القرآن الكريم مع التفسير

سورة المنافقون

آية
إجمالي الآيات: 11 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
📝 التفسير:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ (1) يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1} (2) يطلع الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على كذب المنافقين ومراوغتهم، وكيف يشهدون في وجهه بالنبوة، وقلوبهم كافرة بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) - سؤال: ما محل هذه الجملة؟ وكذا جملة: «والله يشهد إن المنافقين .. »؟
الجواب: جملة «والله يعلم إنك لرسوله» لا محل لها معترضة وجملة: «والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» معطوفة على جملة: «يشهد إنك لرسول الله».
(2) - سؤال: هل التكذيب وارد على شهادتهم أم أنه باعتبار القول كما هو الظاهر؟ وهل يستنبط من ذلك قوة رأي بعض علمائنا أن الخبر قد يكون كذباً لمخالفته للواقع ولا يسمى صاحبه كاذباً لعدم مخالفته لاعتقاده والعكس كما في الآية، أم كيف؟
الجواب: التكذيب للمنافقين وارد على شهادتهم أي: على قولهم «نشهد .. » حيث أن الشهادة لا تكون إلا عن علم محقق فقالوا: نشهد والواقع أن قلوبهم غير شاهدة بما نطقت به ألسنتهم؛ لذلك قال الله بعدها: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ}.
وما ذكره بعض أئمتنا قوي من حيث الشرع فالخطأ معفو عنه فلا تلحقه أحكامه التي منها ذمه بإطلاق اسم الكاذب عليه ووصفه بالكذب.
الآية 2
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} وكيف يقسمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأيمان المغلظة والفاجرة ليعتذروا بها عنده صلى الله عليه وآله وسلم، مما اتُّهِمُوا به من الكفر، وليتحصنوا بها من سيوف المسلمين، غير مبالين بكذبهم على الله تعالى وعلى رسوله.
{فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} يخذلون الناس عن الدين وعن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويرجفون بين صفوف المسلمين، ويبثون الرعب والفزع بينهم بما يهولون به عليهم من الأخبار الكاذبة.
{إِنَّهُمْ سَاءَ (3) مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 2} بلغوا الغاية في الفساد وفي مساوئ الأعمال.
__________
(3) - سؤال: هل يمكن أن نعرف صحة الإخبار بالإنشاء (أسلوب الذم) أو تخريجه هنا؟
الجواب: لا يصح الإخبار بالإنشاء إلا أنه في هذا ونحوه متأول والتقدير إنهم مذمومون أو إنهم مقول فيهم ساء ما يعملون.
الآية 3
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ 3} ساءت أعمال المنافقين بسبب أنهم آمنوا ودخلوا في الإسلام ثم إنهم بعد ذلك تشككوا وكفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه وبما جاء به من رسالة ربه تعالى فقست قلوبهم وعميت بصائرهم.
الآية 4
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ 4} (1) ثم وصف الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء المنافقين بأن عليهم هيئة حسنة ومظهراً جميلاً يُعجِبُ من رآهم، ويعجبه كلامهم وحديثهم ومنطقهم الحسن الفصيح، يكادون يأخذون اللب بفصاحتهم وحسن كلامهم.
وإذا قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن فلا يعون (2) منه شيئاً ولا يفقهونه، ولا ينفذ إلى قلوبهم شيء مما يسمعونه من القرآن الذي يتلى عليهم، ومن صفتهم أنهم كانوا إذا سمعوا داعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد فإنه يصيبهم الخوف الشديد وتأخذهم القشعريرة ظناً منهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقصدهم، ويؤلب الناس عليهم وعلى جهادهم، ويخافون أن يكون أمرهم قد افتضح عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم هم العدو الحقيقي (3) للإسلام والمسلمين، وأنهم الأشد خطراً على الإسلام وأهله، من المشركين ومن اليهود.
ومعنى {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ}: لعنهم الله، و {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}: كيف يصرفون عن الحق والهدى بعد أن عرفوه؟ وكيف يختارون طريق الغي والضلال ويتركون طريق الحق والهدى؟
__________
(1) - سؤال: ما الوجه في فصل كل جملة في الآية عن سابقتها؟ وأين المفعول الثاني لـ «يحسبون»؟ وما معنى الفاء في قوله: «فاحذرهم»؟
الجواب: الجمل المذكورة أحوال مترادفة من الضمير المجرور «لقولهم» والمفعول الثاني لـ «يحسبون» هو قوله «عليهم» فهو متعلق بمحذوف، والفاء عاطفة للمسبب على السبب.
(2) - سؤال: ما وجه التجوز عن هذا بقوله: «كأنهم خشب مسندة»؟ وما وجه التضعيف في «مسندة»؟
الجواب: وجه الشبه بين المنافقين والخشب المسندة عدم فهم الخطاب وتعقله، والتضعيف لإفادة الكثرة في الخشب الدال على كثرة المنافقين الذين كانوا يحضرون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(3) - سؤال: يقال: من أي ناحية نفهم هذا؟
الجواب: فهم ذلك من قوله: «هم العدو» فإن التعريف للمسند والمسند إليه يفيد الحصر والقصر.
الآية 5
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ (1) رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا (2) رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ 5} وإذا دعاهم أحد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو نصحهم بالذهاب إليه لالتماس الدعاء بالمغفرة والرحمة من عنده فإنهم يعرضون (3) عنه، ويأبون الذهاب إليه، ظاهرة عليهم أمارات الكفر والتعالي والتعاظم الذي يملأ قلوبهم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب «تعالوا يستغفر لكم»؟ وما الذي نستفيده منها بالنسبة لنا؟
الجواب: «تعالوا» فعل أمر والواو فاعل. «يستغفر» مضارع مجزوم في جواب الأمر، «لكم» جار ومجرور متعلق بيستغفر، «رسول الله» فاعل.
والذي يستفاد منها بالنسبة لنا:
- ... معرفة علامة المنافقين.
- ... أخذ الحيطة القصوى والحذر الشديد منهم ومن مكائدهم.
- ... أن المنافقين العدو الأول ثم في الدرجة الثانية أهل الكفر.
ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... } [المائدة:82]، فالمنافقون إنما كانوا العدو الأول من حيث أنهم مندسون بين صفوف المؤمنين ومتمكنون من الإضرار بهم أكثر من اليهود والمشركين، فهم يثبطون المؤمنين عن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام، وينشرون الإشاعات والإرجاف ويفرقون بين المؤمنين المتحابين، ويروجون الدعايات وإلصاق التهم بالمخلصين، ونحو ذلك مما لا يقدر على فعله اليهود والمشركون، وعلى هذا فاليهود والمشركون أشد عداوة من المنافقين، إلا أن المنافقين وإن كانوا أقل عداوة فهم العدو الفتاك الذي لا يؤبه له.
(2) - سؤال: ما نوع المجاز هنا؟
الجواب: الظاهر أن ذلك «لووا رؤوسهم» حقيقة لا مجاز فإن العادة فيمن صدمه خبر لا يريده يلوي رأسه من يمين إلى شمال.
(3) - سؤال: ما الوجه في التنصيص على هذه الصفة التي دلت عليها الآية وربما أن لهم صفات أقبح منها؟
الجواب: كان المنافقون يفعلون الفعلة المنكرة فإذا انكشف أمرهم ذهبوا إليه وحلفوا له الأيمان المغلظة أنهم ما فعلوا ولا قالوا، فإذا دعوا إلى التوبة وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستغفر لهم لووا رؤوسهم، فبين الله ذلك من صفتهم؛ ليعرفوا بها ولا يستطيعوا التخلص منها.
الآية 6
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{سَوَاءٌ (4) عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 6} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أوجب عليهم عذابه وسخطه، وسلبهم توفيقه وتنويره، ولم يبق إلى هدايتهم سبيل، وقد حرموا من مغفرة الله لفسوقهم عن أمره وخروجهم من ولايته.
فلا تستغفر لهم يا محمد فسواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم.

__________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب «سواء»؟ وما وجه فصل جملة «لن يغفر الله لهم»؟
الجواب: «سواء» خبر مقدم، «أستغفرت لهم» في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، وهذا من المواضع التي أوَّلوا الفعل فيها بمصدر من غير حرف مصدري، ومثله «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» فأولوا «تسمع» بالمصدر وجعلوه مبتدأ و «خير» خبره. ووجه فصل: «لن يغفر الله لهم» عن سابقتها كونها علة لسابقتها.
الآية 7
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
📝 التفسير:
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ 7} (1) عندما آوى أهل المدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وفتحوا لهم مساكنهم، وأطعموهم وكسوهم كان المنافقون ينهونهم عن أن ينفقوا عليهم أيَّ نفقةٍ أو يؤثروهم بشيء حتى لا يرغبوهم في البقاء حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ظناً منهم أنهم إن تركوهم من النفقة والإيواء فسيتفرقون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويضمحل أمره، فأجاب الله تعالى عليهم بأن خزائن السماوات والأرض بيده، وأنهم لن يستطيعوا أن يمنعوا عنهم شيئاً قد كتبه الله تعالى لهم سواء كان من الأنصار أو من غيرهم، وأنهم مهما حاولوا في منعهم وقطع أرزاقهم فلن يستطيعوا ذلك أبداً.
__________
(1) - سؤال: كرر الله وصف المنافقين في هذه السورة وغيرها بأنهم لا يفقهون ولا يعلمون مع أنهم أهل دهاء ومكر فكيف؟
الجواب: جاءت صفتهم بقوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ 8} بعد قوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ولا يصدق ذلك إلا المؤمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم قد صدقوا وعد الله بنصر دينه وإعزاز نبيه وأوليائه، أما المنافقون فهم غير مصدقين ولا مؤمنين بوعد الله، فهم لا يعلمون صدق ذلك الوعد؛ لكفرهم وتكذيبهم بما وعد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من العزة والنصرة والتمكين والغلبة.
وجاء قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ 7} بعد قوله: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ... } فلو كان المنافقون ذوي فهم ونظر لعلموا أن الرزق بيد الله فهو القادر على أن ينزل الأمطار ويجري الأنهار ويبارك في الزروع والأثمار والمراعي والحيوانات، ولما قالوا ما قالوا، وبإمكان المنافقين أن يفقهوا هذا وهم على نفاقهم إلا أنهم لم يفقهوه فوصفهم الله بقوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ 7} فجاءت هذه الصفة في مكانها المناسب وجاءت تلك {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ 8} في مكانها المناسب.
الآية 8
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{يَقُولُونَ (1) لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ 8} حصل أن اعتدى في بعض الغزوات وهي غزوة بني المصطلق أحد عبيد المهاجرين على عبد لرجل من أهل المدينة، فأخذت المنافقين الحمية الشديدة والأنفة واستنكروا كيف أنهم يؤوون المهاجرين ثم في الأخير يريدون أن يسيطروا عليهم ويتحكموا فيهم ويذلوهم، فتوعدوهم بأنهم سوف يخرجونهم من بلادهم أذلاء زاعمين أن العزة والشرف لهم لكونهم أهل البلاد، وأما المهاجرون فليسوا إلا دخلاء بينهم؛ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأن العزة كل العزة لله تعالى ولرسوله ولأوليائه المؤمنين، لا نصيب لأحد غيرهم في شيء منها. ومعنى «العزة»: القهر والغلبة.
__________
(1) - سؤال: هل هذه الجملة استئنافية أم ماذا؟
الجواب: نعم، الجملة مستأنفة.
الآية 9
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (2) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 9} ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ويحثهم على سرعة المبادرة إلى طاعته وطاعة رسوله، وأن لا يشتغلوا بشيء سواها من أمور الدنيا؛ وأخبرهم أن من شغله عن طاعة الله تعالى ورسوله شواغل من أمور الدنيا حتى (3) ضيع فرائض الله تعالى وما أوجب عليه فقد خسر الدنيا والآخرة.
__________
(2) - سؤال: بم جزم الفعل «تلهكم»؟ وهل المراد بـ «ذكر الله» المصدر حتى يصير معناه عن تذكر الله كما يفهمه كلامكم أم أن المراد الاسم فكيف يكون معناه على التحقيق؟
الجواب: جزم بحذف حرف العلة الياء، وأصله: تلهيكم. والمراد بذكر الله فعل طاعته وما أوجب الله من أداء فرائضه، فالمراد به هنا كالمراد به في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، إلا أنه في هذه السورة عام في الجمعة وغيرها.
(3) - سؤال: ما الذي يرشدنا إلى هذا القيد؟
الجواب: يرشدنا إليه قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 9} فمن ألهته أمواله وأولاده عن تأدية فرائض الله فقد خسر الدنيا والآخرة {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 9}.
الآية 10
وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ
📝 التفسير:
{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ 10} (1) وأمرهم أن يخرجوا ما افترض الله سبحانه وتعالى عليهم في أموالهم من الصدقات، وأن يعطوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليستعين بها على الجهاد والدفاع عن الإسلام وعن المسلمين، وأن يستغلوا الفرصة في ذلك حتى لا يندموا حين لا ينفعهم الندم. ومعنى «لولا أخرتني»: هلا أمهلتني.
__________
(1) - سؤال: لو تفضلتم بإعراب الآية كاملة لكان مناسباً لتوضيح ما فيها؟
الجواب: «الواو» عاطفة. «أنفقوا»: فعل أمر والواو فاعل. «من»: حرف جر. «ما»: اسم موصول. «رزقناكم»: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: رزقناكموه. «من قبل»: جار ومجرور متعلق بـ «أنفقوا». «أن يأتي»: في تأويل مصدر مجرور بالإضافة. «أحدكم»: مفعول به مضاف إلى الضمير. الموت: فاعل «يأتي». «فيقول»: مضارع منصوب بالعطف على «يأتي». «رب»: منادى مضاف. «لولا»: للتحضيض وبدخولها على الماضي يفيد التنديم وهو للدعاء هنا. «أخرتني»: فعل وفاعل ومفعول. «إلى أجل»: جار ومجرور متعلق بـ «أخرتني». قريب: صفة لـ «أجل». «فأصدق»: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالتحضيض. «وأكن»: الواو للعطف، أكن: مضارع ناقص مجزوم عطفاً على المعنى الذي يسمى في النحو التوهم، فيقال في غير القرآن: إنه توهم سقوط الفاء في «فأصدق» فجزم المعطوف لتوهمه الجزم في المعطوف عليه إلا أنه يقال في القرآن العطف على المعنى.
الآية 11
وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 11} (2) وأن لا يتساهلوا في الإنفاق ولا يؤخروا الإخراج لما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم، وأن يسارعوا ما داموا في الفسحة والمهلة، فلن يستجيب الله لطلبهم التأخير لساعة موتهم حين حصولها وأخبرهم أنه عالم بأعمالهم مطلع عليها سرها وعلانيته.
________
(2) - سؤال: ما وجه جعل هذه الآية خاتمة للسورة؟
الجواب: في ذكر التأخير والأجل والوعيد إيذان وإشارة إلى تمام السورة ونهايتها.