القرآن الكريم مع التفسير

سورة النساء

آية
إجمالي الآيات: 176 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 121
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا 121} وعود إبليس ليست إلا أماني وأكاذيب، وسينصب له منبر يوم القيامة وينادي: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} [إبراهيم:22]، شامتاً بهم.
الآية 122
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا 122} (1) فهذا جزاء من عمل الصالحات، ولم يطع الشيطان، ووعد الله حق وصدق {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}.
__________
(1) - علام نصب قوله: {وَعْدَ اللَّهِ} وقوله: {حَقًّا}؟
الجواب: {وَعْدَ اللَّهِ} مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة؛ لأن مضمونها وعدٌ من الله، ويصح أن تقدر فعلاً من لفظه. و {حَقًّا} مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: يحق، وتكون الجملة صفة لوعد الله.
الآية 123
لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
📝 التفسير:
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 123} كان اليهود والمسلمون يتجادلون فيما بينهم فاليهود تقول: نحن أبناء الله وأحباؤه، والجنة لنا، وسيهب الله مسيئنا لمحسننا، وقد اختارنا الله، وفضلنا على العالمين، ولن يعذبنا، وإذا عذبنا فليس إلا أياماً معدودة وسنخرج.
والمسلمون يجيبونهم: بأنا نحن الأولى بالثواب منكم، فقد آمنا بموسى وعيسى ومحمد، ولن يعذبنا الله، فقال لهم الله جميعاً: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (2)
فالناس سواسية عند الله؛ فمن يعمل سوءاً فلا بد أن يلقى جزاءه، ولن يدفع عنه من الله أحد.
فلينتبه المرء ويتثبت ويتحقق في أمور دينه، ويطلبها من منابعها فلن ينفعه أحد، وقد علمنا من الذي ينبغي أن نتبعه، ومن سيدلنا على طريق الهدى والطريق المستقيم، والقرآن يتهدد ويتوعد أن الله لن يتنازل لأحد عن وعده، ولن تنفع عنده شفاعة أحد فليتحر كل امرئ لأمور دينه، ويبحث وينظر؛ فلا بد أن يتوصل إلى الحق والصواب بعقله إن أحسن النظر، وتجرد عن الأهواء.

__________

(2) - سؤال: هل هذا أعظم دليل يرد على من قال بأن المسلم بالنسبة لذنوبه تحت مشيئة الله؟

الجواب: في هذه الآية أكبر دليل لرد مقالة من يقول: إن عصاة أمة محمد تحت مشيئة الله، إما أن يدخلهم الجنة مباشرة، وإما أن يعذبهم في النار بقدر ذنوبهم ثم يدخلهم الجنة، فقد أبطلت هذه الآية مقالة المتمنين، ولم يبق لهم عذر ولا طمع بعدها.
الآية 124
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا 124} من آمن سواء كان ذكراً أو أنثى، وعمل الصالحات وهو مؤمن فجزاؤه الجنة عربياً كان أم أعجمياً، يهودياً أم نصرانياً، ولا دخل للعناصر في الجزاء والحساب إنما هي الأعمال. والنقير: هي النقرة التي في ظهر نواة التمر.
الآية 125
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (1) وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا 125} أخبر الله أن الدين الحق هو دين من أسلم وجهه، واستسلم وانقاد لله مع عمل الصالحات، واتبع ملة إبراهيم التي هي ملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الله تعالى قد بعثه على ملة إبراهيم.
__________

(1) - سؤال: ما معنى: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} هل من الإحسان وفعل الخير، أم من حسن العمل وإتقانه؟
الجواب: المقصود بـ {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: الإحسان بعمل الصالحات واجتناب السيئات، فمعنى: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}: انقاد لله وآمن به، ومعنى: {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: وعمل الصالحات واجتنب السيئات؛ فتكون الآية قد جمعت الإيمان والعمل.
الآية 126
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا
📝 التفسير:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا 126} (2)
فكل ما فيهما ملك له سبحانه وتعالى، وكل ما تعبدونه وتدعونه آلهة كلها ملك لله تعالى؛ فلا تعبدونها واعبدوا مالكها الذي هو مالك السماوات والأرض، فهو الذي تحق له العبادة.

__________

(2) - سؤال: ما معنى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا 126}؟

الجواب: في الآية بيان سعة علم الله وقدرته، فكل حدث وكائن وكل متحرك وساكن وصغير وكبير تحت علم الله، لا يخفى عليه شيء كان أو هو كائن أو سيكون، وكل شيء في قبضة قدرته، وهو على كل شيء قدير.
الآية 127
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا
📝 التفسير:
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} أخبر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المسلمين سيستفتونك في أمر النساء.
{قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} (1) سيخبركم الله بأمرهن وشأنهن، وكذلك القرآن سيخبركم، وقد تلا أمرهن في أول السورة: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:2]، وهذا جواب الاستفتاء، وهو الإذن من الله للرجل في الزواج باليتيمة إذا وثق من نفسه بحسن العشرة لها؛ فإن لم يثق من نفسه بحسن العشرة فليتزوج غيرها ولا يتزوجها.
{فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ}: لا توفوهن حقوقهن، وإنما تتزوجون بهن لتأخذوا أموالهن.
{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} (2)
وزواجكم بهن ليس زواج رغبة، وأما إذا كان عن رغبة ومحبة فلا بأس فيه.
{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} (3) يعني سيفتيكم الله في أمرهم؛ لأنهم كانوا لا يورثونهم، وكان عندهم أنه لا يرث إلا من حاز الغنيمة، وركب الخيل، وحمل السيف؛ فرد الله عليهم بأن للرجال نصيباً مما اكتسبوا، وللنساء نصيباً مما اكتسبن، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وقد أفتاهم الله في أمرهم في أول السورة.
{وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} وقد تقدم في أول السورة كيفية ذلك بأن يحيطوا أموال اليتامى بالحفظ، ويحافظوا عليها حتى يبلغوا سن الرشد، وأن على الولي أن يعلمه كيفية المحافظة على ماله، وإن كان الولي غنياً فليستعفف، وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا 127} حثهم الله على أن يحسنوا إلى اليتامى وإلى المستضعفين.

__________
(1) - سؤال: لماذا غاير بين إفتاء الله، وإفتاء تلاوة الكتاب؟
الجواب: المراد بإفتاء الله ما لم ينزل فيه فتوى في القرآن أو على لسان نبينه، وبإفتاء الكتاب ما قد أنزل الله بيان حكمه في القرآن.
(2) - سؤال: ما إعراب: {أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}: وكيف أفادنا نفي رغبتهم عن نكاحهن مع أننا قد نفهم إثبات رغبتهم من الظاهر؟

الجواب: «رغبت عن كذا» يفيد نفي الرغبة، و «رغبت في كذا» يفيد إثبات الرغبة، فقوله: {أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر مقدر، والمقدر متردد بين «في» و «عن» فقدرنا «عن» الذي يفيد نفي الرغبة الذي نزلت فيه فتوى الكتاب في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ... } [النساء:2]، والخوف من عدم العدل لا يحصل إلا عند عدم الرغبة في اليتيمة.
(3) - سؤال: علام عطف «المستضعفين»؟ ومن هم المستضعفون؟ وما موضع {وَأَنْ تَقُومُوا} الإعرابي؟
الجواب: المستضعفين: معطوف على «يتامى النساء». وأن تقوموا: معطوف على «يتامى النساء»، وهو مجرور، والمستضعفون هم الولدان الصغار.
الآية 128
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا (2) فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا (3)
أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} حدثت قصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أنه تصالح هو وإحدى نسائه، وهي سودة بنت زمعة بن المطلب بن الأسود؛ وكانت قد أسنت وكبرت، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أراد أن يطلقها، فخافت ذلك فقالت: يا رسول الله أنا متنازلة عن حقوقي مقابل أن تبقيني في نسائك، وسأهب ليلتي لعائشة؛ لأنها أحبت أن تموت وهي تحت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك (4).
فإذا خافت المرأة الطلاق وأرادت أن تصالحه كذلك- فالصلح أحسن من الطلاق وأفضل.
{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} (5) النفوس مجبولة على البخل والشح، فهي لا تسمح بأن تتنازل عن حقوقها إلا بتعب وشدة، ولكن الأفضل لها أن تتنازل عن حقوقها، ولو لم ترد ذلك لتفادي ما هو أعظم مما تنازلت عنه.
{وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 128} والأفضل ألا يطلقها، ويحسن إليها ولا يفارقها، وهذا هو الحل الأفضل أن تتنازل عن حقوقها مقابل بقائها تحته، والزوج ينبغي له أن يقبل هذا العرض ويرضى به.
__________

(2) - سؤال: لماذا غاير بين النشوز والإعراض؟
الجواب: النشوز: هو كراهة الزوج لزوجته أو العكس، والإعراض: هو أن يعبس في وجهها، ويترك جماعها والانبساط إليها، فبينهما تغاير، فالكراهة أمر نفسي، والإعراض عملي ناتج عن الكراهة وقد ينتج عن غير كراهة.
(3) - سؤال: إلام يعود الضمير في «عليهما»؟

الجواب: يعود إلى الزوجين وهو ظاهر في قراءة نافع: {لله} فتحمل القراءة الأخرى عليها.
(4) - سؤال: قد يقال بأن في ذلك ظلماً للمرأة حيث يطلقها لا لسبب إلا كبر السن، فكيف تفسرون ذلك؟
الجواب: أوجب الله تعالى على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، فإذا نفرت نفسه عنها ولم يستطع حسن عشرتها لكبر سنها وعدم رغبته فيها، وهي مصرة على استيفاء حقوقها، وحينئذ لا مفر للزوج من ضائقتين سيئتين: الأولى: الإساءة إلى الله بمعصيته في عدم القيام بحقوق زوجته إن أمسكها. الثانية: إدخال المساءه إلى زوجته إن فارقها.
(5) - سؤال: لم يظهر لنا تفكيك: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} فلو بنيناها للفاعل فكيف يكون التركيب؟
الجواب: على البناء للفاعل: وأحضر الله الأنفس الشح، والمعنى: جعل الله الشح حاضراً في نفوس البشر مطبوعاً فيها لا يزول.
الآية 129
وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (1) فالإنسان ولو حرص على أن يعدل فلن يستطيع، ولا بد من الميل، والمراد به: في الحب، والجماع؛ فإذا كان الأمر كذلك- فاعدلوا في البيتوتة بينهما والنفقة اللذين هما تحت قدرة المرء واستطاعته، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالتي ليست متزوجة ولا مطلقة.
{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا 129} وتعدلوا بينهن ولا تطلقوا.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعدل بين نسائه ويقول: ((هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك))، فالحب غريزة مطبوعة من الله.
__________
(1) - سؤال: قد يستدل بهذه الآية على لزوم الواحدة فقط نظراً إليها مع قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء:3]، فكيف يوجه الكلام في ذلك؟
الجواب: من عرف من نفسه أنه لا يستطيع العدل فيما أوجب الله عليه من العدل وهو البيتوتة والنفقة وكف الأذى فلا يجوز له الزيادة على واحدة، فهذا هو معنى الآيتين وتفسيرهما.
الآية 130
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا
📝 التفسير:
{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا 130} إذا تفرق الزوجان وطلقها الزوج فسوف يغني الله كل واحد، وعداً منه؛ فلا يظن أحدهما أنه قد انتهى كل شيء، فسوف يعوض الله كلاً منهما (2).
__________

(2) - سؤال: هل المراد بالإغناء أن يعوض كل واحد منهما زوجاً؟
الجواب: الإغناء في الآية مطلق يصدق على أن يغني كلاً منهما بزوج، ويصدق على الإغناء بالقناعة أو بالمال أو بما يسد النقص الحاصل من الفراق.
الآية 131
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا
📝 التفسير:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فهو مالك لهما وهما في قبضته، فسوف يغني كل واحد منهما من فضله.
الآية 132
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا 131} (1) أخبر الله المؤمنين بأنه قد وصاهم، وقد أوصى أهل الكتاب بتقواه وعدم مخالفة أوامره، وإن لم تطيعوه ولم تتقوه فله ملك السماوات والأرض ووبال كفركم عائد عليكم، والله غني عن طاعتكم وتقواكم لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وهو المحمود الذي تنطق بحمده أجرام السماء والشمس والقمر والرياح والسحاب والمطر، وحتى جوارحكم أيها العصاة المتمردون فإنها تنطق (2) بعظيم فضل خالقها وكريم نعمته وجميل منته.
__________
(1) - سؤال: هل معنى حميد: محمود، فهو من باب (فعيل بمعنى: مفعول)؟
الجواب: معنى حميد: محمود، إلا أنها جاءت على صيغة «فعيل» لتفيد معنى الثبوت والدوام «صفة مشبهة».
(2) - سؤال: كيف يكون نطق الجوارح والأجرام بحمد الله؟
الجواب: نطقها هو بلسان الحال بما فيها من الشواهد والدلائل على عظمة الله ووحدانيته ودلائل رحمته وإحسانه وفضله وإنعامه.
الآية 133
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا
📝 التفسير:
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا 133} فهو قادر على أن يذهب الناس جميعاً من وجه الأرض، ويستبدل بهم غيرهم؛ فاحذروه ولا تتمردوا عليه وسارعوا إلى سبل رضوانه.
الآية 134
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
📝 التفسير:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا (3)
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا 134} من أراد خير الدنيا فالله عنده خير الدنيا والآخرة؛ فلماذا لا تطلبون ثواب الدنيا والآخرة، وتقبلون إليه؛ لتنالوا الدنيا والآخرة، ولستم في حاجة إلى أن تعصوه لتحصلوا على الدنيا، فهي بيد الله، وستحصل لكم الدنيا في طاعته، وطاعته من أسباب الرزق قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق]، بالإضافة إلى نيل ثواب الآخرة.
ولا رزق في الواقع إلا ما احتاجه الإنسان أما ما جمعه، ولم يأكله فليس رزقاً، وإنما طمع الإنسان وحرصه يدفعه إلى ذلك، والله قد تكفل برزق الإنسان، وسيعطيه ما يسد حاجته وحاجة من يعوله، وما زاد على ذلك فليس له، وإنما هو حساب ووبال في الآخرة إذا اكتسبه من غير طرقه، وفي الدنيا هو عليه تعب وعناء.

__________

(3) - سؤال: ما الوجه في التعبير عن عطاء الدنيا بالثواب؟

الجواب: الوجه أن الآية نزلت فيمن يطلب بجهاده الغنيمة.
الآية 135
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (1) أمر الله المؤمنين بالقول بالحق، وبأن يقيموا الشهادة الحق، ولو على أنفسهم أو أقاربهم، فريضة من الله أوجبها عليهم بأن ينطقوا بالحق ويشهدوا به ولا يكتموه.
{إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} فلا تترك الشهادة لأجل أن المشهود عليه فقير فالله أولى بالفقير منك، أو لأجل أن المشهود غني فالله أولى بالغني والفقير منك، أو لأجل طمعك فيما في يد الغني، فاشهد ولو أقمت الشهادة على فقير فالله أولى به، وكذلك لو أقمتها على غني أو قريب.
{فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} (2) تحروا الحق والشهادة بالعدل ولا تعدلوا بالشهادة وتميلوا بها مع هوى أنفسكم.
{وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 135} إذا لويتم في الشهادة وغيرتموها عن وجه الحقيقة، أو أعرضتم عن الشهادة وأبيتم إقامتها فالله سيجازيكم على ذلك، وهو مطلع على أعمالكم، وعلى ما في ضمائركم؛ فلا تُعَرِّضوا أنفسكم لسخط ربكم وعذابه فإنه يعلم سرائركم وضمائركم وجميع أعمالكم ومرجعكم إليه للجزاء.

__________
(1) - سؤال: هل المراد بالشهادة على النفس الإقرار بالحقوق؟
الجواب: الشهادة على النفس هي الإقرار بالحقوق.
سؤال: وهل الإنصاف من الشهادة على النفس؟
الجواب: الإنصاف هو من العدل، وإذا كان فيه إقرار بحق فهو من الشهادة على النفس.
(2) - سؤال: ما موضع: {أَنْ تَعْدِلُوا} الإعرابي؟
الجواب: موضعه الجر على تقدير: كراهة أن تعدلوا، أو: إرادة أن تعدلوا.
سؤال: هل قوله: {تَعْدِلُوا} من العدل أو من العدول، أو منهما جميعاً؟
الجواب: يجوز أن يكون من العدل ومن العدول، والمعنى على أي التقديرين صحيح كما ذكرنا في جواب السؤال السابق. [على معنى حميد].
الآية 136
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} دعا الله تعالى الذين آمنوا بألسنتهم (2) إلى الإيمان بالله ورسوله حق الإيمان، والتحقق بالتصديق الصادق.
{وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} وآمنوا بالقرآن؛ لأنه قد كثر الذين آمنوا بألسنتهم في المدينة من المنافقين؛ فأمرهم الله بالتصديق وحثهم على صدق الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن وبما أنزل الله على عيسى وموسى عليهم السلام والذي يراد منهم هو الإيمان الذي يصدقه العمل، فمن صَدَقَ إيمانُهُ حَسُنَ عمله وسمع وأطاع لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحافظ على أوامر الله وفرائضه واجتنب معاصي الله وخشع وتواضع لله.
{وَالْكِتَابِ (3)
الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} التوراة والإنجيل وجميع ما أنزل الله من الكتب على أنبيائه.
{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا 136} فقد توغل في الضلال وابتعد عن الحق وهوى في الهلكة.
__________

(2) - سؤال: من أين نستفيد أن المدعوين هم المؤمنون بألسنتهم؟
الجواب: نستفيده من السياق الذي انساق ابتداء من هذه الآية إلى عدة آيات.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر «الكتاب» مفرد فما وجه حمله على التوراة والإنجيل؟
الآية 137
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا 137} أراد به أولئك المنافقين الذين في المدينة دخلوا في الإيمان، ثم نقضوا إيمانهم بالنفاق، ثم آمنوا، ثم كفروا وازدادوا كفراً؛ فهؤلاء لا حظ لهم في مغفرة الله، ولا نصيب لهم في هدايته.
الآية 138
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
📝 التفسير:
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 138} لأنهم جمعوا بين الكفر وكيد الإسلام والمسلمين من داخله، فكانوا أضر من الكفار، قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون:4].
الآية 139
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
📝 التفسير:
{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} كانوا يوالون اليهود ويناصحونهم ويزعمون أنهم مؤمنون، وهذه صفات المنافقين.
{أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا 139} (1) ما هي علة المنافقين؟ وما هو السبب الذي دعاهم إلى موالاة الكافرين ومناصحتهم؟ أيطلبون بذلك أن يتقووا بهم ويعتزوا؟ فإذا كان ذلك مطلبهم فقد أخطأوا طريق العزة والقوة، فليس للكافرين عزة ولا قوة، ولا بأيديهم شيء من ذلك، والعزة كلها لله وبيده يعطيها لأوليائه المؤمنين.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: «جميعاً» حال؟ فمن ماذا؟
الجواب: يعرب «جميعاً» حالاً من الضمير المستقر العائد على اسم «إن»، والعامل فيه وفي الحال متعلق الجار والمجرور، وجميعاً: هي من الألفاظ المفيدة للتوكيد، وهي مأخوذة من «جَمْع» مصدر جمع يجمع.
الآية 140
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
📝 التفسير:
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ (1) آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا (2) فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} كان المنافقون يجالسون اليهود والكفار، ويسمعونهم يستهزئون بالقرآن وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينكرون عليهم، فأخبرهم الله تعالى بأنه قد أنزل عليهم في الكتاب قبل هذه الآية ألا يقعدوا معهم، وأنهم إن فعلوا ذلك فهم مثلهم في الكفر.
{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا 140} لا خير في المنافقين وإيمانهم مدخول، وهم عند الله من أهل جهنم، فلا تركنوا إليهم أيها المؤمنون.
__________
(1) - سؤال: ما موقع: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ} الإعرابي؟
الجواب: ليس لها محل من الإعراب؛ لأنها جملة مفسرة و «أن» للتفسير.
(2) - سؤال: قوله: {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أليس مفهومه جواز مجالستهم إذا خاضوا في أحاديث أخرى؟ فكيف نعمل بما ورد من النهي نحو: ((فإذا كان من الغد كان أكيله وشريبه))؟
الجواب: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فكانوا يجالسون اليهود، ويسمعون كفرهم بالقرآن واستهزاءهم به، فنهاهم الله عن ذلك، وأباح لهم الجلوس عندهم إذا خاضوا في حديث ليس فيه كفر ولا استهزاء، وجاز ذلك لأسباب منها:
- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كانوا في حال الدعوة إلى الإسلام، ومن شأن الدعاة إلى الله وإلى دينه أن يدخلوا بين أوساط الناس ومَحَالّ تجمعهم في نواديهم ومجالسهم ومَحَالّ اجتماعهم.
- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كان بينهم وبين اليهود عهد وصلح مبني على شروط تفيد التعاون، وحفظ الأمن والتعايش، وحرمة المدينة، وعدم موالاة المشركين، وهو عهد طويل مذكور في السير، فيحمل النهي الوارد في الخبر ونحوه على ما إذا خلي الحال من هذين السببين ونحوهما.