القرآن الكريم مع التفسير

سورة النساء

آية
إجمالي الآيات: 176 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 141
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أمر الله تعالى المؤمنين أن يبتعدوا عن المنافقين وأن يحذروهم لأنهم ليسوا بمؤمنين، وليسوا من المسلمين، وإنما دخلوا في الإسلام ليتحصنوا به من سيوف المسلمين، وليتمكنوا من كيد الإسلام والمسلمين، وأخبر الله هنا أن المنافقين منتظرون لهلاك النبي والمسلمين، وفي سعي جاد في التخطيط لنسف الدين وأهله واستئصاله من جذوره فاحذروهم أيها المؤمنون، ولا تميلوا إليهم ولا تدافعوا عنهم، ولا توالوهم، وابتعدوا عنهم كل البعد.
{فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} حصل لكم نصر أيها المؤمنون.
{قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} فأعطونا نصيبنا من الغنائم فنحن معكم.
{وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} وإن كان النصر للكفار ذهبوا إليهم و {قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ألم نحصنكم ونحرسكم ونمنعكم من المؤمنين، يتوددون إليهم ويستعطفونهم لكي يعطوهم مما حازوه وليأمنوا شرهم (1).
{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أيها المؤمنون والمنافقون، وسيثيب المؤمنين ويعذب المنافقين.
{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا 141} (2)
وعد الله المؤمنين وبشرهم بأن مساعي المنافقين ومكائدهم ستذهب باطلاً، ولن يصل إليهم من مكائدهم ومصائدهم شيء، فلتطمئن قلوب المؤمنين وليذهب روعهم.
__________
(1) - سؤال: يقال: ظاهر الاستحواذ الغلبة، فكيف يكون المعنى؟
الجواب: الاستحواذ هو الغلبة، ولكنها وردت في صحبة: {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} لذلك فسروها بأنا غلبناكم وسيطرنا عليكم لو قاتلناكم مع المؤمنين، ولكنا لم نقاتلكم مع المؤمنين إبقاءً عليكم ونصراً لكم، فبهذا التفسير يصح المعنى، والله أعلم.
(2) - سؤال: ما هو السبيل الذي وعد الله بأنه لن يجعله للكافرين؟

الجواب: هو أنه لا يجد الكافرون حجة لإبطال دين الإسلام، فحجته ظاهرة على كل حجة في الدنيا والآخرة.
الآية 142
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (1) يظن المنافقون أنهم في خير العمل، وأنهم قد تمكنوا من مخادعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونجحوا في مكيدتهم ونفاقهم؛ فهم فرحون بذلك حيث نجحوا في مخادعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، إلا أن مكر الله فوق مكرهم، وسلطانه فوق سلطانهم، وقوته فوق قوتهم؛ فلا يفرحوا فإن الله غالبهم ومعذبهم بما عملوا.
{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} لأنهم غير مصدقين بثواب ولا عقاب، فليس في قلوبهم من الإيمان ما يدفعهم إلى الصلاة ويزعجهم إليها ويبعثهم عليها (2).
{يُرَاءُونَ النَّاسَ} (3)
فلا يصلون إلا ليراهم المسلمون.
{وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 142} وهو الذكر الذي يقولونه لكم بألسنتهم ليراهم الناس، أما قلوبهم فخالية من ذكر الله، ليس فيها إلا الكفر والنفاق.
__________
(1) - سؤال: ما المراد بقوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}؟
الجواب: أي أنه تعالى سيبطل ما دبروه من مكائدهم وخداعهم، وسيجازيهم على أعمالهم الخبيثة.
(2) - سؤال: هل ما يحصل للمؤمن من التكاسل والسأم أو الإحساس بالتعب عند القيام إلى الصلاة يدخل في هذا؟
الجواب: لا يدخل المؤمن في هذه الصفة المذمومة؛ لأن المؤمن وإن حصل له فتور وسأم عند القيام إلى الصلاة فإن خوفه من الله ومن التفريط في الصلاة يدفعه إلى فعلها وإن شقت عليه، أما المنافقون فقيامهم إلى الصلاة إذا قاموا إنما هو بدافع رياء الناس وليس بدافع الخوف من الله وتعظيمه. ودليل ما ذكرنا: قوله تعالى في بيان علة كسل المنافقين: {يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 142} أي: أن علة كسلهم وقيامهم كسالى هو الرياء لا غير، أما خوف الله وذكر عظمته فلا يذكرونه، وليس له وجود في قلوبهم، وذكرهم القليل لله هو ما يحصل منهم بألسنتهم.
(3) - سؤال: ما هو إعراب «كسالى»؟ و {يُرَاءُونَ النَّاسَ}؟

الجواب: كسالى: حال من الفاعل في «قاموا»، وجملة «يراءون الناس» بيانية لا محل لها من الإعراب، بين بها علة قيامهم كسالى إلى الصلاة.
الآية 143
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} المعنى أنهم فريق متوسط بين المؤمنين والكافرين، والتذبذب هو التردد بين أمرين فمرة يميل إلى هذا ومرة إلى ذاك لا يقر على أمر من الحيرة.
{لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} لا من المؤمنين ولا من الكفار، فهم في الوسط بينهما.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا 143} يظن المنافقون أنهم قد أحسنوا الاختيار حين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، ولو كانوا من أهل العقول لاختاروا دين الإسلام ودانوا به؛ لأن فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، ولكنهم توغلوا في الضلال لسوء اختيارهم؛ فحكم الله عليهم بأنهم ضالون ولا سبيل لهم إلى الهدى، ولا يصح أن يقال: إنهم من أهل الهدى والثواب.
الآية 144
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (1) يحذر الله المنافقين: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم لا تتخذوا الكافرين أولياء وانصبوا لهم العداء.
{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا 144} فلا تجعلوا لله عليكم سلطاناً في تعذيبكم وحجة وتفتحوا على أنفسكم أبواب الشقاء وأسباب العذاب، فما دمتم قد حصنتم أنفسكم من سيف الإسلام وحفظتم أموالكم وحصنتموها من تغنم المسلمين بإظهار الشهادتين فلا تفتحوا على أنفسكم باب القتل وتَغَنُّم الأموال وسبي النساء والأطفال.

__________
(1) - سؤال: ظاهر الآية تحريم موالاتهم للكافرين من دون المؤمنين فهل يخرجون منها إذا جمعوا بين موالاة الكافرين والمؤمنين؟
الجواب: لا يعمل بمفهوم قوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ لأن هذه الصفة جاءت على حسب الواقع الذي كان عليه المخاطبون، فقد كانوا يوالون الكافرين ولا يوالون المؤمنين.
الآية 145
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ (1) الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا 145} فهم في أشد عذاب جهنم، ولا شافع لهم، ولا دافع عنهم من عذاب الله.
__________
(1) - سؤال: ما هو الدرك؟
الجواب: الدرك الأسفل من النار: هو الطبقة السفلى من النار، وسميت طبقاتها دركات لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.
الآية 146
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} ما قد أفسدوا {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 146}.
الآية 147
مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
📝 التفسير:
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا 147} يخاطب الله المنافقين (2) بأنه ليس محتاجاً لتعذيبكم، ولا يريد أن يعذبكم؛ فارحموا أنفسكم أيها المنافقون، ولا تجعلوا لله عليكم سلطاناً بتسببكم في هلاك أنفسكم، والله شاكر عليم، فمن شكره وأطاعه- أثابه وضاعف له الثواب، لا يخفى عليه ما ظهر من أعمالكم وما بطن.
__________

(2) - سؤال: هل الخطاب مقصور على المنافقين أم يعم حتى المسلمين؟
الجواب: الآية وإن كانت خطاباً للمنافقين إلا أنها للناس جميعاً: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19].
الآية 148
لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
📝 التفسير:
{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا 148} لا يحب الله أن يتكلم أحد بالكفر والباطل إلا على سبيل الإكراه، فقد عفا الله عما أكره عليه المسلم، رحمة من الله وترخيصاً لعباده المؤمنين (1).
__________
(1) - سؤال: يقال: اشتهر عند المفسرين أن هذه الآية في شكوى المظلوم ممن ظلمه وجهره بالسوء عنه، ويؤيده قوله: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} فما رأيكم؟
الجواب: ما ذكرنا هو أحد التفاسير المحتملة، والأولى أن تفسر بالجميع، فظاهر الاستثناء الاتصال، وتقديره: إلا جهر من ظُلِم.
الآية 149
إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
📝 التفسير:
{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا 149} فهو عالم بما في قلوبكم وسيحاسبكم، ومن تكلم بكلمة الكفر وهو مكره- فالله عالم بما في قلبه ومطلع عليه.
الآية 150
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا 150 أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا 151} (2)
أهل هذه الصفة هم اليهود آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم بذلك يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض، ويريدون أن يتخذوا ديناً وسطاً، وهذا لا يصح، وإنما الواجب الإيمان بكل أنبياء الله ورسله وكل كتبه، وهؤلاء الذين هذه صفاتهم كفار خالصون، لا ينفعهم الإيمان ببعض الأنبياء مع كفرهم بالبعض الآخر.

__________

(2) - سؤال: هل في هذه الآية رد على من قال بأن من اليهود من سيدخل الجنة إذا كان مؤمناً بالله استناداً إلى نحو: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ... } إلخ الآية من سورة البقرة [البقرة:62]؟

الجواب: نعم، فيها رد صريح واضح؛ لأن اليهود فرقوا بين الله ورسله، فآمنوا بالله وكفروا بعيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه وآمنوا ببعض الرسل وبعض الكتب، وكفروا ببعض الرسل وبعض الكتب.
الآية 151
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا 150 أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا 151} (2)
أهل هذه الصفة هم اليهود آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم بذلك يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض، ويريدون أن يتخذوا ديناً وسطاً، وهذا لا يصح، وإنما الواجب الإيمان بكل أنبياء الله ورسله وكل كتبه، وهؤلاء الذين هذه صفاتهم كفار خالصون، لا ينفعهم الإيمان ببعض الأنبياء مع كفرهم بالبعض الآخر.

__________

(2) - سؤال: هل في هذه الآية رد على من قال بأن من اليهود من سيدخل الجنة إذا كان مؤمناً بالله استناداً إلى نحو: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ... } إلخ الآية من سورة البقرة [البقرة:62]؟

الجواب: نعم، فيها رد صريح واضح؛ لأن اليهود فرقوا بين الله ورسله، فآمنوا بالله وكفروا بعيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه وآمنوا ببعض الرسل وبعض الكتب، وكفروا ببعض الرسل وبعض الكتب.
الآية 152
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} بل آمنوا بهم جميعاً بخلاف إيمان أولئك، {أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 152} ثواب الله ورضوانه خاص بمن آمن بالله وبجميع أنبيائه ورسله، ولم يكفروا بأي منهم.
الآية 153
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا
📝 التفسير:
{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} سأل اليهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء خاصاً بهم؛ تعنتاً منهم، وتمرداً على الله.
{فَقَدْ (1) سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} وسؤالهم هذا إنما هو تعنت منهم وتمرد، وليس طلباً للحق وبحثاً عنه.
{فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} طلبوا من موسى عليه السلام أن يظهر الله تعالى لهم حتى يروه بأعينهم تمرداً على موسى عليه السلام وتعنتاً عليه، وكانت عادتهم التمرد على الله سبحانه وتعالى.

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} عذبهم الله بسبب ظلمهم، وكان هؤلاء الذين سألوا ذلك سبعين رجلاً، {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} يعني أن اليهود عبدوا العجل من دون الله، ثم تاب الله عليهم حين تابوا، وهؤلاء غير أولئك الذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة؛ لأن اليهود انقسموا قسمين، فقسم منهم ذهبوا يكتبون التوراة مع موسى عند الجبل، وهم أولئك السبعون، والباقون مكثوا عند هارون، وهؤلاء هم الذين عبدوا العجل (2).
فأما أولئك فقد أخذتهم الصاعقة بسؤالهم الرؤية، وأما الباقون فتابوا فعفا الله عنهم بعد أن شدد الله عليهم في التوبة حيث أمرهم بقتل أنفسهم.
{وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا 153} أعطاه الله حجة ظاهرة (3)، ومعجزة قوية.
__________
(1) - سؤال: ما معنى الفاء في قوله: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ}؟
الجواب: الفاء هي الفصيحة، رابطة للجواب بالشرط أي أنها ربطت المسبب بسببه، والتقدير: إن سألوك فقد سألوا، أي: لا يكبر عليك تعنتهم فعادتهم التعنت من عهد موسى عليه السلام.

(2) - سؤال: يقال: ظاهر قوله: {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} أن عبدة العجل هم نفس السائلين، فكيف؟
الجواب: المذكور في القرآن الكريم أن موسى ذهب مع سبعين مختارين من بني إسرائيل لكتابة التوراة وجعل هارون خليفة في قومه، فطلب السبعون من موسى أن يريهم الله جهرة، وحصل ما حصل ممن بقي من بني إسرائيل عند هارون، فعصوا هارون وخالفوه وعبدوا العجل، هذا ما قصه الله تعالى في القرآن. أما في هذه الآية فقد نسب الله الأمرين إلى بني إسرائيل الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الأمرين وقعا من أسلافهم الذين يتولونهم ويحبونهم وينتمون إليهم.

(3) - سؤال: ما هي الحجة التي أعطاها الله موسى؟
الجواب: أعطاه الله تعالى تسع آيات بينات أعظمها العصا واليد، ويحتمل أن يفسر السلطان بما جعله الله تعالى من التسلط على بني إسرائيل، مثل قوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء:33].
الآية 154
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا
📝 التفسير:
{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} (3)
رفع الله الجبل فوق اليهود حين تمردوا عن أحكام التوراة؛ لأجل أن يأخذوا الميثاق، وهو أن يعملوا بأحكام التوراة، فلم يعملوا بها إلا حين رفع الله الجبل فوقهم كأنه ظلة أي: مثل المظلة فوقهم لأجل أن يعاهدوا ويعملوا بالتوراة، وهذا من شدة تمردهم على الله وعتوهم. أخبر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تمرد اليهود قديم، وأنهم متمردون من عهد موسى عليه السلام.
{وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب وهم ساجدون لله شاكرون له مستشعرين منّة الله عليهم ونعمته العظيمة التي أعطاهم فعصوا عند ذلك، وخالفوا عند دخولهم.
{وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} (4) نهاهم الله تعالى عن الاعتداء في السبت ولكنهم عصوا واعتدوا.
{وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا 154} أي: عهداً وأيماناً مؤكدة وهي التي أخذها عليهم حين رفع فوقهم الطور فلم يفوا بها ونكثوا وعصوا.

__________

(3) - سؤال: هل الباء سببية في قوله: {بِمِيثَاقِهِمْ}؟

الجواب: الباء سببية أي: بسبب ميثاقهم ليلتزموه فلا ينقضوه.

(4) - سؤال: ما هو الاعتداء الذي نهوا عنه؟
الجواب: نهاهم الله عن الصيد للسمك يوم السبت، فاعتدوا ولم ينتهوا.
الآية 155
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
يعدد الله على اليهود أفعالهم، وأخبر أنه جازاهم بسبب كثرة تمردهم فذكر تعالى بعضاً من ذلك فقال:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} (2) بسبب نقضهم ميثاقهم.
{وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ} وبسبب كفرهم بآيات الله.
{وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} وبسبب قتلهم لأنبياء الله بغير حق.
{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} وبسبب أن الله يبعث إليهم الأنبياء لينذروهم؛ فيقولوا: قلوبنا مغطاة ولا نفهم ما تقولونه.
{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا 155} ليست غلفاً كما يزعمون، وإنما قد غطتها الذنوب، فخذلهم الله ومنعهم من ألطافه.
__________

(2) - سؤال: ما هو إعراب «ما»؟ وكذا «نقضهم»؟
الجواب: ما: حرف لا محل له من الإعراب، صلة توسطت بين الجار والمجرور. أما «نقضهم» فهو مجرور بالباء الداخلة على «ما».
الآية 156
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا 156} بسبب كفرهم، وبسبب قولهم على مريم إنها زانية.
الآية 157
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
📝 التفسير:
{وَ} بسبب {قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} (1) وإنما شبه لهم، وليس هو عيسى الذي قتلوه وصلبوه.
{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا 157} (2) فقد اختلف الأمر عليهم واشتبه عليهم هل المقتول هو أو غيره؟
الآية 158
بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
📝 التفسير:
{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا 158} توفاه ورفعه (3)،
وكان رفعه لحكمة منه تعالى ومصلحة يعلمها فأفعاله صادرة عن الحكمة والمصلحة.
__________

(3) - سؤال: يقال: فما فائدة تطهيره من الذين كفروا بعد الموت كما في آية أخرى؟

الجواب: الظاهر من قوله تعالى في سورة آل عمران: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران:55] أن الله تعالى توفى عيسى عليه السلام بالموت، ورفع روحه إلى كرامة الله وثوابه، وطهر الله تعالى جسده من بني إسرائيل فأخفاه عنهم بقدرته لئلا يمتهنوه بالصلب والرفس والبصق وإلقاء النجاسات ونحو ذلك. ويؤيد ما ذكرنا من أن الله تعالى أماته قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 117} [المائدة].
الآية 159
وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
📝 التفسير:
{وَإِنْ (1) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا 159} أخبر تعالى أنه لا بد أن يؤمن بعيسى عليه السلام كل واحد من أهل الكتاب عند الاحتضار للموت ويصدق بنبوته ورسالته ولكنه لا ينفعه إيمانه عند حضور الموت، وسيشهد عيسى عليه السلام على اليهود في يوم القيامة عند الحساب فيشهد أنه بين لهم حجة الله وبلغهم رسالته وتلا عليهم آياته، وأنهم عرفوها وتحققوها وتمردوا وكفروا وأصروا على التكذيب.
__________
(1) - سؤال: ماذا يفيد التعبير بقوله: «وإن من»؟
الجواب: يفيد الاستغراق والعموم لجميع أهل الكتاب.
سؤال: هل يكون إيمانهم عند الاحتضار من باب محاولة النجاة؟ أم أنهم يؤمنون به اضطراراً؟
الجواب: سيؤمنون به اضطراراً؛ لتزيد حسرتهم، وليروا عظيم جرمهم وسوء عاقبتهم: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ 47} [الزمر]، فإيمانهم به هو من صدمهم بنوع من العقوبة؛ لذلك جاء الخبر مؤكداً.
سؤال: ما رأيكم في القول بأنهم يؤمنون بعيسى قبل موته عليه السلام، وذلك بعد نزوله آخر الزمان؟
الجواب: الذي يظهر -والله أعلم- أن هذا القول مرجوح، لما صح وثبت قطعاً أنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المنزلة: ((علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))، ولا خلاف في صحة هذا الحديث، وهناك رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: ((إنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي قبله)).
الآية 160
فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا
📝 التفسير:
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} بسبب ظلمهم ومعاصيهم تلك التي عددها الله تعالى.
{حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (2)
حرمنا عليهم أشياء كانت حلالاً لهم.
{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا 160} وبسبب صدهم عن سبيل الله.

__________

(2) - سؤال: ما هي الطيبات التي حرمت عليهم؟

الجواب: ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنه حرم على بني إسرائيل كل ذي ظفر، وشحوم البقر والغنم إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، وحرم عليهم الصيد في يوم السبت، فهذا بعض ما حرمه الله عليهم، ولعل هناك طيبات حرمها الله عليهم غير ذلك، والله أعلم.