القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنفال

آية
إجمالي الآيات: 75 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} الأنفال هي الغنائم. سأل المسلمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها، وذلك يوم بدر اختلف المسلمون فيما بينهم؛ وكانوا قد انقسموا قسمين: فقسم مكثوا بجنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحموا ظهره، وقسم في مواجهة العدو يقاتلون، فقال هؤلاء الذين في وجه العدو: نحن الذين قتلنا وأسرنا وغنمنا، فما غنمناه فهو لنا، وقال الآخرون: قد حمينا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحرسناه من العدو، فلنا نصيب فيها، فاختلفوا وتنازعوا فيما بينهم، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم محتكمين إليه في شأن الغنيمة التي غنموها، فنزلت هذه الآية.
{قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ} ما حصل من الغنائم فهو لله سبحانه وتعالى وللرسول يضعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيثما شاء، ولا شأن لكم بها (2).
{فَاتَّقُوا اللّهَ} اتركوا طلب شيء ليس لكم، واعلموا أنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يضعها حيث يشاء.
{وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ} واتركوا التنازع والاختلاف، وتسامحوا فيما بينكم وتصافوا.
{وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 1} ائتمروا بأوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله وامتثلوها، وإن كنتم مؤمنين بحق وصدق كما تزعمون فاتركوا النزاع والاختلاف، وتآخوا فيما بينكم، وفي قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بعث على الحماسة في قلوبهم، كقولك لشخص: إن كنت رجلاً فافعل كذا، تريد بذلك أن تزيده حماسة، فأراد الله سبحانه وتعالى بذلك أن يزيدوا من تمسكهم بإيمانهم ودينهم، وأن يرضوا بما حكم به الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أمورهم.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف لا شأن لهم بها، وقد جعل الله لهم أربعة أخماسها؟ أم أن هناك ترتباً في النزول بين هذه الآية وآية الخمس؟ وكيف يجمع بينهما؟
الجواب: هناك ترتب في النزول، فأول ما نزل في المغانم هذه الآية، والدليل على ذلك: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} ولو كان حكمها قد نزل لما سألوا، وفي هذه الآية جعل الله أمر الأنفال وقسمتها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقسمها على حسب ما يرى. ويمكن أن يقال: إن الله تعالى جعل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصرف في قسمة المغانم كيفما شاء، وإن حقه هذا مقدم على حق الغانمين في أربعة أخماسها، ودليل ذلك: ما اشتهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم غنائم حنين في كبار قريش فوجدت الأنصار مما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأثنى عليهم ودعا لهم فرضوا وزال ما في نفوسهم، والقصة مشهورة.

(2) -سؤال: علام عطف قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 2}؟
الجواب: معطوف على صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب.
الآية 2
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 2} (1) ليس كل من نطق الشهادتين مؤمناً، ولا يسمى مؤمناً ويستحق اسم الإيمان إلا الذي إذا ذكر الله سبحانه وتعالى عنده تذكر وخاف، وامتثل لأوامره، وانتهى عن مناهيه، وإذا زجره أحد وقال: له اتق الله انزجر وخاف، فهذه هي صفة المؤمن.
وقد يقال: إن علامة المؤمن هو من إذا سمع القرآن يتلى بكت عيناه، بدليل هذه الآية (2).
والجواب عليه: ليس المراد بالآية هذا، وإنما المراد بها أن المؤمن إذا ذكَّره أحد بالله سبحانه وتعالى تذكر.
وهؤلاء الذين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنفال إذا كانوا قد امتثلوا لما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم في شأنها- فقد استحقوا هذا الاسم، وانطبق عليهم.
ومن علامة المؤمن هو التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وإذا أمرهم بأمر مضوا فيه من دون تردد، متوكلين عليه غير خائفين من أحد كائناً من كان، ولا متراجعين عنه مهما كان الثمن، فهذا ممن يستحق اسم الإيمان.
__________

(2) -سؤال: في هذه الآية حصر وقصر أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا أصحاب هذه الصفات المذكورة فيها، فكيف بالآيات الأخرى التي فيها حصر وقصر وذكر فيها صفات أخرى، ففي آية النور {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا .. } [النور:62]، وفي آية الحجرات: {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ ... } إلخ [الحجرات:15]، فما الحل؟

الجواب: لا مخالفة بين هذه الآيات الثلاث ولا منافاة فقوله تعالى في هذه الآية: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... } يدخل فيه ما ذكر في الآيتين الأخريين، فوجل قلب المؤمن عند ذكر الله يدفعه إلى فعل ما أوجب الله وترك ما نهى عنه، وما ذكر من الصفات في الآيتين الأخريين هو من جملة ذلك. والدليل على أن المراد ما ذكرنا: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 135} [آل عمران]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ 201} [الأعراف]، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى 15} [الأعلى].
الآية 3
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3} يقيمون الصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى، ويخرجون نصيباً من أموالهم إلى مستحقيها، والمراد بها الزكاة.
الآية 4
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} (1) فمن كان على هذه الصفات المذكورة فهم الذين يستحقون اسم الإيمان بحق.
{لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 4} يرفع الله سبحانه وتعالى منازلهم في الآخرة؛ لأن الجنة درجات ومراتب كحال الدنيا في مراتب أهلها، فهذا في رتبة وزير، وهذا عقيد، وهذا ضابط (2) وهكذا، فكذلك درجات الجنة تكون على حسب الرتبة والمنزلة التي يستحقها كل شخص بما قد عمله في الدنيا، وأما الأكل والشرب فهم فيه على سواء. والمراد بالدرجات هو ذلك المعنى الذي هو التشريف والتعظيم بسبب الاستحقاق، والرزق الكريم المراد في الآية: هو النافع الذي لا وباء فيه ولا ضرر.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب {حَقّاً}؟
الجواب: يعرب مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمضمون الجملة.
(2) -سؤال: هل استعمال نحو هذه الألفاظ: (عقيد، ضابط) في معانيها المعروفة يوافق اللغة العربية؟ أم كيف؟
الجواب: هي كلمات عربية لها معانٍ في أصل اللغة العربية إلا أنها صارت لمعانٍ جديدة تعارف الناس عليها، وبذلك تكون حقائق عرفية اصطلاحية، ولا تخرج بذلك عن كونها عربية.
الآية 5
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
📝 التفسير:
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ 5} (1) جعل الله تعالى الغنائم التي غنمها المسلمون يوم بدر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون المسلمين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج لملاقاة المشركين وحربهم وقتالهم راضياً بخروجه دون المؤمنين الذين خرجوا معه فقد كانوا كارهين لملاقاة المشركين وحربهم وقتالهم فخصه الله تعالى لذلك بالغنائم.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {كَمَا أَخْرَجَكَ} وكذلك {بِالْحَقِّ}؟ وما محل جملة: {وَإِنَّ فَرِيقاً ... }؟
الجواب: قد أكثروا في إعراب ذلك، والذي أستحسنه: أن تكون «كما» للتعليل لقوله: {قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ}؛ لأجل إخراج الله له إلى مواجهة المشركين فخرج طائعاً راضياً، وهم كارهون للخروج، يجادلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ 6}. و «بالحق» جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من مفعول «أخرجك» أي: أخرجك يا محمد متلبساً بالحق ومصاحباً له في خروجك. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ 5} حال ثانية من الكاف أيضاً فهي في محل نصب، أي: حال كونهم كارهين لخروجك.
الآية 6
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
📝 التفسير:
{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ 6} قد كان المسلمون الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر كارهين لمواجهة قريش وقتالهم وراغبين للقاء طائفة العير الذين هم أصحاب القافلة المحملة بالتجارة، وتغنم أموالهم، فلما عرفوا أنهم سيواجهون قريشاً وأن قد فاتتهم أقبلوا يجادلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتذمرون وقد ظهرت على وجوههم الكراهة لمواجهة قريش، ونطقت بها ألسنتهم، وظهرت مساءتهم، وأيقنوا بالقتل؛ لقلتهم وضعفهم وكثرة قريش وقوة شوكتهم.
الآية 7
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{وَإِذْ (1)يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} (2) وعد من الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه عند خروجهم إلى بدر، وعدهم الله سبحانه وتعالى أنهم لن يعودوا من خروجهم هذا إلا بأحد شيئين: إما أن يأخذوا تجارات قريش وأموالهم العائدة من الشام في قافلة بقيادة أبي سفيان، وكانت جميع تجارات قريش وأموالها محملة في هذه القافلة، وإما أن يظفروا بقتل المشركين فيقتلوهم ويأسروهم.
{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} (3) كان المسلمون طامعين في أموال قريش وتجاراتهم يأخذونها من دون قتال، وكانوا يتهربون عن مواجهة المشركين وقتالهم مع أن الله سبحانه وتعالى قد وعدهم بالنصر والظفر.
{وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ 7} ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يحق الحق، وأن يضرب المشركين ضربة موجعة؛ لأن جميع كبار قريش كانوا قد اجتمعوا (4) للخروج على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، وقد أعدوا العدة لذلك، وكبار قريش هؤلاء هم الذين وقفوا في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الدعوة، وكذبوا به وحرضوا عليه واستهزئوا به وبمن معه، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يضربهم في هذه الغزوة ضربة قاصمة، ويقطع دابرهم، وينكس كبرهم؛ انتقاماً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين: ((لقد رمتكم قريش بأفلاذ أكبادها))، يريد به زعماءها ووجهاءها، والله سبحانه وتعالى قد أراد أن يقطع دابرهم، وأن يذلهم، ويعز الإسلام وأهله، ويجعل له هيبة وصيتاً بين قبائل العرب، ويزرع الرعب والخوف في قلوبهم، فإذا انتصر المسلمون في هذه المعركة حصل للإسلام والمسلمين العز والهيبة الذي أراده الله سبحانه وتعالى للإسلام.
__________

(1) -سؤال: ما إعراب «إذ»؟

الجواب: «إذ» مفعول به لفعل مقدر، أي: واذكر إذ ... .

(2) - سؤال: ما محل: {أَنَّهَا لَكُمْ}؟
الجواب: محل ذلك الجر بـ «باء» مقدرة، أو النصب بنزع الخافض.

(3) -سؤال: ما هي {ذَاتِ الشَّوْكَةِ} المذكورة في الآية؟
الجواب: «ذات الشوكة» هي: رجال قريش التي خرجت بالعدد والعدة لحماية قافلة تجارتها العائدة من الشام.

(4) -سؤال: هل تقصدون أنهم اجتمعوا لما استغاث بهم أبو سفيان أم رافقوا القافلة؟
الجواب: اجتمعوا للخروج لحماية القافلة التي جاء بها أبو سفيان من الشام، فلما علموا أنها قد أمنت نزلوا في بدر، فأراد الله تعالى أن يقطع دابرهم فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله، وتواجه الفريقان في بدر.
الآية 8
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
📝 التفسير:
{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ 8} (1) يريد الله سبحانه وتعالى أن يحق الحق ويعز أهله، ويذل الباطل ويقمع أهله، وما أراده الله سبحانه وتعالى فهو كائن لا محالة.
__________
(1) -سؤال: ما معنى إحقاق الحق، وإبطال الباطل من جهة الله؟ وما المراد بالكلمات المذكورة في الآية التي قبلها؟
الجواب: المعنى: إثبات الحق وإظهاره حتى يكون له كيان قوي وهيبة كبيرة، ويريد إذلال الباطل بكسر شوكته وإزالة هيبته. ومعنى «بكلماته»: أي: بوعده للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إحدى الطائفتين، ووعد الله حق نافذ وصدق ماضٍ.
سؤال: قد يقال: يصير النظم في الآيتين: «يريد الله أن يحق الحق ليحق الحق» وهذا غير مستقيم مع بلاغة القرآن، فكيف تقدير النظم فيهما؟
الجواب: قوله: «ويريد الله أن يحق الحق ... » جاء ليميز بين إرادته وبين إرادة المؤمنين الذين خرجوا يوم بدر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يودون غير ذات الشوكة أي: يودون تغنم تجارة قريش، والله يريد ذات الشوكة من أجل أن يحق الحق، وقوله: «ليحق الحق ... » كالتعليل لمزية إرادته على إرادتهم ورجحان إرادته على إرادتهم.
الآية 9
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ
📝 التفسير:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم (2)
بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ 9} خرج المسلمون من المدينة متوجهين إلى وادي بدر وتوقفوا هنالك على غير علم منهم بأن المشركين قد عسكروا في الجانب الثاني للوادي، فإذا بهم في وجوههم على غير ميعاد ولا استعداد، وتفاجأ المسلمون بذلك، ومع أن المسلمين كانوا يتهربون من هذه المواجهة، ويتثاقلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكر القتال، ولكن الله سبحانه وتعالى كان قد دبر ذلك، وأراد أن يلتقوا بهم لمصلحة كان يعلمها للإسلام والمسلمين، وأما المسلمون فلما رأوا ذلك وعلموا أنه لا مناص لهم عن قتال المشركين لجأوا عندها إلى الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى والانقطاع إليه بأن يمدهم بالعون من عنده، وأن ينجز لهم ما كان قد وعدهم، وأن يظفرهم بعدوهم، فاستجاب لهم دعاءهم، وأمدهم عندها بألف من الملائكة مردفين، أي: يردف بعضهم بعضاً يعني: يتبع بعضهم بعضاً.

__________

(2) -سؤال: ما موقع: {أَنِّي مُمِدُّكُم} الإعرابي؟

الجواب: موقعه الجر بـ «باء» مقدرة، أو النصب بنزع الخافض.
الآية 10
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} جعل الله سبحانه وتعالى نزول الملائكة مع المؤمنين بشارة بشرهم بها؛ ليعلموا أنه معهم، ولتطمئن قلوبهم، ويذهب عنهم الخوف؛ لأنهم إذا اطمأنوا زاد ذلك من عزائمهم وشد من قواهم.
{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 10} (1) لستم الذين تصنعونه ولا الملائكة، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينصركم.
__________
(1) -سؤال: كيف يكون النصر حاصلاً من عند الله؟
الجواب: يكون النصر من عند الله بفعل أسبابه وتهيئتها، كتغشيتهم النعاس أمنة منه، وإنزال المطر لتثبيت أقدامهم عند القتال على الأرض، وتقليل المؤمنين في أعين المشركين، وتقليل المشركين في أعين المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين.
الآية 11
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ
📝 التفسير:
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} (2)أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم النوم ليطمئنوا؛ لأن المرعوب لا ينام في العادة، فإذا ناموا هدأت نفوسهم واطمأنت، وزال عنها التوتر والقلق.
{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ 11} كان جانب الوادي الذي عسكر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون لا ماء فيه، وقد أراد المسلمون أن يغتسلوا ويصلوا، فلم يجدوا الماء؛ فدخل الشيطان عندها على قلوبهم ووسوس لهم كيف تكونون على الحق، ولا ماء عندكم لتغتسلوا فيه من الجنابة وتتوضأوا للصلاة، فكيف تقاتلون وأنتم على هذه الحالة؛ فأنزل الله عند ذلك المطر، ولم يصبحوا إلا وقد نزل الفرج على المسلمين، وأذهب رجز الشيطان ووسواسه، وكذلك ليثبت أقدامهم؛ لأن الأرض التي كانوا عليها رملية دهسة لا يستطيعون الثبات عليها عند القتال، فتصلبت الأرض بنزول المطر عليها.، وهذا معنى: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} ورجز الشيطان هو الجنابة (1)؛ لأن بعضهم كان قد اجتنب، وكذلك لتقوى به قلوبهم؛ لأن المسلمين إذا رأوا نزول رحمته عليهم عرفوا عنايته بهم، فيشد ذلك من عزائمهم، فقد هيأ الله سبحانه وتعالى للمسلمين جميع أسباب النصر، رحمة منه بالمسلمين عندما علم منهم صدق النية والإخلاص له.

__________

(2) -سؤال: لماذا أطلق الله على إنزال النوم تغشية؟
الجواب: سمي إنزاله تغشية لأنه يغشي -أي: يغطي- العقل والحواس عن الإدراك.

سؤال: ما إعراب: {أَمَنَةً}؟ وما أصل اشتقاقها؟
الجواب: «أمنة» مفعول من أجله، وهي مشتق من «أَمِنَ» من باب فَهِم وسَلِمَ، يأمن أَمْناً وأَمَنَةً.

(1) -سؤال: يقال: قد مر لكم أن رجز الشيطان وسوسته لهم، فكيف؟
الجواب: الجنابة هي الباب الذي دخل منه الشيطان بوسوسته إلى صدور المؤمنين فلما أنزل الله عليهم ماء السماء تطهروا فذهبت الوساوس بذهاب الجنابة، والرجز: هو أثر النجاسة (المني) حقيقة، ويطلق على الوسوسة مجازاً، ولا مانع من إطلاق الرجز على معنييه الحقيقي والمجازي.
الآية 12
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
📝 التفسير:
{إِذْ يُوحِي (2)رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى الملائكة الذين نزلوا لتثبيت المسلمين أن يشجعوهم على القتال، ويعلموهم أن الله سبحانه وتعالى معهم، وأنه سيؤيدهم بنصره وتأييده وعونه.
{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ} سيثبت المؤمنين، ويبث الرعب في قلوب المشركين، ويزرع الخوف في قلوبهم.
{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} (1) انتقل الله سبحانه وتعالى بعد خطاب الملائكة إلى خطاب المؤمنين، فأمرهم بشد العزم، وأن يفعلوا جهدهم في ضرب المشركين، فهو معهم وناصرهم.
{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ 12} يشجعهم الله سبحانه وتعالى ويزيد من عزائمهم ويحثهم على القتال، مخبراً لهم بأنه قد أيدهم بالملائكة وبنصره، وقد ربط على قلوبهم، وأزال الشكوك التي كان قد وسوس لهم الشيطان بها، وأنه قد ألقى في قلوب المشركين الرعب مع أن الذين كانوا يقاتلونهم من أشجع شجعان العرب وأشدهم بأساً وقتالاً.
وكان من الذين خرجوا مع قريش لقتال المسلمين عمرو بن عبد ود العامري، وكان يقال: إنه لألف، ولكن عندما رأى المشركون ما رأوه من صلابة المسلمين وأنهم يقاتلون قتالاً شديداً لم يشهدوا بمثله من قبل خافوا عند ذلك، وولوا هاربين منهزمين، ونصر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه.

__________

(2) -سؤال: لماذا جاء المضارع «يوحي» بدلاً عن الماضي؟

الجواب: جيء به لاستحضار الصورة، وذلك لما في استحضارها من استعظام النعمة وإحياء ذكرها في القلب، وذلك لأن النعم القديمة يخف استعظامها في النفس، ويقل الشكر عليها، فجاء المضارع.
سؤال: كيف حصل التثبيت من الملائكة للمؤمنين؟
الجواب: قد يكون التثبيت بإلقاء الملائكة تزيين القتال والإقدام والثبات في قلوب المؤمنين، عكس ما يلقيه الشيطان في قلوبهم بتزيين ترك القتال، وتزيين الفرار ونحو ذلك.

(1) -سؤال: هل المراد بـ {فَوْقَ الأَعْنَاقِ} الأعناق نفسها؟ فكيف هذه الزيادة أم ماذا؟
الجواب: المراد: ضرب أعالي الأعناق أو الرؤوس التي هي فوق الأعناق، فعلى هذا التفسير ليس هناك زيادة.
سؤال: هل يحتمل أنه خطاب للملائكة فيفهم منه أنها قاتلت كما روي في بعض السير أنهم كانوا يرون هامات تطيح من دون ضرب أم لا؟
الجواب: الخطاب للمؤمنين وليس للملائكة، ولم يكن من الملائكة قتال إطلاقاً؛ فعدد قتلى المشركين معروف، وأسماؤهم معروفة، وقاتِلُ كل واحد منهم معروف في السير والتواريخ باسمه ونسبه، وليس في السير ذكر قتلى لم يعرف قاتلهم.
الآية 13
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} استحق المشركون القتل والذلة والخزي يوم بدر بسبب أنهم وقفوا في شق وجانب غير شق وجانب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبسبب معاداتهم لله ورسوله، ووقوفهم في صف الباطل، وفي وجه دعوة الله سبحانه وتعالى ودعوة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر المسلمين وبشرهم بهذه البشائر من الوعد بإحدى الطائفتين، وتقوية قلوبهم، ونصرهم على أعدائهم.
{وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 13} من يقف في صف الباطل- فإن الله سبحانه وتعالى سيعاقبه، وينزل به أشد العقاب.
وفي هزيمة قريش هذه الهزيمة النكراء في بدر، وقتلهم وإذلالهم عقابٌ شديدٌ لهم؛ لأن هذه المعركة كانت ضربة قاصمة لظهور المشركين، فقد قتل من كل بيت من بيوت قريش كبيرٌ من كبارها، وقتل جميع صناديدهم، ولم يبق من كبار قريش إلا أبو سفيان، فإنه لم يكن حاضراً في معركة بدر (1)، وكان في العير التي خرجت للتجارة إلى الشام، وكان فيمن قتل ولده حنظلة بن أبي سفيان، فهذا هو العذاب الذي قد توعدهم الله سبحانه وتعالى به إن لم يؤمنوا، عذبهم الله سبحانه وتعالى على أيدي المؤمنين.
وقتلى الحرة الذين قتلهم يزيد بن معاوية كانت ثأراً لقتلى بدر، فقد قتل يزيد أهل المدينة يوم الحرة قتلاً ذريعاً ثأراً لما كان حصل لآبائه في بدر من الأنصار.
__________
(1) -سؤال: يقال: ولم تقم المعركة إلا بسبب القافلة التي كان يقودها أبو سفيان فكيف؟
الجواب: لم يكن أبو سفيان موجوداً في معركة بدر، بل كان في طريقه مع القافلة عائداً من الشام إلى مكة فهو من العير لا من النفير.
الآية 14
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ
📝 التفسير:
{ذَلِكُمْ (1) فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ 14} (2) هذا العذاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على المشركين يوم بدر هو العذاب الذي كنا نتوعدكم به ونحذركم منه؛ فتجرعوا مرارته أيها الكافرون، ولكم بعد ذلك عذاب النار خالدين فيها- جزاءً على كفركم بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
__________
(1) -سؤال: ما إعراب {ذَلِكُمْ}؟ وأين خبرها؟
الجواب: يعرب «ذلكم» مبتدأ، والخبر محذوف أي: هو العقاب، أو يعرب خبراً والمبتدأ محذوف أي: العقاب ذلكم.
(2) - سؤال: لماذا استخدم إشارة البعيد {ذَلِكُمْ}؟ وعلام عطف: {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ 14}؟
الجواب: إشارة البعيد هنا لتعظيم ما حصل من الحق الذي هو وعيد الله للمشركين بإنزال العذاب عليهم، وفعلاً فقد تحقق ذلك الوعد فقتل الله في بدر صناديد قريش وشياطينهم. {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ 14} في تأويل مصدر معطوف على «ذلكم».
الآية 15
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ
📝 التفسير:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا (3) فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ 15} (4) نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عن الهروب عند مواجهة المشركين، يريد الله للمسلمين أن يكونوا أهل عز وقوة، وأن يكونوا هم الأعلين دائماً.
__________

(3) - سؤال: ما إعراب {زَحْفا}؟ وهل لهذا القيد أثر في المعنى؟
الجواب: «زحفاً» مصدر منصوب بفعل محذوف: تزحفون زحفاً، وجملة «تزحفون زحفاً» حال من الذين كفروا أو من فاعل «لقيتم» أو منهما جميعاً. ويفيد القيد «زحفاً» أن النهي مختص بحالة زحف جيش الكفر لحربكم أو زحفكم بجيوشكم أيها المؤمنون لحرب الكافرين.
(4) -سؤال: هل هذه الآية على إطلاقها أم أنها مقيدة بقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ .. } [الأنفال:66]؟
الجواب: هي مقيدة بعد نزول التخفيف بآية التخفيف، وقبل نزولها مقيدة بـ {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ ... }.
الآية 16
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 16} من فعل ذلك وولاهم دبره، وهرب بعد أن واجههم فقد استحق سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه، إلا إذا كان هروبه حيلة دبرها لكي يستدرج عدوه، ثم يعطف عليه، أو كان هروبه إلى فئة متمركزة لكي يستقوي بها ويجدد من نشاطه وقوته، فلا بأس بذلك، نحو ما كان من المسلمين في غزوة مؤتة بعد أن قتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة، ثم أخذ بعد ذلك الراية خالد بن الوليد وانسحب بالمسلمين وانهزم بهم عائداً إلى المدينة، وكانوا خجلين من فعلهم هذا وانهزامهم حتى أنهم عند دخولهم المدينة في أثناء عودتهم دخلوا متسللين فرداً فرداً إلى بيوتهم، وكانوا يذهبون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون له: نحن الفرارون يا رسول الله؛ فيجيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((بل أنتم الكرارون، وأنا فئتكم فقد هربتم إلى فئة (1)،ولا ضير عليكم في ذلك))، وكان هروبهم هذا عندما عرفوا أنهم سيقتلون عن آخرهم، وأن الدائرة عليهم، وما داموا هكذا فلا بأس أن يهربوا إلى فئتهم ومركزهم؛ ليستعيدوا قواهم ويبنوا صفوفهم من جديد، ويتهيئوا للكرة بعد الفرة؛ ولهذا ذم الله سبحانه وتعالى الذين فروا يوم أحد عندما فروا وهربوا وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنهم لم ينحازوا في هروبهم هذا إلى فئة، بل هربوا متشتتين في البلاد.
__________
(1) -سؤال: يقال: فلا يتأتى فرار من زحف إذا كان الإمام أو نحوه لم يخرج في المعركة وفر الخارجون إلى أوطانهم؟ وبناء على ذلك فلا يحصل الفرار من الزحف إلا إذا خرج الكبير معهم وفروا عنه، وهذا يشكل علينا؟

الجواب: الفرار عن الزحف مرخص فيه بشروط: أن يكون الفرار إلى فئة، أو عند خشية الهلكة بأن يكون العدو أكثر من المثلين، أو بأن يكون له من القوة والآلات ما يخشى معها الهلكة. والرأي في ذلك إلى الأمير، ويجب على الأمير حسن النظر لمن تحت يده ومشاورة ذوي الرأي من أصحابه، فإن رأى بعد ذلك وتوقع أن في الوقوف في وجه العدو هلاك الواقفين فتح باب الرخصة للمقاتلين بالانسحاب ولا يجوز له أن يلزمهم بالوقوف مع ظن الهلاك، وإن رأى الأمير الوقوف في وجه العدو بعد حسن النظر والمشاورة فلا يجوز الفرار ولا رخصة، وطاعة الأمير واجبة، ولا عبرة بظن الأفراد أو بعضهم. هذا، وقد يكون مع الأمير فئة قليلة ولكن لأفرادها نفوس قوية وعزائم نافذة ومعنويات مرتفعة ولهم خبرة وتجارب قتالية و .. إلخ، وقد يكون معه فئة كبيرة ولكن أفرادها على خلاف أفراد الفئة القليلة، فللأمير نظره وحسن رأيه في ذلك.
الآية 17
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 17} لستم الذين قتلتم قريشاً أيها المسلمون، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي قتلهم بتدبيره لأسباب النصر والظفر لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسباب الهزيمة والقتل للمشركين.
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب خلال المعركة ورمى بها في وجه العدو، وقال: ((شاهت الوجوه))، فلم يبق أحد منهم إلا أصابه في عينه من هذا التراب، والله تعالى هو الذي هيأ ذلك ودبره، وألقى الرعب في قلوب المشركين، وما فعله من تقليل المشركين في أعين المسلمين، والعكس على أعين المشركين عندما تصافوا للقتال، فهو من تدبيره سبحانه وتعالى، فما إن ابتدأت المعركة إلا والمشركون يرون المسلمين على خلاف ما كانوا يرونهم من قبل، وكثروا في أعينهم حتى ملأوا ساحة المعركة، فولوا عند ذلك هاربين مفزوعين، فهذا معنى {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وليس معناه أن الله فعل الرمي حقيقة كما تستدل على ذلك المجبرة.
{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} قتل الله سبحانه وتعالى المشركين، وأيد المؤمنين بنصره وتأييده لأغراض ومصالح يعلمها، ولأجل أن ينعم على المؤمنين بالنصر والظفر (1)عندما أطاعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخلصوا معه في المعركة، وفي دعائهم لله سبحانه وتعالى، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يشاورهم عند خروجهم من المدينة، وإنما أمرهم بأن يخرجوا لما وعدهم الله سبحانه وتعالى من السيطرة والاستيلاء على إحدى الطائفتين فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا بد من مواجهة المشركين ذوي الشوكة، وأنه لا بد من القتال فحينئذ جمعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشاورة، وطلب منهم المشورة في القتال لينظر حالهم هل سينصرونه على المشركين؛ لأنهم كانوا قد عاهدوه عند بيعة العقبة عندما طلبوا منه الهجرة إلى المدينة على أن يجيروه ويحموه مما يحمون منه أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ولا يسلموه إلى عدو أبداً وسيقاتلون معه، فبعد المشاورة قام رؤساء الأوس والخزرج سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وقالوا له: لقد علمنا أنك رسول الله، فامض بنا إلى حيث أمرك الله سبحانه وتعالى، وأنك لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ولقتلنا دونك، ولن نقول مقولة اليهود لنبيهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة 24]، فحين علم الله سبحانه وتعالى صدق إيمانهم وعزيمتهم وإخلاصهم أيدهم بنصره وتأييده.

__________
(1) -سؤال: قد يقال: بأن الإبلاء يستخدم كثيراً في الامتحان بالشدة والتعب في الجهاد ونحوه كما نقول في غزوة مؤتة أُبْلِي المؤمنون فيها بلاءً حسناً، ومنه قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا 11} [الأحزاب]، في غزوة الأحزاب، فكيف؟

الجواب: الإبلاء والابتلاء يستعمل في الإنعام والخير، وفي الامتحان بالشدائد، ومن ذلك قوله: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ 15 وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ 16} [الفجر]، وقد فسر بالإنعام قوله تعالى لبني إسرائيل بعد تعديده لما أنعم الله عليهم: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ 6} [إبراهيم]، وقال سبحانه: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 168} [الأعراف]. والبلاء والإبلاء واحد بدليل: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} فوضع بلاءً موضع إبلاءً أي: أن بلاءً اسم للإبلاء.
الآية 18
ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ 18} (1) ذلكم الذي حصل من قتل المشركين؛ ليوهن كيدهم، ويضعفهم، ويكسر شوكتهم.
__________
(1) -سؤال: علام عطف: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ ... }؟ وما إعراب: {ذَلِكُمْ}؟
الجواب: «وأن الله موهن» معطوف على «ذلكم»، ويعرب «ذلك» على أنه مبتدأ حذف خبره.

الآية 19
إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
ثم خاطب الله سبحانه وتعالى المشركين فقال: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ 19} (2)عندما تصاف الفريقان للقتال وهموا ببدء المعركة، صاح من بين المشركين صائح يدعو الله سبحانه وتعالى قائلا: اللهم أَقْطَعَنا للرحم فأحنه الساعة، أي: اجعل هذه الساعة نهايته، فأمَّنَ المسلمون والمشركون جميعاً، وكان المشركون يدَّعون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد قطع رحمهم وسفه آلهتهم، وقد استجاب الله سبحانه وتعالى لهذه الدعوة، وأخبرهم بأنه قد جاءهم الفتح (1)، وأهلك أقطعهم للرحم، فقتل الله المشركين وهزمهم شر هزيمة.
ثم أخبرهم بأنهم إن ينتهوا عن كفرهم فهو خير لهم، وقد علمتم أيها المشركون من هو الذي قطع رحمه، وقد رأيتم وقوع القتل فيما بينكم فأقلعوا عن عداوة النبي والإسلام، واعلموا أيها المشركون أنكم إن لم تنتهوا وعدتم إلى عداوة الإسلام ومكايدته- فسنعود عليكم بالانتقام، ولو رجعتم إلى من رجعتم، ولو استنصرتم من استنصرتم على حرب الإسلام وأهله فلن ينفعكم ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى مع المؤمنين بنصره وتأييده، والله غالب على أمره.

__________

(2) -سؤال: علام عطف قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ 19}؟

الجواب: «وأن الله مع المؤمنين» المصدر في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي: والأمر أن الله مع المؤمنين، وعلى هذا التقدير فتكون الجملة معترضة [1] لتأكيد ما قبلها، والواو اعتراضية، وقد أجازوا عطف «أن الله .. » على قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ 18}.
[1]- ما هو هذا الاعتراض؟ الجواب: يسمي الزمخشري التذييل اعتراضاً، والجملة معترضة.

(1) -سؤال: هل هذا مأخوذ من قولهم: «افتح بيننا وبين فلان» أي: أهلك المبطل؟ أم لا؟
الجواب: هو مأخوذ من ذلك.
الآية 20
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ
📝 التفسير:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} خاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله إذا دعاهم إلى أمر من الأمور.
{وَلَا تَوَلَّوْا (2) عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ 20} لا تتهربوا منه عند سماعكم لدعائه لكم.
__________

(2) -سؤال: هل أصل {تَوَلَّوْا}: تتولوا، فحذفت إحدى تائيه؟
الجواب: نعم هو مضارع حذفت إحدى تائيه للتخفيف.