القرآن الكريم مع التفسير
سورة الأعراف
آية
الآية 141
وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ (1) يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء (2) مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ 141} اذكروا نعمة الله سبحانه وتعالى عليكم هذه، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد أنجاكم من آل فرعون كانوا يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وأي نعمة أكبر من هذه التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليكم؟
__________
(1) -سؤال: ما معنى: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ}؟ وما محل جملة: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ}؟
الجواب: المعنى: يبغونكم أشد العذاب. ولا محل لجملة: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ} لأنها منزلة منزلة عطف البيان للجملة الأولى، ولا محل للجملة الأولى لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً.
(2) -سؤال: ما معنى {بَلاء} في الآية؟ والإشارة بـ {ذَلِكُم} إلى ماذا؟
الجواب: في الكشاف: البلاء النعمة أو المحنة، وذلكم: إشارة إلى الإنجاء أو العذاب «المحنة».
{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ (1) يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء (2) مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ 141} اذكروا نعمة الله سبحانه وتعالى عليكم هذه، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد أنجاكم من آل فرعون كانوا يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وأي نعمة أكبر من هذه التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليكم؟
__________
(1) -سؤال: ما معنى: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ}؟ وما محل جملة: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ}؟
الجواب: المعنى: يبغونكم أشد العذاب. ولا محل لجملة: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ} لأنها منزلة منزلة عطف البيان للجملة الأولى، ولا محل للجملة الأولى لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً.
(2) -سؤال: ما معنى {بَلاء} في الآية؟ والإشارة بـ {ذَلِكُم} إلى ماذا؟
الجواب: في الكشاف: البلاء النعمة أو المحنة، وذلكم: إشارة إلى الإنجاء أو العذاب «المحنة».
الآية 142
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة، ثم مدَّد الله سبحانه وتعالى المهلة لموسى إلى أربعين ليلة؛ ليذهب موسى والسبعون الذين معه من بني إسرائيل إلى الطور؛ ليسمعوا كلام الله سبحانه وتعالى الذي هو التوراة، ويكتبوه في هذه المدة (أربعين ليلة)، وهؤلاء السبعون قد اختارهم موسى عليه السلام من خيار بني إسرائيل، وذلك ليكونوا شهوداً عند بقية بني إسرائيل على أنهم قد سمعوا كلام الله سبحانه وتعالى، وأن موسى عليه السلام قد جاء به من عند الله سبحانه وتعالى، وكان موسى عليه السلام قد اختارهم لأنه كان يعلم أنهم سينكرون فيما بعد أنه من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه إنما يفتري عليهم الكذب، لأن عادتهم التمرد والجحود.
{وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 142} أمر موسى أخاه هارون بأن يلبث بين بني إسرائيل ليخلفه فيهم، ويقوم عليهم ويرعاهم في غيبته، ويصلح أمورهم إلى أن يرجع بعد أن يكتب التوراة.
{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة، ثم مدَّد الله سبحانه وتعالى المهلة لموسى إلى أربعين ليلة؛ ليذهب موسى والسبعون الذين معه من بني إسرائيل إلى الطور؛ ليسمعوا كلام الله سبحانه وتعالى الذي هو التوراة، ويكتبوه في هذه المدة (أربعين ليلة)، وهؤلاء السبعون قد اختارهم موسى عليه السلام من خيار بني إسرائيل، وذلك ليكونوا شهوداً عند بقية بني إسرائيل على أنهم قد سمعوا كلام الله سبحانه وتعالى، وأن موسى عليه السلام قد جاء به من عند الله سبحانه وتعالى، وكان موسى عليه السلام قد اختارهم لأنه كان يعلم أنهم سينكرون فيما بعد أنه من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه إنما يفتري عليهم الكذب، لأن عادتهم التمرد والجحود.
{وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 142} أمر موسى أخاه هارون بأن يلبث بين بني إسرائيل ليخلفه فيهم، ويقوم عليهم ويرعاهم في غيبته، ويصلح أمورهم إلى أن يرجع بعد أن يكتب التوراة.
الآية 143
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} طلب بنو إسرائيل موسى أن يريهم (1) الله سبحانه وتعالى عياناً، وإلا فلن يؤمنوا، فسأل موسى عليه السلام ربه هذا السؤال، وطلب أن يريه الله سبحانه وتعالى نفسه فأجاب الله تعالى فقال: {لَن تَرَانِي}.
ولم يسأل موسى هذا السؤال إلا لأجل أن يتأكد بنو إسرائيل أنها لا تصح ولا تجوز الرؤية عليه، وليتيقنوا أنه لا يمكن ذلك، وأما في نفسه فهو يعلم علم اليقين أنه لا يصح، وأن الرؤية لا تجوز عليه سبحانه وتعالى، وسؤالهم هذا من أكبر الكبائر، قال تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً} [النساء 153] (2).
{وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} انظر إلى ذلك الجبل فإن ثبت مكانه- فسوف تراني.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً} فلما توجه إليه بقدرته، وأراد أن يدك هذا الجبل دكه، وحين رأى موسى ذلك خر مغشياً عليه، ومات جميع قومه عندها، ولكن الله سبحانه وتعالى قد بعثهم بعد ذلك وأحياهم من جديد، نعمة أنعم بها عليهم وخصهم بها.
{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143} فلما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قال: أنزهك يا الله عن الرؤية وجوازها عليك، وأنا تائب إليك من طلبي هذا لأنه معصية، وأنا أول من آمن بك فتب علي.
توسل موسى عليه السلام إلى ربه بأن يقبل توبته؛ لأنه أول من آمن به ونزهه.
__________
(1) -سؤال: يقال: للإمام الهادي عليه السلام كلام واسع مفاده أنه لم يطلب إلا آية لا الرؤية نفسها، فكيف؟
الجواب: موسى عليه السلام -وإن قال- {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} لم يرد طلب رؤية الله تعالى لعلمه باستحالة ذلك، وإنما قال ذلك ليَردّ الله على بني إسرائيل رداً شافياً، فكان الرد من الله على بني إسرائيل بصاعقة أنزلها الله تعالى بهم صعقتهم فماتوا.
(2) -سؤال: قد يقال: لو كان سؤالهم كبيراً في العقول لأجاب عليهم بمثل ما أجاب به عليهم في الآية السابقة: {اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 138}، فكيف؟
الجواب: قد أجاب موسى عليه السلام عليهم ولم يقتنعوا منه بجواب، كما اقتنعوا فيما سبق لهم من السؤالات، بل أصروا غاية الإصرار على مطلبهم وقالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55]، فأقنعوه أنهم سيكفرون به وبكل ما جاء به، إذا لم يسعفهم في مطلبهم الرؤية.
{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} طلب بنو إسرائيل موسى أن يريهم (1) الله سبحانه وتعالى عياناً، وإلا فلن يؤمنوا، فسأل موسى عليه السلام ربه هذا السؤال، وطلب أن يريه الله سبحانه وتعالى نفسه فأجاب الله تعالى فقال: {لَن تَرَانِي}.
ولم يسأل موسى هذا السؤال إلا لأجل أن يتأكد بنو إسرائيل أنها لا تصح ولا تجوز الرؤية عليه، وليتيقنوا أنه لا يمكن ذلك، وأما في نفسه فهو يعلم علم اليقين أنه لا يصح، وأن الرؤية لا تجوز عليه سبحانه وتعالى، وسؤالهم هذا من أكبر الكبائر، قال تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً} [النساء 153] (2).
{وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} انظر إلى ذلك الجبل فإن ثبت مكانه- فسوف تراني.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً} فلما توجه إليه بقدرته، وأراد أن يدك هذا الجبل دكه، وحين رأى موسى ذلك خر مغشياً عليه، ومات جميع قومه عندها، ولكن الله سبحانه وتعالى قد بعثهم بعد ذلك وأحياهم من جديد، نعمة أنعم بها عليهم وخصهم بها.
{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143} فلما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قال: أنزهك يا الله عن الرؤية وجوازها عليك، وأنا تائب إليك من طلبي هذا لأنه معصية، وأنا أول من آمن بك فتب علي.
توسل موسى عليه السلام إلى ربه بأن يقبل توبته؛ لأنه أول من آمن به ونزهه.
__________
(1) -سؤال: يقال: للإمام الهادي عليه السلام كلام واسع مفاده أنه لم يطلب إلا آية لا الرؤية نفسها، فكيف؟
الجواب: موسى عليه السلام -وإن قال- {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} لم يرد طلب رؤية الله تعالى لعلمه باستحالة ذلك، وإنما قال ذلك ليَردّ الله على بني إسرائيل رداً شافياً، فكان الرد من الله على بني إسرائيل بصاعقة أنزلها الله تعالى بهم صعقتهم فماتوا.
(2) -سؤال: قد يقال: لو كان سؤالهم كبيراً في العقول لأجاب عليهم بمثل ما أجاب به عليهم في الآية السابقة: {اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 138}، فكيف؟
الجواب: قد أجاب موسى عليه السلام عليهم ولم يقتنعوا منه بجواب، كما اقتنعوا فيما سبق لهم من السؤالات، بل أصروا غاية الإصرار على مطلبهم وقالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55]، فأقنعوه أنهم سيكفرون به وبكل ما جاء به، إذا لم يسعفهم في مطلبهم الرؤية.
الآية 144
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} بعدما أفاق موسى من الصعقة اعتذر إلى الله تعالى من السؤال قال الله تعالى له: إني اخترتك على الناس واختصصتك برسالاتي وبكلامي.
{فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ 144} فنفذ ما أمرتك به على أحسن وجه، وكن من الشاكرين لهذه النعمة العظيمة التي أنعمت بها عليك.
{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} بعدما أفاق موسى من الصعقة اعتذر إلى الله تعالى من السؤال قال الله تعالى له: إني اخترتك على الناس واختصصتك برسالاتي وبكلامي.
{فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ 144} فنفذ ما أمرتك به على أحسن وجه، وكن من الشاكرين لهذه النعمة العظيمة التي أنعمت بها عليك.
الآية 145
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{وَكَتَبْنَا (1) لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} (2) كتب موسى والسبعون الذين معه التوراة في الألواح في مدة الأربعين الليلة، وفيها الشرائع والأحكام والمواعظ والعلم والحكمة، {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} فيها تفصيل كل الأحكام والشرائع، {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} اعمل بها بجد واجتهاد، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ 145} (3) أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يأمر قومه بأن يعملوا ويأخذوا بالأحسن منها؛ لأنه كان في شريعته الرخص والعزائم (4)،
والعزيمة أفضل من الرخصة، فأوحى إليه الله سبحانه وتعالى أن يأمرهم بالأفضل، وكان قد أنزل على موسى عليه السلام أنه سيأمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، فأخبر الله سبحانه وتعالى هنا أنه سيريهم هذه الأرض، وسوف يدخلونها ويسكنونها، وهي أرض العمالقة.
__________
(1) -سؤال: ما العلة في نسبة الكتابة إلى الله سبحانه؟
الجواب: لأنها كتبت بأمره وإرادته.
(2) - سؤال: بم تعلق: {مِن كُلِّ شَيْءٍ}؟ وهل قام مقام المفعول به، فـ {مَّوْعِظَةً} ما يكون؟
الجواب: «من كل شيء» في محل المفعول به، ومحله النصب. وموعظة: بدل منه.
(3) -سؤال: يقال: هنا سماها {دَارَ الْفَاسِقِينَ 145} وهناك الأرض المقدسة فكيف؟
الجواب: لا منافاة بين الوصفين فهي أرض مقدسة، وسكانها فاسقون في ذلك الحين، وتماماً كمكة هي أرض مقدسة وكانت داراً للمشركين إلى يوم فتحها.
(4) -سؤال: من أين استفدنا أن في شريعته الرخص والعزائم؟
الجواب: استفدنا ذلك من حيث أن الحكمة تقتضي الفرق بين تكليف المريض والصحيح، والتفريق بين حالة الضرورة والاختيار ونحو ذلك. وقد يستفاد ذلك من قوله: {بِأَحْسَنِهَا} فإنه يفيد أن فيها حسناً وأحسن منه.
{وَكَتَبْنَا (1) لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} (2) كتب موسى والسبعون الذين معه التوراة في الألواح في مدة الأربعين الليلة، وفيها الشرائع والأحكام والمواعظ والعلم والحكمة، {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} فيها تفصيل كل الأحكام والشرائع، {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} اعمل بها بجد واجتهاد، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ 145} (3) أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يأمر قومه بأن يعملوا ويأخذوا بالأحسن منها؛ لأنه كان في شريعته الرخص والعزائم (4)،
والعزيمة أفضل من الرخصة، فأوحى إليه الله سبحانه وتعالى أن يأمرهم بالأفضل، وكان قد أنزل على موسى عليه السلام أنه سيأمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، فأخبر الله سبحانه وتعالى هنا أنه سيريهم هذه الأرض، وسوف يدخلونها ويسكنونها، وهي أرض العمالقة.
__________
(1) -سؤال: ما العلة في نسبة الكتابة إلى الله سبحانه؟
الجواب: لأنها كتبت بأمره وإرادته.
(2) - سؤال: بم تعلق: {مِن كُلِّ شَيْءٍ}؟ وهل قام مقام المفعول به، فـ {مَّوْعِظَةً} ما يكون؟
الجواب: «من كل شيء» في محل المفعول به، ومحله النصب. وموعظة: بدل منه.
(3) -سؤال: يقال: هنا سماها {دَارَ الْفَاسِقِينَ 145} وهناك الأرض المقدسة فكيف؟
الجواب: لا منافاة بين الوصفين فهي أرض مقدسة، وسكانها فاسقون في ذلك الحين، وتماماً كمكة هي أرض مقدسة وكانت داراً للمشركين إلى يوم فتحها.
(4) -سؤال: من أين استفدنا أن في شريعته الرخص والعزائم؟
الجواب: استفدنا ذلك من حيث أن الحكمة تقتضي الفرق بين تكليف المريض والصحيح، والتفريق بين حالة الضرورة والاختيار ونحو ذلك. وقد يستفاد ذلك من قوله: {بِأَحْسَنِهَا} فإنه يفيد أن فيها حسناً وأحسن منه.
الآية 146
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ
📝 التفسير:
{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (1) فالمتكبرون عن الحق لن يفهموا الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى عليه السلام، ولن يفهموا شرائعه، وسيصرفها الله سبحانه وتعالى عنهم؛ لأنه لا يوفق لفهم آياته وأحكامه إلا أولئك المتواضعون له ولما جاء به.
{وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا} لشدة عنادهم وتمردهم وشدة كبرهم إذا رأوا الآيات كفروا بها.
{وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} إذا رأوا الحق وعلموا أن هذه هي طريقه انصرفوا عنه ورفضوا الدخول فيه.
{وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} فهذه أوصاف المتكبرين الذين سيصرف الله سبحانه وتعالى عنهم آياته وفهمها، وسبيل الغي: هي سبيل الضلال.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ 146} صرفهم عن آيات الله وفهمها والعلم بها هو بسبب تكذيبهم بها وتوغلهم في اتباع الأهواء والشهوات فهم لذلك يسلكون سبيل الغي ويتركون سبيل الرشاد لأجل تكذيبهم بآيات الله سبحانه وتعالى وغفلتهم عنها.
__________
(1) -سؤال: ما المراد بصرفهم عن آيات الله، فقد يستدل به المخالفون على إرادة الله لكفرهم؟ أم أن المراد به صرف التوفيق الزائد في فهمها عن هؤلاء؟
الجواب: الذي صرفه الله تعالى عن المتكبرين هو التوفيق والتنوير الذي يعطيه لأوليائه ثواباً على تواضعهم لقبول الحق من ربهم. وأما العقل الكافي الذي لا يتم التكليف إلا به فقد آتاهم الله ذلك، إلا أنهم لتكبرهم لم يلتفتوا لدواعي عقولهم التي تدعوهم إلى الرشد والفلاح.
{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (1) فالمتكبرون عن الحق لن يفهموا الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى عليه السلام، ولن يفهموا شرائعه، وسيصرفها الله سبحانه وتعالى عنهم؛ لأنه لا يوفق لفهم آياته وأحكامه إلا أولئك المتواضعون له ولما جاء به.
{وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا} لشدة عنادهم وتمردهم وشدة كبرهم إذا رأوا الآيات كفروا بها.
{وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} إذا رأوا الحق وعلموا أن هذه هي طريقه انصرفوا عنه ورفضوا الدخول فيه.
{وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} فهذه أوصاف المتكبرين الذين سيصرف الله سبحانه وتعالى عنهم آياته وفهمها، وسبيل الغي: هي سبيل الضلال.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ 146} صرفهم عن آيات الله وفهمها والعلم بها هو بسبب تكذيبهم بها وتوغلهم في اتباع الأهواء والشهوات فهم لذلك يسلكون سبيل الغي ويتركون سبيل الرشاد لأجل تكذيبهم بآيات الله سبحانه وتعالى وغفلتهم عنها.
__________
(1) -سؤال: ما المراد بصرفهم عن آيات الله، فقد يستدل به المخالفون على إرادة الله لكفرهم؟ أم أن المراد به صرف التوفيق الزائد في فهمها عن هؤلاء؟
الجواب: الذي صرفه الله تعالى عن المتكبرين هو التوفيق والتنوير الذي يعطيه لأوليائه ثواباً على تواضعهم لقبول الحق من ربهم. وأما العقل الكافي الذي لا يتم التكليف إلا به فقد آتاهم الله ذلك، إلا أنهم لتكبرهم لم يلتفتوا لدواعي عقولهم التي تدعوهم إلى الرشد والفلاح.
الآية 147
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فهؤلاء ولو عملوا أعمال البر فلن تقبل منهم، ولن يقبل الله سبحانه وتعالى منهم أي بر ما داموا مكذبين بالله وبآياته ومستكبرين عنها.
{هَلْ (1) يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 147} فالله سبحانه وتعالى لن يظلمهم عندما يعذبهم؛ لأنهم قد استحقوا العذاب بسبب أعمالهم، وليس إلا جزاءً عليها.
__________
(1) -سؤال: ما معنى «هل» في الآية؟
الجواب: خرجت عن معنى الاستفهام هنا وصارت للنفي.
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فهؤلاء ولو عملوا أعمال البر فلن تقبل منهم، ولن يقبل الله سبحانه وتعالى منهم أي بر ما داموا مكذبين بالله وبآياته ومستكبرين عنها.
{هَلْ (1) يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 147} فالله سبحانه وتعالى لن يظلمهم عندما يعذبهم؛ لأنهم قد استحقوا العذاب بسبب أعمالهم، وليس إلا جزاءً عليها.
__________
(1) -سؤال: ما معنى «هل» في الآية؟
الجواب: خرجت عن معنى الاستفهام هنا وصارت للنفي.
الآية 148
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ (1) عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} عندما ذهب موسى عليه السلام لميقات ربه إلى الطور ليكتب التوراة لبني إسرائيل- قام بنو إسرائيل بصنع تمثال على هيئة العجل ليعبدوه، ويتخذوه إلهاً من دون الله سبحانه وتعالى، وادعوا أنه إلههم وإله موسى، فانظر لشدة تمردهم على الله سبحانه وتعالى؛ فما إن غاب نبيهم عنهم حتى رجعوا إلى الكفر والشرك، وحنُّوا إلى عاداتهم القديمة، وهذا مع معرفتهم بصدق نبوة موسى عليه السلام وصدق ما جاءهم به، ومعرفتهم بالله سبحانه وتعالى وآياته وحججه، ففي هذا أكبر دليل على أنهم يستحقون أن يعذبهم الله سبحانه وتعالى أشد العذاب، وهذا العجل الذي اتخذوه وصنعوه كان له صوت مثل صوت البقرة (2).
{أَلَمْ (3) يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} وإنما يصدر منه الخوار فقط، فلا ينفعهم ولا يضرهم بشيء، ولا يملك من صفات الإلهية شيئاً.
{اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ 148} (4) كانوا ظالمين بسبب عبادته من دون الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهم قد وضعوا العبادة لمن لا يستحقها، فسماهم الله ظالمين بسبب هذا.
__________
(1) -سؤال: قوله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ} هل معناه أنهم صنعوا التمثال من الذهب والفضة أم ماذا؟
الجواب: نعم، صنعوا العجل من الحلي «الذهب والفضة».
سؤال: ما إعراب: {جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}؟
الجواب: جسداً: بدل من «عجلاً». «له خوار»: مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب صفة لـ «جسداً».
(2) -سؤال: هل ما ورد في بعض التفاسير بأن هذا الجسد كان به حياة حصلت من التبرك بآثار جبريل: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} [طه:96]- صحيح؟
الجواب: ليس ذلك بصحيح، وليس لجبريل فرس، وليس جبريل عليه السلام جسماً له ثقل يحتاج إلى أن يحمل عليه، فالملائكة أرواح ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، ومعنى: «ذوي أجنحة»: أن الله تعالى جعل للملائكة قوة على قطع المسافات الفضائية بين السماوات والأرض، وبين سماء وسماء، وبين النجوم. ولعل الصناعات كانت قد تطورت بعض التطور في مصر في ذلك الحين، وكان السامري من أهل الخبرة في الصناعة، لذلك صاغ حلي النساء، وجعل منها تمثالاً على شكل عجل، وجعل في جوفة آلة تصوّت.
(3) -سؤال: ما معنى الاستفهام في هذه الآية: {أَلَمْ يَرَوْا}؟
الجواب: يصح أن يقال: إنه استفهام إنكاري، ويصح أن يقال: إنه استفهام تقريري لما بعد النفي.
(4) -سؤال: لماذا فصلت هذه الجملة: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ 148}؟
الجواب: فصلت لأنها مستأنفة عن سؤال مقدر.
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ (1) عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} عندما ذهب موسى عليه السلام لميقات ربه إلى الطور ليكتب التوراة لبني إسرائيل- قام بنو إسرائيل بصنع تمثال على هيئة العجل ليعبدوه، ويتخذوه إلهاً من دون الله سبحانه وتعالى، وادعوا أنه إلههم وإله موسى، فانظر لشدة تمردهم على الله سبحانه وتعالى؛ فما إن غاب نبيهم عنهم حتى رجعوا إلى الكفر والشرك، وحنُّوا إلى عاداتهم القديمة، وهذا مع معرفتهم بصدق نبوة موسى عليه السلام وصدق ما جاءهم به، ومعرفتهم بالله سبحانه وتعالى وآياته وحججه، ففي هذا أكبر دليل على أنهم يستحقون أن يعذبهم الله سبحانه وتعالى أشد العذاب، وهذا العجل الذي اتخذوه وصنعوه كان له صوت مثل صوت البقرة (2).
{أَلَمْ (3) يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} وإنما يصدر منه الخوار فقط، فلا ينفعهم ولا يضرهم بشيء، ولا يملك من صفات الإلهية شيئاً.
{اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ 148} (4) كانوا ظالمين بسبب عبادته من دون الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهم قد وضعوا العبادة لمن لا يستحقها، فسماهم الله ظالمين بسبب هذا.
__________
(1) -سؤال: قوله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ} هل معناه أنهم صنعوا التمثال من الذهب والفضة أم ماذا؟
الجواب: نعم، صنعوا العجل من الحلي «الذهب والفضة».
سؤال: ما إعراب: {جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}؟
الجواب: جسداً: بدل من «عجلاً». «له خوار»: مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب صفة لـ «جسداً».
(2) -سؤال: هل ما ورد في بعض التفاسير بأن هذا الجسد كان به حياة حصلت من التبرك بآثار جبريل: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} [طه:96]- صحيح؟
الجواب: ليس ذلك بصحيح، وليس لجبريل فرس، وليس جبريل عليه السلام جسماً له ثقل يحتاج إلى أن يحمل عليه، فالملائكة أرواح ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، ومعنى: «ذوي أجنحة»: أن الله تعالى جعل للملائكة قوة على قطع المسافات الفضائية بين السماوات والأرض، وبين سماء وسماء، وبين النجوم. ولعل الصناعات كانت قد تطورت بعض التطور في مصر في ذلك الحين، وكان السامري من أهل الخبرة في الصناعة، لذلك صاغ حلي النساء، وجعل منها تمثالاً على شكل عجل، وجعل في جوفة آلة تصوّت.
(3) -سؤال: ما معنى الاستفهام في هذه الآية: {أَلَمْ يَرَوْا}؟
الجواب: يصح أن يقال: إنه استفهام إنكاري، ويصح أن يقال: إنه استفهام تقريري لما بعد النفي.
(4) -سؤال: لماذا فصلت هذه الجملة: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ 148}؟
الجواب: فصلت لأنها مستأنفة عن سؤال مقدر.
الآية 149
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ 149} هؤلاء الذين عبدوا العجل تابوا وندموا، وذلك بعد أن رجع إليهم موسى ووبخهم ووعظهم، وأحرق هذا العجل، وطرد السامري، فعند ذلك علموا بخطئهم فندموا عليه، ومعنى {سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ}: ندموا أشد الندم.
فحين تابوا تاب الله سبحانه وتعالى عليهم وقبل توبتهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يقبل توبتهم إلا بشرط أن يقتلوا أنفسهم.
{وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ 149} هؤلاء الذين عبدوا العجل تابوا وندموا، وذلك بعد أن رجع إليهم موسى ووبخهم ووعظهم، وأحرق هذا العجل، وطرد السامري، فعند ذلك علموا بخطئهم فندموا عليه، ومعنى {سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ}: ندموا أشد الندم.
فحين تابوا تاب الله سبحانه وتعالى عليهم وقبل توبتهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يقبل توبتهم إلا بشرط أن يقتلوا أنفسهم.
الآية 150
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} رجع من ميقات ربه من جبل الطور، ورأى منهم ما كبر في نفسه، وامتلأ غيظاً وغضباً من فظاعة ما رآه منهم.
{قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ} بئس هذا العمل السيئ الذي فعلتموه حين ذهبت من عندكم.
{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} (1)
لماذا استعجلتم ولم تنتظروا إلى أن آتيكم بحكم الله سبحانه وتعالى وأمره الذي غبت عنكم هذه المدة لأجله؟ والمراد به التوراة.
{وَأَلْقَى الألْوَاحَ} من شدة الغضب ألقى من يده الألواح التي قد ذهب لكتابتها في الطور ولم يلقها استهانة بها، وإنما ألقاها لحدوث ما هو أعظم من الاهتمام بها (2).
{وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ظنًّا (3)
منه أنه قد فرط في وصيته له بإصلاح بني إسرائيل ودفع المفاسد عنهم.
{قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} (4) قال هارون لأخيه موسى: لم أفرط فيهم، ولم أتركهم، وقد حاولت في منعهم، ولكنهم قد استضعفوني، ولم يستمعوا إلي حتى كادوا يقتلونني (5).
{فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء} لا تفعل بي ما يبعث عدوي على الشماتة بي.
{وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 150} لا تحكم علي بالعصيان؛ فقد رفضت عملهم هذا، ونهيتهم عنه، ولكنهم لم ينتهوا.
__________
(1) -سؤال: القياس أن يتعدى «عجل» بحرف الجر: «عجلت إليك» أو «عجل على كذا» فلماذا عُدّي بنفسه في الآية؟ وما النكتة في ذلك؟
الجواب: تعدى بنفسه لأنه ضمن معنى «سبق» المتعدي بنفسه، والنكتة في ذلك: زيادة المعنى فبالتضمين يصير عجل لمعنيين: عجل، وسبق.
(2) -سؤال: قال لي شخص: أن ألقي الكتب العلمية وأرفضها لأنها أقل شأناً من الألواح التي ألقاها موسى مستدلاً بهذا، فكيف يمكن الجواب عليه؟
الجواب: ألقى موسى عليه السلام الألواح ثم أخذها قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ 154} [الأعراف]. وبعد، فإن طلب الشخص منك أن تلقي الكتب العلمية من أصله مرفوض؛ لأن العلم ودراسته ومطالعة الكتب والتوغل في ذلك من أعظم مطالب سكان الكرة الأرضية، ومعرفة ما دوّن في كتب العلم القديمة والجديدة من أفضل المكاسب عندهم؛ لذلك بنيت المدارس والمعاهد والجامعات في دول العالم التي على وجه الكرة الأرضية، وفي أوربا وأمريكا تدرس العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية وتاريخ الإسلام في أقسام عليا. وقد أطبق البشر على حسن العلم وقبح الجهل. وأخيراً الدعوة إلى الجهل مرفوضة من أساسها.
سؤال: يقال: هل يحق الإلقاء مع هذه العلة؟
الجواب: إلقاء موسى عليه السلام للألواح إنما كان من شدة الغضب، ومع ذلك فهو إلقاء مؤقت بوجود الغضب، فلما سكت الغضب أخذ الألواح.
(3) -سؤال: قد يقال: هل ظنه لتفريط أخيه يجوّز له أذية أخيه وظلمه؟ وما السر في دعائه لنفسه بالمغفرة؟
الجواب: غضب موسى عليه السلام وما ظهر منه عليه السلام من الأفعال الغاضبة هو موجه إلى عبدة العجل، وموسى وهارون ' كالنفس الواحدة، ومع الغضب فقد يفعل الإنسان بنفسه بعض الأفعال، كعض شفته أو يده، أو يقد ثوبه، أو نحو ذلك؛ ليرهب بذلك المغضوب عليهم وليعلموا أنه قد اشتد حنقه وغضبه عليهم إلى حد يجزمون عنده أنه سيصب عليهم غضبه؛ لذلك فإن ما فعله موسى بهارون وما قال له، هو لتخويف بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، وليس هارون عليه السلام هو المقصود. ودليل ذلك: أن الله تعالى قد أخبر موسى بما صنعه بنو إسرائيل بعد ذهابه إلى ميقات ربه: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ 85} [طه]، لذلك قلنا: إن غضبه هو على عبدة العجل والسامري دون هارون. ومن المتوقع أن موسى عليه السلام لو وصل إليهم وهو هادئ الطبع، ووضع الألواح برفق، واستخبر هارون عن قصة ما حصل بهدوء ولين و .. إلخ- لاستضعفه عبدة العجل كما استضعفوا هارون، وتغلبوا عليه واستخفُّوا به، وربما قتلوه، وحين أظهر الغضب العظيم، والتصرف الغاضب، والقول الشديد، انخلعت قلوب عَبَدَة العجل، وفزعت أشد الفزع، واستكانت لموسى، ولم تحرك ساكناً، ولا أبدت عصياناً، وقد استمر موسى على إظهار الغضب والحنق: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ 95 قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي 96 قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا 97} [طه]، وقد يكون السامري استقل هذا من موسى بعدما رأى من غضب موسى وخشونته مع أخيه، وربما أنه توقع أن يوقع به موسى وقعة أكبر من هذه. هذا، وربما أن الله تعالى هو الذي دبر رسوله موسى عليه السلام أن يفعل كذلك؛ ليتغلب على عبدة العجل. وإظهار موسى عليه السلام الدعاء بالمغفرة له ولأخيه من أجل أن يبين لبني إسرائيل رضاه عن أخيه هارون، وأن غضبه عليهم دون هارون: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151}، ولم يصدر من موسى ذنب حتى يستغفر الله منه، وإلقاؤه الألواح وجره برأس أخيه، ليس غضباً على التوراة، ولا على أخيه، وإنما هو -كما ذكرنا- مقصود لإرعاب بني إسرائيل، وإدخال الخوف والفزع إلى قلوبهم.
(4) - سؤال: هل في الآية دليل قوي على جواز ترك النهي عن المنكر عند خشية القتل؟
الجواب: نعم في الآية دليل على ذلك، وقد قبل موسى عذر هارون حين اعتذر بخشية القتل في الظاهر وإن كانت الحقيقة أن هارون ليس مقصوداً بالغضب.
(5) -سؤال: هل وافق موسى أخاه في اعتذاره بأنهم كادوا يقتلونه؟
الجواب: نعم وافقه وقبل عذره وصدقه وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151}.
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} رجع من ميقات ربه من جبل الطور، ورأى منهم ما كبر في نفسه، وامتلأ غيظاً وغضباً من فظاعة ما رآه منهم.
{قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ} بئس هذا العمل السيئ الذي فعلتموه حين ذهبت من عندكم.
{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} (1)
لماذا استعجلتم ولم تنتظروا إلى أن آتيكم بحكم الله سبحانه وتعالى وأمره الذي غبت عنكم هذه المدة لأجله؟ والمراد به التوراة.
{وَأَلْقَى الألْوَاحَ} من شدة الغضب ألقى من يده الألواح التي قد ذهب لكتابتها في الطور ولم يلقها استهانة بها، وإنما ألقاها لحدوث ما هو أعظم من الاهتمام بها (2).
{وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ظنًّا (3)
منه أنه قد فرط في وصيته له بإصلاح بني إسرائيل ودفع المفاسد عنهم.
{قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} (4) قال هارون لأخيه موسى: لم أفرط فيهم، ولم أتركهم، وقد حاولت في منعهم، ولكنهم قد استضعفوني، ولم يستمعوا إلي حتى كادوا يقتلونني (5).
{فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء} لا تفعل بي ما يبعث عدوي على الشماتة بي.
{وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 150} لا تحكم علي بالعصيان؛ فقد رفضت عملهم هذا، ونهيتهم عنه، ولكنهم لم ينتهوا.
__________
(1) -سؤال: القياس أن يتعدى «عجل» بحرف الجر: «عجلت إليك» أو «عجل على كذا» فلماذا عُدّي بنفسه في الآية؟ وما النكتة في ذلك؟
الجواب: تعدى بنفسه لأنه ضمن معنى «سبق» المتعدي بنفسه، والنكتة في ذلك: زيادة المعنى فبالتضمين يصير عجل لمعنيين: عجل، وسبق.
(2) -سؤال: قال لي شخص: أن ألقي الكتب العلمية وأرفضها لأنها أقل شأناً من الألواح التي ألقاها موسى مستدلاً بهذا، فكيف يمكن الجواب عليه؟
الجواب: ألقى موسى عليه السلام الألواح ثم أخذها قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ 154} [الأعراف]. وبعد، فإن طلب الشخص منك أن تلقي الكتب العلمية من أصله مرفوض؛ لأن العلم ودراسته ومطالعة الكتب والتوغل في ذلك من أعظم مطالب سكان الكرة الأرضية، ومعرفة ما دوّن في كتب العلم القديمة والجديدة من أفضل المكاسب عندهم؛ لذلك بنيت المدارس والمعاهد والجامعات في دول العالم التي على وجه الكرة الأرضية، وفي أوربا وأمريكا تدرس العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية وتاريخ الإسلام في أقسام عليا. وقد أطبق البشر على حسن العلم وقبح الجهل. وأخيراً الدعوة إلى الجهل مرفوضة من أساسها.
سؤال: يقال: هل يحق الإلقاء مع هذه العلة؟
الجواب: إلقاء موسى عليه السلام للألواح إنما كان من شدة الغضب، ومع ذلك فهو إلقاء مؤقت بوجود الغضب، فلما سكت الغضب أخذ الألواح.
(3) -سؤال: قد يقال: هل ظنه لتفريط أخيه يجوّز له أذية أخيه وظلمه؟ وما السر في دعائه لنفسه بالمغفرة؟
الجواب: غضب موسى عليه السلام وما ظهر منه عليه السلام من الأفعال الغاضبة هو موجه إلى عبدة العجل، وموسى وهارون ' كالنفس الواحدة، ومع الغضب فقد يفعل الإنسان بنفسه بعض الأفعال، كعض شفته أو يده، أو يقد ثوبه، أو نحو ذلك؛ ليرهب بذلك المغضوب عليهم وليعلموا أنه قد اشتد حنقه وغضبه عليهم إلى حد يجزمون عنده أنه سيصب عليهم غضبه؛ لذلك فإن ما فعله موسى بهارون وما قال له، هو لتخويف بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، وليس هارون عليه السلام هو المقصود. ودليل ذلك: أن الله تعالى قد أخبر موسى بما صنعه بنو إسرائيل بعد ذهابه إلى ميقات ربه: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ 85} [طه]، لذلك قلنا: إن غضبه هو على عبدة العجل والسامري دون هارون. ومن المتوقع أن موسى عليه السلام لو وصل إليهم وهو هادئ الطبع، ووضع الألواح برفق، واستخبر هارون عن قصة ما حصل بهدوء ولين و .. إلخ- لاستضعفه عبدة العجل كما استضعفوا هارون، وتغلبوا عليه واستخفُّوا به، وربما قتلوه، وحين أظهر الغضب العظيم، والتصرف الغاضب، والقول الشديد، انخلعت قلوب عَبَدَة العجل، وفزعت أشد الفزع، واستكانت لموسى، ولم تحرك ساكناً، ولا أبدت عصياناً، وقد استمر موسى على إظهار الغضب والحنق: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ 95 قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي 96 قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا 97} [طه]، وقد يكون السامري استقل هذا من موسى بعدما رأى من غضب موسى وخشونته مع أخيه، وربما أنه توقع أن يوقع به موسى وقعة أكبر من هذه. هذا، وربما أن الله تعالى هو الذي دبر رسوله موسى عليه السلام أن يفعل كذلك؛ ليتغلب على عبدة العجل. وإظهار موسى عليه السلام الدعاء بالمغفرة له ولأخيه من أجل أن يبين لبني إسرائيل رضاه عن أخيه هارون، وأن غضبه عليهم دون هارون: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151}، ولم يصدر من موسى ذنب حتى يستغفر الله منه، وإلقاؤه الألواح وجره برأس أخيه، ليس غضباً على التوراة، ولا على أخيه، وإنما هو -كما ذكرنا- مقصود لإرعاب بني إسرائيل، وإدخال الخوف والفزع إلى قلوبهم.
(4) - سؤال: هل في الآية دليل قوي على جواز ترك النهي عن المنكر عند خشية القتل؟
الجواب: نعم في الآية دليل على ذلك، وقد قبل موسى عذر هارون حين اعتذر بخشية القتل في الظاهر وإن كانت الحقيقة أن هارون ليس مقصوداً بالغضب.
(5) -سؤال: هل وافق موسى أخاه في اعتذاره بأنهم كادوا يقتلونه؟
الجواب: نعم وافقه وقبل عذره وصدقه وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151}.
الآية 151
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151} دعا موسى عندما عرف براءة أخيه هارون لنفسه ولأخيه هارون فقط دون بقية القوم؛ لأنهم كانوا قد ضلوا جميعاً السبعون (3) الذي ذهبوا معه إلى الطور لكتابة التوراة والذين تركهم عند أخيه هارون عليه السلام كلهم ضلوا وفسقوا عن أمر الله.
__________
(3) -سؤال: من فضلكم بم ضل السبعون؟
الجواب: ضلوا بطلب الرؤية.
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 151} دعا موسى عندما عرف براءة أخيه هارون لنفسه ولأخيه هارون فقط دون بقية القوم؛ لأنهم كانوا قد ضلوا جميعاً السبعون (3) الذي ذهبوا معه إلى الطور لكتابة التوراة والذين تركهم عند أخيه هارون عليه السلام كلهم ضلوا وفسقوا عن أمر الله.
__________
(3) -سؤال: من فضلكم بم ضل السبعون؟
الجواب: ضلوا بطلب الرؤية.
الآية 152
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ 152} (4)
سيجازيهم الله سبحانه وتعالى حتى في الدنيا بسبب عصيانهم وتمردهم وكفرهم؛ لأنهم كانوا قد بلغوا الغاية في ذلك، وهذا بعد أن رأوا آيات الله الواضحة وحججه المنيرة، فقد استحقوا غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه في الدنيا والآخرة.
__________
(4) -سؤال: هل أشار إلى معينين بقوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ 152}؟ أم المراد بهم عبدة العجل؟
الجواب: أراد الله سبحانه وتعالى بالمفترين المشركين الذين اتخذوا لهم آلهة من دون الله.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ 152} (4)
سيجازيهم الله سبحانه وتعالى حتى في الدنيا بسبب عصيانهم وتمردهم وكفرهم؛ لأنهم كانوا قد بلغوا الغاية في ذلك، وهذا بعد أن رأوا آيات الله الواضحة وحججه المنيرة، فقد استحقوا غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه في الدنيا والآخرة.
__________
(4) -سؤال: هل أشار إلى معينين بقوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ 152}؟ أم المراد بهم عبدة العجل؟
الجواب: أراد الله سبحانه وتعالى بالمفترين المشركين الذين اتخذوا لهم آلهة من دون الله.
الآية 153
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ 153} مهما عمل الإنسان من المعاصي فباب التوبة مفتوح له، وهذا من رحمته جل وعلا بعباده.
{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ 153} مهما عمل الإنسان من المعاصي فباب التوبة مفتوح له، وهذا من رحمته جل وعلا بعباده.
الآية 154
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
📝 التفسير:
وَلَمَّا سَكَتَ (1) عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ (2) يَرْهَبُونَ 154} لما هدأ موسى وسكنت أعصابه، وعندما انتهى من قضية العجل- أخذ الألواح بعد أن كان قد ألقاها من يده، وبدأ يلقنهم ويعلمهم ما شرع الله سبحانه وتعالى لهم فيها من الأحكام والشرائع التي فيها هداهم، إلا أنه لا ينتفع بها إلا الذين يخافون ربهم ويخشونه.
__________
(1) - سؤال: ما العلة في تعبيره عن سكون الغضب بالسكوت؟
الجواب: ليدل بذلك على بلوغ الغضب غايته في موسى فكأن الغضب هو الذي يتكلم ويقول ويفعل، وكأن الناس «عبدة العجل» لم يروا إلا الغضب يهدر عليهم ويتوجه إليهم.
(2) - سؤال: ما فائدة اللام التي دخلت على «ربهم»؟
الجواب: فائدتها تقوية التعدي فكأن الفعل ضعف عن نصب المفعول لما تقدم عليه فجيء باللام لتعدي الفعل وتوصله إلى المفعول به المتقدم عليه، ولو لم يتقدم عليه لتعدى إليه بنفسه من غير لام.
وَلَمَّا سَكَتَ (1) عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ (2) يَرْهَبُونَ 154} لما هدأ موسى وسكنت أعصابه، وعندما انتهى من قضية العجل- أخذ الألواح بعد أن كان قد ألقاها من يده، وبدأ يلقنهم ويعلمهم ما شرع الله سبحانه وتعالى لهم فيها من الأحكام والشرائع التي فيها هداهم، إلا أنه لا ينتفع بها إلا الذين يخافون ربهم ويخشونه.
__________
(1) - سؤال: ما العلة في تعبيره عن سكون الغضب بالسكوت؟
الجواب: ليدل بذلك على بلوغ الغضب غايته في موسى فكأن الغضب هو الذي يتكلم ويقول ويفعل، وكأن الناس «عبدة العجل» لم يروا إلا الغضب يهدر عليهم ويتوجه إليهم.
(2) - سؤال: ما فائدة اللام التي دخلت على «ربهم»؟
الجواب: فائدتها تقوية التعدي فكأن الفعل ضعف عن نصب المفعول لما تقدم عليه فجيء باللام لتعدي الفعل وتوصله إلى المفعول به المتقدم عليه، ولو لم يتقدم عليه لتعدى إليه بنفسه من غير لام.
الآية 155
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ
📝 التفسير:
{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا} لما حضر الوقت الذي حدده الله تعالى لموسى {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ليكتب له التوراة، اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلاً من خيارهم ليصحبوه إلى المكان الذي عينه الله تعالى لكتابة التوراة ليسمعوا كلام الله ويشهدوا على كتابتها وأنها من الله، وكان ذلك عند طور سيناء، وقد ذكر الله تعالى طور سيناء في مواضع كثيرة من القرآن وأقسم به في قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ 1 وَطُورِ سِينِينَ 2 وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ 3} [التين]، وفي قوله: {وَالطُّورِ 1 وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ 2 فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ 3} [الطور]، فأقسم الله تعالى بالطور وبالتوراة التي كتبت عنده.
وقوله: «لميقاتنا» يراد به المكان والزمان.
فلما حصل من السبعين المختارين ما حصل من الإلحاح في طلب رؤية الله العلي العظيم أنزل الله تعالى بهم عذابه، وقد سمى الله تعالى هنا العذاب بالرجفة وسماه في آية أخرى بالصاعقة، وعند نزول العذاب بهم قال موسى عليه السلام: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} والمعنى: أن موسى عندما رأى العذاب تمنى -إذا كان الله قد أراده وشاءه- أنه كان قد نزل قبل ذلك الوقت وفي غير هذا المكان المقدس، وفي غير حضرة العلي العظيم، وفي حال القرب منه وسماع كلامه، كأن موسى استعظم نزول العذاب في ذلك المكان القريب المقدس، وفي حال سماع كلام الله، وفي حال القرب منه جل وعلا، وتمنى أن يرحمهم الله كعادته معهم فيما مضى.
أو أن تمني موسى عليه السلام من أجل ما يتوقعه من بني إسرائيل حين يعود إليهم وحده فيقولون له: ذهبت بخيارنا فأهلكتهم.
وقوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا} يعود معنى الاستفهام إلى النفي أي: إنك يا رب عدل حكيم لا تهلكنا جميعاً، وأنا لم أفعل ما أستحق به العذاب.
كان موسى عليه السلام قد سأل الله سبحانه وتعالى الرؤية، ولم يكن سؤاله هذا لشك في نفسه تجاه ربه، وإنما السفهاء من بني إسرائيل كانوا قد ألجأوه إلى ذلك وألحوا عليه؛ لأنه عليه السلام كان يعرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته، وأنه ليس من جنس المرئيات، وأنه ليس كمثله شيء، وإنما أراد بذلك أن يقتنعوا من عند الله سبحانه وتعالى بعدم صحة رؤيته؛ لأنه قد حاول إقناعهم ولكنه لم يفلح في ذلك؛ فأجابهم الله سبحانه وتعالى بالرجفة ودك الجبل وبصاعقة أنزلها بهم؛ ليعرفوا أن ما سألوه معصية كبيرة؛ لأن طلب رؤيته سبحانه وتعالى كفر، ولذا عذبهم الله سبحانه وتعالى بما عذب به الكافرين الذين سبقوهم من قوم شعيب وصالح وغيرهم بالصاعقة.
{إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء} (1) عندما سمعوا كلام الله سبحانه وتعالى افتتنوا في أنفسهم، وكان ذلك اختباراً منه جل وعلا لهم؛ لأنهم لما سمعوا كلامه قالوا: ما دمنا قد سمعنا كلامه فيصح أن نراه ونشاهده، هكذا توهموا فطلبوا رؤية ربهم.
{أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ 155} ندم موسى على سؤاله لربه هذا السؤال، وطلب منه التوبة والمغفرة.
__________
(1) -سؤال: فضلاً لو فسرتم: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء}؟
الجواب: جعل الله تعالى هذه الحياة الدنيا دار اختبار، والمراد بالفتنة في قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} الاختبار، والاختبار هو من الله، وبالاختبار يتبين المطيع من العاصي والضال من المهتدي، فالضلال والهدى ناتج عن الاختبار، فالاختبار هو السبب في حصول الضلال والهدى، وجاز نسبة الإضلال إلى الله لأنه هو الذي فعل السبب «الاختبار».
{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا} لما حضر الوقت الذي حدده الله تعالى لموسى {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ليكتب له التوراة، اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلاً من خيارهم ليصحبوه إلى المكان الذي عينه الله تعالى لكتابة التوراة ليسمعوا كلام الله ويشهدوا على كتابتها وأنها من الله، وكان ذلك عند طور سيناء، وقد ذكر الله تعالى طور سيناء في مواضع كثيرة من القرآن وأقسم به في قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ 1 وَطُورِ سِينِينَ 2 وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ 3} [التين]، وفي قوله: {وَالطُّورِ 1 وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ 2 فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ 3} [الطور]، فأقسم الله تعالى بالطور وبالتوراة التي كتبت عنده.
وقوله: «لميقاتنا» يراد به المكان والزمان.
فلما حصل من السبعين المختارين ما حصل من الإلحاح في طلب رؤية الله العلي العظيم أنزل الله تعالى بهم عذابه، وقد سمى الله تعالى هنا العذاب بالرجفة وسماه في آية أخرى بالصاعقة، وعند نزول العذاب بهم قال موسى عليه السلام: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} والمعنى: أن موسى عندما رأى العذاب تمنى -إذا كان الله قد أراده وشاءه- أنه كان قد نزل قبل ذلك الوقت وفي غير هذا المكان المقدس، وفي غير حضرة العلي العظيم، وفي حال القرب منه وسماع كلامه، كأن موسى استعظم نزول العذاب في ذلك المكان القريب المقدس، وفي حال سماع كلام الله، وفي حال القرب منه جل وعلا، وتمنى أن يرحمهم الله كعادته معهم فيما مضى.
أو أن تمني موسى عليه السلام من أجل ما يتوقعه من بني إسرائيل حين يعود إليهم وحده فيقولون له: ذهبت بخيارنا فأهلكتهم.
وقوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا} يعود معنى الاستفهام إلى النفي أي: إنك يا رب عدل حكيم لا تهلكنا جميعاً، وأنا لم أفعل ما أستحق به العذاب.
كان موسى عليه السلام قد سأل الله سبحانه وتعالى الرؤية، ولم يكن سؤاله هذا لشك في نفسه تجاه ربه، وإنما السفهاء من بني إسرائيل كانوا قد ألجأوه إلى ذلك وألحوا عليه؛ لأنه عليه السلام كان يعرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته، وأنه ليس من جنس المرئيات، وأنه ليس كمثله شيء، وإنما أراد بذلك أن يقتنعوا من عند الله سبحانه وتعالى بعدم صحة رؤيته؛ لأنه قد حاول إقناعهم ولكنه لم يفلح في ذلك؛ فأجابهم الله سبحانه وتعالى بالرجفة ودك الجبل وبصاعقة أنزلها بهم؛ ليعرفوا أن ما سألوه معصية كبيرة؛ لأن طلب رؤيته سبحانه وتعالى كفر، ولذا عذبهم الله سبحانه وتعالى بما عذب به الكافرين الذين سبقوهم من قوم شعيب وصالح وغيرهم بالصاعقة.
{إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء} (1) عندما سمعوا كلام الله سبحانه وتعالى افتتنوا في أنفسهم، وكان ذلك اختباراً منه جل وعلا لهم؛ لأنهم لما سمعوا كلامه قالوا: ما دمنا قد سمعنا كلامه فيصح أن نراه ونشاهده، هكذا توهموا فطلبوا رؤية ربهم.
{أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ 155} ندم موسى على سؤاله لربه هذا السؤال، وطلب منه التوبة والمغفرة.
__________
(1) -سؤال: فضلاً لو فسرتم: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء}؟
الجواب: جعل الله تعالى هذه الحياة الدنيا دار اختبار، والمراد بالفتنة في قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} الاختبار، والاختبار هو من الله، وبالاختبار يتبين المطيع من العاصي والضال من المهتدي، فالضلال والهدى ناتج عن الاختبار، فالاختبار هو السبب في حصول الضلال والهدى، وجاز نسبة الإضلال إلى الله لأنه هو الذي فعل السبب «الاختبار».
الآية 156
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً (1) وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} وهذا من بقية دعاء موسى عليه السلام بعد نزول الصاعقة، دعا ربه بالمغفرة والرحمة وتوسل إليه، ومعنى «هدنا إليك»: رجعنا إليك وتبنا إليك.
{قَالَ عَذَابِي (2) أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} أخبر الله سبحانه وتعالى بأن هذا هو عذابه يعذب به من يشاء، وهو سبحانه لا يعذب إلا من استحق العذاب.
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ورحمة الله التي وسعت كل شيء هي خاصة للذين يتقون معصية الله سبحانه وتعالى ويخافون منه، والضمير في «سأكتبها» عائد على الرحمة، والرحمة من الله سبحانه وتعالى معناها التوفيق والتسديد والهداية والدلالة (3) على الخير والألطاف والسعة في الرزق والعافية وطول العمر والبركة في المال والأولاد، والمغفرة والثواب والجنة، فهي عامة لخير الدنيا والآخرة.
{وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ 156} فهؤلاء هم الذين يستحقون رحمة الله سبحانه وتعالى دون أولئك.
__________
(1) -سؤال: ما المراد بالحسنة في قوله: {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً}؟
الجواب: المراد بالحسنة: الهداية إلى الصراط المستقيم بزيادة التوفيق والتنوير والتسديد، والدليل على ذلك: دعاء فاتحة الكتاب: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6} وفاتحة الكتاب هي السورة الوحيدة التي فرض الله تعالى قراءتها في كل صلاة فرض عين على كل مكلف، وفيها هذا الدعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6} فإن ذلك يدل على أن الهداية هي أعظم المطالب الحسنة التي يعطيها الله تعالى في الدنيا، وأولاها بالطلب. وبعد، فإن الهداية إلى الصراط المستقيم طلبة عظيمة يترتب عليها خير الدنيا والآخرة، وشرف الدنيا والآخرة، و .. إلخ. والحسنة في الآخرة هي الجنة.
(2) -سؤال: هل تريدون أن «عذابي» خبر مبتدأ محذوف؟
الجواب: قد أعرب عذابي بالوجهين: مبتدأ، وخبر؛ فإن أعربناه مبتدأً فخبره الجملة بعده، وإن أعربناه خبراً لمبتدأ محذوف كانت الجملة بعده في محل نصب حال.
سؤال: هل أشير بقوله: «عذابي» إلى نزول الصاعقة؟
الجواب: نعم يشار بها إلى العذاب المعد في الدنيا للكافرين.
(3) -سؤال: يقال: إذا كان معنى الرحمة: الدلالة على الخير والسعة في الرزق والعافية وطول العمر وقد حكم بأنها خاصة للمتقين فيشكل علينا شمولها للكفار والفساق ونحوهم؟ أم أن المراد بها في الآية المغفرة والثواب لقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا}؟
الجواب: رحمة الله عامة للناس جميعاً، وقوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا} المراد: فسأكتبها كتبة خاصة للمتصفين بتلك الصفات المذكورة هنا، وكأن هذه الكتبة الخاصة لبني إسرائيل لقوله في آخر الصفات: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ... }.
{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً (1) وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} وهذا من بقية دعاء موسى عليه السلام بعد نزول الصاعقة، دعا ربه بالمغفرة والرحمة وتوسل إليه، ومعنى «هدنا إليك»: رجعنا إليك وتبنا إليك.
{قَالَ عَذَابِي (2) أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} أخبر الله سبحانه وتعالى بأن هذا هو عذابه يعذب به من يشاء، وهو سبحانه لا يعذب إلا من استحق العذاب.
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ورحمة الله التي وسعت كل شيء هي خاصة للذين يتقون معصية الله سبحانه وتعالى ويخافون منه، والضمير في «سأكتبها» عائد على الرحمة، والرحمة من الله سبحانه وتعالى معناها التوفيق والتسديد والهداية والدلالة (3) على الخير والألطاف والسعة في الرزق والعافية وطول العمر والبركة في المال والأولاد، والمغفرة والثواب والجنة، فهي عامة لخير الدنيا والآخرة.
{وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ 156} فهؤلاء هم الذين يستحقون رحمة الله سبحانه وتعالى دون أولئك.
__________
(1) -سؤال: ما المراد بالحسنة في قوله: {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً}؟
الجواب: المراد بالحسنة: الهداية إلى الصراط المستقيم بزيادة التوفيق والتنوير والتسديد، والدليل على ذلك: دعاء فاتحة الكتاب: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6} وفاتحة الكتاب هي السورة الوحيدة التي فرض الله تعالى قراءتها في كل صلاة فرض عين على كل مكلف، وفيها هذا الدعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6} فإن ذلك يدل على أن الهداية هي أعظم المطالب الحسنة التي يعطيها الله تعالى في الدنيا، وأولاها بالطلب. وبعد، فإن الهداية إلى الصراط المستقيم طلبة عظيمة يترتب عليها خير الدنيا والآخرة، وشرف الدنيا والآخرة، و .. إلخ. والحسنة في الآخرة هي الجنة.
(2) -سؤال: هل تريدون أن «عذابي» خبر مبتدأ محذوف؟
الجواب: قد أعرب عذابي بالوجهين: مبتدأ، وخبر؛ فإن أعربناه مبتدأً فخبره الجملة بعده، وإن أعربناه خبراً لمبتدأ محذوف كانت الجملة بعده في محل نصب حال.
سؤال: هل أشير بقوله: «عذابي» إلى نزول الصاعقة؟
الجواب: نعم يشار بها إلى العذاب المعد في الدنيا للكافرين.
(3) -سؤال: يقال: إذا كان معنى الرحمة: الدلالة على الخير والسعة في الرزق والعافية وطول العمر وقد حكم بأنها خاصة للمتقين فيشكل علينا شمولها للكفار والفساق ونحوهم؟ أم أن المراد بها في الآية المغفرة والثواب لقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا}؟
الجواب: رحمة الله عامة للناس جميعاً، وقوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا} المراد: فسأكتبها كتبة خاصة للمتصفين بتلك الصفات المذكورة هنا، وكأن هذه الكتبة الخاصة لبني إسرائيل لقوله في آخر الصفات: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ... }.
الآية 157
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ (2)
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} لا يعطي رحمته إلا لأهل هذه الصفات، ومن جملتها اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم مأمورون باتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلممن عهد موسى، وكان ذلك مما قرأه عليهم فيها وأمرهم به وبالإيمان به متى بعثه الله سبحانه وتعالى لذلك خرج اليهود من الشام مهاجرين إلى يثرب (المدينة المنورة) فسكنوا فيها وحولها منتظرين بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليؤمنوا به وينصروه ويقاتلوا بين يديه فلما بعثه الله كفروا به.
{يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ (1) وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} كان الله سبحانه وتعالى قد كلف بني إسرائيل بتكاليف شاقة جزاءً على معاصي اقترفوها، فأخبر الله سبحانه وتعالى بأنه سيبعث نبياً هذه صفته، وأمرهم بالإيمان به واتباعه لينالوا رحمته، وأخبرهم بصفاته، ومنها أنه سيحط عنهم هذه التكاليف التي قد شدد الله عليهم فيها بسبب ذنوبهم، والإصر: هو الأحمال الثقيلة، والأغلال: هي قيود تقيد بها الأيدي إلى الأعناق.
{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعزروه ونصروه. كلمتان مترادفتان تقريباً لأن معنى عزروه: منعوه حتى لا يقوى عليه أحد.
{وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 157} أي: أتبعوا القرآن الكريم فهؤلاء هم الذين سيفوزون ويظفرون برحمة الله سبحانه وتعالى وثوابه في الدنيا والآخرة.
__________
(2) -سؤال: هل قوله: «الذين» لا زال من تلك الأوصاف؟
الجواب: هو من جملة الأوصاف التي كتب الله تعالى للمتصفين بها رحمةً خاصة.
(1) -سؤال: ما محل جملة: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ... }؟
الجواب: محلها النصب على الحال من الرسول أو من الضمير في {مَكْتُوباً} حال مقدرة.
{الَّذِينَ (2)
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} لا يعطي رحمته إلا لأهل هذه الصفات، ومن جملتها اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم مأمورون باتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلممن عهد موسى، وكان ذلك مما قرأه عليهم فيها وأمرهم به وبالإيمان به متى بعثه الله سبحانه وتعالى لذلك خرج اليهود من الشام مهاجرين إلى يثرب (المدينة المنورة) فسكنوا فيها وحولها منتظرين بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليؤمنوا به وينصروه ويقاتلوا بين يديه فلما بعثه الله كفروا به.
{يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ (1) وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} كان الله سبحانه وتعالى قد كلف بني إسرائيل بتكاليف شاقة جزاءً على معاصي اقترفوها، فأخبر الله سبحانه وتعالى بأنه سيبعث نبياً هذه صفته، وأمرهم بالإيمان به واتباعه لينالوا رحمته، وأخبرهم بصفاته، ومنها أنه سيحط عنهم هذه التكاليف التي قد شدد الله عليهم فيها بسبب ذنوبهم، والإصر: هو الأحمال الثقيلة، والأغلال: هي قيود تقيد بها الأيدي إلى الأعناق.
{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعزروه ونصروه. كلمتان مترادفتان تقريباً لأن معنى عزروه: منعوه حتى لا يقوى عليه أحد.
{وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 157} أي: أتبعوا القرآن الكريم فهؤلاء هم الذين سيفوزون ويظفرون برحمة الله سبحانه وتعالى وثوابه في الدنيا والآخرة.
__________
(2) -سؤال: هل قوله: «الذين» لا زال من تلك الأوصاف؟
الجواب: هو من جملة الأوصاف التي كتب الله تعالى للمتصفين بها رحمةً خاصة.
(1) -سؤال: ما محل جملة: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ... }؟
الجواب: محلها النصب على الحال من الرسول أو من الضمير في {مَكْتُوباً} حال مقدرة.
الآية 158
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر جميع الناس العرب منهم والعجم، واليهود والنصارى، وأهل الأديان جميعاً، وكذلك المشركين وغيرهم بأنه نبي مرسل إليهم من الله سبحانه وتعالى {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ}.
{فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ (1) الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أمرهم بأن يؤمنوا بالله سبحانه وتعالى وبالنبي الذي هذه صفته، وهي أنه يؤمن بالله وبجميع ما نزل من عنده.
{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 158} لتدخلوا في سلك المهتدين، ولن تسموا مهتدين إلا إذا اتبعتموه.
__________
(1) -سؤال: تكررت هذه الصفة {النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} فهل معناها: لا يقرأ ولا يكتب؟ وهل استمرت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات أم لا؟ وهل سيعارض حادثة يوم الخميس في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكتب لكم كتاباً لا تضلوا من بعده أبداً ... إلخ))؟
الجواب: الذي يظهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب طول حياته، وذلك لعدة أمور:
1 - ... قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ 48} [العنكبوت].
2 - ... المعروف أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كُتّاب يكتبون له مذكورون في كتب السير معروفون بأسمائهم، ولم يرو أنه كتب بيده مرة واحدة مع حرص الرواة على نقل أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم وحركاته وسكناته.
3 - ... أن الأمية «عدم القراءة والكتابة» من أمارات نبوته وصفاته المذكورة في الكتب السابقة «مصاحفهم صدورهم» أي: أن من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حفظ القرآن المنزل إليهم في صدورهم، ولا يكتبونه في المصاحف. هذا، وأما الخبر فيحمل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم يملي لهم ما يكتبه غيره مما يكون سبباً في نجاتهم بعده.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر جميع الناس العرب منهم والعجم، واليهود والنصارى، وأهل الأديان جميعاً، وكذلك المشركين وغيرهم بأنه نبي مرسل إليهم من الله سبحانه وتعالى {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ}.
{فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ (1) الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أمرهم بأن يؤمنوا بالله سبحانه وتعالى وبالنبي الذي هذه صفته، وهي أنه يؤمن بالله وبجميع ما نزل من عنده.
{وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 158} لتدخلوا في سلك المهتدين، ولن تسموا مهتدين إلا إذا اتبعتموه.
__________
(1) -سؤال: تكررت هذه الصفة {النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} فهل معناها: لا يقرأ ولا يكتب؟ وهل استمرت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات أم لا؟ وهل سيعارض حادثة يوم الخميس في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكتب لكم كتاباً لا تضلوا من بعده أبداً ... إلخ))؟
الجواب: الذي يظهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب طول حياته، وذلك لعدة أمور:
1 - ... قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ 48} [العنكبوت].
2 - ... المعروف أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كُتّاب يكتبون له مذكورون في كتب السير معروفون بأسمائهم، ولم يرو أنه كتب بيده مرة واحدة مع حرص الرواة على نقل أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم وحركاته وسكناته.
3 - ... أن الأمية «عدم القراءة والكتابة» من أمارات نبوته وصفاته المذكورة في الكتب السابقة «مصاحفهم صدورهم» أي: أن من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حفظ القرآن المنزل إليهم في صدورهم، ولا يكتبونه في المصاحف. هذا، وأما الخبر فيحمل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم يملي لهم ما يكتبه غيره مما يكون سبباً في نجاتهم بعده.
الآية 159
وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
📝 التفسير:
{وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ 159} كان قد بقي قلة قليلة من بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرفون الحق والهدى ولم يكن الحق قد انطمس تماماً بين اليهود.
{وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ 159} كان قد بقي قلة قليلة من بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرفون الحق والهدى ولم يكن الحق قد انطمس تماماً بين اليهود.
الآية 160
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَقَطَّعْنَاهُمُ (1) اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} (2) كانت اليهود اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة منفصلة عن الأخرى؛ لأن نبي الله سبحانه وتعالى يعقوب -وكان اسمه إسرائيل- كان له اثنا عشر ولداً، وكل واحد منهم ترك ذرية.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ (3)
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى عليه السلام عندما طلب منه بنو إسرائيل الماء- أن يضرب الحجر بعصاه، فضربها فتفجرت من هذه الحجر اثنتا عشرة عيناً.
{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} فكان لكل قبيلة من هذه القبائل عين تشرب منها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد علم أنهم سيتقاتلون ويتنازعون إذا اجتمعوا على الماء؛ لأنهم أهل عناد وشقاق واختلاف، فأخرج لهم هذه الاثنتي عشرة عيناً، لكل قبيلة عين تستقي منها، فقسمها موسى عليه السلام بينهم، ونهاهم أن يعتدي أحدهم على الآخر.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (4)
مكثوا في التيه أربعين عاماً؛ فجعل الله سبحانه وتعالى لهم الغمام يظلهم من حر الشمس؛ لأنهم بعد أن خرجوا من مصر أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي جعلها وطناً لهم وبلاداً يسكنونها، فرفضوا أمر الله سبحانه وتعالى، واعتلوا بأن فيها قوما جبارين، وقالوا لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فحينئذ حرم الله سبحانه وتعالى هذه البلاد عليهم أربعين سنة فلا يدخلونها، إلا بعد مضي هذه المدة، وضرب عليهم التيه، وهو الضياع والضلال في الأرض، فلا يهتدون إلى طريق، ويسيرون على غير هدى، يمسون حيث يصبحون، ويصبحون حيث يمسون، وعلى هذا؛ لمدة أربعين سنة، والأرض هذه التي تاهوا فيها أرض صحراء على طريقهم إلى أورشليم، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى لهم المن والسلوى وهم في أرض التيه، وهو طعام ينزله الله سبحانه وتعالى وهو جاهز للأكل، والمن: مادة كالعسل، وفي تفسيره عدة أقوال، والسلوى: طائر يقال له السُّماني، فبالرغم من عصيانهم وتمردهم لا زال الله سبحانه وتعالى يقلبهم بين نعمه، مما يدل على عظيم كرمه وغناه، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل.
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 160} بتمردهم وعصيانهم، وإنما ظلموا أنفسهم وضروها.
__________
(1) -سؤال: ما معنى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ}؟ وهل ذلك جزاء على عنادهم؟
الجواب: المعنى أن الله تعالى فرقهم إلى اثنتي عشرة أمة كل أمة تخالف ما سواها من هذه الأمم، والذي يظهر أن ذلك عقاب وجزاء على خروجهم عن طاعة الله، وذلك لأن الله تعالى يؤلف بين قلوب أوليائه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. وقال تعالى في اليهود في سورة المائدة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ... } إلى قوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ... } الآية [المائدة:64].
(2) - سؤال: ما هو إعراب: {أَسْبَاطًا أُمَمًا}؟ ولماذا أنّث: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} والسبط مذكر؟
الجواب: «أسباطاً»: بدل من اثنتي عشرة. «أمماً» بدل من «أسباطاً». وأنث {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} ذهاباً إلى «أمماً» فأنث لذلك، ولو ذكر اثنتي عشرة نظراً لأسباطاً لجاز. هكذا أعربوا والله أعلم.
(3) -سؤال: ما إعراب: {أَنِ اضْرِبْ}؟
الجواب: «أن» مفسرة، ولا محل للجملة التي بعدها من الإعراب لأنها مفسرة.
4) -سؤال: ما محل جملة: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ... }؟
الجواب: محلها النصب على أنها مقول قول محذوف.
{وَقَطَّعْنَاهُمُ (1) اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} (2) كانت اليهود اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة منفصلة عن الأخرى؛ لأن نبي الله سبحانه وتعالى يعقوب -وكان اسمه إسرائيل- كان له اثنا عشر ولداً، وكل واحد منهم ترك ذرية.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ (3)
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى عليه السلام عندما طلب منه بنو إسرائيل الماء- أن يضرب الحجر بعصاه، فضربها فتفجرت من هذه الحجر اثنتا عشرة عيناً.
{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} فكان لكل قبيلة من هذه القبائل عين تشرب منها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد علم أنهم سيتقاتلون ويتنازعون إذا اجتمعوا على الماء؛ لأنهم أهل عناد وشقاق واختلاف، فأخرج لهم هذه الاثنتي عشرة عيناً، لكل قبيلة عين تستقي منها، فقسمها موسى عليه السلام بينهم، ونهاهم أن يعتدي أحدهم على الآخر.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (4)
مكثوا في التيه أربعين عاماً؛ فجعل الله سبحانه وتعالى لهم الغمام يظلهم من حر الشمس؛ لأنهم بعد أن خرجوا من مصر أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي جعلها وطناً لهم وبلاداً يسكنونها، فرفضوا أمر الله سبحانه وتعالى، واعتلوا بأن فيها قوما جبارين، وقالوا لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فحينئذ حرم الله سبحانه وتعالى هذه البلاد عليهم أربعين سنة فلا يدخلونها، إلا بعد مضي هذه المدة، وضرب عليهم التيه، وهو الضياع والضلال في الأرض، فلا يهتدون إلى طريق، ويسيرون على غير هدى، يمسون حيث يصبحون، ويصبحون حيث يمسون، وعلى هذا؛ لمدة أربعين سنة، والأرض هذه التي تاهوا فيها أرض صحراء على طريقهم إلى أورشليم، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى لهم المن والسلوى وهم في أرض التيه، وهو طعام ينزله الله سبحانه وتعالى وهو جاهز للأكل، والمن: مادة كالعسل، وفي تفسيره عدة أقوال، والسلوى: طائر يقال له السُّماني، فبالرغم من عصيانهم وتمردهم لا زال الله سبحانه وتعالى يقلبهم بين نعمه، مما يدل على عظيم كرمه وغناه، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل.
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 160} بتمردهم وعصيانهم، وإنما ظلموا أنفسهم وضروها.
__________
(1) -سؤال: ما معنى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ}؟ وهل ذلك جزاء على عنادهم؟
الجواب: المعنى أن الله تعالى فرقهم إلى اثنتي عشرة أمة كل أمة تخالف ما سواها من هذه الأمم، والذي يظهر أن ذلك عقاب وجزاء على خروجهم عن طاعة الله، وذلك لأن الله تعالى يؤلف بين قلوب أوليائه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. وقال تعالى في اليهود في سورة المائدة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ... } إلى قوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ... } الآية [المائدة:64].
(2) - سؤال: ما هو إعراب: {أَسْبَاطًا أُمَمًا}؟ ولماذا أنّث: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} والسبط مذكر؟
الجواب: «أسباطاً»: بدل من اثنتي عشرة. «أمماً» بدل من «أسباطاً». وأنث {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} ذهاباً إلى «أمماً» فأنث لذلك، ولو ذكر اثنتي عشرة نظراً لأسباطاً لجاز. هكذا أعربوا والله أعلم.
(3) -سؤال: ما إعراب: {أَنِ اضْرِبْ}؟
الجواب: «أن» مفسرة، ولا محل للجملة التي بعدها من الإعراب لأنها مفسرة.
4) -سؤال: ما محل جملة: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ... }؟
الجواب: محلها النصب على أنها مقول قول محذوف.