القرآن الكريم مع التفسير

سورة الفاتحة

آية
إجمالي الآيات: 7 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
📝 التفسير:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
افتتح الله سبحانه وتعالى فاتحة الكتاب وكل سورة من سور القرآن الكريم بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وقد قال تعالى في أول سورة نزلت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1} [العلق]، المعنى: استفتح قراءتك بـ «بسم الله»، متبركاً باسمه، ومستعيناً بذكره.
وقد ذكر الله تعالى في البسملة من أسمائه الحسنى ثلاثة أسماء هي: الله، الرحمن، الرحيم.
ولفظ الجلالة: اسم جامع لمعاني أسماء الله الحسنى فهو يحمل في معانيه معنى الحي القيوم العلي العظيم العليم القدير الحكيم اللطيف و .. إلخ.
فإذا استعان المؤمن باسم الله تعالى في قراءته فإنه سيعينه ويبارك له في قراءته وفي فهمه؛ لأنه تعالى القوي القدير والعليم الخبير الذي بيده الملك كله، وبيده الخير كله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وذكر اسم الرحمن الرحيم في فاتحة كل سورة يدل على أن القرآن الكريم وكل سورة من سوره من أعظم النعم وأكبر المواهب الإلهية على الإنسان، وذلك لما في القرآن الكريم من الهدى للإنسان لطريق سعادته في الدنيا والآخرة.
وفي ذلك دلالة على أن الله يحب هذه الثلاثة الأسماء أكثر من غيرها؛ نسميه بها، ونستفتح بها، ونتبرك بها، وإذا ذكرناه بها، واستعنا بأسمائه فهو سيعيننا ببركة أسمائه، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180]، وهذه الثلاثة أفضل الأسماء.
«الرحمن» أي: المتفضل على عباده بالنعم العظيمة الواضحة.
«الرحيم» معناه: المنعم بالنعم الخفية الدقيقة.
يعني: أنه المنعم بالنعم الظاهرة والخفية، ومن نعمه العظيمة الواضحة إنزال القرآن؛ ولذا قال تعالى في سورة الرحمن: {الرَّحْمَنُ 1 عَلَّمَ الْقُرْآنَ 2 خَلَقَ الْإِنْسَانَ 3} يعني: إذا ذكر الرحمن فمعناه المنعم بالنعم الواضحة. {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ 4} يعني: النطق باللسان، والإفصاح عما في القلب. {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ 5} وهي من النعم العظيمة الظاهرة.
واستفتاح القرآن وكل سورة من سوره بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} يشير إلى أن القرآن من النعم الواضحة، وأن القرآن رحمة عظيمة للناس؛ لأجل أن نعلم أن الله لم ينزل القرآن، ولم يرسل الرسل إلا لأجل رحمته العظيمة بالإنسان.
و {الله}: يعني: الجامع لصفات الكمال، فهو في العلم والقدرة و ... إلخ هو وحده وكل شيء سواه ناقص، وهو وحده المنعم والمتفضل لا سواه، وهو الرزاق وحده لا قدرة لأحد غيره، ورزقه من السماء؛ فهو ينزل المطر وبسببه ينبت الشجر وهي تخرج الثمر، ومنها يأكل الناس والأنعام، فإن أمسك رزقه فمن يرزقنا.
وقالوا: إن الاسم الأعظم هو في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 163} [البقرة]، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255]، وذلك دلالة على أن الاسم الأعظم في الفاتحة وفي أول آية الكرسي، ولا يوجد هناك اسم أعظم مخفي إذا دعي الله به أجاب (1)، وأسماء الله الحسنى كلها ظاهرة في القرآن، وقد أعلمنا الله بها، وأحب الأسماء إليه: الله، الرحمن، الرحيم.
وآية الكرسي فيها فضل عظيم، لكن هذه هي التي تكررت، وتكررها دلالة على أنها أفضل الأسماء.
وهو يعني أن الإنسان إذا أراد الدعاء والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى يدعوه بهذه الأسماء: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة:35]، يعني أن نتوسل إليه بما يحبه: يا الله يا رحمن يا رحيم، فهو يحب أن يثنى عليه بهذه الأسماء.
فإذا أراد الإنسان التماس شيء من غيره فهو يقدم له المدح والثناء عليه، فالله يحب أن نثني عليه، وأن نمدحه، وأن نذكره؛ لأجل أن يجيب دعوتنا. فإذا أردت الدعاء له فقدم الثناء عليه ثم ادعه.
ففي السورة بدأ بالثناء ثم الدعاء وهو قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6}، أول السورة ثناء وآخرها دعاء، ففيها دلالة على أن المتوسل إذا أراد الدعاء بدأ بالثناء.
والرحيم: يعني أن هناك نعماً خفيةً لا نعلمها ولا ندركها، كدفع البلاء في كل أحوالك وأنت لا تعلمها، وهذه من أكبر النعم أن يدفع عنك الشر والبلاء و ... إلخ، وهي خفية لا ندركها، ولا تخطر في بالنا.
________
(1) - سؤال: يقال: ظاهر بعض أدعية أئمتنا عليهم السلام توحي بأن الاسم الأعظم مخفي، فكيف يوجه ذلك؟
الجواب: توجيه ما ذكرنا أن الله تعالى عرف نفسه لعباده عن طريقين:
1 - ... عن طريق أفعاله وآياته التي خلقها في الكون.
2 - ... عن طريق أسمائه الحسنى التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكل اسم من أسمائه تعالى مفهوم يجب الإيمان به، والتصديق بمفهومه، ونسبته إلى الله.
ولا يخفى أن الإيمان والإذعان والتصديق بما سمى الله تعالى نفسه به في كتابه، وبما اشتمل عليه كتابه الكريم من الثناء والمدح لله تعالى، ومن التقديس والتنزيه والتعظيم، يكون إيماناً كاملاً، ومعرفة لله تامة. فلو فرضنا أن الله تعالى أخفى عن عباده اسمه الأعظم لما كانت معرفة المؤمنين لله كاملة؛ لجهلهم بأعظم صفات الله وأكبرها، وهذا الفرض بعيد.
- ومن الممكن توجيه ما ورد في بعض الأدعية بأن الله تعالى أخفى اسمه الأعظم بين أسمائه التي علمها عباده، كما أخفى ليلة القدر بين ليالي شهر رمضان، وكما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة بين ساعات اليوم، وهذا التوجيه قريب.
الآية 2
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} افتتح الله تعالى كتابه بعد البسملة بالحمد والثناء عليه، على نعمه على العالمين، والتي من أكبرها وأعظمها نعمة القرآن الكريم.
ومعنى الحمد: أنا نعترف لله بالفضل والإنعام فنحن نحس ونشعر بهذه النعم العظيمة ولو لم ننطق بها باللسان، فإذا امتلأ قلبك بالإحساس بالنعم والفضل والإحسان ولو لم تنطق بها وقد استشعرت هذه النعم ثم نطقت بالحمد والثناء بعدما امتلأ قلبك بهذا الإحساس والشعور فتقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} كان في ذلك التعبير تعظيم أكبر تعظيم، وهذا هو المفروض أن لا تقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} إلا بعد الاستشعار لعظمته في القلب وإحسانه إليك وإحساسك بالنعمة، وهذا هو ذكر الله الأعظم، وأن هذه النعم من فضل الله عليك، وأنك لا تستحقها بحولك ولا بقوتك، فالمفروض أن تستشعر ذلك الإحسان العظيم الذي أولاك ربك حتى لا تقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} إلا ترجمة عما في القلب من الشعور بنعم الله، فإذا انعدم الإحساس فينبغي أن يتفكر الإنسان وينظر فيما أنعم الله عليه، ليحصل له الإيمان، وينتعش قلبه ويوقظه إلى الإيمان بالله، لكي لا يكون كافر نعمة عند تناسيه لنعم الله عليه حتى ولو لم يتكلم وينطق لسانه بالحمد إذا كان معترفاً لله بنعمه، المهم أن يكون قلبه حياً بذكر الله وبنعمه وفضله، هذا ذكر الله الأكبر، فأما باللسان فقط والقلب ميت فليس له فائدة.
والحمد هو الثناء على الله والاعتراف بنعمه.
{رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} يعني: رب المخلوقات ومالكها، وهو المستولي عليها بقدرته، وهو المحسن إليهم والمنعم عليهم والمتولي بسلطانه وربوبيته عليهم، ولم يستحق الله سبحانه وتعالى الحمد إلا لأنه رب العالمين ومالكهم والمنعم عليهم.
الآية 3
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
📝 التفسير:
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 3} يعني أنه المستحق للحمد، وأنه المنعم عليهم بالنعم العظيمة والدقيقة، الظاهرة والخفية.
الآية 4
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
📝 التفسير:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ 4} و {مَلِكِ} قرأ بهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي صحيحة: هو وحده المالك ليوم الدين، أي: الجزاء، يعني يجازيهم ويحاسبهم على الأعمال كلها صالحها وطالحها: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8} [الزلزلة].
فهو الذي يجب أن نتوجه إليه ونحمده ونخاف منه؛ لأنه المجازي لنا، {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ 16} [غافر]، يعني لا يوجد هناك نفوذ إلا له وحده.
فقد أمر الله أن تقرأ هذه السورة في كل صلاة: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) لأجل أن نحيي ذكره في قلوبنا، ونستشعر سبوغ نعمه علينا، وعظيم رحمته بنا، وأن مرجع الخلائق إليه في يوم الحساب؛ لتجزى كل نفس بما كسبت.
وعليهم أن يتوجهوا إليه وحده ويخصوه بالعبادة.
الآية 5
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
📝 التفسير:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني نتذلل لك، ونخضع لك غاية الخضوع وغاية الطاعة، ونرفض كل معبود سواك؛ لأنك وحدك رب العالمين، ومالك أمرهم، والمنعم عليهم، وكل ما يعبد من دون الله لا يستحق العبادة؛ لأنها لا تعمل لهم شيئاً، ولم تنعم عليهم بنعمة، ولم تحدث خلقاً.
{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 5} لا نستعين إلا بك، ولا نطلب المعونة على أمور ديننا ودنيانا إلا منك، وكل ما دونك لا يستحق أن نتوجه إليه بالطلب.
وعدم الإجابة من الله لنا فله فيه حكمة؛ وذلك لئلا يدخل العجب في قلوبنا، ونفتتن في ديننا، ويدخلنا الغرور، وهذا من رحمته بنا، أي: لو أن الله تعالى يعقب السؤال بالإجابة عندما يسأله العبد لربما داخل السائل الغرور وظن أنه قد بلغ منزلة من التقوى رفيعة، وفي هذا الظن خطر عظيم على المؤمن، إذ يوقعه فيما نهى الله عنه من الغرور وتزكية النفس.
هذا، ومن شأن المؤمن أن لا يمسي ولا يصبح إلا هو متهم لنفسه بالتقصير في طاعة الله والتفريط في ذكره والتضييع لشكره.
وهذا لا يمنع أن نطلب المعونة من غير الله فيما يقدرون عليه من الإعانة على بعض أمور الدنيا، لكن لنعلم أن الله هو المعين، وهو المسخر، وأن كل شيء بيد الله، لا ينفع إلا إذا أراد الله؛ فالنبي قد استعان بالمشركين ودعاهم لمعاونته، وأن إعانته مبنية على الأسباب، والله هو المهيئ لهذا الذي يعينك، والمسخر له.
الآية 6
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
📝 التفسير:
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 6} آخرالفاتحة دعاء وأولها ثناء على الله، يعني: أن الله يعلمنا الطريق القويم، وهي سبل الأنبياء التي سلكوها ليصلوا إلى رضوان الله. والصراط المستقيم يعني: الدين الحق الذي جاءت به أنبياء الله ورسله عليهم السلام.
ودلالة على أن هذه الدعوة التي أمرنا الله بها في كل صلاة هي التي توصلنا إلى طريق الحق وإلى السعادة والنعيم الدائم التي هي أمنية كل إنسان، وهي نعمة من الله أن يفرضها علينا لندعوه بها، ونتوصل بها إلى هذا النعيم الدائم، ولم يعلمنا كيفية الدعاء له إلا وهو سيستجيب لنا، وهو كريم لا يخيب أحداً لديه.
وينبغي أن لا يقطع أحد رجاءه وأمله في الله، بل يستغفر ويتوب إليه إن كان قد عصاه فسيغفر له ويتوب عليه.
وهو عالم ببني آدم، وأنهم مرة يخطئون، ومرة يصيبون، ومرة كذا ومرة كذا، فلا يخب أمل المرء في الله ورجاؤه فيه، فينبغي أن يقبل إلى الله بالدعاء ويستغفره، {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ 87} [يوسف]، ولو فعل ما فعل فلا ييأس ويقول إن الله لن يغفر لي، ولن يقبل توبتي ودعوتي؛ فالله يغفر لك المعاصي كيفما كانت إذا رجعت إليه وندمت، فالله محسن إلينا غاية الإحسان، ومنعم علينا بأجل النعم؛ فينبغي أن نتألم إذا عصيناه، ونندم أشد الندم، ونحرص على أن لا نفعل شيئاً مما نهى عنه.
وهذه هي التوبة وهي أن نتألم لما وقع منا من معصية الله، وبعض الأئمة قد قال: إن التوبة هي الندم، أي: ولو لم يصحبه استغفار.
والصراط المستقيم: هو الدين الحق، فإذا هداك الله إليه فسوف تتوب وتستغفر وتفعل كل الطاعات، فهي دعوة عامة تشمل كل خير وطاعة في الدنيا والآخرة.
الآية 7
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
📝 التفسير:
وهو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، لكن: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 7} وهم اليهود والنصارى- فقد أنعم الله عليهم لكنه قد غضب عليهم وضلوا عن الطريق.
واليهود والنصارى فقد حرفوا وبدلوا وضلوا وأضلوا، فليسوا على طريق موسى عليه السلام؛ لأنه على الصراط الحق.
هذه اسمها سورة الفاتحة، وسميت الفاتحة لأن الله افتتح كتابه الكريم بها، ولها أسماء عدة، والفاتحة هو المشهور بينها، أو (الحمد لله رب العالمين)، وكذلك (السبع المثاني) في روايات، ولها فضل كبير، وورد فيها آثار، منها: أنها لم تقرأ على مريض إلا شفي، ولا قرأها مكروب إلا فرج الله كربته، ولم يشرعها الله في الصلاة إلا لفضلها الكبير.
وسميت السبع المثاني لأنه يثنى بها في كل صلاة، وأراد الله أن نذكره بها في كل صلاة دلالة على أنها أحب الذكر إليه.
وعندما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا 41} [الأحزاب]، فمصلي الصلوات الخمس فهو ذاكر لله ذكراً كثيراً؛ فإذا كان محافظاً على الصلوات الخمس -ولو لم يصل النوافل- فهو من الذاكرين الله ذكراً كثيراً والذاكرات.
فإذا ذكرنا الله بالفاتحة في الصلوات ففيه دلالة على أنها أفضل الذكر، وأفضل القرآن، ودلالة على أن الله يحب الحمد والثناء عليه، وأنه أفضل الذكر.
قال أمير المؤمنين عليه السلام ما معناه: (الحمد أرجح ما وزن وأفضل ما خزن) يعني أفضل ما يثقل الميزان يوم القيامة، وأفضل ما يخزنه الإنسان ليوم القيامة.
فإذا أراد المرء ذكر الله تعالى فليقرآ الفاتحة، وكما قلنا الذكر في الأصل هو ما في القلب من الإحساس بنعم الله وفضله وقدرته و ... ، واللسان ليس إلا مترجماً عما في القلب؛ ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((التقوى هاهنا التقوى هاهنا))، فليست في الجوارح، ولا في حركات اللسان، فلا يضاعف الله الحسنات ويعظمها ويباركها إلا عندما تكون صادرة من القلب، فإذا امتلأ القلب من الهيبة لله وتعظيمه ثم اندفع اللسان إلى ذكره كان أعظم عند الله، وحصلت اللذة في ذكره، والأريحية، وكان لها قيمتها ووزنها ومكانتها عند الله، وحصل النشاط في الذكر والاندفاع الزائد.
فليحاول الإنسان أن يحيي قلبه بتذكر نعم الله عليه في بدنه وفي أهله وأمواله وجميع ما أنعم الله عليه.
فليتذكر نعمة العينين والأسنان والسمع والشم وما في باطنه؛ من يتولى الرعاية لها؟ ومن يسيرها التسيير الدقيق من دون خلل ولا اختلاف؟ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34]، وإذا ذكرت ذلك زادك الله صحة وعافية، وحفظ لك صحتك وعافيتك: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7].
{وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ 205} [الأعراف]، الذين أنعم الله عليهم ولا يذكرونه ولا يحمدونه، ويعطيهم فلا يحمدونه ولا يشكرونه.
وهناك عوالم من النعم فينبغي للمؤمن أن يتفكر كيف يحمد الله عليها، وأنه لا يستطيع أداء الحمد على جميع نعمه، وأنه عاجز عن حمده حق حمده، وهذا هو حمد، ومن أعظم الحمد، وهو الذي يحبه الله؛ لأنه اعتراف له بالعجز عن أداء حقه.
وساعةٌ في التفكر يقال: إنها أعظم من عبادة عشرين سنة، والفكر يحيي الإيمان في القلب، ويملأه إيماناً، ويزيد في اندفاع الإنسان إلى الطاعة، وهذا هو الذكر الحق والصدق، وهو أحسن وأفضل مما يقرأ في الصحائف مثل صحيفة زين العابدين وأمير المؤمنين، وهو ذكر الله الأكبر (ذكر القلب)، وإن كان ما ينطق به اللسان ذكراً لكن
فينبغي أن لا يهمل المرء نفسه، وأن يجعل هذه من الأمور المهمة العظيمة التي لا يصلح الإيمان إلا بها.
وقد قيل: إن الإيمان أفضل الأعمال، والمراد به هذا الذي هو حاصل في القلب، وبقاؤه في القلب حياً يحتاج إلى تعب وحراسة وذلك بمعاهدته بالنظر في آيات الله وآيات عظمته وقدرته وآيات رحمته، وما أسبغ الله على الإنسان من نعمه وكثير مننه، ثم النظر في مواعظ الله التي فصلها في كتابه الكريم، والحرص على ملازمة التقوى وسلوك سبيل الهدى، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ 17} [محمد].
وشرع الله الصلوات الخمس للمؤمن لأجل أن تُذَكِّرَهُ بنعم الله عليه، فالكرامة في تقوى الله، والعزة في طاعته.