القرآن الكريم مع التفسير

سورة آل عمران

آية
إجمالي الآيات: 200 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 121
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ (1) الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 121} بدأ الله في هذه الآية بقصة أُحُد: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته يرتب صفوف المؤمنين وينظمها استعداداً للحرب، وتجهيز الجيش تحت قيادات منظمة، وتقسيم الأعمال بينهم.
__________
(1) - سؤال: ما معنى {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}؟
الجواب: معنى {تُبَوِّئُ}: تضع وتنزل المؤمنين في مواضع معينة، كل طائفة في مكان معين، متهيئين للقتال فيما عين لهم من المكان.
الآية 122
إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ 122} حينما كان النبي يرتب جيشه للقاء المشركين، كان هناك طائفتان من أهل المدينة هموا بالانسحاب (1)، ولكن الله ثبتهم وشد عزائمهم ووفقهم، وقد فرح هؤلاء بهذه الآية، حيث أدركهم فضل الله ورحمته بالتوفيق، وجرهم بمنه إلى ولايته ولا يخفى أن المسلمين كانوا قد هابوا مواجهة قريش ولحقهم ما لحقهم من الخوف لكثرة عدد المشركين وبسبب ذلك همت تلك الطائفتان بالانسحاب وترك القتال.
__________
(1) - سؤال: هل عُرِفت هاتان الطائفتان؟ ولماذا لم يجعلهم طائفة واحدة وفعلهم واحد؟
الجواب: الطائفتان هما: بنو سلمة وبنو حارثة، الأولى من الخزرج، والثانية من الأوس؛ لذلك لم يجعلهم طائفة واحدة.
(
الآية 123
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} ذكَّر الله المؤمنين بأن لا يخافوا من لقاء قريش حين نزلوا أحداً، وكانوا حوالي ثلاثة آلاف، وهم يومئذ قلة قليلة، إذ قد جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حوالي ألف من المقاتلين ثم انسحب ثلث هؤلاء عندما كانوا في طريقهم إلى الحرب، وهؤلاء هم المنافقون عبدالله بن أُبَيّ وأصحابه، فأخبرهم بأنه قد نصرهم في بدر وهم أذلة وقلة قليلة، وذكرهم بنعمه عليهم في ذلك اليوم ليشد عزائمهم ويجرئهم على لقاء العدو ومواجهته.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 123} (2)
اتقوا الله أيها المؤمنون ولا تتعرضوا لسخطه بمخالفة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبترك مواجهة عدوكم الذي نزل بساحتكم لاجتثاث أصلكم والقضاء عليكم.
{
______
(2) - سؤال: ظاهر الآية تعليل التقوى بالشكر، فإذا كان الشكر هو التقوى أصبح المعنى: فاتقوا الله لعلكم تتقوه، فكيف يوجه ذلك؟

الجواب: المعنى المقصود هنا بـ «اتقوا الله»: أطيعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمركم به من مواجهة قريش وقتالها في غزوة أحد، ولا تُعَرِّضوا أنفسكم لغضب الله وعقوبته إن عصيتموه ولم تطيعوا أمره، وقد كان ضعاف الإيمان يتهيبون مواجهة قريش؛ لما يعلمون من قوتهم وكثرتهم وشدتهم، وقد كان رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أهل المدينة أن يقف المسلمون في المدينة ولا يخرجوا منها، فإذا جاءتهم قريش قاتلوهم، إلا أن الكثرة الكاثرة من الشباب وغيرهم رأوا أن يخرجوا من المدينة لقتال قريش حيث نزلت من أحد، فلم يسع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخالفتهم، فألزم المسلمين وحتم عليهم الخروج إلى أحد لقتال قريش؛ لذلك قد يعتقد ضعاف الإيمان أن القعود في المدينة لا يخل بإيمانهم وشكرهم لله، فمن هنا تختلف العلة ومعلولها.
الآية 124
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ
📝 التفسير:
{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ 124} وحين عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المسلمين خافوا من مواجهة قريش وتهيبوا من قتالهم أقبل إليهم يهدئ من روعهم ويقول لهم: إن ربكم الذي نصركم ببدر سيمدكم في مواجهة قريش بثلاثة آلاف من الملائكة ينزلون من السماء مدداً لكم، وهذا المدد يصلكم عند أول المواجهة فإذا صبرتم لقتال قريش وثبتت في ميدان المعركة أقدامكم وحافظتم على تقوى الله وطاعة رسوله فسيمددكم بخمسة آلاف من الملائكة يحملون شعار القتال لنصركم وهزيمة عدوكم.
الآية 125
بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
📝 التفسير:
وما جعل الله الملائكة مدداً للمؤمنين إلا ليثقوا بنصر الله لهم ولتسكن قلوبهم من خوف العدو ومواجهته؛ فإنهم إذا علموا بذلك المدد سيثقون بنصر الله لهم وتأييده، وأما القتال فلم تقاتل الملائكة (1)، وهذا هو معنى قوله تعالى: {بَلَى إِنْ (2)
صْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} يعني يأتي عليكم المشركون من ساعتهم هذه- سوف {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ 125 وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 126}.

__________
(1) - سؤال: يقال: كيف بما روي في بدر من رؤية الملائكة مُقَاتِلَة، أم أنه غير صحيح؟
الجواب: القول الراجح الجدير بالصحة أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وقد ذكر أهل السير أسماء قتلى المشركين يوم بدر، وأسماء الذين قتلوهم، وقد قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ 12} [الأنفال]، فتدل الآية أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر لتثبيت المؤمنين وطمأنتهم، وقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} موجه إلى المؤمنين لا إلى الملائكة.
(2) - سؤال: ما معنى «بلى»؟ وهل هي من كلام المسلمين أم من كلام الباري تعالى، فما معناها؟

الجواب: «بلى» من كلام الله تعالى أي: بلى يكفيهم ذلك المدد الذي هو ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، و «بلى» حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي أو ما في معناه لإثبات ما نفي.
الآية 126
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
📝 التفسير:
وما جعل الله الملائكة مدداً للمؤمنين إلا ليثقوا بنصر الله لهم ولتسكن قلوبهم من خوف العدو ومواجهته؛ فإنهم إذا علموا بذلك المدد سيثقون بنصر الله لهم وتأييده، وأما القتال فلم تقاتل الملائكة (1)، وهذا هو معنى قوله تعالى: {بَلَى إِنْ (2)
صْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} يعني يأتي عليكم المشركون من ساعتهم هذه- سوف {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ 125 وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 126}.

__________
(1) - سؤال: يقال: كيف بما روي في بدر من رؤية الملائكة مُقَاتِلَة، أم أنه غير صحيح؟
الجواب: القول الراجح الجدير بالصحة أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وقد ذكر أهل السير أسماء قتلى المشركين يوم بدر، وأسماء الذين قتلوهم، وقد قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ 12} [الأنفال]، فتدل الآية أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر لتثبيت المؤمنين وطمأنتهم، وقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} موجه إلى المؤمنين لا إلى الملائكة.
(2) - سؤال: ما معنى «بلى»؟ وهل هي من كلام المسلمين أم من كلام الباري تعالى، فما معناها؟

الجواب: «بلى» من كلام الله تعالى أي: بلى يكفيهم ذلك المدد الذي هو ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، و «بلى» حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي أو ما في معناه لإثبات ما نفي.
الآية 127
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ
📝 التفسير:
{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أمركم الله بقتال المشركين لأجل أن يقطع طرفاً منهم أي: يقتطع بعضهم بالقتل (1).
{أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ 127} أو يهزمهم ويردهم خائبة آمالهم ومنكسرة نفوسهم؛ لأنهم إذا هزموا فالإسلام يزداد قوة، وتشتد هيبته وتزيد، وبهزيمتهم ستضعف معنوياتهم وتهون شكيمتهم (2).
__________
(1) - سؤال: هل يعني كلامكم أن قوله: {لِيَقْطَعَ} علة لمحذوف؟
الجواب: بعضهم علق {لِيَقْطَعَ} بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... }، وبعضهم علقه بقوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 126} أي: إلا كائن من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفاً، وأقرب هذين الإعرابين إلى الصحة الإعراب الثاني لقربه، إلا أني في التفسير بنيت الإعراب على المعنى، حيث إن الآيات من قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} .. إلى قوله: {لِيَقْطَعَ} تحث المسلمين على قتال المشركين يوم أحد، ومن جملة الحث على ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ... } فإنها نزلت لحث المسلمين على قتال المشركين في أحد؛ لذلك علقت {لِيَقْطَعَ} بما تفيده هذه الآيات من الأمر للمسلمين بالقتال يوم أحد.
(2) - سؤال: يقال: لا يحصل الكبت بالهزيمة إلا بقتل البعض، فكيف يوجه التخيير في الآية؟

الجواب: قد يحصل الكبت والهزيمة بغير قتال كما في يوم الخندق: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب:25]؛ لذلك يرتفع الإشكال.
الآية 128
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
📝 التفسير:
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الذي أوجبه الله عليك يا محمد أن تبلغ رسالة ربك وأن تطيعه فيما كلفك، ولست مكلفاً يا محمد بأن يسلم المشركون، ولست مسؤولاً عن إصرارهم على الشرك، فأمر ذلك إلى الله وإنزال العذاب بهم هو إلى الله، وقبول توبة من تاب منهم هي إلى الله لا إليك.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} (1) إذا تابوا، أي: المشركون.
{أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} إذا أراد الله تعذيبهم.
{فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ 128} فقد استحقوا العذاب لإصرارهم على الكفر.
__________
(1) - سؤال: علام العطف في قوله: {أَوْ يَتُوبَ}؟
الجواب: على قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ}.
الآية 129
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} هو مالك للسماوات والأرض، وما فيهما {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 129} (2) فالملك ملك الله، والعبيد عبيده، وكل ما في السماوات والأرض ملكه ومنقادون له، وهو يغفر لمن يشاء، أي: لمن هو أهل للمغفرة وهم التائبون الراجعون إليه، وليس للمصرين فلن يغفر لهم.
ويعذب من يشاء، يعني به: الفاسقين والمتمردين عليه، وليست لهم في مغفرة الله نصيب ولا حظ.
_________
(2) - سؤال: هل يمكن أن يراد بالآية: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 129} التعبير والكناية عن إحكام سيطرته على ملك السماوات والأرض، ونفوذ أمره في عبيده ولو لم يفعل المغفرة إلا لمن كان أهلاً للمغفرة أو للعذاب؟
الجواب: الآية كناية وتعبير عن ذلك، أي: عن عظيم سلطانه ونفوذ أمره في ملك السماوات والأرض وما فيهما، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وهذا المعنى واضح من سياق الآية.
الآية 130
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 130} (1) حرم الله عليهم أكل الربا؛ لأن التجارة بالربا كانت شائعة بين المسلمين والمشركين، في مكة والمدينة، وبين اليهود وغيرهم؛ فنهاهم الله عن الربا وأمرهم بتركه؛ لأن الربا كان يتضاعف، وذلك كلما طالت المدة عند المديون تضاعف عليه الدين أكثر، حتى أن المائة قد تطول المدة عليها حتى تصير خمسمائة. فأطيعوا الله، واتبعوا أمره؛ لأجل أن تفوزوا بثوابه ورضوانه.
__________
(1) - سؤال: ما هو إعراب: «أضعافاً»، وكذلك «مضاعفة»؟
الجواب: «أضعافاً» منصوب على الحالية من الربا، و «مضاعفة»: صفة لأضعافاً، وفيها نوع تأكيد.
الآية 131
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ 131} احذروها فإذا عصيتم الله وتمردتم عليه فسيدخلكم النار بين الكافرين وهذا خطاب للمؤمنين.
الآية 132
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
📝 التفسير:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 132} وحافظوا على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لتدخلوا في رحمة الله مع عباده الصالحين.
الآية 133
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} بعدما قال: أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون- أمرهم بالمسارعة إلى أسباب المغفرة، وأسبابها هي: طاعة الله وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه.
{وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ 133} فالمسارعة إلى الجنة هي بالمسارعة إلى الأسباب التي توصلهم إليها، والمتقون هم الذين لا ينتهكون حدود الله، ولا يتجاوزون تعاليمه، ويمتثلون أوامره، وينتهون عن نواهيه.
الآية 134
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
ثم وصف الله المتقين فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} (2)
يؤدون حقوق الله وما أوجب عليهم من النفقات، حتى في الأوقات العصيبة، والسنين المجدبة، وأوقات الفقر، فلا يقصرون ولا يفرطون فيما أوجب الله عليهم من الزكوات والنفقات.
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يكتمونه في أنفسهم، والمراد كظمه عن المؤمنين (1)؛ لأن الله تعالى يريد أن تبقى الأخوة بين المؤمنين والمودة؛ لأنه لو نَفَّذَ المغيظ غيظه لحصلت المشاكل بينهم، ووجد الشيطان عندئذ مدخلاً عليهم، فيكبرها في نفوسهم وتشتعل العداوة بينهم وتنهار عند ذلك الأخوة الإسلامية.
فالإنسان محل الخطأ والنسيان، ولا بد أن يقع منه الزلات: إما من كلام على غيره، أو زيادة أو نقص في حق غيره، فالمؤمن يكظم غيظه ويسكت، وحقه سوف يأتي له إن عاجلاً أو آجلاً.
{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} يتجاوز عنهم وعن خطئهم عليه.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 134} فالله يحب أهل هذه الصفات التي تقدم ذكرها.
__________
(2) - سؤال: هل يحتمل: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} أن يكون مبتدأً خبره قوله: {أُولَئِكَ}؟
الجواب: يجوز ذلك، والأولى أن يكون «الذين ينفقون» صفة للمتقين؛ ليتصل الكلام بعضه ببعض.
(1) - سؤال: من أين نأخذ أن الكظم عن المؤمنين فقط؟
الجواب: يؤخذ ذلك مما تقرر في دين الإسلام من وجوب موالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29]، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة:61]، {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73]، والمقصود: أن يكون فتح الغيظ على غير المؤمنين بالحق، وأما في حق المؤمن فالمطلوب كظمه، ولو كان الكاظم محقاً.

الآية 135
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} (2)
ومن صفات المتقين أنهم إذا زلت بهم أقدامهم في ارتكاب معصية أو فرطوا في طاعة الله تذكروا عظمة الله وجلاله وشدة غضبه وسخطه عليهم وامتلأت نفوسهم خوفاً من الله ومن عذابه ثم يبادرون إلى التوبة والاستغفار وطلب العفو من ربهم.
{فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} فهؤلاء هم المتقون الذين أعد الله لهم الجنة.
{وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 135} فلا يتباطؤون في التوبة ولا يقيمون على المعصية، وإنما يندمون عليها، ويرجعون بالتوبة، فلا يصرون عليها وهم عالمون أنها معصية لله، بل من حين يعرف أنه عصى الله، وأن الله ساخط عليه- يخاف الله ويتوب إليه.
______
(2) - سؤال: هل من فرق بين فعل الفاحشة وظلم النفس؟ فما هو؟

الجواب: الفاحشة: هي المعصية التي ظهر قبحها عند الناس من قبل أن يأتي الله بالإسلام، وظلم النفس: هو بفعل المعصية التي ليست كذلك.
الآية 136
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ 136} فهؤلاء لهم أجر عظيم، ونعم الأجر وما أعظمه من أجر أعده الله للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، ويرجعون بالتوبة إلى الله، ويخافونه، فالإنسان محل الزلل وكل ابن آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون.
الآية 137
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
📝 التفسير:
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 137} فقد مضت سنن الله فيمن قبلنا من الأمم التي كذبت برسالات ربها، فيجب علينا أن نعتبر بها، وهذا خطاب للمؤمنين أمرهم أن يسيروا في الأرض، وينظروا كيف كان عاقبة المكذبين، كانوا يسافرون إلى الشام -أي المسلمون وغيرهم- وكانوا يمرون على ديار صالح؛ فأمرهم أن ينظروا في آثارهم، وما بقي من بيوتهم، وأنهم قوم كانوا قد كذبوا نبيهم، فانظروا كيف أن الله استأصلهم وعاقبهم، وكانوا يمرون على قرى قوم لوط؛ فأمرهم الله أن ينظروا فيها، وأن يعتبروا بها، فلا يفعلوا مثل أفعالهم، فيلحقهم مثل ما لحقهم من عذاب الله، ومعنى سنن الله في الأولين: أي: عادات الله في المكذبين.
الآية 138
هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ 138} يبين الله لهم ويخبرهم بما قد مضى ليعتبروا ويعظهم الله بمواعظه ويهديهم بأنوار هداه، إلا أنه لا ينتفع بذلك إلا أهل التقوى الذين يخشون الله ويخافون عذابه.
الآية 139
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ (1)
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 139} عاد الكلام إلى ذكر غزوة أحد التي كان قد بدأ بذكرها في قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 121}، ثم فصل بوعظ وتذكير للمؤمنين، ثم عاد الكلام إلى قصة أحد فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا ... } وقع قتل كثير بين المسلمين في يوم أحد حوالي سبعين رجلاً وجرح الكثير منهم حتى لا يكاد يخلو واحد منهم إلا وأصابه جرح فيها حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أصيب بعدة جراح وكسرت رباعيته، فقال الله لهم: «لا تهنوا» أي: لا تتضعضعوا ولا تضعفوا ويستولي عليكم الهوان، ولا يصيبكم الحزن بحيث تفترون عن الحرب، وأنتم الأعلون والفائزون، فالله سينصركم والله معكم ورسوله بين أظهركم وقد وعدكم الله النصر والظفر إن كنتم مصدقين.

__________
(1) - سؤال: هل موقع جملة: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} النصب على الحال؟ فهل يؤخذ من مفهومها أن لهم أن يصالحوا ويسالموا إذا كانوا أهل ضعف وقصور عن مقاومة المشركين؟

الجواب: الجملة واقعة موقع الحال، ويفهم منها جواز مصالحة العدو مع الضعف وعدم القدرة على مواجهة العدو.
الآية 140
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} (1) فما لحقكم فقد لحق المشركين مثله في يوم بدر، قتل منكم سبعون في أحد، وهم قتل منهم سبعون في بدر.
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (2)
والأيام دول يوم لك ويوم عليك.
{وَلِيَعْلَمَ (1) اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 140} فما حصل لكم أيها المؤمنون في أحد من الهزيمة إنما هو محنة واختبار يظهر الله بها المخلصين من المؤمنين، ويظهر فيها الثابتين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل العزائم القوية، ويظهر من هو ضد ذلك، ولا يظهر هؤلاء إلا بهذه الشدائد، وهذه إنما هي كشف من الله لهم، سيظهر منازلهم في الإسلام ومراتبهم فيه لعموم الناس، وإلا فهو عالم الغيب والشهادة.
وفيها فائدة أخرى أيضاً وهي أن يتخذ الله منهم شهداء، وينيلهم الشهادة والدرجات العليا من الجنة التي لا ينالونها إلا بالشهادة.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 140} إن الله لا يحب أولئك الذين خذلوا النبي، وخذلوا الإسلام، وهربوا وعصوا الرسول؛ وتسببوا في حصول الهزيمة بسبب معصيتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومخالفتهم له.

__________
(1) - سؤال: ما هو تعريف القرح؟
الجواب: القرح في اللغة: هو الجرح.
(2) - سؤال: ظاهر المداولة أن لله شأناً في ذلك، فكيف يمكن في هزيمة المسلمين؟
الجواب: هناك أمور هي من الله، وهي:
1 - ... التخلية بين عباده للابتلاء والاختبار.
2 - ... أسباب القوة من: كثرة العدد، وكثرة المال، وكثرة الآلات، والشهرة، والمهابة؛ للابتلاء والاختبار.
3 - ... أسباب الضعف من: قلة العدد، وقلة المال، وقلة الآلات، وقلة الشهرة، وقلة المهابة.
4 - ... يرفع الله نصره وإعانته عمن يشاء من عباده بسبب ذنب ارتكبوه، أو للابتلاء والاختبار.

يفعل الله تعالى تلك الأمور أو بعضها فينتج عنها الغالب والمغلوب، وتداول الغلبة؛ من غير أن يكون لله إرادة ومشيئة فيما يحصل من ظلم وعدوان، وقتل بغير حق، وفساد في الأرض، وقد رفع الله تعالى النصر والتأييد للمسلمين في يوم أحد بسبب معصيتهم لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فنتج عن ذلك غلبة قريش وهزيمة المسلمين، والمسلمون هم الذين جروا على أنفسهم الهزيمة، وتسببوا في حصول ما حصل؛ من قتل الكثير منهم وجرح الكثير، ولم يكن لله إرادة في ذلك، والذي فعله الله وأراده وشاءه هو رفعه النصر والتأييد والمعونة بسبب الذنب الذي ارتكبه المسلمون يوم أحد.
(1) - سؤال: علام عطف قوله: «وليعلم»؟
الجواب: معطوف على مقدر يمكن تقديره بـ: لمعصيتكم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولتنازعكم ولفشلكم وليعلم.