القرآن الكريم مع التفسير

سورة الحجرات

آية
إجمالي الآيات: 18 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (1) وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1} كان الصحابة لا يراعون بعض الآداب في مجالس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويكثرون عليه في الكلام، ويفرضون آراءهم واقتراحاتهم عليه، ويطلبون منه تنفيذ ما يقترحونه عليه من دون أي مبالاة منهم به أو مراعاة لحرمته ومقامه، فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن ذلك، وأمرهم بمراعاة مقامه، وحفظ حرمته، وعدم فرض أي رأي أو مشورة عليه، وأن يجعلوا كلمته فوق كلمتهم، وأن يكون هو الآمر والناهي بينهم، وأن عليهم فرض السمع والطاعة فيما اقترح أو أشار من دون أي جدال أو مراجعة، وأما أن يعرضوا آراءهم ومشوراتهم عليه إن طلب منهم فلا بأس، ولكن من دون أي اقتراح أو فرض.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن ذلك معصية كبيرة (2) عنده فلا يتهاونوا بنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم أو يقللوا من قدره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان صاحب أخلاق عالية ومروءة وسماحة وكرم ولين، فلا يقهر أحداً أو يقلل من شأن أحد أو يستنقصه أو يجفوه بكلمة، أو يرد إساءة من أساء إليه في الكلام أو لم يتأدب في حضرته.
__________
(1) - سؤال: لطفاً هل الحكمة في ذكر النهي عن التقدم بين يدي الله إعلامهم أن التقدم على رسول الله برأي أو مشورة تقدم على الله سبحانه أم ماذا؟
الجواب: نعم ذلك هو المقصود؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المبلغ عن الله والمتحدث عنه.
(2) - سؤال: من أين استنتجنا ذلك؟
الجواب: أخذ ذلك من الآية التي بعدها: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2}.
الآية 2
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ (3) أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2} ثم زاد الله سبحانه وتعالى على ذلك بأنهم إذا تكلموا في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سمح لهم بالكلام أو طلب منهم المشورة في شيء فينبغي أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته، وأن يتكلموا وعليهم السكينة والوقار وكأن على رؤوسهم الطير من شدة الحياء، وأن يكونوا في غاية التأدب في حضرته، وأن يعظموه حق تعظيمه، وأن يكون كلامهم معه من نوع خاص، أي: كما علمهم الله سبحانه وتعالى وأرشدهم، لا كما يتكلم بعضهم مع بعض، وأخبرهم أن من رفع صوته على صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد اقترف معصية كبيرة وإثماً عظيماً يحبط (1) ثواب ما عمل من الأعمال الصالحة.
وقد نزلت هذه الآية في الشيخين أبي بكر وعمر عندما تخاصما وارتفعت أصواتهما في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل منهما يقترح على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويدلي برأيه ومشورته، ويريد أن يكون رأيه هو الذي يمضي عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى علت أصواتهما وارتفعت، وكثر الشجار بينهما، وفي الحديث كما في البخاري: «كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم .. إلى آخر الحديث».

__________
(3) - سؤال: فضلاً ما إعراب: «كجهر بعضكم»؟ وكذا ما محل المصدر: «أن تحبط»؟
الجواب: «كجهر بعضكم» جار ومجرور واقع موقع المصدر أي: لا تجهروا جهراً كجهر، فالجار والمجرور صفة لمصدر محذوف فهو في محل نصب. والمصدر «أن تحبط» في محل جر حلَّ محل المفعول لأجله أي: كراهة إحباط أعمالكم.

(1) - سؤال: هل يصح القياس على هذه المعصية في إثبات إحباطها للحسنات؟
الجواب: هناك معاص موجبة للنار وهي الكبائر، وما أوجب النار من المعاصي فقد أحبط الحسنات؛ لأنه لا حسنات لأهل النار، والكبائر: هي ما توعد الله فاعلها بالنار أو وصفت بالكبر أو العظم أو شرع فيها الحد أو .. إلخ، فلا داعي للقياس فيها مع وجود الدليل على كبرها، وأما ما سوى الكبائر من المعاصي فقد حصل الخلاف فيها هل هي كبائر أو صغائر، وقد جاء الدليل القرآني على خطر المعاصي عموماً كقوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 81} [البقرة]، وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 123} [سورة النساء]، ففي ذلك دليل على أن كل المعاصي محبطة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة إذا أقدم على فعلها المكلف وتعمد فعلها وهو يعلم أنها معصية لله.
الآية 3
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ (2) مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 3} ثم أثنى الله سبحانه وتعالى على أهل الأدب في الكلام في حضرة النبي (1) صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبر عنهم بأنهم أهل التقوى الذين يستحقون المغفرة والأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى. ومعنى «امتحن الله قلوبهم»: علم تقوى قلوبهم وصدقها في الإخلاص لله.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما محل هذه الجملة من الإعراب؟
الجواب: محلها الرفع خبر ثان.

(1) - سؤال: ما الذي يؤخذ من الآيات السابقة من آداب في مجالس العلماء العاملين؟
الجواب: الذي يؤخذ من ذلك عدة آداب منها:
1 - ... أن يترك الحاضر مجالسهم الاعتراض عليهم فيما يأمرون به أو فيما يشيرون وينصحون، وأن يترك تخطئتهم في ذلك ونحوه.
2 - ... أن لا يقترح عليهم خلاف ما رأوه أو قالوه.
الآية 4
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ (2) لَا يَعْقِلُونَ 4} وهؤلاء هم وفد بني تميم حين أقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونادوه بأرفع أصواتهم أن يخرج إليهم من دون أي حياء أو مراعاة لمقامه وحضرته، ونادوه أن يستعجل في الخروج فقد أقبل إليه كبارهم وشعراؤهم، فذمهم الله سبحانه وتعالى على ذلك ولامهم ووبخهم ووصفهم بأنهم أهل جفاء وسوء أدب وخفة عقل.
___________
(2) - سؤال: هل يصح في قوله: «أكثرهم» أن يكون بدلاً من الاسم الموصول أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: «أكثرهم لا يعقلون» جملة في محل رفع خبر «إن»، ولا تصح بدلاً؛ لأن «أكثرهم» مرفوع والموصول منصوب، ولا بد في البدل أن يكون تابعاً للمبدل منه في إعرابه.
الآية 5
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ (3) صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 5} ولو صبروا وانتظروا حتى يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان ذلك أفضل عند الله تعالى وعند خلقه.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد تجاوز عن ذلك ورفع عنهم المؤاخذة فيه؛ لأنهم أعراب ذوو جهل وجفاء، لم يكونوا قد عرفوا دين الإسلام ولا أخلاق المسلمين ولا تأدبوا بآدابه.
_________
(3) - سؤال: من فضلكم ما يكون موقع المصدر المؤول من «أن» واسمها وخبرها؟
الجواب: يكون موقعه الرفع فاعل لفعل محذوف تقديره: ثبت.
الآية 6
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا (4) أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ (1) فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ 6} (2) يعلم الله سبحانه وتعالى عباده ويرشدهم إلى أن يتبينوا ويتحققوا من صحة خبر الفاسق إن نقل إليهم خبراً.
والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط -وكان رجلاً فاسقاً- لجمع صدقات بني المصطلق، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بأنهم رفضوا تسليم صدقاتهم له، وهو في الحقيقة لم يسألهم ولم يصل إليهم، بينما كان بنو المصطلق في انتظار رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليكرموه ويعطوه صدقات أموالهم كذب هذه الكذبة عليهم، وكاد أن يشعل فتنة بسبب كذبته هذه، والسبب في كذبته أنه عندما رآهم مجتمعين لاستقباله خاف منهم وهرب لثارات قديمة كانت بينهم، وقد هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب كذبته أن يخرج إليهم، فنزلت هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى فيها عباده أن يتثبتوا ويتبينوا من صحة ما يسمعون أو ما ينقل إليهم من الأخبار خشية أن يأخذوا أحداً أو ينالوا عرضه بسبب كذبة، وأن لا يتسرعوا في الحكم على أحد حتى يتبينوا؛ لئلا يندموا فيما بعد.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى خبر الفاسق بأنه جهالة (1)، وأخبر أن هذه الجهالة سوف تعقبها الندامة.

__________
(4) - سؤال: يقال بأن الآية إنما أمرت بالتبين في خبر الفاسق لا رده، فلماذا القاعدة المتفق عليها برد خبر غير العدل والرمي به عرض الحائط؟
الجواب: رمي به عرض الحائط بدلالة هذه الآية، حيث سمى خبر الفاسق جهالة تتبعها ندامة، وما كان جهالة تتبعها ندامة فيرمى به عرض الحائط وخلفه، بل وفي مرمى الزبالة.

(1) - سؤال: ما محل: «أن تصيبوا»؟ وهل الباء سببية في قوله: «بجهالة»؟
الجواب: «أن تصيبوا» محله الجر أي: كراهة أن تصيبوا، أو النصب على نزع الخافض، والباء للملابسة، والجار والمجرور حال أي: متلبسين بجهالة.
(2) - سؤال: هل نفهم من الآية قبول خبر المستور أو الذي لم يعرف عنه الفسق أم لا؟ وهل نفهم منها جواز العمل بخبر المؤمن العدل ولو في جرح قوم والحكم بعدم عدالتهم الذي يبتني عليه معاداتهم فتنتقض قاعدة الأصحاب في قولهم: «ولا في عملي يترتب على علمي»؟ أم كيف؟
الجواب: نعم، يفهم من الآية قبول خبر المستور أو الذي لم يعرف عنه الفسق، هكذا يفيد مفهوم الصفة. ويؤخذ منها: جواز العمل بخبر المؤمن العدل في الجرح، والحكم بعدم العدالة والموالاة والمعاداة، وقول الأصحاب: «ولا في عملي يترتب على علمي» يراد به -كما يظهر لي- أنه لا يجوز تقليد المجتهد الذي يرى أن أكل القات مثلاً معصية كبيرة توجب الفسق، أو من يرى تفسيق من يبيع الأرز والعدس والسمسم بعضه ببعض متفاضلاً، فلا يجوز تقليد المجتهد في مثل هذا؛ لأن المفروض أن التكفير والتفسيق يترتب ويستند إلى دليل قطعي.
وخبر المؤمن العدل هو شيء آخر غير داخل في هذه المسألة، فيقبل خبره إذا أخبر أن فلاناً فاسق لأنه يشرب الخمر، ولا يقبل خبره إذا قال: إن فلاناً فاسق لأنه يجمع بين الصلاتين.
الآية 7
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
📝 التفسير:
{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ (2) رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهركم، وأنه لو أخذ بآرائكم واقتراحاتكم لهلكتم، ولوقعتم في الشدائد والمصائب، فلا يكبر عليكم أيها المؤمنون إن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعمل بآرائكم أو يأخذ بنصائحكم واقتراحاتكم؛ لأن ذلك ليس منه إلا لمصلحتكم وحرصاً عليكم أن تقعوا في المهالك، أراد الله سبحانه وتعالى أن لا يقترحوا عليه في أي شيء، أو يفرضوا عليه أي رأي أو مشورة (3).
______________
(2) - سؤال: فضلاً ما السر في تقديم الجار والمجرور هنا؟
الجواب: قدم «فيكم» لأنه الأهم الذي قصد الإخبار به والتنبيه عليه.
(3) - سؤال: قد يقال: كيف يجمع بين هذا وبين أمثال قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران:159]، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]؟
الجواب: لا تعارض بين ذلك فإذا شاور النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه فيجب عليهم بعد سماع آرائهم ومشوراتهم أن يستجيبوا لما عزم عليه ولا يعترضوه ولا يخطئوه ولا يكبر عليهم إن لم يعمل بمشورتهم ولا يصروا على أن أراءهم هي الصواب.
الآية 8
فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلَكِنَّ (4) اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (5) 7 فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 8} واعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد تفضل عليكم بأن زين لكم الإيمان وجعله محبباً إلى قلوبكم، وبغض الكفر والفسوق والمعاصي إلى قلوبكم وجعلكم تكرهونها نعمة منه تعالى وتفضلاً تفضل به عليكم.

__________
(4) - سؤال: فضلاً مِمَّ هذا الاستدراك؟ وماذا يفيد؟
الجواب: كان الصحابة قد أشاروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيقاع ببني المصطلق وكأنهم ألحوا عليه ولم يراعوا مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ينبغي فنزل قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} واستهجن الله عليهم جسارتهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم جاءت «لكن» لبيان عذر بعضهم فيما أشاروا به على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإيقاع ببني المصطلق وهو أنه إنما حملهم على ذلك هو حبهم للإيمان وكراهتهم للكفر والفسوق والعصيان، ولعل المقصود بذلك هو من أشار منهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيقاع من غير جسارة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلحاح مع مراعاتهم لمكانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(5) - سؤال: إلام الإشارة بقوله: «أولئك هم الراشدون»؟ وما الوجه في إقحامها هنا؟ وما إعراب: «فضلاً»؟
الجواب: الإشارة تعود إلى المخاطبين في قوله: «ولكن الله حبب إليكم الإيمان .. » وهم الذين استثناهم الله واستدركهم من الاستهجان والاستنكار، وجيء بها للتنويه بفضلهم واختصاصهم بالرشد والتعريض بالذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يراعوا مكانته وحرمته.
الآية 9
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (2) ثم ألزم الله المؤمنين إذا رأوا طائفتين أو فئتين من المسلمين يتقاتلون أو أشرفوا على القتال أن يسعوا جهدهم في الصلح بينهما، وأخبرهم أن ذلك فرض محتوم عليهم حتى يتم الصلح بينهما.
{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 9} (4) وذلك بعد أن سعيتم في الصلح وفصلتم بينهما، فإذا بغت إحداهما بعد ذلك واعتدت على الأخرى فإنه يجب عليكم أن تقوموا في نحر الباغي منهما، وأن تدفعوا عدوانه حتى يستجيب لحكم الله تعالى، ثم تنظروا في أمرهما وتسعوا في الصلح بينهما والانتصاف للمظلوم منهما، ويجب عليكم أن تتحروا في العدل والحكم بالقسط بينهما.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب «طائفتان»؟ وهل يعمل بالمفهوم من القيد بقوله: «من المؤمنين»؟ وهل يصلح قيداً للعموم في قوله تعالى: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114]، أم لا؟
الجواب: «طائفتان» فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده؛ لأن «إن» الشرطية لا تدخل إلا على الأفعال.
ودلت هذه الآية: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ} على وجوب الإصلاح بين المؤمنين دون الكافرين والفاسقين، ودلت الآية الأخرى: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} على ندبية الإصلاح بين عموم الناس، دون وجوبه؛ لأن إثبات الخيرية لأمر والترغيب في فعله يحتمل وجوبه وندبه، فيحمل على الندب؛ لأنه المحقق، والأصل براءة الذمة من الوجوب، واقتران الإصلاح بين الناس بالأمر بالمعروف والصدقة وهما واجبان لا يدل على وجوب الإصلاح؛ لضعف دلالة الاقتران، يؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة:42]، والمراد اليهود.
(2) - سؤال: فضلاً هل هناك فرق بين هذا الصلح المذكور في الآية أولاً والصلح الثاني المدلول عليه بقوله: «فأصلحوا بينهما بالعدل»؟
الجواب: نعم هناك فرق فالصلح الأول يراد به الحجز بين الطرفين المتقاتلين وتوقيف القتال بينهما ومنع بعضهم من بعض، وفرض الأمن بينهم من غير تعرض لما حصل من قتل وجرح وتلف أموال، والصلح الثاني يراد به الحجز بينهما مع تضمين كل طرف كل ما حصل منه جناية كبيرة أو صغيرة على نفس أو مال وعلى المصلحين أن لا يتجاوزوا عن شيء من ذلك ويوفوا كل طرف ما يستحقه على الطرف الآخر.
(3) - سؤال: هل قوله: «وأقسطوا» تكرير لمفاد قوله: «بالعدل» فما علته؟ أم له فائدة أخرى فما هي؟
الجواب: «وأقسطوا» أي: في كل الأمور والصلح بالعدل الأول هو خاص بالأمر بالعدل بين الطرفين المتقاتلين.
(4) - سؤال: هل يشترط تمكن الفئة المؤمنة من الصلح والفصل بينهما بإيقاف من تسول له نفسه الاعتداء على خصمه أم كيف؟ وهل خشية حدوث فوضى وانتشار عداوات بين المصلحين والفئة المعتدية يسقط هذا الواجب مع حصول أكثر وسائل التمكن أم لا يسقطه؟
الجواب: يلحق هذا بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شروطه.
الآية 10
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (1) وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 10} (2) وأن الواجب على المؤمنين السعي في الصلح بين المتخاصمين منهم وإصلاح شأنهم؛ لأن الله تعالى أراد أن يكون المؤمنون إخوة متحابين، وأن لا يكون بينهم ما ينافي الأخوة.
__________
(1) - سؤال: لطفاً أين المحصور وأين المحصور فيه في قوله: «إنما المؤمنون إخوة»؟ وهل قوله: «بين أخويكم» أصرح في التقييد أنه لا يلزم المصالحة إلا بين المؤمنين دون الفسقة والمجرمين؟
الجواب: المحصور هو المؤمنون والمحصور عليه «إخوة» أي: لا أعداء، والخطاب موجه لمن يعتقد أن الأوس والخزرج أعداء، فهو قصر قلب من قصر الموصوف على الصفة، وقوله: «بين أخويكم» يدل على أن وجوب المصالحة إنما هي بين المؤمنين دون الفسقة والمجرمين.
(2) - سؤال: ما السر في تذييل هذه الآية بقوله: «لعلكم ترحمون»؟
الجواب: السر -والله أعلم- هو بيان أن رحمة الله للمؤمنين مرهونة بامتثال أمره والانتهاء عند نهيه، و «لعل» هنا للتعليل.
الآية 11
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ (4) ه أو في طبائعه أو نحو ذلك؟ أم لا يذكره إلا بما ينقص دينه مما سقطت عدالته به؟
الجواب: تحريم السخرية والاحتقار مقيد بكون المسخور منه من أهل الدين والصلاح أو ممن ظاهره الإيمان، ودليل ذلك قوله: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} ولا خير في غير المؤمن، ولا يقال في أهل النار أنهم خير من أحد.
ويجوز للمؤمن السخرية والاحتقار لمجروح العدالة بفعل كبيرة موجبة للنار غير تائب منها فيعاب بعيوبه الخلقية والطبيعية ويعاب بأعماله الخبيثة؛ إذ لا خير في أهل النار ولا تجرى فيهم الخيرية.
وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} (1) ثم أمر الله سبحانه وتعالى عباده مرشداً لهم ومعلماً ومؤدباً أن لا يحتقروا أحداً أو يتنقصوه أو يقللوا من شأن أحد فقد يكون من تنقصوه خيراً منهم وأفضل عند الله، وكذلك النساء فلا يتنقصن أحداً منهن أو يسخرن منها، إما لأجل فقر أو ضعف أو قلة حيلة، أو دمامة، فقد تكون خيراً منهن عند الله سبحانه وتعالى.
{وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} ولا يعب بعضكم بعضاً، وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن لا يعيب الأخ أخاه (2)، وقد عبر عن الأخ بالنفس لشدة رابط الأخوة بين المؤمنين.
{وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} ونهاهم أن ينادي أحد منهم أخاه وصاحبه إلا بأحب الأسماء إليه، وأن لا يدعوه بما يكره من الأسماء.
{بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 11} أراد الله سبحانه وتعالى أن لا يدعو المسلم أخاه بـ: «يا فاسق»، أو يكون (3) المراد أن الذي يعيب الناس ويسخر منهم يستحق اسم الفاسق، ويعد عاصياًعند الله تعالى تجب عليه التوبة من ذلك؛ لأنه خرج عن حدود الله، وظلم نفسه بما جنى عليها من استحقاق العذاب.
________
(4) - سؤال: هل تحريم السخرية والاحتقار مطلق؟ أم أنه مقيد بكون المسخور منه من أهل الدين والصلاح؟ وما الدليل على ذلك؟ وبناء على ذلك هل يجوز للمؤمن أن يتنقص مجروح العدالة بعيب في خلقته أو في طبائعه أو نحو ذلك؟ أم لا يذكره إلا بما ينقص دينه مما سقطت عدالته به؟
الجواب: تحريم السخرية والاحتقار مقيد بكون المسخور منه من أهل الدين والصلاح أو ممن ظاهره الإيمان، ودليل ذلك قوله: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} ولا خير في غير المؤمن، ولا يقال في أهل النار أنهم خير من أحد.
ويجوز للمؤمن السخرية والاحتقار لمجروح العدالة بفعل كبيرة موجبة للنار غير تائب منها فيعاب بعيوبه الخلقية والطبيعية ويعاب بأعماله الخبيثة؛ إذ لا خير في أهل النار ولا تجرى فيهم الخيرية.

(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}؟
الجواب: «عسى» فعل ماض من أفعال الرجاء، وهي هنا تامة. «أن يكن» أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل عسى، «خيراً» خبر يكن ونون النسوة اسمها.
(2) - سؤال: استشكل بعض الإخوان ما يصدر من بعض الكلمات بين الأصدقاء المؤمنين أو بين المدرس وطلابه نحو: يا لعبي، يا بليد، فلان مسكين (غير حاذق)، فلان جواد (ليس بنبيه)، عديم، حرق، متساهل، و .. و .. و .. ، هل هي من اللمز أو التنابز أو الغيبة في حال غياب صاحبها أم لا؟ وهذا كله مع عدم اعتقاد المتكلم لنقص دين من يتكلم عنه؟
الجواب: ما ذكرتم من الكلمات ونحوها مما دخل في لهجة المتكلم ولغته منذ الصغر وانعقد عليها لسانه فهو ينطقها ويتكلم بها عند حصول سبب من غير قصد منه إلى تنقيص أو عيب أو سخرية فإنه يلحق باللغو الذي لا يؤاخذ به قائله. يؤيد ما ذكرنا: أن المخاطب بمثل ذلك لا يكبر عليه ذلك ولا يتأذى به؛ لعلمه بحسن نية المتكلم، وهذا في حين ينبغي للمؤمن أن يتحرز عن قول مثل تلك الكلمات، وأن يتعود على إبعادها عن لسانه.
(3) - سؤال: من أين يظهر لنا هذا الاحتمال الآخر؟
الجواب: يظهر لنا ذلك من ورود الذم: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ... } بعد قوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} أي: أن جملة الذم كالتعليل للنهي فكأنه قال: لأنه يوجب الفسق، إلا أن جملة الذم حلت محل ذلك لزيادة تقبيح التنابز والتنفير عنه.
الآية 12
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا (1) مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (2) ثم أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يحسنوا ظنهم بإخوانهم، وأن يحملوهم على السلامة في جميع أمورهم، وأن لا يصدقوا ما نقل عنهم من الكلام، وأن لا يأخذوهم بالتهمة، وقد أراد الله تعالى بالظن هنا ما لا بينة له عليه، ونهاهم عن التجسس على إخوانهم (3) المؤمنين، وتتبع عوراتهم، ومحاولة كشف سترهم وأسرارهم، ونهاهم أيضاً أن لا يذكروا إخوانهم في ظهر الغيب بما يكرهون (4)، وقد شبه الله سبحانه وتعالى من يغتاب أخاه بمن يأكل لحمه وهو ميت دلالة على شناعة ذلك وقبحه عند الله سبحانه وتعالى.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ 12} واجتنبوا معاصي الله تعالى من ظن السوء والتجسس والغيبة.
ثم بعد أن أرشد الله سبحانه وتعالى عباده إلى هذه الآداب أخبرهم أنه سيغفر لهم ما مضى إن هم تابوا وتركوا ما نهاهم الله عنه.

__________
(1) - سؤال: قد يقال: لم قال الله في النهي: «كثيراً من الظن» وفي تعليله: «بعض الظن إثم»؟
الجواب: المراد ببعض الظن هو المراد بـ «كثيراً من الظن» إلا أن التكرير غير مرضي عند أهل البلاغة لذلك خالف هنا بين العبارتين للتفنن.
(2) - سؤال: ما الوجه في عطف الماضي «فكرهتموه» على المضارع «يأكل»، مع عدم التناسب بينهما في الظاهر؟
الجواب: الفاء في قوله «فكرهتموه» هي الفصيحة أي: إن صح هذا فكرهتموه أي: فقد كرهتموه.
(3) - سؤال: من أين نفهم هذا القيد؟ وما الذي يدل على جواز التجسس على الفساق والكافرين؟ وما الذي يدعونا إلى التجسس عليهم ونحن نقطع بسوء حالهم وكثرة معايبهم؟
الجواب: فهم القيد من حيث أن سياق هذه الآيات هو المحافظة على روابط الأخوة بين المؤمنين وترك الأسباب التي تفسدها، فقوله: «ولا تجسسوا» هو مقيد أي: لا يتجسس بعضكم على بعض بدليل قوله تعالى في الجملة التي بعدها: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} فالسياق واحد والمعنى المطلوب واحد ابتداء من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... } إلى هذا الموضع، وما دام قوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} مقيداً في المعنى فيفهم منه جواز التجسس على غير المؤمنين، ويتأيد ذلك بما اشتهر في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يبعث العيون على أهل الحرب، والذي يدعو إلى التجسس على الكافرين والبغاة هو الاحتراز من شرهم والأمن من غدرهم، ومعرفة عددهم وعدتهم.
(4) - سؤال: ما الذي جعل أهل المذهب يزيدون هذا القيد في تعريف الغيبة «بما لا ينقص دينه»؟ وما الذي يجوز ويستثنى من مواضع الغيبة؟ وهل أدلة ذلك قوية؟
الجواب: كأنهم زادوا القيد للاحتراز عن ذكره بما ينقص دينه فإنه يجوز عيبه بترك الصلاة عمداً من غير عذر وبعقوقه لوالديه وقطعه لرحمه وبأكله لأموال اليتامى ظلماً ونحو ذلك.
ويستثنى من مواضع الغيبة حالات:
1 - ... يجوز للمظلوم أن يشكو من ظالمه فيذكره بأنه ظالم محتال أخذ مالي بغير حق وسرقه وكذب علي فهو كذاب ... ، فإن كان ظالمه كذلك فلا إثم عليه ودليل ذلك قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء:148]، وحديث: ((لَيُّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته))، ومعنى الحديث: أن مطل الغني عن تسديد الدين مع مطالبة صاحبه يحل عرضه وعقوبته أي: أن لصاحب الدين أن يقول: إنه مماطل ظالم خائن ... ، وللحاكم أيضاً أن يعاقبه بحبس أو نحوه.
2 - ... ويجوز عند التعريف برجل لمن لا يعرفه أن تقول مثلاً: هو ذلك الرجل الأعور ذو البشرة السوداء قصير القامة، فيه عرجه في رجله اليسرى، وفيه إذا تحدث فأفأة؛ يدل على جواز ذلك ما نجده في كتب السير عند ذكرهم لصفات من يكتبون عنه كقولهم في ذكر الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية عليه السلام: كان آدم شديد الأدمة، ونحو ذلك كذكرهم لقصر القامة، وحِدّة الطبع وهو ما نسميه في لغتنا بـ «الحَرَق»، وكذكرهم للعمى والعور و .. إلخ، ولم يستنكر ذلك عليهم على طول التأريخ، وليست العلة والسبب في ذلك إلا أنهم إنما أرادوا التعريف لا العيب والتنقيص.
3 - ... ويجوز غيبة الفاسق والكافر ليحذرهم الناس.
4 - ... ويجوز عند الاستشارة في رجل مثلاً لمعرفتك به فتقول لمن يريد أن يشاركه أو لمن يريد أن يزوجه أو يجاوره أو ... إلخ: هو رجل ذو أوهام يؤذي جيرانه وأهله وكذا وكذا .. إلخ، ودليل هذا هو دليل التعريف الذي ذكرناه، وفي الحديث: ((المستشار مؤتمن)) فلا يجوز له أن يغش الذي استشاره، وفي الحديث أن فاطمة بنت قيس استشارت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة رجال خطبوها فذكر لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم معائب كل واحد منهم وأشار عليها بأن ترد خطبتهم وتتزوج بغير واحد منهم وهو أسامة بن زيد.
الآية 13
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} الذكر والأنثى هما آدم وحواء، ثم بعد ذلك تكاثر نسلهما، وخرج منهما الذراري الكثيرة حتى صارت شعوباً وقبائل متفرقة، والشعب أكبر من القبيلة فهو يضم عدداً من القبائل؛ ليتم التعارف فيما بينهم، لا ليتفاخر (4) بعضهم على بعض، ويترفع بعضهم على بعض.
{إِنَّ (1) أَكْرَمَكُمْ (2) عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (3) ثم رد الله تعالى على من يدعي الفضل والشرف بنسبه ومن يفتخر لكونه من آل فلان بأن الأمر ليس كما يدعي ويظن، بل الكريم عند الله تعالى والرفيع هو من اتقى الله، ومن كانت قدمه أرسخ في تقوى الله تعالى فهو أفضل عنده وأشرف وأكرم عليه، فكرم الإنسان ورفعته وشرفه على قدر منزلته عند الله سبحانه وتعالى.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 13} فاتركوا الترفع على الناس واستحقارهم فهو عليم بكل أعمالكم، ومطلع على كل أسراركم، وسيجازيكم على ذلك.

__________
(1) - سؤال: كيف يحمل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل قوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))؟
الجواب: قد احترز النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((ولا فخر)) عن أنه لم يقل هذا القول ليفخر على الناس ويترفع به عليهم، وإنما قاله ليبين به مكانته التي وضعه الله فيها بين البشر؛ ليقتدوا به وليطيعوه وليوقروه و .. إلخ.

(1) - سؤال: هل هذا الاستئناف بيان علة لمحذوف تقديره: لا لتفاخروا؟ أم ماذا؟
الجواب: استئناف في جواب سؤال مقدر.
(2) - سؤال: قوله: «أكرمكم» مأخوذ من الكرم وهو الجود في العطاء فما السر في التعبير به عن الرفيع مطلقاً؟
الجواب: عبر به عن الرفيع عند الله لأنه يؤدي جميع ما أوجب الله عليه ومنها الواجبات المالية.
(3) - سؤال: يقال: كيف نجمع بين الآية ومدلول الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام .. )) ونحوه، (( ... ثم اصطفى من كنانة قريشاً، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفاني من بني هاشم ... ))؟
الجواب: لا تقع خيرة الله من عباده الذين تتغلب عليهم طبائع العدوان والرذيلة وطبائع الكبر والفخر والميل إلى الشر، ويختار الله من تميل طبائعه إلى التواضع والإنصاف والعدل وكراهة الرذيلة والفواحش، ومن يميل إلى نصرة المظلوم والرحمة بالضعيف واليتيم والبر والصلة، فتقع خيرة الله على من يحمل هذه الطبائع؛ لذلك جاء الحديث الذي أوردتموه: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام))؛ لذلك اختار الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه بلغ في الكمال والخير الغاية والنهاية في الطبائع الخيرية عند البشر، واصطفاء الله تعالى لكنانة ثم لقريش ثم ... إلخ إنما هو لما تحمله من تلك الفضائل الرفيعة في الجاهلية، وأهل التقوى هم أهل الكرامة عند الله لما هم عليه من الصفات الحميدة الجامعة لمحامد كنانة وقريش و ... وللمحامد التي جاء بها الإسلام؛ لذلك فلا منافاة بين الآية وبين ما ذكرتم.
الآية 14
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (4) وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 14} أقبل قوم من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رافعين أصواتهم معلنين أنهم قد دخلوا في الإيمان وأصبحوا مؤمنين، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عليهم أنهم لم يستحقوا اسم المؤمنين بَعْدُ؛ لأنهم (1) لم يعرفوا حقيقة الإيمان، ولا زالوا على مراحل من هذا الاسم، ولا بد أن يعرفوا أولاً حقيقة الإيمان وشرائطه، وليقولوا: أسلمنا واستسلمنا، وانقدنا لله ورسوله، ثم يتعلمون بعد ذلك شرائع الإسلام ويعملون بها، فإذا فعلوا ذلك فقد استحقوا اسم الإيمان، وأمره أن يخبرهم أنهم إن أسلموا ثم عملوا بشرائع الإسلام وأحكامه فإن الله تعالى سيوفيهم أجور أعمالهم، وسيثيبهم عليها ولن ينقص (2) من أجور أعمالهم شيئاً، وأن يخبرهم أنهم إن التزموا بشرائع الإسلام فإن الله تعالى سوف يتجاوز عن سيئات أعمالهم، وسيغفرها لهم.

__________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب «ولما يدخل الإيمان»؟ وهل الواو فيها عاطفة؟
الجواب: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الواو للحال، والجملة في محل نصب حال من فاعل «تؤمنوا».

(1) - سؤال: لطفاً من أين ظهر لنا أن هذا هو السبب في عدم استحقاقهم للإيمان أو أن تعلمهم شرائع الإسلام شرط في استحقاقهم لهذا الاسم؟
الجواب: ظهر ذلك من قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فإنه يدل على أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم حينذاك.

(2) - سؤال: مم اشتقت كلمة «يلتكم» حتى صارت بمعنى: «ينقصكم»؟
الجواب: كلمة «يلتكم» مشتقة من: «لاته يليته» كباعه يبيعه، وقيل: هو من: «ولته يلته» كوعده يعده، وهي بمعنى: ينقصكم ويظلمكم، وقرئ: «لا يألتكم» وهي لغة غطفان وأسد، والمعنى واحد.
الآية 15
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ 15} (3) وأخبرهم أنه لا يسمى مؤمناً، ولا يستحق هذا الاسم إلا من آمن بالله تعالى، وأخلص في إيمانه وثبت عليه، واستقام ولم يترك مجالاً للشك والريبة في قلبه في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحة ما جاء به، واستقام على دينه ولم يتراجع عنه، ثم بعد إيمانهم بالله تعالى ورسوله يبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وإعلاء كلمته فهؤلاء هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم عند الله تعالى.

__________
(3) - سؤال: يقال: كيف يصح الحصر هنا -مع كونه في بيان حقيقة الإيمان- في أهل هذه الصفات، وفي آية الأنفال في صفات أخرى غير هذه؟ وكيف تم لنا حقيقة الإيمان فيمن أتى بجميع الواجبات واجتنب المقبحات مع هذا؟
الجواب: القصر هنا هو لقلب اعتقاد المخاطب، فإن الأعراب أقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين منقادين وقالوا: آمنا، فرد الله عليهم بأن يقولوا: أسلمنا؛ لأن الإيمان لم يكن قد دخل قلوبهم، ثم قال الله لهم: «إنما المؤمنون ... » أي: لا من ارتاب ولم يجاهد بماله ونفسه في سبيل الله فلم يرد في هذه الآية إلا نفي هذا لا نفي غيره من صفات المؤمنين الواردة في غير هذا الموضع؛ لذلك فلا معارضة ولا مخالفة لما ذكرتم.
الآية 16
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ (1) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 16} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل الأعراب مستنكراً عليهم إقبالهم عليه، مخبرين له أنهم قد آمنوا بالله ورسوله: وكانوا بدواً أجلافاً لا أدب فيهم ولا مراعاة لحرمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله تعالى عالم بهم وبنياتهم، وليس محتاجاً إلى أن يتنقلوا بين شوارع المدينة، معلنين بين الناس عن إيمانهم، ولا أن يحدثوا تلك الضجة التي صدرت منهم.
__________
(1) - سؤال: هل المراد المصدر أي: تدينهم ودخولهم في الدين؟ أم الاسم والمراد أجزاء الدين؟
الجواب: المراد دخولهم في الدين أي: أن الله استنكر عليهم إعلانهم الإسلام بصورة منافية للأدب عند بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 4}.
الآية 17
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{يَمُنُّونَ (2) عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} (3) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنّ هؤلاء الأعراب بإقبالهم إليه في تلك الهيئة يتمننون عليه بإسلامهم، وأنهم إنما يريدون بذلك أن يرتفع شأنهم ويعلو ذكرهم بين الناس، وأن ينوه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذكرهم بين المسلمين.
{قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 17} (1) فأمره الله تعالى أن يجيبهم بأن لا يأتوا إليه متمننين عليه بإسلامهم، وأن يقبلوا إلى الله تعالى فهو الذي هداهم وأنعم عليهم بنعمة الإسلام، وهو الذي يستحق أن يتوجهوا إليه ويشكروه ويطيعوه جزاء هدايته لهم، لا أن يكون الله هو الذي يشكرهم أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

__________
(3) - سؤال: ما محل المصدر: «أن أسلموا»؟ وهل يتعدى الفعل «يمن» بنفسه؟ أم بواسطة حرف الجر؟
الجواب: «أن أسلموا» في تأويل مصدر مجرور بباء مقدرة «أبأن أسلموا» أو منصوب بنزع الخافض، ويتعدى «يَمُنُّ» بحرف الجر كما ذكرنا، وقد يتعدى بنفسه.

(1) - سؤال: ما محل المصدر «أن هداكم»؟ وبماذا تعلق الشرط: «إن كنتم صادقين»؟ وكيف يكون المعنى حسب ذلك؟
الجواب: «أن هداكم» مثل: «أن أسلموا»، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله والتقدير: إن كنتم صادقين فالله المانّ عليكم.
الآية 18
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 18} (2) واعلموا أن الله تعالى وحده هو الذي يختص بعلم ما خفي في السماوات وما في الأرض، وهو العالم بما في ضمائركم أيها الأعراب، والعالم بنياتكم والمطلع على حقيقة إيمانكم، فأقبلوا إليه وتوجهوا بقلوبكم له، وأدوا حق شكره بأداء ما افترض عليكم من طاعته وامتثال أوامره.
__________
(2) - سؤال: هل ظهرت لكم مناسبة في ختم هذه السورة بهذه الآية الكريمة؟
الجواب: بعد أن أتم الله تعالى التوصية للصحابة وللأعراب ختمها بالوعيد المبطن؛ ليكونوا على حذر من سوء أدبهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليلتزموا طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك يؤذن بتمام السورة ونهايتها.