القرآن الكريم مع التفسير

سورة البقرة

آية
إجمالي الآيات: 286 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 101
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يعني النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} للتوراة، {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 101} نبذوا كتابهم الذي ذكرت فيه صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتركوه وراء ظهورهم، ولم يعملوا به، وأنكروا أن يكون النبي الذي ذكره الله في كتابهم، وأنه ليس النبي الذي سيبعث في آخر الزمان، وهم إلى الآن ما زالوا منتظرين للنبي الموعود به في التوراة، والواقع أنه قد جاء فكذبوا به بعد علمهم بأنه النبي المذكور في التوراة الذي وعدوا به في آخر الزمان (1).
وهم أهل كفر وأهل تمرد على طول التاريخ من عهد موسى، كفروا به ولا زال بين أظهرهم، وهو الذي أنقذهم من مصر وأخرجهم من ظلم فرعون، ورأوا الآيات البينات رأي العين: فَلَقَ البحر، ونَزَّلَ عليهم المن والسلوى، ورفع فوقهم الطور، وقد كفروا به وأقدامهم لم تجف بعدُ، حين خرجوا من البحر قالوا لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لأولئك آلهة.
__________
(1) - سؤال: ما هي الفائدة للتعبير بقوله: «فريق»؟
الجواب: الفائدة هي ما ذكرنا من أن النبذ يكون من كبار اليهود، أما سائرهم فهم تبع.
الآية 102
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} هم اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا بالرسل، ولا بالقرآن، وكفروا بأنبيائهم، واتبعوا بدلاً عن ذلك ما تتلوا الشياطين من السحر الذي كانت تتلوه (2)
الشياطين في عهد سليمان، وأخذت اليهود به بدل الأخذ بكتب الله وآياته.
والمراد بـ {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} على عهد سليمان وفي عصره.
وكانت اليهود تقول: إن نبي الله سليمان الذي علمهم السحر فقال الله: {وَمَا كَفَرَ (1) سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} (2) وليس سليمان الذي علمهم السحر وحاشاه، فلم يأتهم إلا بالهدى ودين الحق، ولكن الشياطين هم الذين علموا اليهود السحر.
{وَمَا (3) أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} لم ينزل الله السحر على الملكين هاروت وماروت ولكنهما تعلماه (4).
{هَارُوتَ وَمَارُوتَ} وهما مَلِكان من ملوك الدنيا؛ بدليل أنه قرئ بكسر اللام (5).
{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} كان هذان الملكان لا يعلمان أحداً السحر حتى يحذراه من فتنة السحر والركون إليه، ويقولا: إنما نحن فتنة للناس، وموضع اختبار لهم، وإن التصديق والعمل بالسحر كفر فاحذروا (1).
{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} اليهود كانوا يتعلمون من الملكين {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} فتأثيره متوقف على إرادة الله تعالى؛ فإذا أراد الله حفظ المرء فلن يضره السحر (2).
{وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} كان اليهود يتعلمون السحر، وهو من العلوم التي تضر ولا تنفع، {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} وقد عرفوا أن الذي يتعلم السحر ويأخذ به أنه ليس له في الآخرة حظ ولا نصيب، وأنه في سخط الله، ومن أهل نار جهنم ورغم ذلك كله تعلموه.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 102} (1) خسروا أنفسهم بتعلم السحر فكسبوا سخط الله، وحرموا ثوابه.
___________
(2) - سؤال: لماذا سمّى الله ذلك تلاوة؟

الجواب: لأنهم كانوا يقرأونه بناءً على أنه من عند الله ومما أنزله الله تعالى، ولذلك قال الله بعدها: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: وليس السحر من عند سليمان.
(1) - سؤال: هل يؤخذ من هذا أن تعلم السحر كفر؟
الجواب: نعم يؤخذ من هذه الآية أن تعليم الناس السحر كفر ويلزم منه أن تعلمه كفر.
(2) - سؤال: ما موضع جملة: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}؟
الجواب: الجملة حالية أو خبر ثانٍ.
(3) - سؤال: ظاهر كلامكم أن «ما» نافية لا موصولة؟
الجواب: نعم قد ذكرنا ذلك، فما نافية وليست موصولة.
(4) - سؤال: من أين ظهر لنا أنهما تعلَّماه؟
الجواب: ظهر من أن الوحي لا يكون إلا للأنبياء.
(5) - سؤال: لو قيل بأن الإنزال لأجل الفتنة والاختبار فهل يصح القول بإنزال السحر عليهما عملاً بظاهر الآية؛ خصوصاً إذا قلنا بأنهما من ملوك الدنيا؟
الجواب: لا مانع من القول بأن الله تعالى أنزل السحر بمعنى خلق علم السحر في الأرض مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد:25]، وسهل الطريق إلى تعلمه، فتعلمه هاروت وماروت وحذرا كل من يتعلمه عندهما من استعماله، وأنه فتنة يختبر الله بها عباده.
(1) - سؤال: ما السر في وعظ الملكين مع أنهما يتعاطيانه؟
الجواب: كان الملكان عالمين بالسحر، ولم يكونا يعملان به في محذور.
سؤال: يشكل على كثير من الناس هذه المقولة أن التصديق بالسحر كفر فهل المراد التصديق بتأثيره أم ماذا؟
الجواب: المراد تصديق الساحر فيما يدعيه من القدرة على الإحياء والإماته والتفريق بين الزوجين و .. إلخ فتصديقه كفر.
(2) - سؤال: هل في هذه الآية إثبات تأثيره تحت إرادة الله، فما معنى: التصديق به كفر؟
الجواب: السحر سبب مؤثر، وفي الآية دليل على تأثيره، وكذا في قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ 4} [الفلق]، والسبب من الساحر، والأثر من فعل الله، ولا كفر بتصديق تأثير السحر، فإن تأثيره معلوم بنص القرآن، وإنما الكفر في تصديق الساحر في قدرته على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
(1) - سؤال: ما إعراب «لو» في قوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 102}؟
الجواب: «لو» للتنديم، وقد تكون على ظاهرها، وجوابها محذوف.
الآية 103
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} ولو أن اليهود عدلوا إلى الإيمان بالله وحافظوا على تقوى الله بدلاً من تعلم السحر والعمل به لكان أولى وأفضل ولأحرزوا الثواب العظيم من الله {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 103}.
الآية 104
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 104} كان اليهود يقولون للنبي حين يقرأ القرآن هذه الكلمة «راعنا»، ومعناها الظاهر: تأنَّ بنا لكي نسمع ونعرف ما تقول، وهي في الباطن سبة يسبون بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من خبثهم، فأرشد الله المؤمنين إلى أن يتجنبوا هذه الكلمة في مخاطبة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وأن يقولوا بدلاً عنها: أنظرنا (2)،
أي: تأنَّ بنا، {وَقُولُوا انْظُرْنَا} يعني انتظرنا وتأن بنا بدلاً عن تلك الكلمة اليهودية، {وَاسْمَعُوا} افهموا وامتثلوا، {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 104} لليهود بسبب شتمهم وسبابهم هذا الذي كانوا يشتمون به النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) عذاب أليم.
________
(2) - سؤال: هل المستعمل لها اليهود أم المسلمون ولكن غنم ذلك اليهود من أجل السبّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادوه بها؟

الجواب: بنيت في التفسير على ما جاء في سورة النساء: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء:46]، فنهى الله المؤمنين هنا أن يقولوا ذلك مثل اليهود الذين توعدهم الله في هذه الآية بالعذاب الأليم. وقد يكون الأمر كما ذكر في السؤال، وهو أن المسلمين كانوا يقولونها فقالها اليهود بعدما سمعوها من المسلمين.
(1) - سؤال: يقال: بأن التحريم هنا سد لذرائع الفساد؟
الجواب: يحتمل الأمرين جميعاً: سد ذرائع الفساد، وكونها مفسدة في نفسها؛ لأنها تستعمل في معنيين، أحدهما حسن والآخر قبيح.
الآية 105
مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
📝 التفسير:
{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني ما يتمنى ولا يرضى أهل الكتاب ولا المشركون أن ينزل على المسلمين الوحي والنبوة؛ حسداً منهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} يعني النبوة يعطيها من يشاء، لا دخل لليهود ولا للمشركين في فضل الله ورحمته.
اعترض المشركون على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسداً منهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولبني هاشم على ما أولاهم الله من الشرف الرفيع الذي لا يمكنهم الوصول إليه، واليهود اعترضوا وقالوا: لماذا كانت في العرب؟ هذا ما لا يكون، ونحن أولى بها منهم، فقال الله: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105}، وليس لليهود ولا للمشركين أن يتحكموا على الله ويعترضوا عليه حين اختص محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة.
الآية 106
مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} جعل الله لكل نبي آية تدل على صدقه وعلى نبوته، وكأن المسلمين أحبوا وتطلعوا إلى أن يأتي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة مثل معجزة موسى أو عيسى أو صالح، فقال الله: إنه قد نسخ تلك الآيات، وأتى بخير منها أو مثلها، والمراد بـ «ننسها»: نؤخرها ونأتي بآية أفضل (2)
منها، فأتاهم الله بآية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى عرفوا وتيقنوا أنه نبي من عند الله، وذلك القرآن الكريم.
واليهود قد آتاهم الله آيات تدل على صدقه غير القرآن، وذلك في التوراة، حتى عرفوا أنه نبي من عند الله كما يعرفون أبناءهم، والمشركون عرفوا أن القرآن حق وصدق من عند الله من خلال فصاحته وبلاغته، وأنه ليس تحت مقدور البشر أن يأتوا بمثله، فلم يكن هناك حاجة تدعو إلى أن يأتي الله بآية أخرى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1).
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106} يأتي بآية مكان آية على حسب ما يقتضيه علمه وحكمته، وعلى حسب ما تستدعيه المصلحة وهو العالم بما يصلح من الآيات لكل أمة ولكل زمان.
________
(2) - سؤال: ما المراد بالأفضلية هنا؟

الجواب: المراد أنها أقوى في الدلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو أن تكون أبقى، كالقرآن فإن حجته قائمة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده إلى يوم القيامة.
(1) - سؤال: ما هي المرجحات لنظركم الثاقب هذا في هذه الآية؟ وهل يصح حملها على نسخ الأحكام الشرعية أم لا؟
الجواب وبالله التوفيق: أن الآية وردت في سياق ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واختصاص الله تعالى له بالنبوة، واقتراح المقترحين من المسلمين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بآيات غير القرآن: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [البقرة:108]، هذه هي أول قرينة على التفسير الذي فسرنا به الآية. والقرينة الثانية: قوله تعالى في آخر الآية: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106} لا يعجزه الإتيان بما اقترحتم، وقوله تعالى في أول الآية التي بعدها: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} فلا يتعسر عليه شيء، فكل هذه القرائن ترجح ما ذكرنا من التفسير. وأيضاً فلو كان المقصود النسخ المعروف لكان الأنسب أن تختم الآية بنحو: «والله عليم حكيم» «يعلم الجهر وما يخفى».
وبعد، فيصح الاستدلال بها على النسخ المعروف؛ لعمومها للآيات التي بمعنى المعجزات، وللآيات القرآنية المتضمنة للأحكام الشرعية.
الآية 107
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 107 أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} ألم تعلم أن الله هو المسيطر على ملك السماوات والأرض يتصرف في ملكه كيف يشاء، ويحكم ما يريد، ليس لأحد أن يقترح عليه ولا يعترض، بل عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، ويرضوا بقضاء الله وحكمه وبخيرته، وليعلموا أنهم إن لم يستجيبوا لربهم فيما يريد فإنهم سيتعرضون لسخطه، ويحل عليهم غضبه، ولن يجدوا لهم منه مهرباً، ولا ناصراً يمنع عنهم ويحميهم.
ثم استنكر الله على المسلمين أن يصدر منهم من الاقتراح على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما صدر من بني إسرائيل من الاقتراح على نبيهم موسى عليه السلام حين قالوا له: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153]، هناك ناس من المسلمين بدأوا في التعنت فطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بآيات أخرى مثل آيات موسى وعيسى وصالح، فاستنكر الله عليهم طلبهم واقتراحاتهم على نبيهم، وأنه لا يسعهم إلا السمع والطاعة لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وحذرهم تعالى من أنهم إن لم يتركوا التعنت على نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم سيقعون في الكفر والضلال ويستوجبون غضب الله وسخطه، {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ 108} (1).
__________
(1) - سؤال: ذكر بعض أئمتنا أن قوله «الكفر» فيه إشارة إلى طلب الرؤية؟ أم أنه إشارة إلى التعنت والعناد للأنبياء في نظركم؟
الجواب: التعنت والعناد للأنبياء عليهم السلام هو كفر، ومن ذلك طلب الرؤية.
الآية 108
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 107 أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} ألم تعلم أن الله هو المسيطر على ملك السماوات والأرض يتصرف في ملكه كيف يشاء، ويحكم ما يريد، ليس لأحد أن يقترح عليه ولا يعترض، بل عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، ويرضوا بقضاء الله وحكمه وبخيرته، وليعلموا أنهم إن لم يستجيبوا لربهم فيما يريد فإنهم سيتعرضون لسخطه، ويحل عليهم غضبه، ولن يجدوا لهم منه مهرباً، ولا ناصراً يمنع عنهم ويحميهم.
ثم استنكر الله على المسلمين أن يصدر منهم من الاقتراح على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما صدر من بني إسرائيل من الاقتراح على نبيهم موسى عليه السلام حين قالوا له: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153]، هناك ناس من المسلمين بدأوا في التعنت فطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بآيات أخرى مثل آيات موسى وعيسى وصالح، فاستنكر الله عليهم طلبهم واقتراحاتهم على نبيهم، وأنه لا يسعهم إلا السمع والطاعة لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وحذرهم تعالى من أنهم إن لم يتركوا التعنت على نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم سيقعون في الكفر والضلال ويستوجبون غضب الله وسخطه، {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ 108} (1).
__________
(1) - سؤال: ذكر بعض أئمتنا أن قوله «الكفر» فيه إشارة إلى طلب الرؤية؟ أم أنه إشارة إلى التعنت والعناد للأنبياء في نظركم؟
الجواب: التعنت والعناد للأنبياء عليهم السلام هو كفر، ومن ذلك طلب الرؤية.
الآية 109
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يتمنى أهل الكتاب ويحرصون على أن يضلوا المسلمين عن دينهم، ويخرجوهم منه؛ حسداً منهم للمسلمين على ما آتاهم الله من شرف النبوة والإسلام من بعد ما عرفوا وتحققوا أن دينهم هو الدين الحق الذي بشر به موسى وعيسى '.
{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} لا تؤاخذوا أهل الكتاب، ولا تقاتلوهم إلى أن يأذن الله لكم بمقاتلتهم {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 109} فهو قادر على أن يمكن لنبيه في الأرض ويقوي سلطانه ويشد أركانه حتى يقهر بسيفه أهل الباطل ويجتث باطلهم من أصوله.
الآية 110
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
📝 التفسير:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فلا تقربوهم، ولا تقاتلوهم، واعكفوا على الصلاة والزكاة والعبادة حتى يأذن الله لكم بالجهاد.
{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} أيُّ طاعةٍ قدمتموها تجدوا ثوابها عند الله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7} [الزلزلة].
{إِِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 110} فلا يضيع عنده شيء، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وستلقون جزاء ذلك فلا تتهاونوا بصغير طاعة ولا صغير معصية فإن الله تعالى يحصي من أعمالكم كل صغير وكبير.
الآية 111
وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود، والنصارى قالت: لن يدخل الجنة إلا النصارى.
{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} يعني أكاذيبهم وافتراءاتهم من عند أنفسهم بلا دليل، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 111} إن كنتم صادقين فيما تدعون فهاتوا البرهان والدليل.
الآية 112
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
📝 التفسير:
{بَلَى} ليس الأمر على ما تقولون أيها اليهود والنصارى {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (1) فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 112} (2) كل أحد من بني آدم انقاد لله واستسلم وهو يعمل الصالحات ويحسنها يدخله الله الجنة ولا يلحقه العذاب ولا الخوف، والناس عنده سواء، لا فضل لأحد على أحد عند الله تعالى إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح فقد فاز برضوان الله وثوابه، والأمن من عذابه.
__________
(1) - سؤال: هل المراد بالإحسان إجادة العمل، أم عبادة الله كأنك تراه، أم الإحسان إلى الآخرين، فقد كثر وروده في الآيات؟
الجواب: المراد بالإحسان: عبادة الله وطاعته قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ 16 كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ 17 ... } إلى آخر الآيات من سورة الذاريات، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ 133 الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 134} [آل عمران]، فسمى الله تعالى أهل تلك الصفات محسنين.
(2) - سؤال: في عصرنا وجد من استدل بنحو هذه الآية على نجاة حتى اليهود والنصارى إذا كانوا مستسلمين لله حسب زعمهم، فكيف يرد عليهم؟
الجواب: إن الذي يكفر بخاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم وبما أنزل الله عليه غير منقاد لله، ولا أسلم وجهه إليه، فلم يدخل اليهود والنصارى وأهل الملل الأخرى في عموم الآية؛ لكفرهم برسالة الله وآياته، وبشرائعه وأحكامه التي ختم بها شرائع السماء.
الآية 113
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} فاليهود تضلل النصارى، والنصارى تضلل اليهود.
{وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} فاليهود تتلو التوراة، والنصارى تتلو الإنجيل والتوراة، ولو أنهم اتبعوا ما دلهم الله عليه وأمرهم به في التوراة والإنجيل لما اختلفوا ولدخلوا في دين الإسلام (1).
{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} والمشركون يقولون مثل هذا القول فيضللون اليهود والنصارى والمسلمين، ويقولون: نحن الذين على الدين الحق على ملة إبراهيم، {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 113} وسيتولى الله تعالى الحكم بينهم يوم القيامة، وحكمه أن يجازي كلاً بعمله، فيدخل أهل الباطل في جهنم، ويدخل أهل الحق في دار رحمته.
__________
(1) - سؤال: قد يؤخذ من هنا أن تضليل المحقين من أهل الإسلام للمبطلين قبيح، فكيف يوجه الرد عليه؟
الجواب: ذم الله تعالى اليهود والنصارى بمجموع أمرين اثنين: الأول: حين ضلل بعضهم بعضاً، والثاني: أنهم ضلوا جميعاً عن الحق الذي أنزله الله تعالى في التوراة وهم يقرؤونها جميعاً ويتلونها جميعاً، ولم يعملوا به، وليس كذلك تضليل المحق للمبطل؛ لأن المحق لم يترك الحق.
الآية 114
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} هؤلاء هم المشركون، فلا أحد أظلم منهم؛ لأنهم منعوا من بيت الله الحرام: من الحج، ومن الطواف به، ومن ذكر الله فيه فكيف يدعون أنهم على الهدى دون غيرهم وهم أظلم الأمم بسبب إشراكهم بالله وعبادتهم للأصنام في البلد الحرام، ويمنعون من ذكر الله وتوحيده في المسجد الحرام ومنعوا من أن يعمر بعبادة الله وحده.
{وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} يعني: من عمارتها بذكر الله ومن القيام فيها (1).
{أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} قال الله: ما كان ينبغي للمشركين أن يمنعوا مساجد الله، وكان يفترض أن يشردهم الناس ويطردوهم، وأن لا يدخلوا المسجد الحرام إلا على خوف (2).
ذلك {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 114} فقد أخزاهم الله في الدنيا وقهرهم على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل الإسلام بين أوساطهم، وحكم عليهم بالعذاب في الآخرة.
__________
(1) - سؤال: هل تصدق على من منع الذكر في مساجد أهل الإسلام؟
الجواب: يدخل في عموم الآية من منع من ذكر الله في المساجد، وسعى في خرابها.
(2) - سؤال: إذا صدقت على المانعين من الذكر ولو كانوا من أهل الإسلام، فهل يؤخذ من آخرها لزوم طردهم ومنعهم؟
الجواب: يؤخذ من الآية وجوب طردهم.
سؤال: التعبير بمثل هذا «ما كان» أو «ينبغي أن يفعل كذا» هل يفيد الوجوب واللزوم؟ أو ماذا يفيد؟
الجواب: قد يفيد ذلك الوجوب بقرائن كهذه الآية حيث قال تعالى في آخرها: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} وفي أولها: {وَمَنْ أَظْلَمُ}.
الآية 115
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (3)
إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 115} هذه الآية نزلت كما قيل في ليلة مظلمة كان فيها سحاب، وكانوا في سفر، ولم يهتد الناس في هذه الليلة إلى القبلة؛ فكل فريق صلى إلى جهة فانكشف من الصباح أنهم كانوا إلى غير القبلة فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 115} لا يضيق ولا يشدد على أحد، فإذا أدى المرء جهده فقد أدى ما عليه ولو أخطأ؛ فإذا تحرى المرء فصلى على ظنه كفاه ولو انكشف أنه ليس إلى القبلة فالله يتقبل صلاته، لكن إذا علم والوقت باق أعاد الصلاة، فأما بعد خروج الوقت فلا إعادة؛ إذ لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالإعادة حين انكشف خطأ المصلين بعدما أصبحوا (1).
_______
(3) - سؤال: ما معنى {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}؟

الجواب: المعنى: فثم طاعة الله، أي: فقد أصبتم طاعة الله وامتثلتم أمره.
(1) - سؤال: هل يؤخذ من الآية أن الخطأ في الاجتهاديات معفو عنه؟
الجواب: يؤخذ من هنا أن الخطأ بعد التقصي والتحري معفو عنه.
سؤال: من أين أخذ وجوب الإعادة للصلاة إذا انكشف الخطأ والوقت باق؟
الجواب: إذا كان الوقت باقياً فما زال مخاطباً بتأدية الواجب كما ينبغي، ولم يخرج من عهدة الخطاب بفعل الفاسد.
الآية 116
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} هؤلاء هم النصارى، {سُبْحَانَهُ} تنزه وتقدس أن يكون له ولد، {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ 116} لا ولد له، كل ما في السماوات والأرض ملك (2) له، وهم منقادون لأمره، وخاضعون له.
_____
(2) - سؤال: ما المنافاة بين الولد وملكه لما في السماوات والأرض؟
الجواب: الولد جزء من أبيه وبعض منه، وله من العزة والكرامة ما للأب، وذلك يتنافى مع صفات العبد المملوك فالعبد لا يشارك مالكه في عزته وكرامته.
الآية 117
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
📝 التفسير:
{بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} أبدعها وأنشأها على غير مثال، ابتدأها من العدم.
{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 117} إذا أراد الله شيئاً حصل من غير واسطة شيء، فخلق عيسى عليه السلام من غير أب كما خلق آدم عليه السلام من غير أب وأم، فهو على كل شيء قدير.
و {كُنْ فَيَكُونُ}: ضَرْبُ مَثَلٍ لنا بما نفهم (1)، وإلا فهو غير محتاج إلى قول: (كن)، إذا أراد شيئاً خلقه من غير واسطة.
__________
(1) - سؤال: وهل يلزم محذور لو كان يقول هذا القول حقيقة؟
الجواب: نعم، فمخاطبة المعدوم عبث يتنزه الله تعالى عنه.
الآية 118
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} المشركون {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين دعاهم للإيمان والدخول في الإسلام أن يكلمهم الله ويشهد بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذي أرسله ويأمرهم بتصديقه وإذا لم يستطع محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك الطلب فيأتيهم بآية تشهد بصحة نبوته وصدق دعوته، قالوا ذلك تعنتاً منهم بعد معرفة الحق، وتحقُّقِ صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضوح حجته التي بهرت عقولهم، وقهرت شكوكهم؛ فلم يبق عندهم ريب ولا شك في صحة القرآن وصدق نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنهم استكبروا وطلبوا ذلك الطلب.
{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} وكذلك كان أهل الكفر من قبل يتعنتون على أنبيائهم.
{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أهل الكفر قلوبهم متشابهة، وأعمالهم متشابهة، {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 118} فالآيات الدالة على صدق النبي واضحة وبينة، لكن لمن يوقن، ولم يتعنت، ولم يكابر.
الآية 119
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ
📝 التفسير:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أرسلناك يا محمد بالدين الحق تبشر المؤمنين بالثواب وتنذر الكافرين بالعقاب. {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ 119} فما عليك إلا التبليغُ فقط، ولن نسألك لماذا كفروا حتى ولو لم يؤمن لك أحد؛ فما عليك إلا أداء الرسالة وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على أن يدخلوا في الإيمان وهم يأبون؛ فقال الله: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ 119} {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى:48].
الآية 120
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على أن يهدي الناس جميعاً لأجل أن يدخلوا الجنة فأخبر الله نبيه أن اليهود والنصارى لن يستجيبوا لدعوتك ولن يدخلوا في دينك، فاقطع يا محمد طمعك من اليهود والنصارى فلن يدخلوا في الإسلام أبداً.
{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} فلا هدى إلا هدى الله الذي جاء به رسول الله في القرآن، أما اليهود والنصارى فليسوا على شيء من الهدى.
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إن تتبع يا محمد الذي في أيديهم من التوراة والإنجيل -وسماه الله أهواء لما فيه من التحريف والتبديل فلا تظنن يا محمد أنهم على شيء من الهدى- {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 120} تحذير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد تحذير أتباعه من تصديق أهل الكتابين فيما يتلونه على المسلمين من التوراة والإنجيل؛ فإن لهم فيما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي كفاية كافية، أما أهواء أهل الكتابين فلا تلتفتوا إليها ولا تغتروا بها ولا تصدقوها، ومن اتبع شيئاً من أهوائهم فقد أرصد الله له العذاب العظيم.