القرآن الكريم مع التفسير

سورة المائدة

آية
إجمالي الآيات: 120 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 101
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ 101} كان بعض المسلمين يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سؤال تعنت، ويسألون عن أشياء لا شأن لهم بها، كما ورد أنه كان بعضهم يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبيه من هو؟ لأن نكاحهم كان نكاح جاهلية، وقد تكون أمه جاءت به من رجل غير الذي يدعى هذا السائل إليه؛ فالإسلام يريد الستر عليه، وهو يريد أن يكشف أمر المستور (1).
__________
(1) - سؤال: ولكن لم يظهر لنا معنى تتمة الآية: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا ... } إلخ فأوضحوه أيدكم الله؟
الجواب: كانت السؤالات الموجهة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نوعين:
-نوع لا يجوز إطلاقاً، وهو ما لا ينبغي أن يجيء في القرآن والسنة، نحو سؤال أحدهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ أبي يا رسول الله؟
-ونوع منها يجوز، ولكن جوازه مشروط بأن يكون قد نزل القرآن في موضوع السؤال إلا أن السائل لم يفهم كيفية الحكم، نحو سؤالهم عن كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول القرآن بالأمر بها.
سؤال: ما المعفو عنه في قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} هل الأسئلة أو الأشياء؟ وهل معناها تركها عفواً عنها؟
الجواب: المعفو عنه هي الأسئلة التي صدرت منهم قبل النهي، والمعنى أن الله تعالى ترك مؤاخذتهم عليها وغفرها لهم.
الآية 102
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ
📝 التفسير:
{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ 102} اقترحوا على أنبيائهم أحكاماً، ثم كفروا ولم يعملوا بها، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن ينتظروا إلى أن ينزل القرآن فيشرع لهم أحكاماً يعملون بها، ويتركوا الاقتراحات في تكاليف دينهم؛ لأن في ذلك حرجاً عليهم.
الآية 103
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 103} (1) نزلت هذه الآية رداً على المشركين وهي خاصة في بهائم الأنعام، فقالوا: هذه لله، فلا يحل لأحد أن يقربها، أو يمنعها من مرعى، أو يحلب منها، أو يركبها، أو يحمل عليها.
والبحيرة: فهي الناقة من الإبل، كانت إذا ولدت خمسة أبطن، فنُتِجَتْ الخامس سَقْبًا -وهو الذكر- ذبحوه فأهدوه للذين يقومون على آلهتهم، وإن كانت أنثى استبقوها، وغذوها، وشرموا أذنها، وسموها بحيرة.
والسائبة: فهي من الإبل، كان الرجل منهم إذا مرض فشفي، أو سافر فوصل أو سأل شيئا فأُعطي- سَيَّبَ من إبله ما أراد أن يُسَيِّبَهُ؛ شكراً لله، ويسميها سائبة، ويخليها تذهب حيث شاءت مثل البحيرة، ولا تمنع من كلأ، ولا حوض ماء، ولا مرعى.
والوصيلة: فهي من الغنم، كانوا إذا ولدت الشاة خمسة أبطن عندهم، وكان الخامس جَدْيًا- ذبحوه، أو جديين ذبحوهما، وإن ولدت عَناقَين استحيوهما، فإن ولدت عناقا وجديا تركوا الجدي ولم يذبحوه من أجل أخته، وقالوا: قد وصلته؛ فلا يجوز ذبحه من أجلها.
والحام: فهو الفحل من الإبل، كان إذا ضرب عشر سنين، وضرب ولد ولده في الإبل- قالوا: هذا قد حمى ظهره؛ فيتركونه لما نتج لهم، ويسمونه حامًّا، ويخلون سبيله، فلا يُمنَع أينما ذهب، ويكون مثل البحيرة والسائبة، فلا يجوز في دية، ولا يحمل عليه حمل. فشرائعهم هذه في الأنعام باطلة، وهي كذب وافتراء على الله.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} يعني: ما شرعها؟
الجواب: معنى الآية: ما شرع الله البحيرة و .. إلخ، ولكن المشركين هم الذين شرعوا ذلك من عند أنفسهم، ثم ادعوا أن الله تعالى هو الذي شرع ذلك.
الآية 104
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} كانوا (1) إذا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعالوا واستمعوا إلى ما قال الله وما أقول لكم، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين.
{أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ 104} (2) كان المشركون مصرين على اتباع دين آبائهم وأجدادهم ولو كانوا من أهل الجهل تعصباً منهم لهم.
__________
(1) - سؤال: هل المراد الذين شرعوا البحيرة؟
الجواب: هم المرادون بذلك.
(2) - سؤال: هل المراد بالاستفهام هنا الاستنكاري أم ماذا؟
الجواب: هو الاستفهام الاستنكاري التوبيخي.
الآية 105
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كَنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} (3) أنتم مكلفون بأنفسكم.
{لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فوثقوا صلتكم بالله والتزموا بطاعته، ولا بأس عليكم ولو ضل أهل السماوات والأرض.
{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} سترجعون جميعاً إلى الله يوم القيامة وسيحكم بينكم بالحق، وقد روي في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة فعليك بنفسك ودع عنك العوام)) (4).
{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 105} وسوف يجازي كل واحد بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهذا بعد تبليغهم الحجة وإبلاغ الجهد في الدعوة لهم إلى الهدى (5)، وبعد هذا لا يضركم من ضل، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة:99]، {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256]، فلا يلزمكم إدخالهم في الدين.

__________

(3) - سؤال: ما إعراب: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}؟
الجواب: عليكم: اسم فعل أمر بمعنى الزموا، وأنفسكم: مفعول به منصوب، والفاعل ضمير مستتر.
(4) - سؤال: هل هذا دليل قوي على اشتراط ظن التأثير في الأمر والنهي؟
الجواب: نعم في ذلك دليل على اشتراط ظن التأثير.
(5) - سؤال: هل استفيد هذا من أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن نحو قوله: ((لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس))؟
الجواب: نعم استفيد من نحو قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:104].
الآية 106
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (2) اثنان يشهدان على وصيته؛ لأجل أن تنفذ، ولا بد أن يكونا عدلين لتقبل شهادتهما.
{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} (3)
اثنان ولو من أهل الكتاب لكن بشرط: إذا كنتم مسافرين، وحضر الموت ولم تجدوا من يشهد من المؤمنين.
{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} (4) يشترط في هذين اللذين من أهل الكتاب أن تقبضوهما بعد صلاة العصر فتحلفوهما.
{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} (5) إذا شككتم في صدق شهادتهما على الوصية فحلفوهما {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ 106} (6) يكون تحليفهم على هذا، وأنهم سيقولون الحق.
هذا، وإنما يجب الإشهاد إذا خاف الموصي أن يضيع الحق، وأما إذا كان هناك من ينفذ الوصية ويؤدي الحقوق التي عليه، أو لم يكن عليه شيء أو هو عالم أنهم سينفذونها بدون إشهاد- فلا يلزمه.

__________

(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب قوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}؟ وهل «بينكم» ظرف متصرف أم لا؟ وما إعراب قوله: {حِينَ} و {اثْنَانِ}؟
الجواب: «شهادة» مبتدأ وخبره محذوف تقديره -كما قال صاحب الكشاف-: فيما فرض عليكم شهادة، و «بينكم» ظرف غير متصرف وإنما قد يتوسعون فيه بالإضافة كما هنا، و «حين» ظرف لـ «حضر»، و «اثنان» فاعل «شهادة بينكم».
(3) - سؤال: من أين استفيد أن الشرط {إِنْ أَنْتُمْ} خاص في الشاهدين من أهل الكتاب؟
الجواب: أخذ ذلك من الإجماع والاتفاق على أنه لا يشترط السفر في شهادة ذوي عدل من المسلمين.
سؤال: ومن أين نستفيد أن شهادة أهل الكتاب مشروطة بعدم وجود شاهد من المؤمنين؟

الجواب: يستفاد ذلك من قوة الكلام، فقوله: {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ} تفيد ذلك، فإن الضرب والسفر في الأرض ولا سيما وقت نزول الآية مظنة لعدم وجود شهداء مسلمين.
(4) - سؤال: ما إعراب جملة {تَحْبِسُونَهُمَا}؟
الجواب: جملة «تحبسونهما» مستأنفة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل -كما أفاد في الكشاف-: «فكيف نعمل إن ارتبنا بهما؟».
(5) - سؤال: هل مرادكم أن قوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} في محل نصب مقول قول محذوف تقديره: قائلين أم ماذا؟ وهل يصح فيه أن يكون معترضاً بين القسم وقوله: {لَا نَشْتَرِي}؟
الجواب: قوله: «إن ارتبتم» أي: إن شككتم في صحة شهادة الشاهدين فيقسمان أما إذا لم ترتابوا فلا حاجة لحبسهما وتحليفهما؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند حصول التهمة والريبة، وليس هناك قول مقدر. وهذا الشرط قيد معترض بين فعل القسم وجوابه.
(6) - سؤال: ما معنى: {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}؟
الجواب: المعنى: لا نطلب بيمين الله عرضاً من أعراض الدنيا ولو كان من نشهد له ونحلف من ذوي قرابتنا.
الآية 107
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} إذا انكشف أن هؤلاء الشهود (4)
لم يشهدوا بالحق، وكتموا وخانوا- فليقم شاهدان من أهل الميت يحلفان بالله: أن الشاهدين الأولين شهدا بغير الحق، وأن شهادتنا هي الحق، وما تجاوزنا الحق فيما شهدنا به؛ فإذا حلفوا- أخذوا ما حلفوا عليه، وهذا معنى قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (2)107
__________

(4) - سؤال: هل المراد عموم الشهود سواء من المؤمنين أو من أهل الكتاب؟

الجواب: الأصل أن الشهود متهمون بالخيانة وأخذ شيء من مال الميت الذي أوصى إليهما، فهم حينئذ مدعى عليهم، ولم يكن لأولياء الميت بينة، فحكم الله في هذه الآية باليمين على المتهمين بالخيانة «الشهود»، ثم حكم الله بعد ذلك باليمين على المدعين، ولكن بشرط أن تظهر أمارات كذب المتهمين، وذلك نحو أن يوجد ما حلفوا عليه بأيديهما بعدما حلفوا أنهم ما أخذوه، وتظهر أمارات أنه نفس المال الذي حلفوا عليه وأنكروه، فإن الأمارات إذا قويت تقوي جانب المدعي، وتضعف جانب المدعى عليه بحيث يكون المدعي أولى بظاهر الملك من المدعى عليه، وقد كان الظاهر مع المدعى عليه لأن الأصل براءة الذمة، وبناءً على هذا فالمراد الشاهدان سواء كانا مؤمنين أم كتابيين.

(2) - سؤال: هل المراد بقوله: {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} مقام الإشهاد؟
الجواب: المراد مقام الشهود الذين ظهرت خيانتهم.
سؤال: ما إعراب {فَآخَرَانِ} و {الْأَوْلَيَانِ}؟ وكيف معنى النظم في قوله: {مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}؟ وكذا على البناء للمجهول في قوله: {اسْتَحَقَّ}؟
الجواب: الفاء سببية رابطة، وآخران: مبتدأ وعلامة رفعه الألف، والجملة بعده خبره. وأحسن الأعاريب أن يكون «الأوليان» بدلاً من ضمير الفاعل في «يقومان»، واستقربه الأخفش وقال: إنه قول أكثر البصريين. والمعنى: فليقم الأوليان من الذين استحقت عليهم الوصية، وهم أهل الميت الموصي، وهذا على البناء للمجهول وعلى البناء للفاعل.
سؤال: هل قوله: {لَشَهَادَتُنَا} مبتدأ فما محل الجملة؟
الجواب: شهادتنا: مبتدأ، وأحق: خبره، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
سؤال: قوله: {ذَلِكَ} إشارة إلى ماذا؟
الجواب: الإشارة إلى الحكم المذكور في قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ}.
سؤال: ما معنى: {أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا}؟ وما إعراب: {أَنْ يَأْتُوا}؟
الجواب: المعنى: أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة الصحيحة، و {أَنْ يَأْتُوا} في تأويل مصدر مجرور بـ «إلى» مقدرة متعلق بأقرب.
الآية 108
ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} (1).
{أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} (2) يخافون أن تأتي أيمان بعد أيمانهم وهي أيمان أهل الميت، وذلك لأن ما شرعه الله هنا من الأيمان سبب لأن يتحرى الشاهدان الأولان شهادة الحق وقول الصدق.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} ولا تخالفوا أوامره {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 108} (3) بمعنى: لا ينيلهم الألطاف والتنوير والتوفيق.
__________
(1) - سؤال: هل المراد بقوله: {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} مقام الإشهاد؟
الجواب: المراد مقام الشهود الذين ظهرت خيانتهم.
سؤال: ما إعراب {فَآخَرَانِ} و {الْأَوْلَيَانِ}؟ وكيف معنى النظم في قوله: {مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}؟ وكذا على البناء للمجهول في قوله: {اسْتَحَقَّ}؟
الجواب: الفاء سببية رابطة، وآخران: مبتدأ وعلامة رفعه الألف، والجملة بعده خبره. وأحسن الأعاريب أن يكون «الأوليان» بدلاً من ضمير الفاعل في «يقومان»، واستقربه الأخفش وقال: إنه قول أكثر البصريين. والمعنى: فليقم الأوليان من الذين استحقت عليهم الوصية، وهم أهل الميت الموصي، وهذا على البناء للمجهول وعلى البناء للفاعل.
سؤال: هل قوله: {لَشَهَادَتُنَا} مبتدأ فما محل الجملة؟
الجواب: شهادتنا: مبتدأ، وأحق: خبره، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
سؤال: قوله: {ذَلِكَ} إشارة إلى ماذا؟
الجواب: الإشارة إلى الحكم المذكور في قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ}.
سؤال: ما معنى: {أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا}؟ وما إعراب: {أَنْ يَأْتُوا}؟
الجواب: المعنى: أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة الصحيحة، و {أَنْ يَأْتُوا} في تأويل مصدر مجرور بـ «إلى» مقدرة متعلق بأقرب.
(2) -سؤال: لماذا عبر بقوله: {تُرَدَّ} بدلاً عن تأتي ونحوها؟ وما الفرق بين ما قبل «أو» وبين ما بعدها؟ فظاهر مؤداهما واحد؟
الجواب: عبر بالرد لأن الإمام أو الحاكم إذا حكم بالأيمان على طرف وعرض ما يمنع من صحة اليمين ردها إلى الطرف الآخر، وهذه دليل على يمين الرد، وهي التي ترد من طرف إلى طرف. والفرق أن الأولى يمين أصلية، والثانية يمين الرد. والأصلية هي لمن الظاهر معه.
(3) - سؤال: ما رأيكم أن هذه الثلاث الآيات أصعب شيء في القرآن نظماً وإعراباً ومعنى؟
الجواب: الأمر كذلك فهي من المشكلات في إعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها وقراءتها.
الآية 109
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
📝 التفسير:
{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} (3) يوم القيامة في عرصات المحشر.
{فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} (4) يسألهم الله: كيف كان جواب قومكم حين أرسلتكم إليهم؟ {قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 109} (5).
__________

(3) - سؤال: ما هو العامل في نصب {يَوْمَ}؟
الجواب: العامل فيه هو فعل مقدر تقديره: اذكروا يوم.
(4) -سؤال: ما محل اسم الاستفهام: {مَاذَا}؟
الجواب: محله النصب على أنه مفعول مطلق مقدم أيْ: أيَّ إجابة أجبتم. ولك أن تعرب «ما» مبتدأ، و «ذا»: اسم موصول خبره، و «أجبتم»: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف.
(5) -سؤال: لماذا أجابوا بقولهم: {لَا عِلْمَ لَنَا}، مع علمهم بمن استجاب لهم ومن رفض؟ وما معنى شهادتهم على أممهم؟

الجواب: أجابوا بذلك لأن علمهم قاصر عن علم الله، فعلمهم مقصور على الظاهر، والله جل وعلا مطلع على الظاهر والباطن. وشهادة الأنبياء على أممهم هي أن يشهدوا أنهم قد بلغوهم رسالة الله وأنذروهم عذاب الله و ... إلخ.
الآية 110
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} (1) ثم يسأل الله تعالى عيسى بن مريم وهذا السؤال ليس لأجله، بل لأجل أتباعه؛ ليعلموا أنهم كانوا على باطل في ادعائهم ربوبيته، {اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (2) بجبريل.
{تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} (3) والكهل يطلق على الرجل من حين بلوغ سن الرابعة والثلاثين، وتعليمه الكتاب المراد به جنس الكتب وهي كتب الأنبياء قبله، وقد خص التوراة والإنجيل لشرفهما وعظمهما، وإلا فقد شملهما اسم الكتاب.
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} (4)
يذكر الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام بما أكرمه تعالى من الكرامات والمعجزات الكبرى فحكى الله تعالى هنا أن عيسى عليه السلام كان يصنع من الطين مثل شكل الطير فينفخ فيه عيسى عليه السلام فيكون طيراً له روح يطير بجناحيه بإذن الله، وكان عليه السلام يبرئ الأكمه وهو الذي ولد أعمى فيصير بصيراً بإذن الله، ويشفي الأبرص فيعود سليماً بإذن الله، وكان عليه السلام يحيي الموتى بإذن الله.
{وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} (5) تبعثهم من قبورهم أحياءً.
{وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} ولم يتمكنوا منك، وقد كانوا أرادوا قتلك، وقد ظنوا أنهم قتلوه {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157].
{فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ 110} رموه بالسحر حين رأوا هذه المعجزات منه، ذكر الله تعالى في هذه الآيات نعمه العظيمة التي أنعم بها على نبيه عيسى بن مريم عليه السلام- ليعلم أتباعه أنه ليس بإله، وأنه بشر أنعم الله عليه بنعم عظيمة.

__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {إِذْ} في قوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ}؟
الجواب: تعرب بدلاً من «يوم» في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ}.
(2) -سؤال: هل قوله: {إِذْ أَيَّدْتُكَ} ظرف متعلق باذكر؟ أم لا، فبماذا؟
الجواب: «إذ» بدل من نعمتي، وليس ظرفاً.
(3) -سؤال: ما موضع جملة: {تُكَلِّمُ النَّاسَ}؟ وعلام نصب: {وَكَهْلًا}؟
الجواب: {تُكَلِّمُ النَّاسَ} في محل نصب حال من ضمير المفعول في {أَيَّدْتُكَ} ويصح أن تكون بيانية في جواب سؤال مقدر، ونصب {وَكَهْلًا} بالعطف على محل الجار والمجرور: {فِي الْمَهْدِ}، ومحله النصب على الحالية أي: تكلم الناس طفلاً وكهلاً.
(4) -سؤال: كيف جاز أن ينسب الخلق إلى عيسى عليه السلام، وهو مما يختص به الباري عز وجل؟

الجواب: المراد بالخلق هنا تصوير الطين، وتقديره: حتى يكون على صورة الطير، وليس المراد به الإيجاد من العدم، وهذا هو الذي فعله عيسى بالإضافة إلى النفخ في الصورة، أما الحياة فهي من الله. وسماه الله خلقاً لأن ما جرى على يد نبيه عيسى معجزة لا يقدر عليها إلا الله تعالى، ونسبت المعجزة «الخلق» إلى عيسى لذلك، أي: لتكون معجزةً له وآيةً على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة.
سؤال: كيف كان إبراء الأكمه والأبرص؟
الجواب: لعل ذلك كان بالمسح والغمز مع الدعاء فالآية تقتضي أن عيسى عليه السلام كان يباشر الأكمه والأبرص بيده ليبرأ؛ لتظهر آية الله التي جعلها للناس في عيسى، فلو لم يكن عيسى عليه السلام يباشر إبراء الأكمه والأبرص بيده لتشكك الناس في آيته، ولقالوا: إنما ذلك صدفة حدثت، ليس لعيسى فيها سبب ولا تأثير.

(5) -سؤال: متى يكون هذا الإخراج أو قد كان وحصل؟
الجواب: قد كان ذلك في حياته عليه السلام بدليل ما ذكر الله تعالى في سورة آل عمران: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 49} [آل عمران].
الآية 111
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} وهم أصحاب عيسى وخاصته وأنصاره.
{أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ 111} وقد أوحى الله إليهم على لسان عيسى عليه السلام فآمنوا وصدقوا وأشهدوه على أنهم مسلمون.
الآية 112
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 112} (1) فلا تسألوا هذا السؤال، وما ينبغي لكم.
__________
(1) -سؤال: لماذا أتوا في سؤالهم بـ {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}، ألم يكن شكاً منهم في قدرة الله؟ أو علام يحمل؟
الجواب: في المصابيح عن الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام أن معنى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} هل ذلك مما يجوز طلبنا له. اهـ وعلى هذا المعنى لا يكون في الآية ما يدل على الشك. ومعنى كلام الإمام القاسم عليه السلام في تفسيره لهذه الآية: هل يجوز أن يفعل الله ذلك فتدعوه، قالوا ذلك لمعرفتهم أنه لا ينبغي أو لا يجوز أن يطلبوا من الله أمراً يتنافى مع مقتضى حكمته وعدله ورحمته.
سؤال: هل المائدة مجموع من المأكولات؟ أم ما هي؟
الجواب: المائدة هي الطعام الذي يكون على السُّفْرة (الخوان).
الآية 113
قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} قالوا ذلك حين شاهدوا آيات الله، وعرفوا أنهم على الحق، وأنهم أصحاب نبي الحق لتطمئن قلوبهم بالإيمان وتستقر عليه.
{وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ 113} (2) لأجل أن نتيقن أننا على الحق، ويشهدوا على نزول هذه المائدة، ويخبروا من بعدهم بهذه الآية العظيمة الدالة على نبوة عيسى عليه السلام وعظيم منزلته عند الله.
تلك المحاورة التي بين عيسى وبين الله تعالى- يوم القيامة، يوم يجمع الله الرسل، وأتباع عيسى يسمعونها، وهم حاضرون هذا الحوار (3)
لأجل أن يعرفوا أنهم كانوا على الباطل، وأنهم ليسوا على دين عيسى، وأنه لم يدَّعِ الربوبية وإنما هو عبد، وأنه إنما يحيي الموتى بإذن الله وإرادته وأمره، فيبهتون هنالك ويعلمون أنهم كانوا على الباطل.

_________

(2) -سؤال: ما موضع: {أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} الإعرابي؟ وعلام عطف قوله: {وَنَكُونَ}؟
الجواب: موضع {أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} النصب مفعول به لـ «نعلم» ساد مسد المفعولين، و «نكون» معطوف على «نعلم».
(3) -سؤال: من أين نستفيد أنهم حاضرون هذا الحوار؟

الجواب: الحوار هو: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} إلى آخر السؤال والجواب في يوم القيامة، والمراد بسؤال الله تعالى لعيسى عليه السلام يوم القيامة هو لإظهار الحجة على الذين كفروا بعيسى، وأنهم تعنتوا وتمردوا بعد ظهور حجج الله وبيناته، وبعد معرفتهم لها و .. إلخ.
الآية 114
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} هذا دعاء من عيسى عليه السلام لأجل أن يتخذوا هذا اليوم عيداً يشكرون الله فيه على هذه النعمة التي فضلهم بها، وأنزلت عليهم فيه المائدة، وهذا العيد لأول النصارى وآخرهم إلى يوم القيامة يجتمعون في هذا اليوم ويشكرون الله تعالى على نعمه.
{وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ 114} وآية تطمئن بها قلوبنا أننا على الحق.
الآية 115
قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} (1)
أي: فمن كفر بعد أن يعطيهم الله هذه النعمة ويريهم هذه الآية فالله سيعذبه عذاباً منتهياً في الغلظة والشدة وذلك قوله: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ 115}.
__________
(1) -سؤال: هل قوله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا} وعد للمستقبل أم إنجاز في الحال؟ وهل صح ما يقال من استهزاء بعضهم بالمائدة، وأنهم كفروا بذلك فصاروا قردة وخنازير؟

الجواب: ظاهر الآية أن الله تعالى أنزل المائدة وأعطاهم سؤلهم بعدما سألوه في عهد عيسى عليه السلام، وقد روي أنهم شكوا فسألوا آية أخرى فرفع الله المائدة ومسخهم قردة وخنازير، والله أعلم بصحة تلك الروايات، ولكن الوعيد الذي ورد هنا في قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ 115} يدل على أن الله تعالى عالم بأن بعض الذين سألوا المائدة سيكفرون أو يخرجون عن طاعة الله؛ لذلك تقدم الله تعالى إليهم بالوعيد الشديد الذي بلغ من الشدة غايتها؛ لئلا يكون لهم عذر في الكفر بآيات الله وغمط نعمته.
الآية 116
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
📝 التفسير:
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وذلك الخطاب في يوم القيامة والنصارى يسمعون هذا الخطاب كما ذكرنا، وقد كانت النصارى حرفت الإنجيل عما أنزل الله (1)، ولم يبق فيه شيء مما أنزل الله على عيسى.
والأناجيل التي تعترف بها النصارى هي أربعة أناجيل، وكل إنجيل مخالف للآخر.
{قَالَ سُبْحَانَكَ} أنزهك يا رب عن الشريك.
{مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} (2) ما ينبغي لي أن أدعي شيئاً لا حق لي فيه.
{إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 116
__________
(1) - سؤال: هل المراد أن الله سيقيم عليهم الحجة بهذه المناقشة لأن في أناجيلهم المحرفة أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله؟
الجواب: نسبوا إلى عيسى في أناجيلهم أنه ادعى ذلك وأمر به، ورووه عنه، ونصوص الأناجيل اليوم على هذا.
(2) -سؤال: ما موضع: {أَنْ أَقُولَ}؟ وما مفعوله؟
الجواب: {أَنْ أَقُولَ} موضعه الرفع اسم يكون، و «ما» مفعول أقول، وهو موصول والجملة بعده صلته.
الآية 117
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
📝 التفسير:
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (1)
يجيب عيسى عليه السلام يوم القيامة عن ذلك السؤال: إن كنتُ ادعيت الإلهية ودعوتهم إلى عبادتي وعبادة أمي من دون الله فإن ذلك لا يخفى عليك، فلا تخفى عليك خافية، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنت علام الغيوب، وبأنه لم يأمر بني إسرائيل بأن يعبدوه هو وأمه، وأنه لم يدعِ الإلهية، وأنه ما قال لهم إلا ما أمره الله تعالى بقوله لهم؛ فهذا هو الذي قلت لهم.
{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} وكنت أسمع ما يقولونه ما دمت حياً بينهم.
{فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 117} (2) فأنت تعلم بأعمالهم وما يقولونه لا يخفى عليك شيء.

__________

(1) -سؤال: ما إعراب «ما» في قوله: {مَا أَمَرْتَنِي} وكذا: {أَنِ اعْبُدُوا}؟

الجواب: الاستثناء مفرغ، و «ما» اسم موصول مفعول به لـ {قُلْتُ لَهُمْ}، و «أن» مفسرة، و {اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} تفسير المأمور به.

(2) -سؤال: ما إعراب الرقيب؟
الجواب: هو خبر كان.
الآية 118
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 118} (2) فلن تعذب إلا من يستحق، ولن تغفر إلا لمن يستحق المغفرة؛ لأنك عزيز حكيم، وهذا من الحكمة.
__________

(2) -سؤال: قد يستدل بهذه الآية على أن العبد تحت مشيئة الله تعالى إما أن يعذبه وإما أن يغفر له خصوصاً مع قوله: {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}، ومع ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يوافق هذا المعنى، فكيف يكون الرد؟
الجواب: قوله حكاية عن عيسى عليه السلام: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 118} يدل عند التأمل على أن الله تعالى لا يغفر لمن حق عليه الوعيد، وذلك لقوله: {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 118} ومن شأن العزيز الحكيم أن لا يخلف وعده؛ لأن أفعاله وأحكامه مبنية على الحكمة، مع أنه عزيز قاهر لأهل السماوات والأرض، غالب على أمره، ونصوص القرآن الكريم تفند ما روي فيما ذكر، وهذا مع الإجماع على أن الله لا يغفر للكافرين والآية وردت في النصارى الذين عبدوا عيسى وهم كافرون مشركون.
الآية 119
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 119} (1) وهو يوم القيامة، وفيه يسأل الله الرسل والمرسل إليهم: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ 6} [الأعراف]. فيسألون: بماذا أجبتم رسل الله حين دعوكم؟ وكذلك الرسل: ماذا فعلتم في أممكم؟ وهل بلغتموهم؟
__________
(1) -سؤال: ما السر في ابتداء هذه الآية وآية (115) بقوله: {قَالَ اللَّهُ}، مع أنه معلوم أنه من قول الله؟
الجواب: هذه الآية وما قبلها جارية على قوانين المحاورة «المقاولة» في اللغة العربية.
سؤال: هل المراد ينفعهم صدقهم في الجواب يوم القيامة على ما يسألون عنه أو ماذا؟
الجواب: المراد صدقهم في الدنيا في إيمانهم واستقامتهم وعملهم الصالح، بمعنى أن يوم القيامة هو يوم الجزاء على الأعمال الصالحة ويوم الوصول إلى الثواب والأجور في جنات النعيم.
سؤال: ما موضع جملة: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها بيانية جواب سؤال مقدر.
الآية 120
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 120}
ختم الله هذه السورة بهذه الآية، وتفسيرها هو: إن الله تعالى وحده هو المختص بملك السماوات والأرض وما فيهن، ليس له شريك في ذلك، وهو سبحانه المختص بالقدرة ونفاذها في كل مقدور، فهو لذلك الرب الذي يستحق العبادة والطاعة ليس لأحد نصيب في الملك، لا عيسى ولا غيره مع ما هم عليه من الضعف فلا يستحقون العبادة.
* * * * *