القرآن الكريم مع التفسير

سورة التوبة

آية
إجمالي الآيات: 129 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 101
وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ
📝 التفسير:
{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ} قسم الله سبحانه وتعالى الصحابة إلى قسمين: فالقسم الأول: هم المؤمنون الذين أثنى عليهم بأنهم السابقون الأولون.
والقسم الثاني: وهم المنافقون الذين بداخل المدينة ومن حولها.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه عن المنافقين الذين هم حول المدينة وفي داخلها، الذين قد تمرنوا على النفاق حتى استطاعوا إخفاء كفرهم بحيث لا تظهر عليهم أي علامة تفضحهم وتكشفهم، لا من فلتات ألسنتهم، ولا من نظرات أعينهم، ولا من حركاتهم أو أعمالهم؛ فكانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويخرجون معه في غزواته حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستطع أن يعرفهم مع شدة ذكائه وفطنته.
{نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا يستطيع أن يعرفهم، وأنه تعالى وحده اختص بمعرفتهم، وهناك أناس من المنافقين قد أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيطلعه عليهم، وسيعرفهم بعلامات تميزهم، قال تعالى {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد:30] من خلال كلامهم، وهناك قسم ثالث من المنافقين، وهم الذين انفصلوا عن جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، وهم عبد الله بن أبي ومن معه، وكانوا ثلث الجيش.
فالمراد في هذه الآية هم المنافقون الذين لم يظهر منهم شيء يكشفهم ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا المؤمنون من معرفتهم.
{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه سيضاعف لهم العذاب في الدنيا؛ لأن ضرهم وخطرهم على الإسلام أشد من ضر الكفار وغيرهم.
{ثُمَّ (1) يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ 101} في الدرك الأسفل من النار، وسيكون عذابهم أشد من عذاب المشركين.
__________
(1) -سؤال: ما فائدة العطف بـ «ثم» في قوله: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ 101}؟
الجواب: فائدة العطف بـ «ثم» هو الإيذان بعظمة عذاب الآخرة وكبره وأنه أكبر وأعظم وأشد من عذاب الدنيا.
الآية 102
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 102} وهناك طائفة خلطوا عملاً صالحاً مع العمل السيئ فهم مؤمنون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومصدقون به، ويعملون الأعمال الصالحة، غير أنهم لم يتحكموا في شهواتهم ورغباتهم، ومع ذلك فهم يتوبون منها، ويندمون عندما يفعلونها؛ فأخبر الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء عسى الله أن يقبل توبتهم ويتوب عليهم (1).
__________
(1) -سؤال: هل المراد أنهم مقطوع بقبول توبتهم أم أن توبتهم تحت الرجاء؟
الجواب: قبول توبتهم مقطوع بها إذا صحت التوبة، ودلائل هذا كثيرة في القرآن: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى 82} [طه].
الآية 103
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر الناس بإعطائه زكاة أموالهم.
{تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} لأن الزكاة تطهرهم من الذنوب وتكفرها عنهم.
{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ (2) إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 103} لأن دعاءك طمأنينة لهم في قلوبهم يزدادون بها ثقة بدينهم وإيماناً.
أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأخذ الصدقة من عامة المسلمين، ثم أخبر أن هذه الصدقة ستطهر أولئك الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وستزكي أعمالهم الصالحة.
__________

(2) -سؤال: يقال: ظاهر: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ادع عليهم، فينقلب معنى الآية وكان من حقها أن يقول: «وصلِّ لهم»، فكيف؟
الجواب: يتعدى هذا الفعل إلى المدعو له بـ «على»: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 56} [الأحزاب]، و {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ ... } على القياس، والمراد في: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} أي: قولو: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وقد صح هذا بلا خلاف أي: أنزل رحمتك على محمد وعلى آل محمد، وكذلك نقول في: {صَلِّ عَلَيْهِمْ} إن المراد قل: اللهم صل على آل أبي أوفى أي: أنزل رحمتك على آل أبي أوفى. وقد روي هذا المراد من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبهذا يرتفع الإشكال.
الآية 104
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأَخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} ألم يعلم أولئك الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً أن الله تعالى يقبل توبة التائبين من عباده المخلصين في توبتهم.
{وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} ويقبل الصدقات ويجازي عليها، ويكفر بها الذنوب.
{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 104} إن الله تعالى لا تتعاظمه كثرة الذنوب ولا كبرها فمن تاب ورجع إلى الله غفر له ذنوبه وتاب عليه.
يحثهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على التوبة من المعاصي، وعلى إخراج الزكاة لأجل أن يكفر عنهم سيئاتهم.
الآية 105
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 105} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحث الناس على الأعمال الصالحة.
وخاطبهم أن ما عملتم من عمل فإن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازي العاملين على أعمالهم، ولو كان في جوف صخرة صماء؛ فإن الله سبحانه وتعالى سيظهر عمله، وسيكشفه للمؤمنين.
وكذلك المنافق مهما حرص على إخفاء عمله فسيفضحه الله سبحانه وتعالى بين الناس، ويوم القيامة سيجازي كل امرئ على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
الآية 106
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 106} وهناك قسم من المتخلفين مؤخرون لحكم الله، إما أن يعذبهم إن لم يتوبوا (1)،وإما أن يتوب عليهم إذا تابوا.

__________
(1) -سؤال: يقال: وما هو دليلنا أو القرينة على هذا الاشتراط؟

الجواب: الدليل هو معروف من مواضع أخرى من القرآن الكريم، فقد كثر الوعيد فيه للمجرمين والفاسقين والكافرين والمنافقين بالعذاب في نار جهنم، ولم يستثن من هذا الحكم الجازم إلا التائبين كقوله تعالى في سورة الفرقان بعد الوعيد للذين يدعون مع الله إلهاً آخر والذين يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق وللزناة: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا 69 إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 70} [الفرقان]، ونحو هذه الآية كثير في القرآن.
الآية 107
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
📝 التفسير:
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى نوعاً من المنافقين فقال عنهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} وذلك أن أهل قبا كانوا قد بنوا لهم مسجداً ثم دعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم ويصلي عندهم فيه تبركاً بصلاته في مسجدهم؛ فحسدهم على ذلك أناس حولهم فبنوا مسجداً أيضاً، ودعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي إليهم ويصلي فيه، فهؤلاء الآخرون كانت نياتهم سيئة في عملهم هذا؛ لحسدهم أهل قبا، وإرادة إلحاق الضرر بمسجدهم، وليفرقوا بين الناس، وكذلك أرادوا أن يجعلوا القائم عليه حنظلة الراهب، وكان نصرانيا آمن ثم ارتد وهرب إلى الشام؛ فتشاوروا فيما بينهم أنه عند رجوعه سيجعلونه إماماً لصلاتهم، مع أنه قد حارب الله ورسوله.
{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 107} حلفوا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم بعملهم هذا لا يريدون إلا الخير والصلاح، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم كاذبون في حلفهم هذا، وإنما يريدون بعملهم هذا التفريق بين المؤمنين، وإلحاق الضرر بهم.
الآية 108
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
📝 التفسير:
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} كانوا قد دعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي في مسجدهم هذا؛ فنهاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} (1) وأخبره أن مسجد قبا هو الأحق بصلاته فيه؛ لأنه قد بني على غرض عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته، ولا غرض لهم غير ذلك.{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ 108} أخبر الله سبحانه وتعالى أن القائمين على هذا المسجد رجال يحبون الطهارة الحقيقية وهي الوضوء، والطهارة المجازية وهي التخلص من الذنوب (2).

__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَحَقُّ}؟ وما محل المصدر: {أَنْ تَقُومَ فِيهِ}؟
الجواب: «أحق» خبر ومبتدأه «لمسجد». و {أَنْ تَقُومَ فِيهِ} محله الجر بباء مقدرة متعلق بأحق.
(2) -سؤال: يظهر من هذا أنكم تقولون بجواز استعمال الكلمة في معنييها الحقيقي والمجازي، فهل هذا صحيح؟
الجواب: أنا أميل إلى ذلك تبعاً لميل أصحابنا إليه، والمسألة محل خلاف بين علماء الأصول، وأدلتها في كتب الأصول كالفصول اللؤلؤية.
الآية 109
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} (2) أيهم أفضل وأحسن؟ هل الذي أسس بناء مسجده على تقوى ورضوان؟ أم الذي أسس بناءه على الباطل، فقد شبه الله سبحانه وتعالى هذا الأخير بمن يضع أساس بنائه على طرف حفرة على وشك أن تتهاوى أطرافها، فسرعان ما يسقط وينهار، يصور الله سبحانه وتعالى أن تأسيس هذا المسجد على باطل وضلال.
{فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} وأن من ذهب للصلاة فيه فهو معرض للفتنة والهلاك.
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 109} هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار لا يمدهم الله بأنوار هدايته وكانوا منافقين، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية بهدم هذا المسجد وتخريبه.
__________

(2) -سؤال: هل {جُرُفٍ} جمع جَرْف أو ماذا؟ وما معناه لغة؟
الجواب: {جُرُفٍ} مفرد مثل «عُنُق»، والجرف هي: طرف الوادي الذي جرف السيل طينه من تحت وضعف أعلاه وتصدع ولم يسقط، هذا معنى ما ذكروه في معنى: {جُرُفٍ هَارٍ}.
سؤال: مم أخذ قوله: {هَارٍ}؟ وما نوع اسميته؟
الجواب: أخذ «هار» من مصدر هار الجرف يهور هوراً، واسم الفاعل هائر وهارٍ، فإذا سقط الجرف قيل: انهار وتهور.
الآية 110
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 110} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد هدم هذا المسجد، وأخبر الله سبحانه وتعالى أن فعله هذا سيورث ريبة في قلوب أهل المسجد وحقداً عليه (1)، يسبونه ويعترضون عليه لماذا هدم مسجدهم؟ أليس مسجداً كسائر المساجد؟ وما أشبه ذلك من الانتقادات إلى أن يموتوا وهم على ذلك، وهو المراد بـ {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} (2) وأن الغيظ سيمكث في قلوبهم إلى أن يموتوا.
__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر الريبة الشك، فكيف؟
الجواب: الريبة هي الشك إلا أنه تولد منه الحقد فإنهم لما ارتابوا في تخريب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمسجدهم واستنكروه، وكبر في نفوسهم ذلك، وتساءلوا كيف يخرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسجدهم دون غيرهم حقدوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واغتاظوا عليه.
(2) -سؤال: ما وجه التعبير بـ: {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ} دون: إلى أن تقطع؟
الجواب: معنى: {تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: بالسكاكين أو بالموت لإزالة الريب، وفيه تخويف المرتابين وإدخال القلق في قلوبهم، وتوقع نزول المخوف بهم من غير جزم، هذا ما تفيده «إلا» ولو جاء بـ «إلى» لأفادت الجزم واليقين بنزول المخوف بهم وهو القتل وتقطيع محل الريب (القلوب)، والله تعالى لم يرد أن يسلط رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على قتل المنافقين ولا يريد أن يتهددهم بما لا يفعله. هذا، وتخويف المنافقين في الدنيا مما يريده الله تعالى، وهو من أنواع العذاب الذي أوعدهم إياه.
الآية 111
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (4)
فقد باعوا أنفسهم وأموالهم من الله سبحانه وتعالى، وقد جعل الجنة ثمناً لذلك.
{يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (1) يقتلون عدوهم، ويلحقهم القتل في أنفسهم.
{وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا (2) فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} وعد من الله سبحانه وتعالى بأن يوفي لهم الثمن الذي وعدهم به وهو الجنة، وهو حق ثابت، ولا بد أن يقع.
{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} يؤكد (3) الله تعالى لعباده صدق وعده، الذي كتبه في التوراة والإنجيل والقرآن؛ ليطمئن عباده المؤمنين بما عنده من الثواب العظيم لهم، {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} فافرحوا بثمن بيعكم هذا واقطعوا بالوفاء به، {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 111} الذي هو فوز على الحقيقة، حتى أنه لا يسمى فوزاً إلا هذا، وغيره لا شيء.
__________

(4) -سؤال: ما وجه التعبير بقوله: {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... }؟ ومن أي أنواع الكلام؟

الجواب: الكلام هذا استعارة تمثيلية، وهي نوع من أنواع الاستعارة (المجاز) ووجه التعبير بها كونها أبلغ من الحقيقة. بيان كون ذلك استعارة تمثيلية: أنه ذكر لفظ البيع ولفظ الشراء والثمن {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} والصك حيث كتبه في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل واحد من ذلك له معنى مجازي فبتركيب ذلك صار استعارة تمثيلية. ووجه البلاغة في هذه الاستعارة المركبة (التمثيلية): أن المقرر المعهود بين الناس أن المشتري للسلعة يلزم بتسليم الثمن عند أخذه لها أو عند حلول أجل الثمن إذا كان ديناً لا مفر له من ذلك، ويلزمه الحاكم إن مطل أو تمرد، ويمقته الناس؛ لأن البائع قد استحقه استحقاقاً، ووجب له على المشتري حتماً، وهذا أمر مفروغ منه بين الناس، فصور الله تعالى للمؤمنين بذلهم لأنفسهم وأموالهم في سبيله بصورة البيع و .. إلخ ليقرر في نفوسهم استحقاقهم للثواب العظيم والفوز الكبير بالجنة.
(1) -سؤال: ما محل جملة: {يُقَاتِلُونَ} الإعرابي؟ وما معنى الفاء في قوله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}؟
الجواب: لا محل لجملة {يُقَاتِلُونَ} لأنها مستأنفة لبيان البيع، كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم؟ فقيل: يقاتلون، والفاء سببية عاطفة، والجملة معطوفة على: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
(2) -سؤال: علام نصب: {وَعْدًا} و {حَقًّا}؟
الجواب: نصب {وَعْدًا} و {حَقًّا} بفعليهما المحذوفين.
(3) -سؤال: من أين نفهم التأكيد هنا وهو استفهام؟
الجواب: المراد أن هذا تأكيد في المعنى لما تقدم ومعناه: لا أحد أوفى بعهده من الله، فهذا المعنى يؤكد في المعنى {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ... } وهكذا قوله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ} فإنه في المعنى يؤكد ذلك.
الآية 112
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ 112} الذين أخبر (1) الله سبحانه وتعالى عنهم بأنه اشترى منهم أنفسهم، وجعل لهم الجنة ثمناً على ذلك، والذين قد وعدهم بأنه سوف يوفيهم بوعده، والذين قد بشرهم ببيعه الذي بايعهم عليه، وأنهم يستحقون الفوز العظيم وهو الجنة- هم المتصفون بتلك الصفات الحسنة ولا يستحق ذلك الوعد إلا أهل تلك الصفات وهي: أن يكونوا تائبين إلى الله سبحانه وتعالى في كل أوقاتهم وراجعين إليه، وأن يكونوا في عبادتهم منقطعين إلى الله سبحانه وتعالى، ويكونوا من أهل الحمد والشكر له على جميع ما أنعم به عليهم، فالعابدون هم الخاضعون لله سبحانه وتعالى، المتواضعون له في عبادتهم (2)،وأن يكونوا من السائحين أي الصائمين كما قال في الحديث: ((سياحة أمتي هي الصيام))، وأن يكونوا من أهل الصلاة والمداومة عليها، وأن يكونوا حريصين على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإرشاد الناس وتعليمهم أمور دينهم، وألا يتجاوزوا حدود الله سبحانه وتعالى ولا يتعدوها.
فلا بد أن يلتزم البائع نفسه لله سبحانه وتعالى بهذه الصفات، ولا يكفي ذهابه إلى المعركة فقط ويسمى شهيداً، بل لا بد مع ذلك من أن يكون على هذه الصفات، وأن يكون ملتزماً بحدود الله سبحانه وتعالى فيمتثل لما أمره به، وينتهي عما نهاه عنه.

__________
(1) -سؤال: هل تريدون أن قوله: {التَّائِبُونَ} خبر لمبتدأ محذوف فما تقديره بما يوافق السياق؟ أم أنه مبتدأ خبره محذوف؟ وما الدليل على أن هذا الوعد مختص بأهل تلك الصفات؟
الجواب: المراد أن قوله: {التَّائِبُونَ ... } خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم التائبون ... وهكذا أعربه صاحب الكشاف، أي: أنه بدأ بذكر هذا الوجه الإعرابي ثم ذكر إعرابات أخرى وتبعه المفسرون. والدليل على أن ذلك الوعد العظيم الكريم مختص بأهل تلك الصفات:
- ... أن الله تعالى قال: {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} والمؤمنون حقاً هم أهل تلك الصفات.
- ... وأن الله تعالى قال في آخر تلك الصفات: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ 112} وكان من حق السياق أن يقول: «وبشرهم» بالإضمار، إلا أنه أظهر للتنبيه على أن البشارة مختصة بالمؤمنين المتصفين بتلك الصفات؛ لذلك فيكون قوله: {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، أي: المؤمنين المتصفين بتلك الصفات.
(2) -سؤال: من فضلكم ما هو الوجه في حمل العبادة على الخضوع والتواضع؟

الجواب: المراد الخضوع لله والتواضع له بامتثال أمره، والانتهاء عن نهيه، فإذا تمرد المكلف عن شيء من ذلك وتركه فليس خاضعاً لله ولا متواضعاً، وكان عند الله من المتكبرين.
الآية 113
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ 113} حذر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من الاستغفار للمشركين، وطلب المغفرة والرحمة لهم حتى ولو كانوا من أقرب القرابة كالأب والأم.
فإذا عرف المرء أن رجلاً مات مصراً على أي كبيرة (1)ولم يتب منها- فإنه لا يجوز له أن يطلب له المغفرة والرحمة (2).
__________
(1) -سؤال: يقال: من أين أخذ هذا الحكم في صاحب الكبيرة والآية إنما نصت على المشركين؟
الجواب: أخذ ذلك من قوله تعالى في آخر الآية: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ 113} وأهل الكبائر من أصحاب الجحيم.
سؤال: قد يقال: إن العامي لا يتبين له أن صاحب الكبيرة من أصحاب الجحيم فهل يعفى عن استغفاره لصاحب الكبيرة؟

الجواب: العامي غافل عن حكم الاستغفار والدعاء بالرحمة لأهل النار أي: لمرتكب الكبيرة من المسلمين، فيعفى عنه ما دام جاهلاً للحكم، فإذا علم الحكم فيعفى حتى يعلم الكبائر وتكليف العوام دون تكليف العلماء في فروع مسائل الأصول وتفاصيلها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].

(2) - سؤال: وكيف يجاب على ما روي في كتب السير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم آذاه أهل الطائف وأغروا به سفهاءهم فرجموه حتى أدموا ساقه: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))؟
الجواب: يقال: كان ذلك قبل أن ينزل القرآن بمنع الاستغفار للمشركين. ويمكننا أن نقول: إن المراد باستغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو عدم معاجلتهم في الدنيا بعذاب، مثل قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد:6]، فالمراد هنا بالمغفرة عدم مؤاخذتهم في الدنيا.
الآية 114
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ (2) اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ 114} كان نبي الله إبراهيم عليه السلام قد استغفر لأبيه فترة من الزمن ثم إنه ترك ذلك، وكان السبب في ذلك أن أباه كان قد وعده بأن يؤمن (3) فكان إبراهيم يدعو له ويستغفر له على أساس هذا الوعد؛ فلما عرف إصرار أبيه على الشرك ترك ذلك (4)،ومعنى «أواه» هو كثير التأوه من خوف الله سبحانه وتعالى.
ومعنى حليم: كثير الحلم؛ لأنه تأنى بأبيه فلم يدع عليه.
__________

(2) -سؤال: هل «كان» هنا تامة؟
الجواب: «كان» ناقصة وخبرها: ما بعد «إلا».
(3) - سؤال: يقال: ظاهر الآية أن صاحب الوعد هو إبراهيم عليه السلام فكيف؟
الجواب: قد فسر ذلك بالوجهين كما في المصابيح، ورجح أن الواعد أبو إبراهيم، قال: وهذا أظهر. اهـ وبعد، فإن الوعد الصادر من إبراهيم لا يبرر الاستغفار، وإذا قلنا: إن الواعد أبوه بأنه سيسلم فسيظهر المبرر.
(4) -سؤال: هل لزوم التبري من الوالدين الفاسقين لا زال وارداً وجوبه؟

الجواب: التبري من أعداء الله الذين أوجب الله لهم النار واجب محتوم ولو كان عدو الله أباً أو أماً أو قريباً أو بعيداً. وعلى الابن أن يظهر كراهته وعدم رضاه بما يعمله والده من معصية الله من غير أن يعنف بهما أو يرفع صوته فوق صوتهما، ومن غير أن يدخل عليهما الأذى لقوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، فللوالدين حق على ولدهما كبير ولو كانا مشركين. والبراءة هي إنكار المنكر وإظهار كراهته وعدم الرضا به، ومعاداة صاحبه، ومحل العداوة القلب، ولا بد أن تظهر آثارها على الساحة حتى يعرف أن الرجل مجانب لأهل المنكر ومشاقق لهم.
الآية 115
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 115} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يؤاخذ خلقه على فعل معصية حتى يبين لهم أن فعلها معصية.
ومعنى يضل قوماً: يحكم بعذابهم وضلالهم (1)؛ فإذا بين لهم ما يتجنبونه ثم عصوه- فإنه حينئذ سيحكم بضلالهم، واستحقاقهم العذاب.
__________
(1) -سؤال: لكن يقال إنه سبحانه قابل بين «يضل» وبين قوله: «هداهم» ويلزم على هذا أن معنى «هداهم» حكم لهم بالهداية، والظاهر أن معناه الدلالة أو التوفيق والتنوير فكيف المخرج من هذا الإشكال؟
الجواب: المخرج من ذلك أن المعنى على حسب الظاهر بعد إذ هداهم فاهتدوا، وإذا كانوا مهتدين فهو محكوم لهم بالهدى والثواب، فمن هنا تستقيم المقابلة.
الآية 116
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 116} فما دام شأنه هكذا فاحذروه وامتثلوا لما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه؛ فأنتم في قبضته وتحت يده، ولا مفر لكم منه، وبيده حياتكم ومماتكم، ولن يدفع عذابه عنكم أحد أو ينصركم منه.
الآية 117
لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ (2)فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 117} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد تاب عليه هو ومن خرج معه إلى غزوة تبوك.
وسميت ساعة العسرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يدعو الناس للنفير إلى بلاد الروم في أشد الحر، وأقسى الظروف، وكان بعض من المهاجرين والأنصار قد أوشك على عدم الاستجابة لله ورسوله، وقد أضمروا في أنفسهم القعود عن ذلك لولا رعاية الله سبحانه وتعالى لهم؛ إذ شملهم بلطفه وقوى عزائمهم، وربط على قلوبهم؛ فأخبرهم الله سبحانه وتعالى بأنه قد تاب عليهم فيما بدر منهم (1).
ومعنى «لقد تاب الله على رسوله والمؤمنين»: رجع عليهم برحمته ولطفه.
__________

(2) -سؤال: ما السر في عدم تأنيث الفعلين: {كَادَ يَزِيغُ}؟

الجواب: تأنيث كلمة {قُلُوبُ} تأنيث مجازي، وإذا كان الفاعل ظاهراً جاز تذكير الفعل وتأنيثه، وفاعل «كاد» هو ضمير الشأن، وفاعل «يزيغ» هو «قلوب» وهذا بالنظر إلى صحة التركيب وجريه على حسب القواعد الإعرابية. وهناك سبب آخر حسن معه تذكير الفعل «يزيغ» هو إضافة الفاعل إلى لفظ مذكر «فريق» فاكتسب التذكير من إضافته إلى مذكر.

(1) -سؤال: قد يقال: هذا ظاهر في: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} وأما قوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ... } فظاهر في التوبة المطلقة للذين خرجوا، فقد يحتج بها إما على أن الله يتوب على العبد بغير توبة إذا عمل صالحاً، أو على فضل الصحابة وأنهم ليسوا كغيرهم في الجرح والتعديل، فكيف؟

الجواب: من شأن المؤمن -وإن عظمت في التقوى منزلته- أن يصبح تائباً ويمسي تائباً، ولا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه عنده متهمة، وفي هذه الآية أخبر الله تعالى أنه قد تاب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الذين خرجوا معه في جيش العسرة، ومن دعاء إبراهيم وإسماعيل ': {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 128} [البقرة]. وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يدعون الله بطلب المغفرة في آيات كثيرة من ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ 109} [المؤمنون]، {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 16} [آل عمران]. وطلب المغفرة من الله هو توبة بدليل قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا 3} [النصر]، وقد وصف الله تعالى إيمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بصفات في آخر سورة البقرة من جملتها: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ 285}. فمن هنا نقول: إن الله تعالى تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة لأنهم مستقيمون على الإيمان والطاعة والاستغفار، ولا يصح أن نقول: إن الله تاب عليهم من غير أن يتوبوا. ولا شك أن الآية تدل على فضل جيش العسرة في الجملة فقط؛ لأنه روي في التفسير عند قوله تعالى حكاية عن بعض المنافقين: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ 65} [التوبة]، أنها نزلت في منافقين خرجوا في جيش العسرة. وليس في الآية دليل على أن جيش العسرة معصومون، ولا على أن الله تعالى قد غفر لهم ما تأخر من ذنوبهم، وإنما فيها أنه تعالى قد غفر لهم ما مضى، ولا يلزم أن يغفر الله لهم ما تأخر، ولم يظهر أن أحداً من علماء الأمة يقول: إن من تاب غفر الله له ما تقدم وما تأخر من ذنوبه، بل أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين التائبين بالاستقامة في آية أخرى فقال عز وجل: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 112 وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... } [هود]، فدل ذلك على أن التائبين من المهاجرين والأنصار {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} مأمورون بالاستقامة وأنهم إذا خرجوا عن الاستقامة {وَلَا تَطْغَوْا} فإن الله يحاسبهم على طغيانهم {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 112}.
الآية 118
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه قد تاب على الثلاثة الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، وهم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك ثلاثتهم من الأنصار، وذلك أنهم أتوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد عودته من تبوك، واعترفوا له بأنهم قد أخطئوا في قعودهم مع تمكنهم من الخروج طالبين التوبة بعد أن عرفوا أنه لا مخرج لهم عند الله سبحانه وتعالى، ولا ملجأ لهم منه إلا إليه، راضين بحكمه فيهم؛ فأعرض عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يحكم فيهم بشيء منتظراً لأمر الله سبحانه وتعالى فيهم، ومنع الناس من السلام عليهم ومن محادثتهم أو معاملتهم بشيء، وجعلهم معزولين عنهم حتى عن نسائهم وأهاليهم؛ فمكثوا على هذه الحالة زماناً قال تعالى: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ (2)عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} (3) فقد ندموا على تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعرفوا ألا مهرب لهم من الله إلا إليه ولا مفر، فعندما ظهر صدق نياتهم وصدق توبتهم- تاب الله سبحانه وتعالى عليهم بعد ذلك ورحمهم، وأنزل في شأنهم قرآناً.

__________
(1) -سؤال: ما وجه التعبير بالفعل المبني للمجهول: {خُلِّفُوا} دون المعلوم: تخلفوا؟
الجواب: قد سمى الله تعالى في هذه السورة كل من لم يخرج مخلفين بالبناء للمفعول: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ} [الفتح:16]، {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} وكان التعبير في هذه الآية: {خُلِّفُوا} على هذا المنوال، وقد فسر {خُلِّفُوا} أي: عن التوبة أي: أن الله تعالى أخَّر أمر توبتهم والحكم عليهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض و ... إلخ وقد أعجبني هذا التوجيه.
(2) -سؤال: ما معنى «حتى» في الآية؟
الجواب: معناها الغاية لـ «خلفوا»، أي: خلفوا إلى أن ضاقت. وهذا واضح على التفسير الثاني المذكور في جواب السؤال السابق.
سؤال: أين جواب: {إِذَا} الشرطية في قوله: «إذا ضاقت»؟

الجواب: جوابها محذوف تقديره: تابوا ورجعوا إليه.

(3) - سؤال: كيف أخبر الله أولاً بأنه تاب عليهم، ثم بدأ في شرح حالهم، ثم أخبر بأنه تاب عليهم؟ هذا السياق ونحوه يشكل كثيراً على المرشدين؟ وهل المراد بقوله «ليتوبوا»: من أجل أن يتوبوا، فلا يتناسب مع السياق؟ أم كيف؟
الجواب: أخبر الله تعالى أولاً أنه تاب على الثلاثة الذين أَخَّر الله توبتهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، عند ذلك تابوا إلى الله، ثم تاب الله عليهم. وقوله: {لِيَتُوبُوا} أي: ليرجعوا إلى الله في المستقبل ويستجيبوا لأمره، ولا يتكاسلوا عن طاعته كما تكاسلوا من قبل، وبهذا الترتيب يظهر المعنى المراد من غير إشكال، والله أعلم. وإعادة الإخبار عن توبة الله بـ «ثم» لتفيد أنه تاب عليهم مرة بعد أخرى، أي: أنه تعالى رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى؛ ليستقيموا على توبتهم، وليتوبوا إن فرطت منهم خطيئة. هكذا وجَّه الزمخشري الآية.
الآية 119
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 119} (2)يحثهم الله سبحانه وتعالى على الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكونوا من جملة المصدقين به والمتبعين له، ويتركوا المنافقين والكاذبين فإنما يدعونهم إلى الضلال.

__________

(2) -سؤال: من أين أخذ بعضهم أن هذه الآية دليل على وجوب البحث عن الصادقين؟

الجواب: أخذ ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، أي: أن الأمر بالكون مع الصادقين يقتضي وجوب التعرف عليهم بالبحث حتى يعرفوا، وهذا إن لم يكن المأمورون عارفين لهم.
الآية 120
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ما كان ينبغي لأهل المدينة ومن حولها أن يتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج وحده إلى تبوك، ويمكثوا في المدينة، ولا يجوز لهم أن يقعدوا عن الخروج معه، وعن الجهاد معه ويعرضوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهلاك وهم في محل الأمن بين أهلهم وأولادهم.
{ذَلِكَ (2) بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 120} رغبهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بأنه سيضاعف عطاءهم إذا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيثيبهم وسيجازيهم، فلا يصيبهم ظمأ وعطش، ولا تعب ومشقة، ولا مخمصة أي شدة ومجاعة، ولا ينزلون في مكان أو يصعدون يغيضون به الكفار، ولا ينالون منهم نيلاً إلا وسينالون ثواب عملهم هذا، ويكتب لهم أجره.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما محل المصدر: {أَنْ يَتَخَلَّفُوا}؟ وما معنى: {وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ}؟
الجواب: {أَنْ يَتَخَلَّفُوا} موضعه الرفع فاعل كان التامة، ومعنى: {وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} هو: لا تفضلوا أنفسكم بالراحة وتختاروا لها السلامة والأمن وتعرِّضُوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمخاطر والشدائد وتسلموه للعدو.

(2) -سؤال: إلام أشير بقوله: {ذَلِكَ}؟
الجواب: أشير بها إلى الكون مع الصادقين وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون الذين اتبعوه في ساعة العسرة.