرض، وجعل باطن الأرض هو الأعلى، وتماماً كما ذكر الله تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر:74].
الآية 85
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أرسل الله سبحانه وتعالى إلى قبائل مدين شعيباً عليه السلام وهو من نفس قبيلتهم، ومدين (4)
{قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} كانوا يعبدون الأصنام فأنذرهم شعيبٌ، ونهاهم عن عبادة الأصنام، وأخبرهم أنه قد أنزل الله سبحانه وتعالى لهم حجة (1) واضحة على صدق رسالته، وأنه رسول من عند الله سبحانه وتعالى.
{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ (2) وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} (3) كانوا أهل تجارة وبيع وشراء، وبلاد الشام بشكل عام في ذلك الزمان كانت سوقاً تجارياً يقصده الناس من جميع البلاد، فأمرهم أن يوفوا في الكيل والوزن، وأن يعطوا الحق، ولا ينقصوا منه شيئا.
{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 85} أن تكونوا من أهل الوفاء والإصلاح في الأرض هو الأفضل لكم في الدنيا والآخرة من عبادة الأصنام، والفساد في الأرض.
__________
(4) -سؤال: هل لا زال اسم هذه المدينة «مدين»؟

الجواب: الظاهر أن «مدين» اسم للقبيلة سميت باسم جدها وليس اسماً لقريتهم.
(1) -سؤال: يقال: ما هي هذه الحجة والمعجزة على صدق رسالته؟ وهل يصح أن تحمل البينة التي جاء بها على الأمر بإيفاء الكيل؟
الجواب: لم يذكر الله تعالى ما هي المعجزة التي جاء بها شعيب عليه السلام، وليست المعجزة هي الأمر لهم بإيفاء الكيل والميزان؛ لأن الفاء تدل على تقدم المعجزة.
(2) -سؤال: يقال: ما الوجه في تعبيره باسم الآلة «الميزان» بدلاً عن اسم الحدث «الوزن» في الآية الكريمة؟
الجواب: إيفاء الميزان هو أن تضع في كفته من الموزون مقداراً يعادل المقدار الذي في الكفة الأخرى، بحيث تعتدل الكفتان، وبذلك يستوفي الميزان، فإذا نقص عن ذلك لم يكن مستوفياً، ويكون التعبير على هذا مجازاً مرسلاً من باب تسمية الشيء باسم محله والأصل: أوفوا الموزون.
(3) - سؤال: هل نقصان السعر من المشتري على البائع يعد بخساً؟
الجواب: المساومة جائزة فللمشتري أن يدفع للبائع السعر الذي يريد أن يشتري به السلعة، إلا إذا أراد بدفع السعر الناقص أن يبخس السلعة ويوهم الزبائن الحاضرين أن السعر ناقص فإن ذلك يعد بخساً محرماً.
الآية 86
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ (1) وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} كانوا يقعدون للناس في كل طريق، وكل من أراد الذهاب إلى شعيب عليه السلام والسماع منه كانوا يصدونه عن ذلك، ويتوعدونه ويتهددونه بالقتل وغيره، ويمنعونه من الذهاب؛ لأنهم لا يريدون الحق، فيصدونهم عنه إلى الباطل.
{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} اذكروا نعمة الله سبحانه وتعالى عليكم إذ كثركم بعد أن كنتم قليلي العدد.
{وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ 86} اعتبروا بأولئك الذين رفضوا الإيمان والانقياد لأنبيائهم ومكثوا على فسادهم وضلالهم كقوم لوط وصالح وهود وغيرهم كيف كان مصيرهم أن أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم عذابه، واستأصلهم عن آخرهم.
__________
(1) -سؤال: ما محل جملة: {تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ}؟
الجواب: توعدون: في محل نصب حال من فاعل {وَلاَ تَقْعُدُوا}، والجملة التي بعدها معطوفة عليها وحكمها حكمها.
الآية 87
وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
📝 التفسير:
{وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ 87} إذا كان أناس منكم قد آمن، وأناس لم يؤمنوا وظلوا على كفرهم- فانتظروا (2) واصبروا إلى أن ينزل حكم الله سبحانه وتعالى علينا، وهو أن يعذب الكافرين، وينجي المؤمنين.
__________

(2) -سؤال: يقال: ما العلة في أمْرِهم بالصبر بدلاً عن الانتظار؟
الجواب: أمرهم بالصبر لأنه انتظار مع تحمل المشاق والشدائد الشديدة، ففيه الأمر بشيئين، والأمر بالانتظار ليس كذلك.
الآية 88
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} وهم كبار قوم شعيب ورؤساؤهم وزعماؤهم.
{لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} فإما أن ترجع إلى ما نحن عليه، أو لنطردنك ولنخرجنك ومن معك.
{قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ 88} (1) هل تريدون أن نرجع إلى ملتكم، ولو كنا
__________
(1) -سؤال: لو تفضلتم بتفصيل القول في إعراب قوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ 88}؟
الجواب: الهمزة للاستفهام، والواو: واو الحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحالية من ضمير المفعول في قوله: {لَنُخْرِجَنَّكَ} وما عطف عليه.
كارهين للرجوع فيها؟
الآية 89
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
📝 التفسير:
{قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا} (2) لو رجعنا إلى ملتكم لكنا من المفترين على الله سبحانه وتعالى الكذب، فهل تريدون أن نعود إليها وقد نجانا الله سبحانه وتعالى منها، وهدانا إلى الحق؟
{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا} ما ينبغي أن نعود إليها أبداً بعد أن عرفنا الحق والهدى.
{إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا} (3)
إلا أن يشاء الله لنا أن نتقي شركم إذا تهددتمونا بالقتل والعذاب فتكلمنا بما تريدون مما ظاهره الكفر ولا حرج علينا حينئذ لأننا في هذه الحال مكرهون وقلوبنا مطمئنة بالإيمان.
{وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أحاط علمه بكل شيء سبحانه وتعالى.
{عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا} سنصبر على ديننا، وسنتوكل على الله سبحانه وتعالى إلى أن ينصرنا.
{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ 89} دعا نبي الله شعيبٌ عليه السلام ربه بعد أن توكل عليه بأن يحكم بينه وبين قومه بالحق وهو خير الحاكمين، وحكم الله: أن يعذب المبطل وينجي المحق.

__________

(2) -سؤال: ما موضع «إذ» من الإعراب في قوله: {بَعْدَ إِذْ}؟
الجواب: موضعها الجر بالإضافة.
(3) -سؤال: ما إعراب: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ}؟

الجواب: «إلا» أداة استثناء، «أن يشاء الله» أي: إلا حال أن يشاء الله أو وقت، وهذا الاستثناء كما يقال هو مستثنى من أعم عام الأحوال أو الأوقات، أي: ما يكون لنا أن نعود في ملتكم في أي وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله، فعلى هذا فـ «أن يشاء الله» في تأويل مصدر منصوب على نزع الخافض أي: وقت أو حال، أو مجرور بالإضافة المقدرة.
الآية 90
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً (1) لَّخَاسِرُونَ 90} قال أشراف قومه وأعيانهم لأفراد القبيلة: إنكم إذا اتبعتم شعيباً وآمنتم به كنتم خاسرين حينئذ وضائعين.
__________
(1) -سؤال: يقال: ما الوجه في سقوط الفاء من جواب الشرط: {إِنَّكُمْ إِذاً}؟ وما إعرابه؟
الجواب: «إنكم إذاً» ليس جواباً للشرط، وإنما هو جواب للقسم الذي آذنت به اللام وهو ساد مسد جواب الشرط، وإنكم: «إن» الناصبة للاسم، والضمير اسمها، و «إذاً» هي الشرطية، وجملة الشرط محذوفة، والتنوين عوض، والتقدير: إنكم إذا اتبعتموه.
الآية 91
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
📝 التفسير:
{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ 91} عندما طال عصيانهم وتمردهم، ولم تنفع فيهم دعوة نبي الله شعيب، ولا الحجج التي جاءهم بها- عذبهم الله سبحانه وتعالى حينئذ بالرجفة، فبادوا عن آخرهم.
الآية 92
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} (2) وكأن أحداً لم يكن قد عاش في تلك البلاد التي نزل بها عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه.
{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ 92} لقد حق عذاب الله على قوم شعيب الذين كذبوه فأبادهم الله تعالى بعذابه فخسروا الدنيا والآخرة فأصبحوا هم الخاسرين.

__________

(2) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا}؟
الجواب: كأن: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وجملة «لم يغنوا فيها» في محل رفع خبرها.
الآية 93
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ
📝 التفسير:
{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} هاجر من تلك البلاد بعد نزول العذاب بها. {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ 93} قال ذلك تسلية لنفسه، وكان قد داخله الأسى والحزن لما نزل بقومه من العذاب وكان شديد الشفقة عليهم يريد أن يستنقذهم من سخط الله ويردهم إلى رحمته فخاطبهم وهم أموات عندما رأى نزول العذاب بهم: لقد نصحتكم وبالغت في نصحي لكم، وحذرتكم بأس الله وعذابه، فكيف أحزن عليكم وأنتم الذين تسببتم على أنفسكم فيما نزل بكم.
الآية 94
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ 94} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يرسل نبياً إلى أمة إلا ويبتليهم ببلاء شديد من الفقر والجدب والأمراض لعلهم يرجعون ويتضرعون إليه، ومعنى البأساء: الفقر من البؤس، والضراء: الأوجاع والمرض.
الآية 95
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} (1) ثم يبدل الله سبحانه وتعالى السراء والضراء عندما يرفضون الإيمان والرجوع؛ يبدل ذلك بالخير فينزله عليهم.
{حَتَّى عَفَوا} إلى أن يرجعوا إلى حالتهم الأولى (2)
التي كانوا عليها قبل أن يأخذهم بالبأساء والضراء.
{وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء} قالوا: هي عادة الزمان وتقلبه، فتارة يكون الناس في خير، وزماناً في شر، ولم يلتفتوا إلى الله سبحانه وتعالى ويقولوا: إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أبدلهم وغير أحوالهم ولم يشكروه على ذلك.
{فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ 95} (3) يرسل الله سبحانه وتعالى نبيه إلى أمة فيبتليهم بالشر بعدما كانوا في خير لعلهم يرجعون إليه ويدعونه، ثم يبدلهم الله سبحانه وتعالى مكان الشر الخير لعلهم يرجعون إليه ويشكرونه؛ فإذا رفضوا ذلك أخذهم الله سبحانه وتعالى حينئذٍ بالعذاب والسخط، واستأصلهم وأبادهم على حين غرة وهم في أمن وطمأنينة لا يتوقعون أن ينزل بهم عذاب الله.

__________
(1) -سؤال: ما هو إعراب: {مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ}؟
الجواب: الحسنة: مفعول به لـ «بدلنا»، ومكان السيئة: ظرف مكان على معنى «في» لـ «بدلنا» أي: وضعنا الحسنة في مكان السيئة.
(2) -سؤال: من أين أخذنا أن العفو هو الرجوع إلى الحالة الأولى؟

الجواب: في الكشاف عند تفسير هذه الآية: حتى عفوا: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت ... إلخ، وهذا معنى ما ذكرنا.
(3) -سؤال: ما هو إعراب: {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ 95}؟
الجواب: بغتة: مفعول مطلق وعامله «أخذناهم» أي: بغتناهم بغتة، والواو واو الحال، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ 95} جملة حالية في محل نصب، وصاحبها ضمير المفعول في «أخذناهم».
الآية 96
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} (2) لو أنهم آمنوا برسالة أنبيائهم، واستجابوا لدعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى وصدقوا وتركوا الكبر والفساد، {وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} - لأغدق الله سبحانه وتعالى عليهم نعمه، وأرسل لهم بركات السماء من المطر، وبركات الأرض من الشجر والثمر.
{وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 96} ولكنهم كذبوا وتمردوا- فجازاهم الله سبحانه وتعالى بسبب تكذيبهم بالمصائب والبلايا.

__________

(2) -سؤال: هل في: {أَهْلَ الْقُرَى} إشارة إلى قرى معينة، أم المراد بها العموم؟
الجواب: المراد بها العموم للقرى التي أرسل الله تعالى إليها رسلاً المذكورة في قوله مثل هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا .. } [الأعراف:94].
الآية 97
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ
📝 التفسير:
{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ (1) بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ 97} استنكر الله سبحانه وتعالى عليهم كيف يأمنون عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه أن يأتيهم وهم نائمون.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما إعراب: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ} بالتفصيل؟
الجواب: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والفاء حرف عطف للسببية والجملة التي بعدها معطوفة على ما دل عليه قوله: {فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 96} والتقدير: أي أَعَرَفوا ما أنزل الله بالمكذبين فأَمِنُوا فقد كان من الحقيق بالعاقل أن يتعظ بما عرف من عاقبة المكذبين برسل الله وبما صاروا إليه من العواقب المشؤومة فلا يقعوا في مثل ما وقعوا فيه. و «أن يأتيهم» مجرور بـ «من» مقدرة، ولك أن تقول: إن المصدر المؤول في محل نصب على نزع الخافض.
الآية 98
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
📝 التفسير:
{أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ 98} واستنكر عليهم كيف أنهم يأمنون بأسه وعذابه أن ينزل عليهم نهاراً وهم في لهوهم ولعبهم ومعاصيهم في النهار.
الآية 99
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
📝 التفسير:
{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ} يُعَجِّبُ الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف أنهم يأمنون مكر الله سبحانه وتعالى وعذابه {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ 99} فلا يأمن عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه (2) إلا أولئك الذين كفروا بالله سبحانه وتعالى وتمردوا عليه.
__________

(2) -سؤال: يقال: لماذا سمى الله عذابه وسخطه مكراً؟
الجواب: سمي عذابه مكراً على سبيل المجاز، حيث أن الذي يريد أن يمكر بصاحبه منا فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به، فسمى العذاب مكراً لنزوله بهم من حيث لا يشعرون.
الآية 100
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ (1) أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ 100} هؤلاء الذين أورثهم الله سبحانه وتعالى الأرض من بعد أولئك الذين أخذهم الله سبحانه وتعالى بعذابه- استنكر الله على الوارثين الأرض أولئك عدم تبين إصابة الله لهم لو أراد بسبب ذنوبهم أو خذلانه لهم حتى تكون قلوبهم كالمغطاة بسبب كفرهم ومعاصيهم وأهوانهم حتى لا ينتفعوا بما سمعوا ولا يهتدوا بما أبصروا فكيف لم يتبين لهم ذلك وقد علموا وتيقنوا ما صنع الله بمن كان قبلهم من المكذبين والمتمردين حيث أهلكهم الله ودمرهم بأنواع العذاب.
ثم قال الله سبحانه وتعالى لنبيهصلى الله عليه وآله وسلم: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار تلك القرى التي قد أخذها بسبب ذنوبهم وتكذيبهم.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما معنى: {يَهْدِ} في قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ... } لغة؟ وما محل المصدر: {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم} من الإعراب؟
الجواب: يهد: هو من الهداية، هداه هداية وهدى يهديه ... إلا أنه عدي باللام لتضمنه معنى التبيين، فيهد هنا بمعنى: يبين، وفاعله المصدر المسبوك من «أن» وما دخلت عليه {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم} فهو في محل الرفع على الفاعلية.