القرآن الكريم مع التفسير

سورة آل عمران

آية
إجمالي الآيات: 200 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 161
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} (2) سرقت قطيفة في يوم بدر، فقال أحد الصحابة: يمكن أن يكون النبي هو الذي أخذها؛ فغضب الله لهذه المقالة والتهمة التي وجهت إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أن هذه ليست من أخلاق الأنبياء، ولا عاداتهم.
مع أن لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ ما شاء من الغنيمة، قال الله تعالى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال:1]، فالأنفال والغنائم هي لله وللرسول يفعل بها ما أراد، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأخذ شيئاً، ولا يستأثر بشيء على المسلمين.
{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الذي يخون في الغنيمة، ويسرق منها ولو إبرة- يحاسب به يوم القيامة، ويدخل بسببه النار.
{ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 161} توفى كل نفس جزاء كسبها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر يوم القيامة، لا ينقص الله من ثواب المؤمنين، ولا يزيد في عذاب الكافرين جزاءً عادلاً.
_____
(2) - سؤال: هناك قراءة أخرى بالبناء للمجهول «يُغَلَّ» من الرباعي «أغلَّ»، فهل تؤكد ما قلتموه، وذلك نسبة الغلول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: المعنى على هذه القراءة الأخرى بالبناء للمجهول مخالف للمعنى في القراءة بالبناء للفاعل، فبالبناء للفاعل يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الآخذ، وللمجهول يكون صلى الله عليه وآله وسلم هو المأخوذ عليه، وقراءة «يُغَلّ» بالبناء للمجهول تؤكد نسبة الغلول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث أن يُغَلَّ بمعنى: يُنسب إلى الغلول.
الآية 162
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 162} أخبر الله بأنهم ليسوا سواء، فالذين يتبعون رضوان الله لهم الثواب العظيم في جنات النعيم، والذين يسيرون في معاصي الله وما يسخطه لهم عذاب جهنم وبئس المصير. ومعنى «باء بسخط من الله»: رجع بسخطٍ من الله.
الآية 163
هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ 163} (1) المتبعون لرضوان الله، والسائرون في سخطه هم درجات، بعضهم أرفع من بعض، وكل ناس في مرتبة وهو عالم بأعمالهم، وسيعطي كل واحد على قدر عمله، ويضعه في الدرجة التي يستحقها من النعيم أو الجحيم.
__________
(1) - سؤال: يقال: ظاهر الدرجات التفاوت فقط في المراتب، وأنهم في نوع واحد إما نعيم أو جحيم، فكيف توجه الآية؟
الجواب: الدرجات هي التفاوت في المراتب والتعظيم، وكذلك أهل النار مراتب متفاوتة في العذاب بدليل: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ 38} [الأعراف]، فكل واحد من أهل جهنم يتذوق من حريق جهنم بقدر جرمه، ويكون ذلك بزيادة الإحساس ونقصانه، فلا يستوي ألم حريق من دخل النار بقتل مؤمن واحد، وألم حريق من دخل النار بقتل ألف مؤمن وإن كانوا في مكان واحد.
الآية 164
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 164} أنعم الله على المؤمنين بنعمة عظيمة حين بعث فيهم رسولاً عربياً منهم يفهمون خطابه- يعلمهم آياته، ويطهرهم من القبائح والفواحش والأقذار، ويعلمهم العلم والقرآن بعدما كانوا من قبل في جهل مطبق، وضلال عن الحق والهدى.
الآية 165
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
ثم رجع الله إلى ذكر أهل أحد يستنكر عليهم الوهن الذي لحقهم، وتحطم نفسياتهم ومعنوياتهم، وهزيمتهم في أنفسهم فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} (1) فما بالكم تستنكرون حين حصل عليكم مصيبة قد أصبتم من المشركين مثلها مرتين من القتل والأسر؟ وحين حصلت عليكم هذه قلتم: أنى هذا؟ يعني: من أين أتت علينا هذه المصيبة؟ وما هو السبب؟
ثم قال الله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} بسبب معصيتكم، وليست من الله، ولا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنتم الذين جررتم الهزيمة على أنفسكم، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 165}.
__________
(1) - سؤال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ... } هل الاستفهام استنكاري أو توبيخي؟
الجواب: الهمزة للإنكار التوبيخي، وهي التي تدل على أن ما بعدها واقع وأن فاعله ملوم.
سؤال: قوله: «مثليها» والمعلوم أنهم إنما أصابوا مثلها في بدر لا مثليها، فما المقصود بالمثل الثاني؟
الجواب: المثل الثاني هو أسرهم لسبعين من مشركي قريش، وكان المفروض أن يقتلوا إلا أن المسلمين اختاروا الفدية على القتل.
الآية 166
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} يوم التقى المسلمون والمشركون في ساحة القتال فقد حصل بعلم الله وبتخليته بينكم وبين المشركين حين رفع النصر عنكم بسبب معصيتكم، {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ 166} ففيما حصل عليكم ونزل بكم مصلحة لكم أيها المؤمنون؛ لأنه سيعرف المؤمنون من المنافقين، وستكشف الحقائق، ويتبين الرجال الصادقون من غيرهم.
الآية 167
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لًّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
📝 التفسير:
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} وليظهر بسبب ذلك أهل النفاق، {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} (1) لأنه انكشف يوم أحد أناس كثيرون كبيرهم عبدالله بن أُبَيّ، فقد انسحب بثلث الجيش، وقالوا: لو نعلم أنكم ستقاتلون عدوكم في خروجكم هذا لقاتلنا معكم، ولكنه لن يكون قتال، ثم أخبر الله المؤمنين عن هؤلاء المنسحبين بأنهم بعيدون عن الإسلام والإيمان وأقرب إلى الكفر فلا تتوقعوا منهم أن ينصروكم.
{يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ 167} يدعون الإيمان وليسوا كذلك (2)،
والله عالم بما يخفونه في قلوبهم من الكفر، وقد أراد الله تعالى أن يظهر ما في قلوبهم من الكفر والنفاق فأظهره يوم أحد.

__________
(1) - سؤال: ما الوجه في المغايرة بين القتال والدفاع في قوله: {قَاتِلُوا} {أَوِ ادْفَعُوا}؟
الجواب: الأول لإعلاء كلمة الله، والثاني لدفع شر العدو الذي جاء لاستئصال المسلمين، وكان المفروض أن يستجيب المنافقون لمن دعاهم إلى الخروج لدفع شر الغزاة الذين أناخوا برحالهم في طرف المدينة لقتل أهلها، وسبي نسائها، وتغنم أموالها، ولكنهم لم يستجيبوا ولم يخرجوا، وقعدوا في بيوتهم.
(2) - سؤال: هل يصح أن نحمل هذا على خصوص قولهم: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ}؟

الجواب: الأقرب أن المراد ما ذكرناه في التفسير بدليل الآية السابقة: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ}، وبَيَّنَ الله كونهم أقرب للكفر منهم للإيمان بقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}، فظهر بذلك أن قلوبهم كافرة وإن
الآية 168
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا} (1) وهم عبدالله بن أبي وأصحابه الذين انسحبوا من جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم انهزموا ورجعوا إلى بيوتهم، أخذوا يُنَدِّمون المؤمنين، ويُحَسِّرُونهم فقالوا لهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} لو رجعوا وانسحبوا معنا لما قتلوا، وعبدالله بن أبي هذا كان رأيه (2)
من رأي النبي وهو البقاء في المدينة، والتصدي للمشركين فيها، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج لمواجهة قريش، {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 168} لا تفرحوا أيها المنافقون حين انسحبتم من الجيش ورجعتم إلى بيوتكم ولم تقاتلوا وسلمتم من القتل فإن سلامتكم من القتل والموت ليست بسبب حسن تدبيركم كما تتوهمون بل إن الموت والحياة بتدبير الله وعلمه وحكمته وقد جعل تعالى لكل أجل كتاب فلا تقدرون أن تقدموا أجلاً ولا تؤخرونه (1).

__________
(1) - سؤال: كيف سمى الله المؤمنين إخواناً للمنافقين؟
الجواب: لكونهم إخواناً لهم في النسب، وقد قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود]؛ لما كان أخاهم في النسب.
سؤال: ما فائدة الإتيان بـ «قعدوا» بين القول ومقوله؟
الجواب: «وقعدوا» جملة حالية من الضمير في «قالوا»، وفيه فوائد:
1 - ... أن المنافقين الذين قالوا ذلك القول قعدوا في المدينة ولم يخرجوا للقتال مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
2 - ... أن القعود كان هو الصواب والرأي السديد لحفظ أنفسهم وسلامتها.
3 - ... تبين بذلك متعلق «أطاعونا» أي: في القعود.
4 - ... مع ما في ذلك من الذم للمنافقين بالقعود عن لقاء عدوهم؛ لأنه صفة ينفر عنها الرجال، ويبتعدون عنها ما استطاعوا.
(2) - سؤال: هل كان انسحابه لعدم استجابتهم لرأيه؟

الجواب: عبدالله بن أبي كان عظيم المنافقين، ونفاقه هو الذي رده، إلا أنه وجد في مخالفتهم لرأيه شيئاً من تبرير انسحابه، وقد بين الله تعالى السبب الذي أقعدهم في قوله في الآية السابقة: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}.
(1) - سؤال: قد يقول القائل: إذا كان هذا هو الواقع، فكيف تسمون القتل خرماً للأجل، وتذمون القاتل، بل والمقتول لو ألقى بنفسه إلى تهلكة؟
الجواب: القتل هو خرم للأجل والقاتل مذموم، وحكمة الله وإرادته ومشيئته محيطة بالقاتل والمقتول، فإذا أراد حالت إرادته بين القاتل والمقتول، وإذا شاء حفظ المقتول من القتل من غير أن يحول بينه وبين القاتل، وإذا شاء خلى بينهما فيحصل القتل، فمن هنا ساغ لنا أن نقول: إن الموت والقتل تحت مشيئة الله تعالى وتحت سلطانه، من غير أن يكون له مشيئة ورضا بسفك الدم الحرام.
الآية 169
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 169} وهذه حياة لا ندركها، وهي حياة الروح، وذلك مثل ما يحلم النائم، فالروح هي التي تحلم، وترى في المنام فهي تخرج من الجسد عند النوم وترى الأشياء وتبصر، غير أنها في الشهداء أقوى وأبلغ مما تراه الروح في المنام، فهي تخرج من أجسادهم وتذهب إلى نعيم الله، تطوف على منازلها في الجنة، وما أعد لها في جنات النعيم، وليس نعيماً جسدياً، يأكل وينكح وغير ذلك، بل هو نعيم روحي لا غير (2).
والكافرون كذلك فأرواحهم هي التي تعذب قبل يوم القيامة، وتشاهد ما أعد الله لها من العذاب، وترى مقاعدها ومنازلها في جهنم؛ فيحصل بذلك الخوف الشديد، والهم والغم والحزن، وأما العذاب ففي يوم القيامة فقط، قال الله في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ (1) عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ 46} [غافر]، فسيدخلون النار في يوم القيامة، وأما في الدنيا فإنما يعرضون عليها ويشاهدون ما أعد الله لهم في النار، وعلى مقاعدهم في جهنم.
فالذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتاً كما ترون، بل أرواحهم لا زالت حية تتنعم في جنة المأوى، وهي موجودة الآن تتنعم فيها أرواح المؤمنين إلى يوم القيامة (2).
__________
(1) - سؤال: قد ذكر بعض أصحابنا وغيرهم من المفسرين أن العرض على النار يحتمل تعذيبهم فيها واستدلوا بقول العرب: عرضت الأسارى على السيف إذا قتلتهم به، فما رأيكم، خصوصاً مع قوله تعالى: {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح:25]؟
الجواب: قد ورد عن العرب ما ذكرتم، وورد كما في مختار الصحاح: وعرضته له: أظهرته له وأبرزته إليه، وعرضت الناقة على الحوض، وورد: «أعرضته على النار» أحرقته فيها، كما في أساس البلاغة، وعلى هذا فيكون عرضهم على النار محتمل للدخول ولإظهارها لهم وإبرازها إليهم، وقد ذكرنا في غير هذا المكان من الجواب ما يفيد هذا.
(2) - سؤال: يقال: إذا كانت جنة المأوى موجودة الآن، فلماذا استثنيت من بقية الجنة أو أنواعها عند القائلين بعدم خلق الجنة الآن؟ كما هو على ذهني رأي الإمام الهادي عليه السلام، أفلا يلزمهم وجود الجنة بأسرها؟

الجواب: جنة المأوى موجودة الآن لقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى 13 عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى 14 عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى 15} [النجم]، أما الجنة التي وعد المتقون، جنة الخلد، جنات عدن؛ فالدليل على أنها لم تخلق الآن هو ما يلزم من العبث لو خلقها الآن ثم يفنيها ويعدمها يوم القيامة، ثم يخلقها في الآخرة لينعم فيها أولياءه.
(2) - سؤال: لو أوردتم الدليل على خروج الأرواح عن أجساد النائمين؟

الجواب: الدليل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام:60]، وقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر:42].
سؤال: يقال: إذا كانت هذه هي حياة الشهداء، فما الفرق بينها وبين تنعم المؤمنين الذين ليسوا شهداء؟
الجواب: لا فرق بين الحياتين من حيث التنعم، ويفرق بينهما من حيث زيادة الدرجات، وهذا مع أن المؤمن الصادق في إيمانه يموت يوم يموت وهو كالمتشحط بدمه في سبيل الله.
سؤال: يقال: إذا كان العذاب للأرواح فقط، فكيف نعمل بالأخبار التي ظاهرها تعذيب الجسد مع قول الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام وغيره بأن الله قادر عليه ولو لم نشاهده، والروايات الصحيحة التي حكاها سيدي مجدالدين وسيدي علي العجري، والتي مضمونها رؤية العذاب عياناً، ذكرها في مفتاح السعادة؟
الجواب: رؤية العذاب وسماعه من قبور بعض المجرمين، ورؤية أثر الحريق في اللحود أمر محقق كما ذكرتم، وكذلك رؤية الأنوار على قبور بعض الصالحين، وظهور الروائح الزكية عند قبورهم أمر محقق، إلا أن الذي يظهر لي: أن الله تعالى يُظْهِر ذلك للعبرة والبيان والدلالة على أهل الحق وأهل الباطل، وذلك حين يتغلب أهل الباطل وتكثر الشبه، ويكثر الملبسون على الناس، ويضعف أولياء الله ويقل العلماء، وليس ذلك لأن صاحب القبر يتنعم أو يعذب. هذا، مع أن الميت جماد لا حياة فيه ولا إحساس، والجماد لا يحس ولا يتألم، إلا أن الله تعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، كما قال الإمام القاسم عليه السلام. أما الأخبار مثل: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)) فتحمل على تعذيب الروح، ولما كان آخر عهد الناس بالميت دخوله القبر نسب العذاب إلى القبر. هذا، والذي أحوجنا إلى إضافة العذاب إلى الروح دون الجسد قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ 46} [غافر]، وقوله تعالى: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس:52]، وهذا مع العلم بالمشاهدة لما يصير إليه الميت من التراب والعظام البالية، وقوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ 78 قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس]، ففي هذا ما يدل على أنه لا حياة في عظام الموتى، وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا 25 أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا 26} [المرسلات]. هذا، ولا مانع من أن يحبس الله تعالى روح الظالم عند جسده في ظلمة اللحد وتعذب فيه. وفي المصابيح عن الإمام القاسم عليه السلام: أرواح المؤمنين إذا فارقت أبدانها في نعيم وكرامة، وأرواح الظالمين إذا فارقت أبدانها في خزي وندامة، حتى ترد الأرواح إلى أبدانها في يوم البعث والقيامة. وقال الهادي عليه السلام كما في المصابيح أيضاً: فجعل الأرواح حية باقية إلى يوم الدين؛ ليكون روح المؤمن بعد فنائه في البشارات والسرور والنعيم والحبور بما يسمع من تبشير الملائكة له بالرضا والرضوان من ذي الجلال والسلطان، وبما أعد له من الخير العظيم والثواب الجسيم، كل ذلك يتناهى إليه علمه، ويصل له من ربه فهمه، وكذلك تدبير الله وفعله في إبقاء روح الكافر بعد هلاك بدنه؛ لما في روحه عليه من الحسرة والبلايا بما يعاين ويوقن ويبلغه من إخبار الملائكة وذكرها لما أعد الله له من الجحيم، والأغلال والسعير، وشرب الحميم، وما إليه يصير من العذاب الأليم، فروحه في خزي وبلاء، وحسرات تدوم ولا تفنى .. إلخ.
الآية 170
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
📝 التفسير:
{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} مبتهجين بما أعد الله لهم من النعيم والدرجات الرفيعة في الجنة، وما أعد لهم من الكرامة؛ لأنهم يرونها ويبصرونها ويحسون بها.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 170} (1) وكذلك يفرحون لمن يأتي من بعدهم من إخوانهم الذين يستشهدون في سبيل الله وما يصيرون إليه من النعيم لما يرون من فضل الله عليهم ونعيمه، وما أعد لهم، وبأنه لا يلحقهم أي خوف ولا حزن
__________
(1) - سؤال: ما موضع {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} الإعرابي؟
الجواب: موضعه الجر بدلاً من المجرور الذي قبله.
الآية 171
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} (2) ولا يزالون يستبشرون وتتابع لهم البشائر وتتكرر بما يعظم من فضل الله ونعمه وثوابه.
{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ 171} واطمأنوا إلى أن الله لا يضيع أجور المؤمنين وأنهم يصلون إلى أجورهم وثوابهم المضاعف ويوفون جزاء كل ركعة وكل سجدة وكل تسبيحة، وكل خطوة خطاها المؤمن إلى صلاة أو صلة رحم أو في سبيل الله، وكل نفقة أنفقها، وأن الله لا يضيع لا صغيرة ولا كبيرة، ولا أي عمل صغير أو كبير في الدنيا، وما أعد له من الثواب على ذلك، وروحه مع هذا تطوف على ذلك كله، وما أعد له من الجنان الواسعة إلى يوم القيامة.
___________
(2) - سؤال: هل التنكير في «نعمة» و «فضل» للتعظيم؟
الجواب: التنكير للتعظيم، والنعمة العظيمة هي السلامة من النار، والفضل العظيم هو ما يعطيه الله من الثواب في الجنة.
الآية 172
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا (3)لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا (1) مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ 172} رجع المؤمنون يوم أحد إلى بيوتهم فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أبا سفيان سوف يرجع إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد ندم أنه لم يستأصل المسلمين في أحد ويلحقهم إلى المدينة ليقضي على بقيتهم، ثم إنه رجع مريداً للمدينة؛ فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى الخروج، وأمرهم بأن لا يخرج إلا من حضر في المعركة بالأمس، فخرج المؤمنون واستجابوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم في جراحاتهم، حتى إن بعضهم خرج حبواً لقتال أبي سفيان، فنالوا باستجابتهم لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم رضوان الله ووعده الحسن بالأجر العظيم.
__________
(1) - سؤال: إذا كان مبتدأً فلماذا أظهر بدل الإضمار في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا}؟
الجواب: إذا أعربنا: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا} مبتدأً فخبره: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ 172} وأظهر ما كان ينبغي أن يضمر لينبه على أن الأجر العظيم مشروط بالإحسان والتقوى.
(2) - سؤال: هل التنكير في «نعمة» و «فضل» للتعظيم؟
الجواب: التنكير للتعظيم، والنعمة العظيمة هي السلامة من النار، والفضل العظيم هو ما يعطيه الله من الثواب في الجنة.

الآية 173
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ 173} (2)
خرج هؤلاء المستجيبون لنبيهم وهم في جراحهم للقاء أبي سفيان، فلما علم أبو سفيان بخروجهم من المدينة لقتاله أرسل إليهم من يخوفهم بأن أبا سفيان قد جمع لقتالهم واستئصالهم جموعاً كثيرة فلا تواجهوهم فلا طاقة لكم بهم، يريد أبو سفيان أن يثبط المسلمين بذلك ويردهم إلى المدينة، وكره أن يلقاهم للقتال، فلم يلتفت المؤمنون إلى ذلك التخويف بل ازدادوا إيماناً وثقة بالله وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
_________
(2) - سؤال: ما الوجه في فصل جملة: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ... } وما إعرابها؟
الجواب: وجه الفصل أن الموصول صفة أو بيان أو بدل وهو تابع مفرد.
سؤال: ما المراد بالناس في الموضعين؟
الجواب: «الناس» الأولى هو رجل واحد يقال له: نُعَيْم بن مسعود أرسله أبو سفيان ليخوف المسلمين الذين استجابوا من بعدما أصابهم القرح وخرجوا من المدينة في أثر قريش لمناجزتهم، وليردهم عن وجهتهم. والناس الثانية يراد بها أبو سفيان. وقيل: إن ذلك في غزوة بدر الصغرى بعد عام من يوم أحد، والأرجح أن ذلك بعد يوم أحد مباشرة بدليل: {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}.

سؤال: إذا كان المراد بهم الآحاد فهل هو تخصيص بالعقل أو بالحس؟ أو ليس من باب التخصيص؟
الجواب: الألف واللام للعهد وليست للعموم، والذي دل على ذلك: أن الآية نزلت بعد وقوع القصة، وبعد علمهم بالقائل وبالذي جمع لهم، ولكن يقال: ما هو المسوغ لاستعمال اسم الجمع للواحد؟ فيقال: أما أبو سفيان فلأنه كان له أعوان وأتباع على رأيه، وأما رسوله فلعل في صحبته من هو على رأيه، أو لأنه رسول مرسل من عند الناس الذين جمعوا، فكأنهم هم الذين قالوا.
الآية 174
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
📝 التفسير:
{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} فخرجوا وانقلبوا -يعني: رجعوا- بنعمة من الله وفضل ولم يمسسهم سوء أي: لم يقاتلوا أبا سفيان، فخاف أبو سفيان عندما لم تنفع حيلته هذه في المسلمين، وما رأى من عزيمتهم على القتال خاف منهم، وأضرب عن لقائهم، ورجع إلى مكة.
وكان قد عزم أبو سفيان أن يلقاهم في مكان ويقاتلهم فيه، فذهب المسلمون إلى ذلك المكان، وخيموا فيه مستعدين للقائه، ولكن أبا سفيان تخلف ولم يذهب لمقاتلتهم، وانهزم راجعاً إلى مكة.
كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عيون يتجسسون على أبي سفيان لينظروا ما سيفعل، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم إن امتطوا الإبل فهم ذاهبون إلى مكة، وإن رأيتموهم ركبوا خيولهم فهم ذاهبون إلى قتالكم؛ فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قد ركبوا الإبل وتركوا الخيل؛ فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرجعوا إلى بيوتهم.
وأرسل أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بأن ميعادنا للقتال في بدر في مثل هذا اليوم من العام القابل؛ لأنه كان قد شاور أصحابه فاتفقوا بأن هذه سنة مجدبة لا يوجد مرعى للإبل والخيل، فسنعود لديارنا هذه السنة، ونواعد النبي للعام القابل، ولكن أبا سفيان ومن معه حينما أتت السنة تكاسلوا، ولم يذهبوا لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ 174} هؤلاء الذين خرجوا أثنى عليهم الله تعالى بأنهم أطاعوا الله ورسوله، وخرجوا للحرب فنالوا رضوان الله وعظيم ثوابه.
الآية 175
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ (1) فَلَا تَخَافُوهُمْ (2) وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 175} عندما خوفهم أبو سفيان حين أرسل إلى المسلمين بأن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقال لهم الله: إن ذلك من الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وإنما يخاف أولياء الشيطان.
__________
(1) - سؤال: من المراد بأوليائه؟
الجواب: قد قالوا: إن المراد يخوفكم أولياءه، فأولياؤه المرادون هم أبو سفيان وقريش.
(2) - سؤال: قد يقول القائل بأنه يحصل الخوف أحياناً للمؤمنين الكبار من أعداء الدين وإمكانياتهم، فهل يعد نقصاً في الدين ومعصية أم كيف مع هذه الآية؟
الجواب: الخوف طبيعة لا يمكن التخلص منها، ولا يلام عليها المكلف، ومعنى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 175} لا تتركوا طاعة الله ورسوله لخوف المشركين، وخافوا الله بالتمسك بدينه.
الآية 176
وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
ثم قال الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} فلا يحزنك يا محمد أولئك الذين يخرجون من الإيمان ويدخلون في الكفر، فلا تحزن (3)
يا محمد على خروجهم من الدين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصاً على بقاء الناس على الإسلام، وكان يستاء ويحزن على أولئك الذين يخرجون من الإسلام ويدخلون في الكفر، فقال له الله: لا تحزن فما عليك إلا أن تبلغهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم الكفر فدعهم واختيارهم.
{يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 176} (1) أولئك الذين ارتدوا إلى الكفر فلن ينالهم نصيب من رحمة الله يوم القيامة، ولهم عذاب عظيم في نار جهنم بسبب اختيارهم للكفر، وتركهم للإيمان والهدى والله تعالى يريد ثواب الآخرة لأهل طاعته دون أهل معصيته.
________
(1) - سؤال: يقال: المعلوم أن الله قد دعاهم إلى الجنة والمغفرة بإذنه، فكيف بهذه الآية؟
الجواب: دعاهم الله تعالى إلى الجنة والمغفرة والثواب العظيم الخالد، وشاء الله تعالى وأراد أن يعطي ذلك المستجيبين لربهم، وأن يحرم المعرضين المتمردين والكافرين والمصرين على معصية الله والفسوق عن أمره؛ لذلك نقول: إنه لا منافاة بين دعوتهم إلى الجنة والمغفرة، وبين حرمانهم من ذلك.
(3) - سؤال: هل المراد به النهي الصريح عن الحزن؟ فكيف وهو من منطلق الحرص على هدايتهم؟ أم المراد به التسلية؟

الجواب: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على دخول الناس في الإسلام، وكان يحزن إذا ارتدوا إلى الشرك؛ لحرصه على هداية الناس، ولما يتوقع من أذى المرتدين عن الإسلام؛ لأنهم قد عرفوا الكثير من أسرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار المؤمنين، وعرفوا نقاط الضعف .. وإلخ، فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حزن كثيراً لأجل هذه النقطة الحساسة التي ستؤثر على دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الإسلام والمسلمين، فأراد الله تعالى أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويخفف عنه ما داخله من الحزن بهذه الآية.
الآية 177
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 177} خروج المرتدين عن الإسلام ورجوعهم إلى الكفر غير ضار (2) وغير مؤثر في نشر الإسلام وتمام الدعوة، فلا تحزن يا محمد على خروجهم فما ضروا إلا أنفسهم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
_________
(2) - سؤال: هل المراد: بـ {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} لن يضروا دين الله؟
الجواب: المراد هو ذلك أي: لن يضروا دين الله، ولا نبي الله، ولا دولة الإسلام، ولا انتشار الدعوة.
الآية 178
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
📝 التفسير:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 178} (1) إن الله تعالى يمهل الكافر ولا يعجل بمؤاخذتهم على ذنوبهم، وينعم عليهم، ويزيد في أعمارهم؛ فلا يحسبوا أن ذلك خيرٌ لأنفسهم إنما يزدادون كفراً كلما زاد الله في إمهالهم، وكلما زادوا من كفرهم ازداد العذاب عليهم أكثر؛ لأن من كفر بالله سنة فعذابه أقل ممن كفر به سنتين، ونحو ذلك؛ فالإمهال وزيادة العمر إنما هو زيادة عذاب عليهم فلا يظنوا أن التمهيل أفضل لأنفسهم.
__________
(1) - سؤال: كيف يجاب على من استدل بالآية {لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} على الجبر؟
الجواب: اللام في {لِيَزْدَادُوا} هي لام العاقبة وليست لام التعليل، وهي مثل اللام في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8]، ولم يلتقطه آل فرعون لذلك وإنما التقطوه لينفعهم وليتخذوه ولداً، غير أن الذي حصل هو أن موسى عليه السلام صار لهم عدواً وحزناً، فكأنهم إنما التقطوه ليكون لهم عدواً وحزناً. وهكذا في الآية: {لِيَزْدَادُوا} فإن الذي حصل من المذكورين في الآية في الزمن الذي عمرهم الله فيه وأمهلهم هو الشرك والكفر والفسوق فجعل كأنه العلة التي أمهلهم الله وعمرهم من أجلها، وفي الحقيقة فإن العلة هي غير ذلك، والذي دلنا على ما ذكرنا قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56} [الذاريات]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... } [البقرة:21]، ونحو ذلك من الآيات.
سؤال: أين اسم «أنّ»؟ وما إعراب الجملة: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ}؟
الجواب: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لـ «يحسبن» وهو ساد مسد المفعولين، واسم «أن» هو المصدر المسبوك من «ما» والفعل «نملي»، ويجوز أن تكون «ما» موصولة فتكون في محل نصب اسم «أنّ».
الآية 179
مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} لن يترك الله المؤمنين على ما هم عليه، فلا بد من الاختبار والفتنة حتى يتبين وينكشف الخبيث من الطيب ويتميز المؤمن من المنافق.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} اقتضت حكمة الله ألا يخبرنا بما يعلمه من الغيب المحيط بما في صدور الناس وما تكنه قلوبهم من الإخلاص والنفاق، وقد اقتضت حكمته أن يمتحن الناس بشدائد البلوى كما حصل يوم أحد، فإنه ظهر في ذلك اليوم الشديد كل واحد من المسلمين على ما هو عليه من الإيمان والنفاق وضعف الإيمان، فثبت أهل الإيمان الصادق مع نبيهم لم يتزلزلوا ولم يتزحزحوا عن مواقفهم، وأما أهل النفاق وضعاف الإيمان فهربوا وأوغلوا في الهروب (1) وتركوا نبيهم في ساحة المعركة والسيوف تتهاوى عليه والنبي يناديهم فلم يسمعوا لندائه، ويدعوهم للإقبال إليه فلم يستجيبوا لدعائه.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} ولكن الله تعالى يختار من يشاء من رسله فيطلعهم على شيء من علم الغيب.
{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ 179} دعا الله تعالى في هذه الآية ضعاف الإيمان والمنافقين إلى أن يخلصوا إيمانهم بالله ورسله ويذعنوا لطاعة الله ورسله، ووعدهم إن هم أخلصوا الإيمان والتزموا طاعة الله واتقوا عصيانه أن يثيبهم ثواباً وأجراً عظيماً.

__________
(1) - سؤال: هل الهرب والجبن علامة مقرَّرة على ضعف الإيمان أو النفاق ولو كان خارجاً عن استطاعة الإنسان وطاقته، فقد يشكل؟
الجواب: الجبن: هو طبيعة مطبوعة في الإنسان لا يقدر أن يتخلص منها، ولا يذم عليها ولا يعاقب، وإنما يذم الإنسان على أفعاله الاختياريه التي دعاه الجبن إلى فعلها فاستجاب لداعيه، والبخل طبيعة في الإنسان لا يذم عليها وإنما يذم على ترك الإنفاق فيما أوجب الله عليه، فمن كان صادق الإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر فإنه لا يطيع داعي البخل والجبن، ويستجيب لداعي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
الآية 180
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
📝 التفسير:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} (1) أولئك الذين يبخلون بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل الله، ولا يخرجون زكاة أموالهم، فلا يظن أولئك أنهم مصيبون في حفظ أموالهم، وإنما هو شر لهم، وأموالهم ليست إلا وبالاً عليهم وبخلهم بما أوجب الله عليهم من النفقات من أموالهم سيكون سبباً لغضب الله عليهم ودخول جهنم خالدين فيها أبداً.
{سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2) سيكون بخلهم طوقاً في أعناقهم يوم القيامة ليس لهم فكاك منه، وسيجازيهم الله عليه.
{وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 180} فهو غني لا حاجة به إلى أحد، وإنما يختبر الناس بالتكاليف ليتبين المطيع من العاصي.
__________
(1) - سؤال: هل «هو» في قوله: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} ضمير فصل؟
الجواب: هو ضمير فصل، والمفعول الأول محذوف تقديره: الْبُخْلَ، و «خيراً» المفعول الثاني. ويمكن: بخل الذين يبخلون.
(2) - سؤال: هل قوله: {سَيُطَوَّقُونَ} استعارة تبعية عن اللزوم أو ماذا؟
الجواب: هو استعارة تبعية عن لزوم جزاء البخل يوم القيامة، لزوم الطوق للعنق لا مخرج لهم منه.