حول كتب الترغيب والترهيب فإنني أحتار فيما أراه من مثل: الترهيب من الموت وما بعده وشدته وأنه حتى الرسول صلى الله عليه وآله شُدّد عليه، وكذلك كلام للإمام علي عليه
حول كتب الترغيب والترهيب فإنني أحتار فيما أراه من مثل: الترهيب من الموت وما بعده وشدته وأنه حتى الرسول صلى الله عليه وآله شُدّد عليه، وكذلك كلام للإمام علي عليه السلام، وكذلك ترهيب بما بعد الموت من مواقف من القبر والحشر وغيره، ولا يفرقون في الكتب هذه بين مؤمن وفاسق أو كافر؛ مع أني بحسب معرفتي القاصرة لم أر في القرآن آيات تذكر شدةً أو عذاباً أو عسراً
على مؤمن من بعد موته وحتى دخوله الجنة؛ بل كلها تبشره وتفرحه.
وأيضاً من العقل أن دار الجزاء إن كان لا بد فيها من ضيق المؤمن؛ فكيف يستطيع الابتعاد والسلامة مع أن لا مجال له من ذلك بأي عمل ما دام حتى الأنبياء في ضيق وكرب، وغيرها. هذا جانب ..
وجانب آخر مثلاً: يهول كل شيء فيقع عندما يهولون موضوعاً تسهيل لغيره فمثلاً يقولون: إن الغيبة أشد من الزنا لأنها ... إلخ، والكل يعلم أن الزنا فاحشة عظيمة، وهذا مثال وهناك الكثير.
وأيضاً تكبير بعض العبادات مثلاً: البقاء في المسجد من بعد الفجر إلى طلوع الشمس كحجتين وعمرتين؛ فما فائدة التعب وبذل المال والجهد في تطوع الحج والعمرة، وإلا فما المراد؟
ومن ذلك: ذم المال وكسبه ولو كان من الحلال، إلى حدٍّ لو طُبِّق لعزف الناس عن العمل بينما القرآن وحياة الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت ملأى بالدعوة للعمل وبناء النفس والمجتمع اقتصادياً، وما في ذلك من فائدة في نشر الدين والحق والخير، فنحن نرى سيطرة الاقتصاد الآن على كل شيء حتى على السياسة، و (من لا يملك قوته لا يملك قراره).
وأيضاً نرى في بابٍ مّا فرحة المؤمن بالموت وحبه له للقاء الله، ثم نجد باباً آخر يهول الموت ويجعله شيئاً قاسياً.
فأوضحوا ما طرأ من الإشكالات وزيدونا من الإفادة والتحليل لتنتفي الصراعات الداخلية ببلسم علمكم الفياض، ودمتم لنا وللمسلمين ذخراً ونوراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا مانع من التشديد في الموت على المؤمن؛ لما له فيه من الأعواض، ولا منافاة بينه وبين البشارة فيمكن أن تبشره الملائكة برضوان الله في حال معاناته لشدائد سكرات الموت.
-أما بعد الموت فلا يلقى المؤمن شدة ولا يلحقه كرب ولا ضيق لا في القبر ولا في البعث والحساب.
-وما يذكر في كتب الترهيب من ذكر شدائد وأهوال الموت والقبر والبعث والحساب فإنه وإن ورد عاماً فالمراد به ما يلحق أعداء الله خاصة.
-وما ورد من الشدائد والأهوال على المؤمنين والصديقين والأنبياء فلا يعتمد عليه، ولا يقبل لمخالفته القرآن، ولأنه ورد بطرق آحادية، وأخبار الآحاد لا تفيد العلم، وما نحن فيه من المسائل العلمية.
-ولكن العلماء يتساهلون في نقل أحاديث الترغيب والترهيب؛ لما فيها من الألطاف للمؤمن، ولأنه لا يترتب عليها عمل.
-وما ذكر من نحو: «الغيبة أشد من الزنا» فليس فيه التسهيل للزنا؛ بل إن المراد من ذلك أن الناس يتساهلون في الغيبة، فألقي إليهم ذلك القول ليعلموا أن الغيبة التي يتساهلون فيها ليست كما يتصورون، بل إنها في الفحش والجريمة عند الله تعالى مثل تلك الجريمة التي يعلمون فحشها ويدركون كبرها؛ فالمثال الذي ذكرتم يراد به تصوير المجهول بواسطة مقارنته بالمعلوم.
-والبقاء في المسجد من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس كحجة أو كحجتين أو كعمرتين؛ قد وردت الرواية به من طرق أئمتنا ومن طرق غيرهم، ولا إشكال في معناه.
والمعنى صحيح، فقد صح واشتهر عند جميع العلماء حديث: «الحج عرفة» وحينئذ فحبس المكلف نفسه في مصلاه من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس والاشتغال في ذلك بذكر الله وحمده و ... إلخ، يساوي ويماثل وقوف الحاج في
عرفة ولبثه فيها، فالأمران متساويان فعلاً؛ إذ كل منهما لبث في مكان مخصوص.
وحينئذ فأي إشكال في أن يكون ثواب ذلك الوقوف مثل ثواب ذلك الوقوف؟!
وهكذا جاء في الحديث: «العمرة هي الطواف بالبيت»، والمعلوم أن الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لا يحتاج من الوقت لأكثر من مقدار طلوع الفجر إلى الشروق؛ فأي مانع من تساوي ثواب العمرة التي ذكرنا وثواب اللبث في المسجد بعد صلاة الفجر؟! وإذا لم يكن زحام فإن ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس يكفي لأداء عمرتين أو أكثر.
واعلم أن الوقوف بعرفة دقيقة أو دقيقتين أو لحظة يكفي في أداء فريضة الوقوف، هكذا نص النبي صلى الله عليه وآله على ذلك نصاً، واشتهر عنه صلى الله عليه وآله اشتهاراً فليُعلم.
إذا عرفت ذلك فما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام من المعادلة بين اللبث في المصلى إلى طلوع الشمس وبين الحج والعمرة يراد به ما ذكرنا لا غير؛ فلا ينبغي أن يفهم منه الطالب غير ما ذكرنا.
أما ثواب السفر والنفقة والتعب والخوف، وثواب سائر مناسك الحج وثواب الإحرام والتلبية والتكبير و ... إلخ- فإنه شيء آخر لم يدخل في المعادلة، ومن فهم دخول ذلك فقد وهم؛ لأن الأجر على قدر المشقة.
وينبغي أن يفهم أن المراد بالمعادلة بالحج هي المعادلة بالحج النافلة؛ فاللبث في المسجد إلى طلوع الشمس يعادل الوقوف النافلة في عرفة لا الوقوف في حجة الإسلام؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب النافلة وثواب الواجب.
-وما ورد من ذم المال وكسبه فالمقصود به المال الحرام والكسب الحرام، أو ما شغل عن ذكر الله، أو دعا إلى الطغيان.
أما كسب الحلال وإن كثر من غير أن يلهي عن ذكر الله أو ينسي صاحبه عن القيام بفرائض الله فلا بأس ولا حرج: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ>
<الْقِيَامَةِ} [¢الأعراف:32¢]، وذكر الله تعالى في صفة بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ... } [¢المزمل:20¢]، وقد جعل الله تعالى ذلك الضرب سبباً للتخفيف على المسلمين مما كان قد أوجبه في أول الإسلام من قيام الليل كله بالصلاة، أو قيام نصفه أو ثلثه المذكور في سورة المزمل، واقرأ سورة المزمل من أولها إلى قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى ... } إلى آخر السورة.
إذاً فالمحرم أن تملكك الدنيا لا أن تملكها، والمذموم حرامها لا حلالها، والغني الشاكر المؤدي حقوق الله تعالى من نفسه ومن ماله خير من الفقير الصابر.
وما ورد من الذم عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام وعن غيرهما فالمراد به ما ذكرنا.
ولا بأس بالمواعظ العامة التي تحذر من الدنيا على العموم والإطلاق؛ لأن الناس مطبوعون على حب المال والدنيا وزينتها، وتلك المواعظ تخفف من شدة الطمع.
وكان النبي صلى الله عليه وآله يحذر من الدنيا في مواعظه ثم يقول: «اتقوا الله وأجملوا في الطلب»، ثم فسر صلى الله عليه وآله الإجمال في الطلب فقال صلى الله عليه وآله: «خذوا ما حل ودعوا ما حرم».
-ولا مانع من فرح المؤمن بالموت وحبه للقاء الله تعالى، ولا منافاة بينه وبين التهويل بالموت وبما بعده؛ لأن ذلك متوجه إلى غير المؤمن.
ولا بأس من التهويل بالموت وبما بعده على الإطلاق من غير تخصيصه بأعداء الله، وذلك لما فيه من الألطاف للمؤمن، والله أعلم.