القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنعام

آية
إجمالي الآيات: 165 • المفسرة: 1 (1%)
الآية 121
وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (2)
المذبوح الذي لم يذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه نهى الله سبحانه وتعالى عن الأكل منه، كالميتة وذبائح المشركين؛ لأنه فسق وخروج عن أمر الله.
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يوحي الشياطين إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم أيها المؤمنون لماذا لا تأكلون مما ذبحه الله.
{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 121} (1) إذا رضيتم لهم في قولهم هذا وأطعتموهم- صرتم مشركين مثلهم.

__________

(2) -سؤال: هل يؤخذ من الآية أن الذبيحة التي لا يسمى عليها محرمة لا يجوز أكلها؟ وما حكم الناسي مع دليله أيدكم الله بتأييده؟

الجواب: يؤخذ من الآية تحريم أكل كل ذبيحة لم يسم الله عليها عند ذبحها، والتحريم في هذه الآية يعم ذبيحة الكافر والمسلم التارك لذكر اسم الله على الذبيحة عامداً أو ناسياً. وحكم ناسي التسمية هو حل ذبيحته لحديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) وحل ذبيحته هو مذهب القاسم والهادي ' وجماعة من الصحابة والتابعين، وهذا -أي: قول القاسم والهادي وغيرهم- هو الذي رجح القول بالحل؛ لضعف عموم الحديث عن عموم القرآن.
(1) -سؤال: ما سبب سقوط الفاء من الجواب مع كونه جملة اسمية؟
الجواب: يمكن أن يقال: إن قوله: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 121} جواب قسم محذوف وهو ساد مسد جواب الشرط.
سؤال: لماذا حُكِمَ بالشرك في ظاهر الآية على من أكل الميتة؟
الجواب: حكم بالشرك في هذه الآية على من أطاع المشركين في حل الميتة ودان بدينهم فيها وذلك من حيث أن مطيعهم قد جعلهم أهلاً لتشريع الشرائع والسمع والطاعة بالالتزام بها والتعبد بمقتضاها، وذلك لا ينبغي ولا يجوز إلا للإله الحق رب العالمين.
الآية 122
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (1)
كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ (2) لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 122} أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه لا يستوي من كان ميتاً ثم أحياه الله بالإسلام فاهتدى (3) وآمن، هو والذي في ظلمات الجهل ولم يهتدِ، والشيطان وأولياؤه هم الذين يزينون للمشركين الباطل والشرك وعبادة الأصنام وأكل الميتة.

__________

(1) - سؤال: هل معنى {فِي النَّاسِ} بين الناس أم كيف؟

الجواب: معنى يمشي به: يهتدي به إلى طرق مصالحه في الأرض، إلا أنه لما كان الناس هم أهل الأرض وسكانها الذين خلق الله لهم ما في الأرض جميعاً، وهم مكان حكمة خلق الله تعالى للأرض حيث كلفهم حمل دينه والعمل بشرائعه و .. إلخ، فلما كان الأمر كذلك عبر بالناس مكان الأرض إما لأنهم جزء من الأرض، وإما لأنهم عليها ومستوطنون فيها وكونهم جزأً من الأرض لأنهم خلقوا من ترابها، وعلى هذا فيكون «الناس» من المجاز المرسل لعلاقة الجزئية أو المظروفية. وقد قالوا: لا يصح استعمال الجزء إلا إذا كان له خصوصية كالعين في الجاسوس، وهاهنا الخصوصية أن معرفة أهل الحق وأهل الباطل ودعاة الحق ودعاة الباطل والاطلاع على أعمال المخلصين وسيرهم وعلى أعمال المنافقين وسيرهم و ... إلخ هي المقصود الأعظم الذي يراد من النور.
(2) - سؤال: ما معنى قوله: {كَذَلِكَ زُيِّنَ}؟
الجواب: المعنى أن الشيطان زين للكافرين أعمالهم الخبيثة تزييناً مثل تزيين الله تعالى دين الحق للمؤمنين فكل من الكافرين والمؤمنين قد حسن في قلبه ما هو فيه من العمل.
(3) -سؤال: هل يصح أن يحمل الإحياء على الاهتداء بنور العلم والمعرفة؟
الجواب: ذلك هو المعنى المقصود في الآية.
الآية 123
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 123} (3) أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن كل قرية بَعَثَ فيها نبياً فإن أكابر أهلها يقومون في وجوه أنبيائهم، ويحاربونهم ويمكرون بالمؤمنين، وكذلك هؤلاء الذين بعثت فيهم يا محمد يمكرون بالإسلام وبأهله، ويستهزئون بهم، ويحاربون الدين، ويصدون الناس عنه، ولكنهم بهذا لا يضرون إلا أنفسهم، وذلك باستحقاقهم سخط الله سبحانه وتعالى وعذابه، والله سبحانه وتعالى سيظهر دينه ولو كره المشركون، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يمنعهم من ذلك لفعل، ولكن حكمته اقتضت التخلية فيما بين خلقه ليترتب على ذلك الجزاء، والجعل (4)
هنا هو التخلية بين الأنبياء وأعمالهم وبين المجرمين وأعمالهم.

__________

(3) -سؤال: هل اللام في قوله: {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} للتعليل أو للعاقبة؟
الجواب: اللام هي لام العاقبة، وهي أصلاً للتعليل ثم استعيرت للعاقبة.
(4) -سؤال: كيف كانت التخلية جعلاً؟

الجواب: لما كانت التخلية سبباً في حصول ما يحصل من مكر المجرمين وكيدهم وعداوتهم لأهل الحق والتخلية هي من الله وبفعله ساغ أن ينسب ما يحصل بها إلى الله على سبيل المجاز المرسل.
الآية 124
وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ} (1) كان المشركون أهل تكبر يحبون الرياسة والوجاهة والتعالي على الناس؛ فإذا جاءتهم آية تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كذبوا بها، وقالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي أنبياء الله ورسله، فرد الله سبحانه وتعالى فقال: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ} فلا يؤتيها إلا لمن علم أنه أهل لحملها وتبليغها.
{سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ 124} (2) أكابر المجرمين الذين تكبروا وتمردوا سيجازيهم الله سبحانه وتعالى من جنس أعمالهم، فسينالون بدل الرياسة والشرف والكبر في الدنيا الصغار وهو الذل والخزي والهوان. وقد نزلت هذه الآية في أكابر قريش ورؤسائها.
__________
(1) -سؤال: هل يريدون بما أوتي رسل الله النبوة والمعجزات؟
الجواب: يريدون النبوة: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء:93].
(2) - سؤال: هل «ما» في قوله: {بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ 124} موصولة أو مصدرية؟
الجواب: هي مصدرية وليست موصولة للسلامة من كثرة التقدير.
الآية 125
فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الذي آمن واستجاب من أول ما بلغته الدعوة فهذا هو الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يهديه، ومن أراد الله سبحانه وتعالى أن يهديه شرح صدره ووسعه، وجعل له راحة في صدره (3).
{وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} إن من أعرض عن دعوة أنبياء الله ورسله عليهم السلام وكذب بها حين وصلته سيحرم من الألطاف والتنوير وسيتركه الله لشأنه جزاءً على تكذيبه وكفره، وبحرمانه من رحمة الله وألطافه تضيق به الدنيا وتكثر في صدره الهموم فلا يتسع صدره بعد ذلك للإسلام والهدى (1).
{كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ 125} يجعل الله سبحانه وتعالى هذا الضيق على هذا الذي رفض الهدى عندما جاءه ولم يؤمن به (2).

__________

(3) -سؤال: من فضلكم ما هو الدليل على أن المراد بالهداية هنا هدى المجازاة؟

الجواب: الدليل هو أن الهداية التي بمعنى الدلالة يعطيها الله تعالى لعموم المكلفين لقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17]، فلما خص الله تعالى في هذه الآية الهداية بالمسلم دون الضال علمنا أنه أراد بها الهداية التي بمعنى الثواب والجزاء.
(1) -سؤال: كيف صح أن يكون سلب الألطاف والتنوير إضلالاً؟ وما معنى {حَرَجاً}؟ وما إعرابها؟
الجواب: حرمان المعرضين عن الإسلام من التنوير والألطاف سبب أو كالسبب في استرسالهم في الضلال والتوغل فيه، فجاز لذلك أن يقال على سبيل المجاز المرسل: إن الله أضلهم، من إقامة المسبب عن السبب. ومعنى {حَرَجاً} ضيقاً شديد الضيق وهو وصف بالمصدر، ويعرب صفة لضيقاً، أو مفعولاً ثالثاً.
سؤال: ما معنى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} وما إعرابها؟
الجواب: تفيد هذه العبارة: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} المبالغة في وصف صدر الضال بالضيق حيث بلغ به الضيق إلى حد يشابه فيه من يحاول ما لا يقدر عليه بحال وهو صعود السماء، أو يشابه من يتنفس الصعداء وينفخ في السماء رافعاً رأسه إلى السماء لأخذ الهواء ورده، والجملة في محل نصب حال أي: مشابهاً من يتصعد في السماء.
(2) -سؤال: ما وجه تسمية الضيق بالرجس؟
الجواب: سمي الضيق رجساً لأنه أثر من آثار الضلال والكفر ونتيجة من نتائجه، والضلال والكفر رجس، أو أنه سمي رجساً لأنه ناتج عن عقوبة نازلة من الله، والعقوبة هي حرمان الضال من الألطاف والتنوير وزيادة الهدى.
الآية 126
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الصراط المستقيم والدين الحق الذي لا عوج فيه.
{قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ 126} وضحنا الآيات لمن أراد أن يذَّكَّرها، فمعرفة الله سبحانه وتعالى ووحدانيته وإلهيته موجودة في العقل، وقد فطره الله سبحانه وتعالى على ذلك، والله سبحانه وتعالى يفصل آياته لمن تذكرها وعقلها، وبحث في عقله وفكر فيها، فآيات الله سبحانه وتعالى تثير العقل وتجعله ينظر فيها، وهي مطابقة لما ركزه الله سبحانه وتعالى في عقله إذا تأمل فيها وتفكر (1).
فالأوهام والعادات التي نشأوا عليها في الجاهلية قد غطت عقولهم واستولت عليها، فأنزل الله سبحانه وتعالى آياته لتزيل هذه الأوهام والعادات، إذا تفكروا فيها وتذكروها.

__________
(1) -سؤال: قد يقول القائل: إذا كان هذا هو الواقع فلسنا بحاجة إلى أن ندرس في كتب أصول الدين من أجل معرفة الله فكيف يرد عليه؟
الجواب: القرآن حجة الله على عباده المكلفين إلا أنه لا بد له من تراجمة يبينونه للناس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته هو المبين: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل للقرآن تراجمة بعد عهده يترجمون للناس ما أنزله الله تعالى في الكتاب الكريم فقال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر المشهور: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يبين للناس أصول الدين من فوق المنابر، وخطبه عليه السلام محفوظة إلى اليوم في أصول الدين وفي غيره، فلما كان عصر التأليف والتصنيف ألف تراجمة القرآن «أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم» كتباً في أصول الدين ترجموا فيها ما جاء في الذكر الحكيم من معارف أصول الدين وبينوها للناس كما يشاء الله؛ لذلك فلا غنى بالناس عن نبي الإسلام، ولا عن خليفته علي عليه السلام، ولا عن أهل البيت عليهم السلام؛ ليبينوا للناس أحكام القرآن وشرائع الفرقان، من أصول الدين ومن غيره من علوم الإسلام وشرائعه.
الآية 127
لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} هؤلاء الذين يتذكرون بآيات الله سبحانه وتعالى ويستجيبون لها؛ فلهم الجنة.
{وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 127} فالله سبحانه وتعالى ناصرهم بسبب أعمالهم في الدنيا والآخرة.
الآية 128
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} المشركين والكفار. وعند حشرهم يخاطبهم الله سبحانه وتعالى فيقول: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} (1) قد اقتطعتم في صفكم أكثر الإنس (2).
{وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} استمتعنا بالجن في الدنيا، واستنفعنا بهم فيها وتمتعنا، وهم قد استمتعوا بنا (3).
{وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا} الأجل الذي كتبته لنا، وهو القيامة.
{قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} ليس معناه أنهم سيخرجون من النار؛ لأن المسلمين قد أجمعوا على عدم الخروج من النار لأنهم كفار، والمراد بقوله: {إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} المراد بهذا الاستثناء أن خلود أهل النار بمشيئة الله ولو شاء لم يخلدهم فيها، وقد أخبر تعالى أن الكفار لا يخرجون من النار إطلاقاً وأنهم خالدون فيها أبداً.
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ 128
__________
(1) -سؤال: ما موضع: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} الإعرابي؟
الجواب: موضعه النصب، مقول قول محذوف.
(2) - سؤال: ما معنى اقتطاعهم لأكثر الإنس؟ هل أدخلوهم فيما دخلوا فيه؟
الجواب: المعنى أنهم أدخلوهم فيما دخلوا فيه من الضلال.
(3) -سؤال: ما صور استمتاع الجن بالإنس والعكس؟
الجواب: استمتاع الإنس بالجن هو أن الجن أوصلوهم إلى شهواتهم وإشباع رغباتهم وأهوائهم، وعلموهم السحر وكيفية الانتفاع به، وبما يوصلونه إلى الكهنة من السمع المسترق. واستمتاع الجن بالإنس معنوي هو: السيطرة على الإنس بوساوسهم والتعاظم بطاعتهم لهم، فكانوا بسبب ذلك بمنزلة الأرباب لهم.
الآية 129
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
📝 التفسير:
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 129} يسلط الله سبحانه وتعالى بعض الظالمين على بعض بسبب أعمالهم وذنوبهم (1).
{
__________
(1) -سؤال: من أي ناحية صارت التولية بمعنى التسليط في قوله: {نُوَلِّي}؟ وما المقصود بكذلك قبلها؟ وما إعراب بعضاً الثانية؟
الجواب: نقل في المصابيح عن البرهان: وقد تكون التولية بمعنى التسليط أي: التخلية من التوفيق فيتعدى بعضهم على بعض، ويظلم بعضهم بعضاً .. إلخ، وفيها أيضاً: وجه التشبيه في «كذلك» تقديره: كذلك التولي بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الأعمال، توليتنا إياهم بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على استحقاق، ونقل فيها عن الهادي عليه السلام قوله: ومنها تسليط بعضهم على بعض، وذلك قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 129}. و «بعضاً» الثانية: المفعول الثاني لنولي، أو منصوب على نزع الخافض أي: على بعض.
(2) -سؤال: كيف عبر بـ: {رُسُلٌ مِّنكُمْ} ولم يُعلم رسول من الجن، وإنما الرسل من الإنس؟

الجواب: قد يكون ذلك من باب التغليب، أو يعود إلى الإنس خاصة لعدم اللبس لوجود قرينة وهي العلم بأن الرسل من الإنس.
الآية 130
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ
📝 التفسير:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} يناديهم الله سبحانه وتعالى ثم يخاطبهم قائلاً: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ (2)
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} يخبرونكم بآيات الله سبحانه وتعالى وبيناته.
{وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} ويحذرونكم يوم القيامة والبعث والحساب.
{قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا} قالوا: نعم نحن نقر بأنه قد جاءتنا الرسل فكذبنا بها.
{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ 130} غرتهم الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها وملذاتها فمالوا إليها وتركوا الإيمان والهدى، وشهدوا يوم القيامة أنهم كانوا كافرين بالله ورسله.
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} يخبرونكم بآيات الله سبحانه وتعالى وبيناته.
{وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} ويحذرونكم يوم القيامة والبعث والحساب.
{قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا} قالوا: نعم نحن نقر بأنه قد جاءتنا الرسل فكذبنا بها.
{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ 130} غرتهم الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها وملذاتها فمالوا إليها وتركوا الإيمان والهدى، وشهدوا يوم القيامة أنهم كانوا كافرين بالله ورسله.

__________

(2) -سؤال: كيف عبر بـ: {رُسُلٌ مِّنكُمْ} ولم يُعلم رسول من الجن، وإنما الرسل من الإنس؟

الجواب: قد يكون ذلك من باب التغليب، أو يعود إلى الإنس خاصة لعدم اللبس لوجود قرينة وهي العلم بأن الرسل من الإنس.
الآية 131
ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ (1) مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ 131} اقتضت سنة الله سبحانه وتعالى وحكمته ألا يؤاخذ أهل القرى بمعاصيهم وكفرهم، وهم غافلون عن شريعة الله سبحانه وتعالى، ولم يكونوا قد علموا بها، ولم تكن قد بلغتهم دعوة الرسل، وهذا هو المراد بغفلتهم.
__________
(1) -سؤال: إلامَ الإشارة بقوله: {ذَلِكَ}؟ وما إعرابها؟ وما إعراب: {أَن لَّمْ يَكُن}؟
الجواب: «ذلك» إشارة إلى إرسال الله تعالى للرسل إلى عباد الله، وإنذارهم لهم، وتعرب الإشارة خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر ذلك. و {أَن لَّمْ يَكُن} مؤول بمصدر مجرور بلام الجر «لام العلة» أي: لعدم كون ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون.
الآية 132
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ 132} (2)
الثواب والعقاب درجات متفاوتة، وكل امرئٍ على حسب عمله في الدنيا، وكل سينال على قدر عمله، لا يخفى على الله سبحانه وتعالى شيء مما عمل.

__________

(2) -سؤال: يقال: ما الذي يدلنا على أن {لِكُلٍّ} يعود إلى الثواب والعقاب؟
الجواب: المراد أن الثواب والعقاب درجات متفاوته وسيلقى كل عامل جزاء عمله بقدر ما يستحقه فمن زاد عمله كان في درجة أرفع ممن دونه في العمل.
سؤال: ما معنى: {مِّمَّا عَمِلُوا} وما إعرابها؟

الجواب: {مِّمَّا عَمِلُوا} جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لدرجات، و «ما» مصدرية أو موصولة، أي: من عملهم، أو من الذي عملوه، والمعنى: أن لكل درجات من أعمالهم صالحة أو سيئة فتكون درجة كلٍّ بقدر العمل الصالح أو السيئ.
الآية 133
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ
📝 التفسير:
{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} (1) فليس محتاجاً إلى المشركين، وهو غني عنهم، غير أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده حين يناديهم لأجل أن يدخلهم في رحمته التي وسعت كل شيء.
{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم (2) مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ 133} فهو غني عنكم، ولو أراد أن يستأصلكم، ويخلق بدلاً منكم قوماً آخرين مثلما خلقكم وأنشأكم من ذرية قوم آخرين لفعل.
__________
(1) -سؤال: هل يمكن أن تكون رحمته هنا في عدم استئصالهم والاستخلاف بدلهم؟
الجواب: رحمته هنا هي إمهالهم والتأني بهم وعدم استئصالهم مع أنهم قد استحقوا العذاب.
(2) -سؤال: بم تعلق قوله: {مِن بَعْدِكُم}؟ وما إعراب: {كَمَا أَنشَأَكُم}؟
الجواب: {مِن بَعْدِكُم} جار ومجرور حال من الاسم الموصول الذي بعده. {كَمَا أَنشَأَكُم} جار ومجرور صفة لمصدر محذوف.
الآية 134
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ 134} أكد الله سبحانه وتعالى لهم بأن ما وعدهم على لسان رسوله في القرآن لا بد أن يقع، ولن يعجزوا الله، ولن يستطيعوا الهرب من قبضته.
الآية 135
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ (3)
إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 135} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لقومه: اعملوا جهدكم في كفركم وباطلكم، وأنا سأعمل جهدي في تبليغ رسالتي، وسوف تعرفون من الذي هو على الحق؟ ومن ستكون العاقبة الحسنة له؟ وأنتم تعلمون عاقبة الظالمين بأنهم لا يفوزون في نهاية الأمر، وأن عاقبتهم تكون الخسران والبوار.

__________

(3) -سؤال: هل قوله: {مَكَانَتِكُمْ} اسم أو مصدر؟ وعلى أيهما كان بمعنى الجهد؟ وهل يصح أن يكون بمعنى الطريقة؟

الجواب: قال صاحب الكشاف: المكانة تكون مصدراً يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة، وقوله: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} يحتمل: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ... إلى آخر كلام صاحب الكشاف. فكما ترى فقد ذكر الزمخشري التفسيرين الذي ذكرته والذي ذكره السائل.
الآية 136
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
📝 التفسير:
{وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ (1) وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا} كان المشركون أهل رعي، وأصحاب إبل وبقر وغنم وماعز؛ فقسموا هذه الأصناف، فجعلوا لله سبحانه وتعالى نصيباً من أنعامهم (2)، وللأصنام نصيبا.
{فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ} فلا يعطون الله منها شيئاً.
{وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ} فيجعلون نصيب الله سبحانه وتعالى لأصنامهم.
{سَاء مَا يَحْكُمُونَ 136} فهذا الحكم باطل سيئ، وبئس الحكم.
__________
(1) -سؤال: ما معنى قوله: {ذَرَأَ}؟ وكيف جعلوا لله نصيباً من الحرث؟
الجواب: معنى «ذرأ» خلق وأنشأ، وكانوا يجعلون لله نصيباً مما أخرجته الأرض من الثمار والحبوب فإذا حصدوا أو جذوا الثمر أو قطفوا أخرجوا من ذلك نصيباً فقالوا: هذا لله، ثم أخرجوا نصيباً آخر وقالوا: هذا لشركائنا «لآلهتنا» أي لأصنامهم التي يعبدونها.
(2) - سؤال: لو وضحتم ما معنى جعلهم لله نصيباً من الأنعام هل بالذبح أو بالتعيين؟
الجواب: نصيب الله تعالى في الأنعام يكون عند المشركين بالتعيين.
الآية 137
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ (3)
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى أن الشياطين زينت للمشركين ووسوست لهم أن يقتلوا بناتهم، فكان من ولدت له بنت يقتلها، زينت لهم الشياطين ذلك؛ ليوقعوهم في سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه وعذابه؛ لأن الشياطين عالمة بالحق وعارفة له، ولكنهم قد تمردوا على الله سبحانه وتعالى، وكفروا وضلوا عن سواء السبيل.
{وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ} لو شاء الله سبحانه وتعالى أن يمنعهم بالقسر والإلجاء لمنعهم عن التزيين والوسوسة، ولكن مشيئته اقتضت التخلية.
{فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ 137} أعرض عنهم يا محمد، واتركهم وافتراءاتهم وكذبهم، ما عليك إلا تبليغ دينك، فلا يهمك أمرهم وما هم فيه.
(1) - سؤال: كيف تلبس الشياطين على المشركين دينهم بقتل أولادهم؟
الجواب: زينت الشياطين للمشركين الشرك وقتل أولادهم فدخلوا في الشرك وقتلوا أولادهم، زينت لهم ذلك ليلبسوا عليهم دينهم الحق الذي كانوا عليه وهو دين إبراهيم وإسماعيل ' وليخلطوه عليهم حتى لا يتبين لهم فيعتقدوا أن ذلك المختلط بالباطل دين إبراهيم وإسماعيل.

__________

(3) -سؤال: يقال: ما وجه التخالف في معنى الشركاء في هذه الآية ومعناه في الآية التي قبلها؟

الجواب: الشيطان «الشياطين» هم الذين أمروا المشركين بعبادة الأصنام وزينوها لهم ورغبوهم فيها: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس:60]، فعُبّاد الأصنام هم عُبّاد الشيطان.
الآية 138
وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ (2) سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 138} كان مع المشركين مذاهب وأحكام في التحليل والتحريم، وكان لهم أحكام وتشريعات في الحرث والأنعام، ومعنى «حجر»: حظرٌ، منع أي: لا يحل قربها لأحد.
فصنف من الأنعام والحرث لا يطعمها إلا أناس مخصوصون، وصنف من الأنعام يحرم ركوبها إذا بلغت حداً قد حددوه ووقتاً قد رسموه (1)، ونوع من الأنعام جعلوا ذكر الله سبحانه وتعالى عليها عند ذبحها محرماً.
وسوف يجازيهم الله سبحانه وتعالى بسبب أعمالهم هذه التي افتروها عليه.
__________

(2) - سؤال: ما إعراب: {افْتِرَاء عَلَيْهِ}؟
الجواب: تعرب مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمضمون الجملة لأن معنى الكلام كله أنهم افتروا ذلك.
(1) -سؤال: هل المراد بهذه السائبة والبحيرة ونحوها مما حرمه المشركون؟
الجواب: نعم يراد بها ذلك.
الآية 139
وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} جعلوا الحمل الذي تحمله بعض الأنعام في بطونها حلالاً للذكور (2) وحراماً على الإناث.
{وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء} وإذا خرج هذا الحمل ميتاً فهو حلال لذكورهم وإناثهم.
{سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ (3) إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ 139} سيحاسبهم على ما عملوه من التحريم والتحليل؛ لأن أمر التحريم والتحليل إلى الله سبحانه وتعالى وحده.
__________

(2) -سؤال: هل عرف هذا الذي خصصوه للذكور فما هو؟
الجواب: المراد بـ {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ} ما في بطون السوائب والبحائر من الأجنة، فإن خرج حياً فهو للذكور خاصة، وإن خرج ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث.
(3) -سؤال: ما إعراب {وَصْفَهُمْ}؟ وهل معناه التحليل والتحريم؟ فما وجه تسميته وصفاً؟
الجواب: «وصفهم» مفعول به ثان لـ «سيجزيهم»، أي: سيجزيهم جزاء وصفهم، ووصفهم هو كلامهم الذي افتروه في التحليل والتحريم. وسمي وصفاً لأنهم وصفوا الأنعام فقالوا: هذا لله، وهذه أنعام وحرث حجر و .. إلخ.
الآية 140
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
📝 التفسير:
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (4)
وهذا من تفاهة عقولهم وسخافتها عندما يقدمون على قتل الأولاد من دون علم.
{وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ 140} (1) حرم المشركون بعض ما أعطاهم الله من الرزق من تلقاء أنفسهم ونسبوا ذلك زوراً وكذباً إلى الله فضلوا وما أصابوا حكم الله ولم يهتدوا إلى الحق فيما فعلوا.

__________

(4) -سؤال: ما إعراب: {سَفَهاً}؟ وما معنى السفه؟ وبماذا تعلق قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ}؟

الجواب: «سفهاً» مفعول من أجله، أي: لخفة عقولهم وجهلهم «لسفههم». و {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلق بـ «قتلوا»، أي: جاهلين أن الله تعالى هو الرازق لهم ولأولادهم.
(1) -سؤال: هل المراد بما حرموه بعض الحرث والأنعام التي مرت؟ وما إعراب {افْتِرَاءً}؟
الجواب: المراد ذلك، وتعرب {افْتِرَاءً} مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمضمون الجملة.