Fatwa no. #41252

أيُّ أنواع الحج أفضل لمن لم يحج

📚 فتاوى من ثمار العلم والحكمة 👤 السيد العلامة الحجة / محمد عبدالله عوض حفظه الله
❓ Question

أيُّ أنواع الحج أفضل لمن لم يحج؟

✅ Answer

أن الأفضل في حق من لم يحج أن يفرد الحج، وهذا هو المذهب، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [¢آل عمران 97¢]، فإذا فرغ المفرد من أعمال الحج أردف حجته بعمرة بعد أيام التشريق، وهذا الذي ذكرناه هو الأوفق والأنسب بما دلت عليه الآية؛ إذ أن الآية أوجبت الحج وحده مفرداً عن العمرة، فالاشتغال به حينئذ أنسب بالآية وأوفق لمعناها من أن يلبي بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، أو أن يشرك العمرة مع الحج، مع أن الاشتغال بالأهم فالأهم يقتضي ما قلنا، فتقديم الواجب أولى من تقديم المندوب.
فائدة في القران (الحج والعمرة معاً):
اشترط أهل المذهب لصحة القِرَان سوق بدنة من موضع إحرامه، فإن أحرم قارناً بالحج والعمرة ولم يسق بطل القران، ووضع إحرامه على عمرة ولا قضاء عليه ولا دم، فإذا تحلل بالعمرة فلا شيء عليه، وإذا وضع إحرامه ذلك على حجة صحت الحجة غير أنها لا تجزئ عن حجة الإسلام (1).
هذا كلام أهل المذهب فيمن أحرم قارناً ولم يسُقْ بدنة.
قلت: الأصل الذي بنى عليه أهل المذهب هذه المسألة ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله في حجة الوداع وأمر به أصحابه، فإنه صلى الله عليه وآله أحرم بالحج والعمرة معاً، أو بالحج مفرداً من غير عمرة معه على اختلاف الروايات، وساق الهدي، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله مكة أمر صلى الله عليه وآله من لم يسق هدياً بأن يضع إحرامه على عمرة، فتلكأ الناس شيئاً من التلكؤ، فقال صلى الله عليه وآله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» أو كما قال صلى الله عليه وآله.
فأمر النبي صلى الله عليه وآله من لم يسق الهدي بأن يضع إحرامه على عمرة، وليس في الرواية أنه أمر القارنين دون المفردين، بل أمر من لم يسق الهدي، والمعلوم أن
سوق الهدي لا يختص القارنين الحج إلى العمرة، بل هو مشروع لكل زائر للبيت الحرام سواءً أكان قارناً أم مفرداً أم معتمراً عمرة مفردة.
وقد كان أكثر المسلمين -كما يظهر لي- محرمين بحجة مفردة؛ لأنهم كانوا لا يعرفون من قَبْلُ القران ولا التمتع بالعمرة إلى الحج، بل الذي كانوا يعرفون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، فأراد صلى الله عليه وآله أن يبطل ذلك العهد المعروف فأمر صلى الله عليه وآله من لم يسق الهدي أن يجعل إحرامه على عمرة، وقال صلى الله عليه وآله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» أو كما قال صلى الله عليه وآله.
فجعل أهل المذهب ذلك خاصاً بمن أحرم قارناً من غير أن يسوق هدياً، وظاهر الرواية العموم للمفرد والقارن، بل إنها في المفرد أظهر؛ لما ذكرنا من أن الناس كانوا لا يعرفون القِران ولا التمتع، وإنما كانوا يعرفون حج الإفراد.
فقولهم «إنه إذا وضع إحرامه على حجة صحت الحجة، ولا تجزئ عن حجة الإسلام» فيه نظر؛ فإنها إذا صحت أجزت عن حجة الإسلام مع النية، وقد أدى فاعل ذلك ما أمر الله به في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [¢آل عمران 97¢].
ويزيد ما ذكرنا تأييداً: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يَأْمُر من حاض من النساء اللآئي لم يفسخن إلى العمرة بحجةٍ أخرى للإسلام، ولم يبين ذلك مع أن المقام مقام تبيين.
والذي يظهر -والله أعلم- أن السَّوْق ليس بشرط لصحة القران.
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله حج قارناً الحج والعمرة وساق الهدي، وقد قال صلى الله عليه وآله: «خذوا عني مناسككم» فيكون السوق شرطاً في صحة القِران.
قلنا: السوق فضيلة في العمرة وفي كل نوع من أنواع الحج، وليس بفريضة، والدليل على ذلك: أن المسلمين الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وآله كانوا يلبون كما يلبي النبي صلى الله عليه وآله ويقتدون به في أعمال حجه ذلك، وأكثرهم لم يسق هدياً إلى البيت.
فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله من لم يسق الهدي بالفسخ إلى العمرة؛ فدل ذلك
على أن السوق ليس من شروط الحج ولا واجباته، وإنما جاء الدليل على أن من ساق الهدي فإنه لا يفسخ إلى العمرة، بل يجب عليه أن يبقى على إحرامه إلى أن يبلغ الهدي محله، وذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [¢البقرة 196¢]، ومحله في الحج «منى» يوم العيد.
وفي قصة إحرام علي عليه السلام ما يدل على أن السوق ليس بشرط، وذلك أنه عليه السلام قدم تلك السنة من اليمن، وأحرم في قدومه ذلك بإحرامٍ كإحرام رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قدم مكة أمره النبي صلى الله عليه وآله بالبقاء على الإحرام، وفي تلك القصة أن النبي صلى الله عليه وآله أشرك علياً عليه السلام في الهدي، ولم يقل له النبي صلى الله عليه وآله: إن حجك قارناً غير صحيح لعدم السوق، بل أقره النبي صلى الله عليه وآله على إحرامه، وأشركه في هديه.
فأخذنا من هذه القصة الصحيحة أنه يشترط في صحة القران الهدي دون السوق، وهذا على فرض أن النبي صلى الله عليه وآله حج قارناً، وهذا مع احتمال أن الهدي لم يجب لكونه قارناً بل لصيرورتها هدياً، فتكون إنما وجبت على النبي صلى الله عليه وآله لذلك، ويستوي في هذا الوجوب: المفرد والقارن والمتمتع والمعتمر، ويكون وجوب الهدي على علي عليه السلام إنما كان لأنه أوجب على نفسه وفرض عليها من الإحرام مثل إحرام النبي صلى الله عليه وآله، وفي إحرام النبي صلى الله عليه وآله هدي، فلزم علياً عليه السلام في إحرامه هديٌ لذلك.
أما قول أهل المذهب: «إن من أحرم قارناً ولم يسق هدياً فإنه يضع إحرامه على عمرة» - فقول قويم، دليله أمر النبي صلى الله عليه وآله من لم يسق هدياً بأن يضع إحرامه على عمرة.
وقولهم: «إن من فسخ إلى العمرة لا يلزمه دم» قول صحيح أيضاً، دليله أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر الذين فعلوا ذلك بدم.
فإن قيل: الظاهر أن من فسخ إلى العمرة قد صار متمتعاً فيلزمه ما يلزمه، وقد قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [¢البقرة 196¢].
قلنا: كان ذلك هو الظاهر لولا وجود الدليل الدال على أن من فسخ إلى العمرة لا يلزمه ما يلزم المتمتع، وهو ما قدمنا ذكره.
وبناءً على هذا فلا يصير المتمتع متمتعاً حتى يحرم بعمرة من الميقات متمتعاً بها إلى الحج، أما من أحرم بحج ثم فسخه ووضع إحرامه على عمرة فلا يكون متمتعاً وإن كان في الظاهر على صورة المتمتع.
فإن قلت: هل يأثم من يحرم بحجة وعمرة معاً من غير سوق، وهو عارف أنه يشترط في ذلك سوق بدنة من موضع الإحرام، غير أنه أحرم كذلك من أجل أن يضع إحرامه على عمرة فيكون كالمتمتع من غير أن يلزمه ما استيسر من الهدي و ... إلخ.
قلت: إذا كان الأمر كذلك فإن المحرم يكون متمتعاً، ويلزمه ما يلزم المتمتع؛ وذلك أن نيته من حين الإحرام أن يعتمر عند وصوله مكة ثم يتمتع بثيابه وغيرها إلى وقت الإحرام بالحج.
فإن قلت: إنه لبى بحجة وعمرة معاً فكيف يكون متمتعاً؟
قلت: لا عبرة باللفظ إذا خالف ما انطوى عليه القلب من النية والقصد، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
هذا، ولم يذكر في الشرح والحواشي هذه المسألة الأخيرة، والذي يظهر من كلامهم هناك أن من قرن الحج مطلقاً -سواء كان جاهلاً بالسَّوْق أم عالماً باشتراطه- وإنما فعل كذلك من أجل الفسخ فإنه يضع إحرامه على عمرة ولا يلزمه دم ولا بدله كما يلزم المتمتع، ولا يلزمه أيضاً دم للإساءة، والصحيح هو
التفصيل، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
في فعل الفاحشة حال الحج: