القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنعام

آية
إجمالي الآيات: 165 • المفسرة: 1 (1%)
الآية 141
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنشأ وخلق الجنات المعروشات وغير المعروشات، فالمعروشات مثل العنب الذي يحتاج إلى شيء يعتمد عليه ويتمدد فوقه، وغير المعروشات التي بخلاف ذلك كالرمان وما أشبهها.
{وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} الله سبحانه وتعالى هو الذي أنشاها بقدرته، وجعلها متفاوتة في طعمها.
{وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} (1) فهو وحده الذي أنشاها، وخالف بينها.
{كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} فكلوا وتمتعوا بما أنعم الله عليكم من الفواكه والأثمار.
{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أخرجوا زكاتها عند حصادها. والآية قد نزلت في مكة ولم تكن الزكاة قد شرعت، غير أن هناك حقوقاً يعرفها الناس كإعطاء الفقراء والمساكين، فكانوا يخرجون جزءاً من أموالهم للفقراء ونحوهم من قبل أن تنزل آية الزكاة (2).
{وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 141} لا تحرموا بعض هذه الأشياء من عند أنفسكم، وتحللوا بعضها؛ لأن حقيقة الإسراف: هو مجاوزة الحد فيما أنزله الله وحدَّه (3)
في كتابه ومن حرم ما أحله الله فقد جاوز حدود الله.
__________

(1) -سؤال: هل يعود الحال: {مُتَشَابِهاً} إلى الرمان فكيف يكون غير متشابه؟ أم إلى الجميع فبعضها متشابه وبعضها غير متشابه؟
الجواب: اكتفى بأحد الحالين عن الآخر، والمراد أن الزيتون متشابه وغير متشابه، والرمان كذلك متشابه وغير متشابه، ويكون الرمان غير متشابه باختلاف نوعه، كما قال في النخل والزرع: {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} [الأنعام:141].
(2) -سؤال: إذا كان نزولها قبل شرعية الزكاة فمن أين نفهم بأن معناها: أخرجوا زكاتها .. إلخ، أم أنها كالتوطئة والتمهيد لتوطين أنفسهم على الامتثال؟
الجواب: قد قالوا في توجيه الآية: إن المقصود توطين النفس على أداء الزكاة عند وجوبها، وقالوا أيضاً: إن المراد بالزكاة هنا هو حق غير الزكاة، والذي أحوج إلى هذه التأويلات هو أن السورة مكية، ولم تكن الزكاة قد فرضت إذ لم تفرض إلا في المدينة. ويمكن أن يقال: إن الزكاة كانت مفروضة قبل الإسلام في دين إبراهيم وإسماعيل '، وقريش تدعي أنها على دين إبراهيم؛ لذلك قال الله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ 6 الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... } [فصلت]، فيكون الأمر بالزكاة مصروفاً إلى ذلك، وقد كانوا عالمين بالحق الواجب عليهم في الزكاة، والخطاب موجه للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة؛ لذلك قال في آخر الآية: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 141} أي: أدوا ما أوجب الله في المال واتركوا ما تفعلون فيها من الأنصباء لله وللأصنام ولا تبحروا ولا تسيبوا ولا ... إلى آخر ما تفعلون في أموالكم مما لا يرضاه الله ولا يحبه.
(3) -سؤال: هل يصح أن يحمل الإسراف على الإنفاق في المعاصي كما صرح به الإمام الهادي عليه السلام، أو على التبذير في الإنفاق الذي لم يحتج إليه بقرينة قوله: {كُلُوا}؟

الجواب: الإسراف هو الإنفاق في المعاصي، وقد أسرف المشركون حين جعلوا من أموالهم أنصباء لله ولشركائهم، وحين جعلوا البحائر والوصائل والحام، وحرموها على أنفسهم وعلى غيرهم، ويعتبر ذلك إسرافاً من حيث أنهم وضعوا أموالهم في المعاصي.
الآية 142
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} (1) خلق الله سبحانه وتعالى من الأنعام حمولة، وهي: الأنعام التي تحمل الأمتعة ونحوها، والفرش: هي الحيوانات الصغار التي لا تركب ولا يحمل عليها كالأغنام (2).
{كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ} فهي حلال لكم كلها فلا تحرموا شيئاً منها من تلقاء أنفسكم، كما فعل المشركون.
{وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ 142} (3) لا يستغوينكم الشيطان بزخارف باطله.
__________
(1) -سؤال: هل قوله: {حَمُولَةً} معطوف على معمول أنشأ؟
الجواب: هو معطوف على معمول «أنشأ».
(2) -سؤال: ما هي العلة في تسميتها {فَرْشاً}؟
الجواب: ذكر الزمخشري أمرين في وجه تسميتها فرشاً:
أحدهما: ما ذكرنا، وعلل ذلك بكونها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش .. إلخ.
الثاني: ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وشعره وصوفه الفرش.
(3) -سؤال: ما هي خطوات الشيطان؟ وما العلة في تسميتها خطوات؟
الجواب: قد تقدم في سورة البقرة جواب السؤال. [على الآية 168].
الآية 143
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} خلق الله (4) سبحانه وتعالى للناس ثمانية أزواج من بهيمة الأنعام.
{مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} فكل صنف من هذين الصنفين زوجان ذكر وأنثى.
{قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ} (5)
ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين: ما الذي حرمه الله سبحانه وتعالى أهو الذكر أم الأنثى؟
{أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} (1) أم حرم الله سبحانه وتعالى ما تحمله إناث الضأن والمعز؛ أراد الله سبحانه وتعالى أن يحيّرهم في الجواب ويُعَجِّزَهم.
{نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 143} أخبروني ما هو الذي حرمه الله سبحانه وتعالى من هذه الأشياء؟ وما هو الدليل على ذلك.

__________

(4) -سؤال: ما القرينة في تقدير عامل النصب في ثمانية بـ «خلق»؟
الجواب: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} هي بدل من {حَمُولَةً وَفَرْشاً} والعامل في البدل هو العامل في المبدل منه. و «أنشأ» هو العامل في «جنات» وما عطف عليه، وأنشأ هو بمعنى خلق، والبدل كما يقال هو على نية تكرير العامل.
(5) -سؤال: هل المراد بالذكرين ذكر الضأن وذكر المعز؟
الجواب: ذلك هو المراد.
سؤال: هل لتقديم المفعول علة في قوله: {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ}؟

الجواب: قدم المفعول في قوله: {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} لأنه الذي وقع السؤال عنه بسؤال الاستنكار.
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَمَّا اشْتَمَلَتْ}؟
الجواب: «أم» حرف عطف وتسمى المعادلة، و «ما» اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بالعطف على {آلذَّكَرَيْنِ} وما بعده جملة فعلية صلة الموصول.
الآية 144
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين هل كنتم حاضرين عندما شرع الله سبحانه وتعالى هذه التشريعات (2)؟ وسيكون جوابهم بـ: لا، لم يكن شيء من ذلك، وإنما سمعنا آباءنا كذلك يقولون.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً} لقد توغلتم في الظلم بافترائكم الكذب على الله وادعائكم عليه أنه حرم بعض الأنعام.
{لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 144} فمن أظلم من هذا الذي يفتري على الله سبحانه وتعالى الكذب- ليدخل الناس في الضلال، فهؤلاء لن يوفقهم الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم قد بلغوا غاية الظلم ونهايته.

__________

(2) -سؤال: هل المراد بهذه التشريعات ما تبعوا فيه الشياطين من التحليل والتحريم أم غيرها؟
الجواب: المراد ما اتبعوا فيه الشياطين من التحليل والتحريم.
الآية 145
قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً (1) أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} لم أجد في الوحي الذي أنزل علي محرما إلا الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، فهذا الذي وجدته محرماً.
{فَإِنَّهُ رِجْسٌ (2) أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} (3)
وكذلك المذبوح لغير الله سبحانه وتعالى فإنه محرم، كأن يقول: باسم اللات، ونحو ذلك.
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ (4) فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 145} من ألجأته الضرورة إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير أو نحو ذلك- فهو جائز له، لكنه لا يتجاوز الحد، فلا يأكل منها أكثر من سد جوعته، ومن أكل أكثر من ذلك فهو باغ، وأما من أكل قبل أن تلجئه الضرورة فهو عادٍ (5).
__________
(1) -سؤال: إذا قيل بأن مفهوم الآية: إن الدم غير المسفوح حلال فكيف الجواب؟
الجواب: قد فسر العلماء الدم المسفوح بأنه الذي من شأنه أن يسيل ويقطر، وغير المسفوح هو الدم الذي لا يسيل ولا يقطر، وحددوا ذلك بما دون القطرة. وعلى هذا فما كان أقل من القطرة من الدم فلا يلزم الاحتراز منه لا في الأكل ولا في الطهارة؛ لذلك يجوز أكل اللحم ولو خالطه شيء من الدم الباقي بين اللحم بعد الذبح، ويعتبر طاهراً، ولا يلزم غسل اللحم بعد الذبح إلا دم المذبح الذي يبقى في الرقبة والرأس أو في مكان النحر فيلزم غسله لأنه من بقايا الدم المسفوح.
(2) -سؤال: ما معنى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}؟ وإلام يعود الضمير في قوله: {فَإِنَّهُ}؟
الجواب: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} فإنه قذر ونجس يضر ولا ينفع، وضمير «فإنه» يعود إلى الخنزير، ويجوز عود الضمير إلى المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه.
(3) - سؤال: ظاهر الآية قصر المحرمات على هذه الأشياء المذكورة، فكيف بذي الناب من السبع وذي المخلب من الطير ونحوها؟
الجواب: هذه الآية نزلت في مكة قبل الهجرة ولم يكن نزل حينها إليه صلى الله عليه وآله وسلم غير ذلك المذكور، ثم أنزل الله إليه بعد الهجرة إلى المدينة سائر المحرمات.

سؤال: لماذا سمي المذبوح لغير الله {فِسْقاً} بالمصدر؟
الجواب: سمي فسقاً لتوغله في الفسق، حيث أن الذابح تقرب بذبيحته إلى غير الله. وذلك غاية الفسوق.
(4) -سؤال: ما إعراب: {غَيْرَ بَاغٍ}؟ وهل يصح الحمل على العكس في الباغي والعادي؟
الجواب: {غَيْرَ بَاغٍ} منصوب على الحالية، وما ذكرنا من التفسير هو أحد الوجوه التي قيلت في تفسير ذلك، ويجوز العكس، وبه فسر الزمخشري، وقد قيل غير ذلك.
(5) - سؤال: قد يقال: إذا كان تفسير العادي بهذا فقد أفهمه قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} فيصير تكريراً، أم له محمل آخر؟
الجواب: تكون: {وَلاَ عَادٍ} حال مؤكدة ليتنبه المضطر عند الإقدام فلا يقدم على الأكل إلا بعد أن ينظر في ضرورته هل بلغت حد الضرورة أم لا.
الآية 146
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
📝 التفسير:
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما هو الذي حرمه على اليهود، فقال: {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} كل حيوان له ظفر فهو محرم على اليهود (2).
{وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} (3) شحم الكلية، والذي على الظهر، {أَوِ الْحَوَايَا} (4) وهي المباعر، {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} واسمها الثربة عندنا (الإلية).
{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ 146} (5) لم نحرم هذه الأشياء إلا عقوبة لهم على معاصيهم.

__________
(1) - سؤال: هل هناك علة في تسميتهم «هادوا» أو اليهود؟
الجواب: قد تكون العلة في تسميتهم يهوداً هي كون بعض اليهود من نسل يهوذا بن يعقوب عليه السلام فغلب عليهم جميعاً، و «هادوا» هو منحوت من اسمهم، وكلام الكشاف يدل عليه. وقد تكون «هادوا» بمعنى: مالوا وتابوا كقوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف:156]، أي: تبنا إليك، وهائد: تائب، وليس هذا منحوتاً، وفي شعر الزمخشري:
يا راكب الذنب هُدْ هُدْ ... واسجد كأنك هدهد

(2) -سؤال: هل يشمل التحريم الدجاج ونحوها؟ وقد يقال بأن للشاة والمعز ظفراً فهل دخلت في التحريم أم المراد ما كان له أصبع والظفر فيها؟

الجواب: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} قال المرتضى: هو ما كان له ظفر يعرف به ويقع عليه اسم الظفر. وفي البلغة: كل ما ليس بمنفرج الأصابع فيدخل في ذلك جميع السباع، ويدخل فيه الكلب والسنور وسائر ما يصطاد بظفره. وفي البرهان: فيه قولان أحدهما: ما ليس بمنفرج الأصابع كالأنعام والأوز والبط. والثاني: كل ما صاد بظفره من الطير. اهـ من المصابيح باختصار. وعلى هذه الأقوال لا تدخل الدجاج في التحريم؛ لأنها منفرجة الأصابع ولا تصطاد بظفرها، والشاة والمعز والبقر وإن كان لها أظفار إلا أن الله تعالى ذكر هنا أنه حرم عليهم شحومها إلا ما استثني، فلم تدخل في التحريم.
(3) -سؤال: ما هي الشحوم المحرمة؟ وفي ذهني أن شحم الكليتين والكرش منها، فكيف؟
الجواب: من المحرمات شحم الكرش وثوب البطن وشحم الخصيتين، أما شحم الكليتين فهو مما حمله الظهر.
(4) -سؤال: هل هذه معطوفة على: {مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}؟
الجواب: هي معطوفة عليها وهي من المستثنى.
(5) -سؤال: هل بقيت هذه المحرمات حراماً على اليهود في شريعتنا أم أنها قد نسخت بتحليلها للمسلمين أم أنه بقي التحريم على من كان يهودياً؟
الجواب: قد نسخت هذه المحرمات على اليهود، وصارت حلالاً بدليل قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ... } [البقرة:41]، فأوجب الله عليهم الإيمان بالدين الإسلامي الذي جاء به {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]؛ لذلك لم يبق حكم لتلك الأحكام وصاروا مكلفين بالإيمان بدين الإسلام وبما فيه من الشرائع والأحكام، سواء دخلوا في الإسلام أم لم يدخلوا فيه.
الآية 147
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
📝 التفسير:
{فَإِن كَذَّبُوكَ} يا محمد في قولك لهم: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} ومن رحمته ألا يجازيكم في العاجل، وإمهالُهُ لكم سنة بعد سنة، وهو قادر على أخذكم، أليس في هذا رحمة لكم؟ فهو يمهلكم لعلكم تتوبون وترجعون إليه.
وهذا من رحمته سبحانه وتعالى لهم أن أمهلهم في الدنيا، ومتعهم بالصحة والعافية، وأنعم عليهم بالمال والولد، وأمد في أعمارهم؛ لعلهم يتوبون، وهو سبحانه وتعالى لن يفوته أحد منهم، فمتى أراد أن يقبضه قبضه.
وكذلك ليقطع عليهم العذر في يوم القيامة.
{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر 37]، فمن أراد أن يتذكر فقد جعل الله سبحانه وتعالى له مدة العمر يمكنه أن يرجع إليه في هذه المدة.
{وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 147} ولن يستطيع أحد أن يرد عذابه إذا نزل، ولا بد أن يقع على المجرمين، وهم الذين يفعلون الجرائم، والجريمة: الذنب بدليل: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ 78} [القصص].
الآية 148
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
📝 التفسير:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} (1) سيجادل المشركون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون له: لو شاء الله سبحانه وتعالى ألا نشرك به لم نشرك، ولو شاء لما حرمنا شيئاً، ولكن الله قد شاء ذلك، وهذا هو دينه ومراده، ونحن أهل الله وسكان حرمه.
وهذا هو نفسه ما تقوله المجبرة، وقد تحير الرازي عند هذه الآية، وهو من أكابر علماء المجبرة، ولم يستطع جواباً عليها.
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن الكفار الذين كانوا قبلهم كانوا يقولون مثل قول المشركين هذا، وينسبون أفعالهم إليه جل وعلا (2). {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} إلى أن نزل بهم عذاب الله سبحانه وتعالى واستأصلهم.
{قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} (3) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين من قريش: هل لكم دليل (4) على هذا الذي تدعونه على الله سبحانه وتعالى في المشيئة؟ فهاتوا الدليل إن كان؛ لأن من ادعى دعوى لا بد من برهان عليها، وإلا لم تقبل دعواه عند أي أحد.
{إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ 148} (5) فلا حجة لكم على دعواكم هذه، وإنما تتبعون أوهاماً، وتكذبون على الله سبحانه وتعالى، وتفترون عليه.
__________
(1) -سؤال: ما فائدة دخول «من» على المفعول به: {مِن شَيْءٍ}؟
الجواب: الفائدة في دخولها هي تأكيد العموم فيما دخلت عليه بحيث يصير عمومه شاملاً لكل فرد من أفراده.
(2) -سؤال: يقال: الكفار الذين قبلهم هم أهل الكتاب فهل عرف أن هذه مقالة أحد منهم؟ أم المراد بهم أسلاف المشركين من مشركي العرب؟
الجواب: الأقرب أن المراد بالذين من قبلهم أسلافهم المشركون لا أهل الكتاب.
(3) -سؤال: ما فائدة دخول: «من» في قوله: {مِّنْ عِلْمٍ}؟
الجواب: الفائدة من دخولها تأكيد العموم، والاستفهام بمعنى النفي.
(4) -سؤال: ما وجه إطلاق العلم على الدليل؟
الجواب: يطلق العلم على المعلومات حقيقة، والدليل هو من جملة المعلومات، غايته أن يكون من استعمال المطلق في المقيد كقوله:
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس قبل اليوم يجتمعان
أي: قبل يوم القيامة.

(5) -سؤال: ما إعراب: {إِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ 148}؟
الجواب: «إن» نافية، «أنتم» مبتدأ، «إلا» أداة استثناء، «تخرصون» جملة في محل رفع خبر المبتدأ، والاستثناء مفرغ.
الآية 149
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} (1) الدليل مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي يأتيكم بالحجج البالغة القاطعة التي يقتنع العقل عندها؛ لأن العقل لا يقتنع إلا بالصدق، وقد فطره الله سبحانه وتعالى على هذا، وهو من أكبر الحجج، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاءهم بما يوافق العقل ويطابقه.
{فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ 149} لو شاء الله سبحانه وتعالى أن يلجئكم إلى الإيمان لفعل، ولكنه لم يشأ ذلك كما ذكرنا؛ لما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب، إذ لو كان كذلك وألجأهم إلى الإيمان لما صح ثواب ولا عقاب، ولبطلت دعوة الرسل، وكان ذلك كما قال الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء

ألا ترى أنك ستحكم عليه بالظلم لو عاقب هذا المكتوف الذي ألقاه بين الماء؟ فكذلك الله رب العالمين لو كان هو الذي يفعل المعصية ثم يعاقب عليها ماذا ستحكم عليه؟ فكل عاقل يحكم عليه بأنه ظالم إذ يعاقب المرء على شيء لم يفعله.
ويثيب الآخر على فعل لم يفعله؛ فهل يستحق هذا الثواب؟ طبعاً سيحكم العقل بأنه لا يستحقه.
__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر الآية: فلله الحجة البالغة لا لكم، فكان من المناسب أن يقول: قد شاء عدم إشراككم فأشركتم، أو يقول: بأنه لم يشأ إشراككم، فكيف أجاب بقوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ 149}؟ فكأنه في الظاهر قرر حجتهم، فلو وضحتم المناسبة بين هذا الجواب ومقالهم؟ وكيف صار هذا الجواب حجة بالغة؟
الجواب: قد أوضح صاحب الكشاف معنى هذه الآية إيضاحاً يتبين به جواب السؤال المذكور فقال: فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلله الحجة البالغة عليكم «أيها المشركون» على قود «حسب» مذهبكم، فلو شاء لهداكم أجمعين، منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته تعالى فتوالوهم ولا تعادوهم وتوافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه. اهـ كلام صاحب الكشاف.
الآية 150
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ (1) الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا} (2) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين أن يأتوا بشهود يشهدون أن الله سبحانه وتعالى قد حرم هذا الذي ذكرتموه.
{فَإِن شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} إذا جاؤوك بشهود فهم شهود زور؛ فلا تشهد معهم لأنهم ليسوا صادقين.
{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} لا تصدقهم فيما قالوه فليست إلا أهواء، ولا دليل لهم على ذلك ولا حجة.
{وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ 150} (3)
يعدلون به إلى عبادة الأصنام.

__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ}؟ وما معناها اللغوي؟
الجواب: «هلم» اسم فعل أمر وفاعله مستتر، و «شهداءكم» مفعول به مضاف، وضمير المخاطبين مضاف إليه، والمعنى: هاتوا شهداءكم.
(2) -سؤال: يقال: قول المشركين هذا لا يدل على أنهم يعتقدون أن الله تعالى خلق الشرك فيهم، فكيف يقال بأنهم كالمجبرة يقولون بخلق الأفعال فيهم؟
الجواب: قد اشترك الفريقان في القول بأن أفعالهم حصلت بمشيئة الله، وبذلك لزم المجبرة لزوماً لا مفر منه ولا مخرج بطلانُ مذهبهم لاتحاد دعاويهم، ولا يصح لهم تفسير مذهب المشركين بما يخرجهم من مشابهتهم لاتحاد الدعوى «لو شاء الله ما فعلنا». ... أما غير المجبرة (العدلية) فيمكنهم تفسير مذهب المشركين بغير مذهب المجبرة فيقال: إن المشركين ادعوا أن ما هم عليه من الشرك وتحريم ما حرموا هو دين الله الذي أمرهم به وشاءه وأراده ورضيه لهم ديناً، ولم يريدوا أن الله تعالى خلق فيهم الشرك وخلق فيهم ما هم عليه من العقيدة والدين.
(3) -سؤال: يقال: الظاهر في الاستعمال أن يقال: «عدلت عنه»، لا: «عدلت به»، فكيف يوجه ذلك؟

الجواب: المراد هنا أنهم ساووا بين الله وبين غيره في العبادة والإلهية، أي: يعدلون به غيره، مأخوذ من العدل بكسر العين، كانوا يحملون على الراحلة رجلين يجعلون كل واحد في طرف على جانب الراحلة، فإذا لم يكن إلا رجل واحد وضعوا في الجانب الآخر ما يعادله ويساويه في الثقل، ويسمونه عدلاً.
الآية 151
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} (1) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للمشركين: تعالوا أخبركم ما هو الذي حرمه ربكم عليكم وهو: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} (2) هذه هي الأولى، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} هذه الثانية، {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} (3) لا تقتلوهم خوف الفقر والعار، وهذه الثالثة، {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} قد تكفل الله سبحانه وتعالى برزقكم وإياهم فلا تقتلوهم خوفاً من الفقر.
{وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (4) والفواحش هي التي يستقبحها العقل ويستفحشها، وهذه الرابعة، {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151} (5) هذه الخامسة؛ فهذه الأشياء قد وصاكم بها في كتابه.
{
__________
(1) -سؤال: ما هو إعراب: {تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ}؟
الجواب: تعالوا: فعل أمر وفاعله، وأتل: فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر، وفاعله ضمير مستتر وجوباً، و «ما» اسم موصول في محل نصب مفعول به، وحرم: فعل ماض، وربكم: فاعل، والجملة لا محل لها صلة «ما»، والعائد محذوف.
(2) -سؤال: ما موضع: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}؟ ...
الجواب: أن: مفسرة، ولا: ناهية، وتشركوا: فعل وفاعل، ولا محل للجملة من الإعراب لأنها من الجمل التي لا محل لها من الإعراب.
سؤال: على الظاهر أنه حرم عدم الإشراك والواقع أنه إنما حرم الإشراك فكيف؟
الجواب: «أن» مفسرة كما ذكرنا، والتقدير: أي لا تشركوا به شيئاً ولا إشكال على هذا، إلا أنهم استشكلوا عطف قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وما بعده على قوله: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} من حيث أن الجملة وما عطف عليها تفسير لما حرم الله فيكون الإحسان على هذا مما حرم الله، وأجيب على هذا الإشكال بأن التحريم راجع إلى أضداد الأوامر المذكورة.
(3) -سؤال: ظاهر: {وَلاَ تَقْتُلُوا} أنها عطفت على: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} مع أنها إنشائية فكيف؟
الجواب: «ولا تقتلوا .. » معطوف على «لا تشركوا .. »، و «بالوالدين إحساناً» هو إنشاء؛ لأن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً.
(4) -سؤال: هل قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} مثل قوله: {ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام:120] المتقدم؟
الجواب: هي مثلها وتفسر بما تفسر به، وقد مضى هناك فيما تقدم سؤال وجواب فليرجع إليه.
الآية 152
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وهذه السادسة مما حرمه الله سبحانه وتعالى، فلا تقربوا أموال اليتامى إلا بنية إصلاحها والقيام عليها وتنميتها، {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (3) حتى يبلغوا مبالغ الرجال ثم أدوا إليهم أموالهم.
{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (4)
فهذه هي السابعة، فالله سبحانه وتعالى لا يكلف النفس إلا بما تتحمله وتطيقه.
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أمرهم الله سبحانه وتعالى بالعدل في الشهادة ونحوها، ولو على القريب ولو على النفس، وهذه الثامنة.
{وَبِعَهْدِ اللّهِ (5) أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 152} إذا عاهدوا الله سبحانه وتعالى بشيء فعليهم أن يوفوا به، وهذه هي التاسعة.
__________
(3) -سؤال: لماذا عبَّر الله بقوله: {أَشُدَّهُ} وفي أول النساء: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6]؟
الجواب: قد فسروا «أشده» هنا ببلوغ النكاح، وهو تفسير صحيح، فأصح التفاسير تفسير القرآن بالقرآن.
(4) -سؤال: لماذا عقب الله هذه الوصية بقوله: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}؟

الجواب: الفائدة هي أن المكلف -وإن جد واجتهد- لا يأتي بما كلف به على الوجه الذي يريده الله بالكمال والتمام فنبه الله تعالى هنا المكلفين بأن عليهم أن يؤدوا ما وجب عليهم، وما عليهم -بعد إخلاص النية والجد في عمل ما كلفوه- حرج فيما حصل من النقص والخلل.
(5) -سؤال: هل يشمل عهد الله العهود التي بين الناس، وكذا الأوامر والنواهي التي أمر بها أو نهى عنها؟
الجواب: يشمل «عهد الله» العهود التي بين الناس، والأوامر والنواهي، وكل ما وجب على المكلف بنذر ونحوه؛ لأن المكلف قد رضي وقبل دين الإسلام بكل ما فيه، وآمن بالله ورسوله، واستجاب وسمع وأطاع، إما عن طريق البيعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لمن قام مقامه وإما عن طريق الالتزام والرضا بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بمنزلة العهد.
الآية 153
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} وهذا من بقية ما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلوه على قومه، وهو أن يتبعوا دينه؛ لأنه الدين الحق (2).
{وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (3)
ولا تتبعوا غير هذه السبيل التي أنا فيها وأدعوكم إليها، فإنكم إذا اتبعتم غيرها ابتعدتم عن الحق وطريقه.
{ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153} (1) وصاكم الله سبحانه وتعالى بهذا لتكونوا في زمرة المتقين.

__________

(2) -سؤال: هل تقصدون أن المصدر المؤول من أن وما بعدها في محل نصب عطفاً على محل «ما»؟
الجواب: أن وما دخلت عليه في محل جر بلام العلة وهو متعلق بقوله: {فَاتَّبِعُوهُ}.
(3) -سؤال: ما إعراب: {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}؟ وما معناها حسب ذلك؟

الجواب: تفرق: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالنهي، و «بكم» جار ومجرور متعلق بتفرق، و {عَن سَبِيلِهِ} جار ومجرور متعلق بتفرق أيضاً، وقد يتعلق بمحذوف ويكون في محل نصب حال، أي: حال كونكم تائهين عن سبيله، والباء في «بكم» للتعدية أي: فتفرقكم عن سبيله، والمعنى: أنهم إذا اتبعوا السبل فإنها تبعدهم عن سبيل الحق التي هي سبيل الله.
(1) -سؤال: هل هناك نكتة في المخالفة بين قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151} وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153}؟
الجواب: الأمور الأولى الخمسة واضحة جلية فحسن أن يقال بعد التوصية بها: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151}، والخمسة التي بعدها خفية تحتاج إلى الفكر فحسن أن يقال بعدها: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 152}، وجاءت {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153} بعد النهي عن اتباع السبل لكي يتقوا الوقوع فيها.
سؤال: يقال: هذه الوصايا العشر لم تنسخ من عهد آدم إلى قيام الساعة، فهل هذا صحيح؟
الجواب: القول هذا صحيح ودليله قائم في الوصايا نفسها: فالشرك باطل عقلاً، وشكر المحسن واجب عقلي، وإحسان الوالدين إلى ولدهما ظاهر ليس فوقه إحسان إلا إحسان الله تعالى ورسله صلوات الله عليهم، وقتل الأولاد لخوف الفقر أو لأي سبب ظلم كبير، والفواحش ما ظهر منها وما بطن مما تعالى الله سبحانه عن إرادته والأمر به {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل:90]، وقتل النفس بغير حق ظلم كبير مقرر في فطر العقول، وأكل مال اليتيم من الظلم الكبير المقرر في العقول، وقول الحق والعدل حسن عقلاً، وقول الباطل والجور قبيح عقلاً، وأحكام الفطرة لا تتغير.
وبخس الكيل والوزن ظلم وخيانة تستقبحه الفطر السليمة، والوفاء بالعهد تحتمه العقول وتذم الناكث والخائن، وسلوك سبيل السلامة توجبه الفطرة وتنهى عن سلوك سبل الهلاك والضلال، وتعالى الله وتقدس عن أن يأمر بما يستنكر في فطر العقول.
الآية 154
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ} (2)
أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة على نبيه موسى عليه السلام؛ لأنه كان أهلاً لأن يحمل رسالة الله سبحانه وتعالى ويبلغها.
{وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ 154} وفي هذا الكتاب تفصيل لأحكام دين اليهود من الحلال والحرام وغيرهما، وكذلك في التوراة هدى لهم ورحمة، وكل ذلك لأجل أن يؤمنوا بالبعث والنشور.

__________

(2) -سؤال: كيف جاءت «ثم» هنا مع أن الأولى حسب الظاهر «الفاء»؟

الجواب: بعد أن ذكر الله تعالى الوصايا المذكورة عقبها بذكر خبر عظيم هو: أنه آتى موسى الكتاب {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء:50]، فجاء الترتيب بين الوصايا العشر وبين هذا الخبر العظيم بـ «ثم» لتفيد بعد المسافة بين عظمة الوصايا وبين الكتابين «التوراة والقرآن».
سؤال: فضلاً ما إعراب: {تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ}؟ وما معناه حسب مفرداته اللغوية؟
الجواب: {تَمَاماً} مفعول من أجله. {عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ} جار ومجرور متعلق بتماماً، و «أحسن» فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الذي، والمعنى: أن الله تعالى أعطى موسى عليه السلام الكتاب «التوراة» ليتم نعمته بذلك على الذين آمنوا، وهذا إذا جعل «الذي» عاماً، ويجوز أن يراد به موسى عليه السلام فيكون المعنى: ليتم نعمته على موسى لإحسانه {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 14} [القصص]، وفي هذه الآية ما يرجح أن المراد بـ {الَّذِيَ أَحْسَنَ} هو موسى عليه السلام.
الآية 155
وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
📝 التفسير:
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} (1) أي: القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى وفيه المنافع الكثيرة للناس.
{فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 155} (2) اتقوا مخالفته لتنالوا رحمة الله سبحانه وتعالى.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب {مُبَارَكٌ}؟ ولِمَ لم ينصب على الحال؟ وهل هو مأخوذ من البركة أو من الزيادة أو ممَّاذا؟
الجواب: يعرب {مُبَارَكٌ} صفة لكتاب، ويجوز أن ينصب على الحال لتخصص النكرة «كتاب» بالصفة «أنزلناه»، أو من ضمير «كتاب» في أنزلناه إلا أن القراءة هكذا وردت فلا تخالف لأنها سنة متَّبَعَة، و «مبارك» من البركة والمراد أنه كثير الخير والنفع.
(2) -سؤال: هل لحذف مفعول {اتَّقُوا} نكتة بلاغية؟
الجواب: الوجه هو الإيجاز وعدم الإلباس لوجود القرينة «اتبعوه» أي: واتقوا مخالفته لما يترتب عليها من العقاب أو: واتقوا عقاب الله في مخالفة أمره.
الآية 156
أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ
📝 التفسير:
{أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ 156} (3)
كراهة أن تقولوا أيها المشركون يوم القيامة عند دنو العذاب: إن الكتاب قد أنزل على اليهود والنصارى ونحن لا كتاب لنا، فلماذا تعذبنا؟ فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه أنزل لهم القرآن ليقطع عليهم الأعذار وليكون حجةً عليهم.

__________
(1) -سؤال: ما إعراب {مُبَارَكٌ}؟ ولِمَ لم ينصب على الحال؟ وهل هو مأخوذ من البركة أو من الزيادة أو ممَّاذا؟
الجواب: يعرب {مُبَارَكٌ} صفة لكتاب، ويجوز أن ينصب على الحال لتخصص النكرة «كتاب» بالصفة «أنزلناه»، أو من ضمير «كتاب» في أنزلناه إلا أن القراءة هكذا وردت فلا تخالف لأنها سنة متَّبَعَة، و «مبارك» من البركة والمراد أنه كثير الخير والنفع.
(2) -سؤال: هل لحذف مفعول {اتَّقُوا} نكتة بلاغية؟
الجواب: الوجه هو الإيجاز وعدم الإلباس لوجود القرينة «اتبعوه» أي: واتقوا مخالفته لما يترتب عليها من العقاب أو: واتقوا عقاب الله في مخالفة أمره.
(3) -سؤال: من فضلكم ما إعراب: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ 156}؟ وما معناها؟

الجواب: «إن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف. «كنا» كان الناقصة والضمير اسمها. «لغافلين» خبر كان، واللام هي الفارقة، و «عن دراستهم» جار ومجرور متعلق بغافلين. والمعنى: وإنا كنا جاهلين فلم يأتنا مثل ما أنزل على الطائفتين «اليهود والنصارى» أي: ليس لنا كتاب من عند الله مثلهم.
الآية 157
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ
📝 التفسير:
{أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى} وبالفعل كانوا يقولون قبل نزول القرآن عليهم: لو كان معنا كتاب لكنا أهدى من اليهود والنصارى.
{فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} فقد نزل إليكم القرآن فيه بيان كل شيء، وفيه هدى ورحمة لمن اهتدى به.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} فلا أحد أظلم من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن عندما أنزله الله سبحانه وتعالى رحمة لهم فأعرضوا عنه. ومعنى «صدف»: أعرض.
{سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ 157} (1) سينيلهم الله سبحانه وتعالى العذاب الشديد بسبب إعراضهم عن كتابه.
__________
(1) -سؤال: هل قوله: {مَا كَانُوا يَصْدِفُونَ 157} في تأويل مصدر فكيف تأويله؟
الجواب: «ما» مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر أي: بصدفهم أي: بإعراضهم.
الآية 158
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ
📝 التفسير:
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ} (2) أخبر الله سبحانه وتعالى نبيهصلى الله عليه وآله وسلم بأن قريشاً ومن معهم من المشركين قد تمردوا على الله سبحانه وتعالى واستحقوا عذابه، ولم يبق إلا أن تأتيهم الملائكة بعذاب الله سبحانه وتعالى.
{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} يأتي بعذابه: إما في غمام، أو حجارة من السماء.
{أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} (1)
فلن ينفع الإيمان عند نزول الملائكة أو إتيان العذاب؛ لأن التكليف قد انقطع بحصول الموت ودنوه، وقد ارتفع الحجاب حينئذٍ؛ لأن المرء في الدنيا وحال التكليف قد أمره الله سبحانه وتعالى بأن يؤمن بالغيب {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة 3]، والغيب: هو البعث والحساب والجنة والنار والإيمان بالله سبحانه وتعالى، وهذه أمور غيبية، والمرء مختار في أن يؤمن بها أو لا يؤمن، وعند حصول آيات الله سبحانه وتعالى أو بعض آياته، وهو نزول العذاب ودنو الموت يكون المرء مضطراً إلى الإيمان وملجأً إليه؛ لأن نزول العذاب به سيضطره إلى الإيمان.
{قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ 158} انتظروا -أيها المشركون- سخط الله سبحانه وتعالى فهو نازل بكم، ونحن منتظرون لذلك.

__________

(2) -سؤال: ما معنى {هَلْ} هنا؟ وما إعراب: {أَن تَأْتِيهُمُ}؟
الجواب: «هل» هنا للنفي، و «أن تأتيهم» أن مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر مفعول به.
(1) -سؤال: قد فسرت {بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن كثير من أئمتنا منهم المنصور بالله والزمخشري وغيرهما: أنها طلوع الشمس من مغربها وأنها علامة القيامة، وأنه ينقطع التكليف عندها، فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب: التفسير صحيح لأن طلوع الشمس من مغربها آية من آيات الله العظيمة ولا سيما بعد تقدم الخبر بذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مانع من ظهور آية أخرى أو آيات من آيات الله التي يحصل عندها العلم الضروري بالله.
سؤال: ما إعراب جملة: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}؟ وما محلها؟
الجواب: الجملة في محل نصب صفة لـ «نفساً» و «تكن» فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، واسمها ضمير يعود إلى «نفساً»، و {آمَنَتْ مِن قَبْلُ} جملة في محل نصب.
سؤال: هل في الآية دليل على وعيد أهل الكبائر غير الكفار بعدم نفع إيمانهم لأنهم لم يكونوا قد كسبوا فيه خيراً؟ وما معنى: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}؟ وعلام عطفت؟

الجواب: نعم، فيها دليل على ذلك؛ لأنه يراد بكسب الخير فعل الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة فمن أعطاك مائة وأخذ عليك مائتين أو مائة غصباً أو خيانة لا يقال إنه كسب خيراً، ولا يعد من أهل المكاسب الصالحة وما ذلك إلا لجمعه بين العملين، وهذا إذا كانت السيئة كبيرة. وجملة {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} معطوفة على جملة «آمنت» أي: أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً ومحلها النصب، والمعنى: أن الإيمان وحده لا ينفع إلا إذا اقترن بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة
الآية 159
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ (1) وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (2)
إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ 159} كل الفرق الذين تراهم يا محمد، والذين قد صاروا أحزاباً من اليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركين، وعبدة الشمس، وعبدة النار، وعبدة الجن؛ فدينك يا محمد برئ من هذه الأديان، وأنت على الحق، وهم على الباطل.
{إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ} وهو الذي سيتولى جزاءهم.
{ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ 159} سوف يخبرهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بأعمالهم الباطلة ويجازيهم عليها.

__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما معنى: {فَرَّقُوا دِينَهُمْ} حسب اللغة والشرع؟
الجواب: معنى {فَرَّقُوا دِينَهُمْ} اختلفوا في دينهم بحيث أن يكون دين ذلك الفريق مخالفاً لدين الفريق الآخر، ويدخل فيه اختلاف المذاهب في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إمامية، جعفرية، أشعرية، مجبرة، و ... إلخ، حيث قد صار كل أهل مذهب يدين بخلاف دين المذهب الآخر، إلا أنه قام الدليل على استثناء الخلاف في المسائل الفرعية الظنية فقد حصل الإجماع والاتفاق بين علماء الأمة الإسلامية على أن الخلاف فيها لا يخل بالإيمان، وأنه ليس من التفرق المذموم، ولقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب:5]، ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
(2) - سؤال: كان مقتضى السياق: «ليسوا منك في شيء» فلِمَ عدل عنه؟

الجواب: المعنى: لست منهم يا محمد في عقاب ولا ذم ولا تفرق ولا مسؤولية فلست مسؤولاً عن أعمالهم. وقد قيل له صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لما قد كان في قلبه صلى الله عليه وآله وسلم أو قد يكون من توهم أي مسؤولية عن أولئك الذين تفرقوا في دينهم وضلالهم من حيث أنه رسول من الله تعالى لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ولو قيل: ليسوا منك في شيء لفهم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توهم أن تلك الفِرَق تشاركه فيما هو فيه من الأعمال الصالحة، وبعيد غاية البعد أن يكون قد لاح في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو خطر بباله ذلك التوهم، وعلى هذا فالسياق على بابه.
سؤال: قد يستدل بعض العوام بالآية على أني إذا انتميت إلى الزيدية فإنه من التفرق المذموم، فكيف الجواب؟
الجواب: ورد الذم في هذه الآية للفرق التي خالفت الحق، ولذلك لم يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذم في هذه الآية لأنه على الحق هو ومن في حزبه، والزيدية ليست داخلة في الذم لأنها سلكت سبيل الحق والهدى الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين الذين جمعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كساء وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)) وقد أورد ابن كثير حديث الكساء في تفسير سورة الأحزاب مستدلاً به هناك، وهو حديث صحيح مجمع على صحته عند السنة والشيعة عند قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33} [الأحزاب]، وفي حديث الثقلين المجمع على صحته أيضاً وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) وهو في صحيح مسلم. فمن هنا يتبين أن الزيدية ليست من الفرق المذمومة، بل الذم للفرق الأخرى المخالفة للحق التي ليس لها حجة ولا دليل على أنها على الحق والهدى.
الآية 160
مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
📝 التفسير:
{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 160} فالحسنة سيضاعفها له، والسيئة جزاؤها بمثلها، والسيئات ولو كنا نراها صغاراً عندنا فهي عند الله سبحانه وتعالى كبيرة، ألا ترى إلى قوله: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة 32]، من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة بما فيهم الأنبياء جميعا، فانظر إلى عظم هذا عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك بقية المعاصي هي هكذا عند الله سبحانه وتعالى (1).
وكذلك من زنى، انظر إلى عظم معصيته هذه وفظاعتها، فهو بسبب الزنا سيخلط بين الأنساب ويجعل هذا رحماً لهذا، ويدخل نسبه بين أولئك، ويجعل هذا وارثاً لهذا؛ فانظر ما خلفته هذه المعصية من الآثار، وانظر إلى كبرها عند الله سبحانه وتعالى {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور 15].

__________
(1) -سؤال: قد يقال: سلمنا أننا نعلم عظم مثل هذه السيئات التي ذكرتها فكيف نعلم بعظم البعض الآخر مثل سرقة عشرة دراهم، مع قوله تعالى: {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 160} [الأنعام]؟

الجواب: سرقة عشرة دراهم هي سرقة صغيرة وجرم صغير في بادئ الرأي، ولكن الله تعالى قد بين كبر ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه))، ((ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا .. )) أو كما قال. وبعد، فأخذ مال المسلم عليه بغير حق ظلم يترتب عليه فساد كبير، فالمأخوذ عليه سيغتاظ ويحقد على الآخذ ويشايعه على ذلك إخوته وأولاده وأولياؤه و .. ، وقد يحصل بسبب ذلك قتل وعداوات وانتقام تنتهك فيه الحرمات ويقلق الأمن وتراق دماء وتفسد أموال، وقد يتفشى الفساد فيعم أمة كبيرة، وكل ذلك بسبب سرق عشرة دراهم أو اغتصابها أو خيانتها، فجريمةٌ من شأنها أن يترتب عليها مثل ما ذكرنا حقيقة بأن يعاقب صاحبها بعقاب عظيم في الدنيا والآخرة، وحقاً فقد قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 38} [المائدة]، فهذا الجزاء الكبير في الدنيا وفي الآخرة عذاب النار الخالد، وما ذاك إلا لعظم الجريمة. ومثل ما ذكرنا انتهاك عرض المسلم وأذاه في نفسه أو ذويه بكلام أو بإيلام.