القرآن الكريم مع التفسير

سورة البقرة

آية
إجمالي الآيات: 286 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 161
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 161} من مات على الكفر بالله والخروج من أمره فقد أحاط به غضب الله وكان في لعنته يوم القيامة لا يجد له يوم القيامة شافعاً ولا ناصراً فملائكة الله تلعنه وتقول له: اذهب إلى لعنة الله يا عدو الله ليس لك اليوم إلا اللعن والطرد والخزي، والناس تلعنه.
ونعوذ بالله من غضبه، ونسأله التوفيق إلى طريق رحمته.
الآية 162
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
📝 التفسير:
{خَالِدِينَ فِيهَا} في اللعنة في جهنم، {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 162} لا يمهلهم الله، ولا يؤخرهم.
الآية 163
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 163} لا إله غيره المنعم بالنعم العظيمة والدقيقة، فهو الذي يستحق العبادة دون ما سواه.
الآية 164
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} ذكر الله في هذه الآية آياته الدالة على عظمته وقدرته وعلمه وإلهيته وربوبيته وعظيم قدرته فذكر تعالى خلق السماوات والأرض وما اشتملتا عليه من خلق الشمس والقمر والنجوم والجبال والنبات والحيوان و .. إلخ.
{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} تعاقبهما واختلافهما، وطول هذا مرة وقصره مرة أخرى وما تضمن من الحكمة والمصلحة.
{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} السفينة عندما يحملها الماء وهي تحمل أحمالاً ثقيلة، {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} من الأحمال والأثقال، فمن هو الذي سخر البحر لحملها، وجعل الرياح تسوق السفن وتسيرها فيما ينفع الناس: في تجاراتهم وتنقلهم؟ {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ففي هذه آية عظيمة أن ينزل الماء من السماء فيحيي به الأرض فتخرج الفواكه والأثمار للناس وللدواب، والمنتفع بها هو الإنسان وحده بالأثمار وبالماء وبالدواب.
{وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} في الأرض لمنفعة الإنسان {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} من آيات الله تصريف الرياح فمرة شرقية ومرة غربية وأخرى شمالية، وذلك لمصالح الناس: تسوق السحاب، وتسير السفن، وتلقح الأشجار وتلطف الهواء.
{وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} فمن الذي يوجده ويحدثه وينزل منه المطر لحاجة الناس.
{لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164} حجج واضحة تدلهم على عظمته وقدرته، وعلى ربوبيته، وأنه الرب الذي يستحق العبادة، وأن يتوجهوا إليه في كل أمورهم، وينتفع بهذه الآيات من يتدبر بعقله، فيعرف أنها مسخرة لمصلحة الإنسان، وأنها بتقدير العليم الحكيم.
فلولا الشمس لما عاش الإنسان على الأرض، ولولا تصريف الرياح وكانت في اتجاه واحد لما سارت السفن إلا إلى اتجاه واحد، ولما ساقت السحاب من جهة إلى جهة، فالعاقل يعرف الحكمة، ويعرف أنها من عليم حكيم، وأنها نعمة عامة للناس جميعاً.
الآية 165
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
📝 التفسير:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} بعض الناس يعبدون أرباباً من دون الله، ويتركون عبادة المنعم عليهم، والمسخر لهم كل ما في السماوات والأرض- استكباراً وعتواً، ويتخذون هذه آلهة يحبونها كما يحب المؤمنون الله تعالى.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} يحبون الله حباً شديداً أكثر من حب المشركين لآلهتهم، وحب الله ليس معناه الرقة التي تحصل في القلب، وإنما حبه أن تطيعه وتؤثر طاعته على طاعة أحب الأحباب إليك.
{وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ (1) لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ 165} لو تراهم يا محمد عندما يحشرهم الله تعالى ويوقفهم على نار جهنم لرأيت شيئاً عظيماً لا يقدر بوصف من شدته وهوله، فهناك يعرف أن القوة لله جميعاً، لا للآلهة التي اتخذوها وعبدوها.
__________
(1) - سؤال: ما موضع المصدر المؤول من: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}؟
الجواب: موضعه النصب على البدلية من العذاب.
الآية 166
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
📝 التفسير:
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ 166} الرؤساء الذين كانوا يضلون الناس ويغوونهم سيتبرأون من متبعيهم، ولكن لا تنفعهم البراءة سيدخلهم الله جميعاً النار، وتقطعت عليهم السبل فلا يجدون سبيلاً لخلاصهم من عذاب الله، ومعنى «الأسباب»: العلل والأعذار.
الآية 167
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} لو كان لنا رجعة إلى الدنيا لتبرأنا منهم ولم نتبعهم كما تبرؤوا منا في هذا اليوم الشديد.
{كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ 167} (2) يجمع الله بين الأتباع والمتبوعين في يوم القيامة لأجل أن يحصل عذاب الحسرة والندم في قلوبهم، وما هم بخارجين من النار.
__________
(2) - سؤال: كيف يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم؟
الجواب: يطلعهم الله تعالى يوم القيامة على أعمالهم التي أوجبت لهم النار، فيحصل بسبب ذلك حسرات وندم عظيم تمتلئ به نفوسهم، يعذبون به مع عذاب جهنم.
الآية 168
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ (1) الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ 168} كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تحرموا شيئاً من تلقاء أنفسكم كما يفعل المشركون، فإنهم كانوا يحلون بعض الأنعام. وبعضها يحرمونها كما قصه الله في سورة الأنعام في السائبة والوصيلة والحام.
__________
(1) - سؤال: هل المراد بخطوات الشيطان تحليل الحرام وعكسه؟
الجواب: المراد بخطوات الشيطان اتباع أوامره في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
سؤال: ما الوجه في إطلاق خطوات على طرق الشيطان؟
الجواب: الوجه في ذلك هو الإشارة إلى أن الناس كانوا حريصين على اتباع أوامر الشيطان، مثل من يمشي خلف آخر ويحرص على أن يضع رجله على رسم رجله لا يقدمها ولا يؤخرها، والفائدة هي تصور اتباع الشيطان بصورة محسوسة.
الآية 169
إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} الشيطان، {بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 169} ما أنتم عليه أيها المشركون إنما هو من أمر الشيطان يحل لكم الحرام ويحرم عليكم الحلال، وليس ذلك من عند الله كما تدعون، والسوء: هو القبيح، والفحشاء: ما تعاظم قبحه.
الآية 170
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} بين الله في هذه الآية عناد المشركين، حين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإيمان بالله وإلى اتباع ما أنزل الله فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الدين، ولن نترك دينهم.
{أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ 170} هل سيتبعونهم حتى ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولو كانوا ضالين يعني أنهم أصروا على اتباع دين آبائهم من غير نظر إلى خطأ آبائهم أو صوابهم، أو هل كانوا على هدى أم على ضلال.
الآية 171
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني صفتهم حين دعاهم النبي إلى الإسلام مثل صفة من معه بقر أو إبل وهو يناديهم فهم لا يسمعون شيئاً ولا يفهمونه، وإنما يسمعون الصوت، يدعوهم النبي ولا يفهمون كلامه ولا يتدبرونه ولا يفقهون غير الصوت فقط، وهذا معنى قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً}، ثم قال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 171} يعني أن المشركين صم عن سماع الحق، وعمي عن رؤية الحق وإدراكه، وبكم لا يتكلمون بالحق، فقد أصمهم الكفر، لا يفتحون مسامع قلوبهم للإصغاء إلى كلام الله وتدبره ولا يحدقون بأبصارهم إلى نور الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الآية 172
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ 172} لا تصنعوا أيها المؤمنون مثل صنيع الكفار حتى حرموا بعض الأنعام وأحلوا بعضها، ولكن كلوا من الطيبات فهي طيبات كلها؛ وكأن المسلمين قد داخلتهم الشبهة من أكل بعض طيبات الرزق (1)؛ لأن المشركين كانوا يجادلونهم فيقولون لهم: كيف تأكلون مما ذبحتم أنتم ولا تأكلون مما ذبح الله؟ ويريدون به الميتة.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن يحمل الكلام على العكس، وأنهم قد داخلتهم الشبهة في أكل الخبيث أم كيف؟
الجواب: سياق الكلام يدل على ما ذكرنا ألا ترى الآية التي تليها: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ... }.
الآية 173
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} ما حرم الله عليكم إلا الميتة، {وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} يعني ما ذبح على غير اسم الله تعالى كاللات والعزى، والإهلال هو رفع الصوت.
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 173} من اضطر من مجاعة شديدة فلا حرج عليه أن يأكل من هذه الأشياء المتقدم ذكرها، وذلك عند الضرورة وهي الخوف على نفسه من الهلكة، وذلك أن يتناول ما يسد به جوعته، وهو المراد بقوله: {وَلَا عَادٍ} أي: لا يعتدي ويزيد على ما يسد جوعته.
الآية 174
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} هم اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتقاضون على ذلك أجوراً من أتباعهم على كتمه وتبديله، وذلك لأن درسة الكتاب هم ناس مخصوصون، وهذه الأجور التي يأكلونها تصليهم النار خالدين فيها.
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 174} إن غضب الله تعالى يوم القيامة قد اشتد على الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة واستحكم غضبه عليهم فلا يلقون يوم القيامة إلا عذاب الله العظيم في نار جهنم.
الآية 175
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ 175} (1) هم أهل مدارس اليهود الذين كتموا العلم وحرفوا التوراة وصفهم الله بأنهم اشتروا الضلال ودفعوا الهدى ثمناً له، وكذلك أخذوا العذاب ودفعوا المغفرة، واشتروا غضب الله برحمته وأليم العذاب في جهنم بجزيل الثواب في الجنة.
{ذَلِكَ (2)
__________
(1) - سؤال: ما الحكمة في التعجب في قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ 175}؟
الجواب: يُعجِّب الله تعالى عباده من عظيم جرأة اليهود وإقدامهم على فعل ما يعلمون ويتيقنون أنهم بفعله يدخلون نار جهنم من غير مبالاة منهم.
(2) - سؤال: الإشارة بـ «ذلك» إلى ماذا؟

الجواب: الإشارة إلى العذاب، أي: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وفيه صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكتموه، فاستحقوا عذاب الله.
الآية 176
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
📝 التفسير:
بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ 176} نزل الله تعالى القرآن وبين فيه حقائق الحق الذي اختلف فيه أهل الكتاب، وأخبر أن أهل الكتاب بعيدون عن الحق بُعْداً بعيداً، وأن الحق هو فيما أنزل الله من القرآن.
الآية 177
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
📝 التفسير:
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 177} ليس البر في التوجه إلى قبلة (1)
اليهود أو قبلة النصارى، ولكن البر الذي يرضاه الله هو الإيمان بالله والتصديق بيوم القيامة والتصديق بملائكة الله والإيمان بما أنزله الله تعالى من الكتب على أنبيائه ورسله عليهم السلام والإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وإعطاء المال الغالي عند صاحبه لذوي القربى والأرحام الذين تصلهم بالمعطين قرابة النسب، وتخصيص اليتامى بالعطية وسد خلة المسكين وابن السبيل وإعطاء السائل والمعاونة في فك الرقاب المؤمنة من الرق والوفاء بالعقود والعهود والمواثيق والصبر على المكروه والصبر عند شدة الحرب ثم إقامة ما فرضه الله من الصلوات والزكوات فهذه هي أعمال البر التي تقرب إلى الله وينال بها رضوانه، وبها يقوم الذين صدقوا في إيمانهم وأذعنوا لله بالسمع والطاعة ورسخوا في تقوى الله تعالى.
__________
(1) - سؤال: كيف نفهم أن المراد بالتوجه قِبَل المشرق والمغرب قبلة اليهود والنصارى؟ وما معنى الاستدراك بقوله: «ولكن البر ... »؟

الجواب: المراد: ليس البر في التوجه إلى بيت المقدس الذي كان يتوجه إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في التوجه إلى قبلة النصارى، ولكن البر هو فيما ذكر الله تعالى في هذه الآية.
الآية 178
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} شرع الله تعالى لأهل الإسلام أن يقتل الحر بالحر، ويقتل العبد بالعبد، وتقتل المرأة بالمرأة، ولا يقتل الحر بالعبد، ولا الرجل بالمرأة.
وشرع تعالى برحمته العفو عن القصاص لمن أحب العفو، وجعل لولي الدم أخذ الدية بدلاً عن القصاص، وأرشد تعالى ولي القتيل أن يأخذ الدية من القاتل بالمعروف من غير قساوة وغلظة كيلا تتأزم الأمور، وندب تعالى القاتل أن يدفع الدية بإحسان وتواضع وأدب كيلا تثار الحمية وتوغر صدور أولياء القتيل.
{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أن يجعل بدل الاقتصاص الدية؛ لأنه كان في الشرائع السابقة لا بد من القصاص، وكذلك لا عفو وإنما القاتل يقتل، فوسع الله تعالى في شريعة هذه الأمة فخير تعالى بين القصاص أو الدية.
{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ 178} فمن اعتدى بعد العفو وتسليم الدية فاقتص من القاتل فهذا لا يقبل منه دية، ولا يعفى عنه، وإنما يقتل فقط لعظيم ذنبه عند الله، وهذا هو المراد بقوله: {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
الآية 179
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 179} ففي شرع القصاص حياة عظيمة، ففيه حفظ أرواح الناس.
ولأن القاتل إذا عرف أنه يُقتل يمسك عن القتل ولا يقدم عليه- شرع الله القصاص؛ لأجل أن نتقي القتل.
الآية 180
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} هذه الآية نزلت قبل آية المواريث في سورة النساء.
{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} إن كان معه تركة، {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ 180} يعني فرضت الوصية لهؤلاء، وهذه الآية قد نسخت، وقد أخبر الله كيف تقسم التركة في سورة النساء، وتولى قسمتها.