نسبه عليه السلام:
والإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبدالله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن إبراهيم .كان كثير الشَّبَهِ بجدِّه صلى الله عليه وآله خَلْقَاً وخُلُقاً.
دعوته عليه السلام:
دعا إلى الله سنة ست وأربعين وستمائة، ونكث بيعته البغاة الأشقياء، ودوّخ الأقطار، وأظهر أعلام جده المختار صلى الله عليه وآله، ودخل الحرمان الشريفان تحت أحكامه الإمامية، وأطاعه كافة بني الحسن والحسين بالحجاز والمدينة، وبلَغَتْ دعوتُه جيلان وديلمان، ونواحي العراق، ولم يبق في اليمن عالم من علماء أهل البيت وشيعتهم إلا دخل في ولايته، وامتثل لإمامته، منهم: الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وعالم العترة المطهرة علي بن الحسين صاحب اللمع، والإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وأخوه الأمير الحسين .وحكى السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي أن الإمام وصل مأرب ولديه من الخلق ما لا ينضبط، ومن الفرسان زهاء ألف فارس وأربعمائة.
بعض ما قيل فيه وشيء من كراماته:
قال في مآثر الأبرار: إنه حجّ الفقيه سعيد فسمع رجلاً في الحرم يتلو القرآن، فقال لصاحب اليمن: إنه يقوم في هذه السنة عندكم إمام من أرض همدان، فإن تكنى في أول كتابه بالمهدي فهو المهدي الذي وعد الله الناس به، انتهى باختصار.
وحكي أنه وجد في كتاب عن النبي صلى الله عليه وآله في المهدي: يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم ابني هذا، وأشار إلى الحسين.
وفي شمس الأخبار أنه: أقنى الأنف، أجلى الجبهة، يملك سبع سنين أو تسعاً، وهذه من صفاته ، وهذا يدل على أنه مُبَشَّرٌ به، وليس بالمهدي الموعود به كما لا يخفى.
ومن كراماته (ع):
أنه مَسَحَ على رَجُل من صعدة اسمه التنّين له قدر خمسين سنة يمشي على يديه ورجليه فعاد سوياً، قال في ذلك أحمد بن المنصور بالله أبياتاً منها:أَضَاءَ على الإسلام نُوْرُك وانْطَفَى
وقد علمت آل النبي محمد
ومنها:
ولا عجبٌ أن زادكَ اللهُ حجّة
رآك لها أهلاً فزدت تواضعاً
بوجهك لَيْلُ الهمّ وانْصَدَعَ الفجْرُ
بأنَّكَ أنتَ الفلك إمّا طغى البَحْرُ
سماوية ما بعدها للورى عذر
فزادك تكبيراً به من له الكبر
وقال الشاعر البليغ قاسم بن علي بن هتيمل التهامي في القصيدة الرائعة:
إذا جِئْتَ الغضا ولكَ السَّلامَهْ
إلى قوله:
إلى المهدي أحمد أَرْقَلَتْ بي
إلى مَنْ لو وَزَنْتَ الخلْقَ طُراً
شَبِيْهُ سميّه خُلُقاً وخَلْقاً
تَواضَعَ عن لباس التَّاجِ زُهْداً
ومنها:
أَبَعْدَ قَضِيَّةِ التنّين يَعْصِـي
إلى قوله: فطَارِحْ بالتحيَّةِ ريمَ رَامَهْ
براقُ العدْوِ تحبسها نعامَهْ
بِظُفْرٍ منه ما وَزَنُوا قُلامَهْ
وهدياً في الطَّريقة واسْتقامهْ
فصارَ التَّاجُ من خَدَمِ العِمَامَهْ
من الثَّقَلَيْنِ مأمومٌ إمامَهْ
وما عُرفَ المسيحُ بغيرِ هذا
أمعجزةُ النبوّة في الإمامَهْ
وقد نسج على منوالها السيد الإمام الهادي بن إبراهيم الوزير في قصيدةٍ يستعطف بها علي بن صلاح على الإمام المهدي صدرها:
دعا ذكر الوسامة والبشامهْ
حتى قال:
وهاكَ قصيدةً غرّاء تحكي
وأندية الندامى والمدامهْ
إذا جئتَ الغضا ولكَ السلامهْ
ودعا على صخرة كان بها نفع عظيم لبعض البغاة، فسُمِعَ لها هدّة كالزَّلْزَلة فصارت كالرماد، قال بعض العلماء:
أومى إلى هَضْب الكَميم بِطَرْفِهِ
فتبدّدت أحجاره تبديداً
قلت: وهذه الآيات التي يظهرها الله للأئمة من تمام معجزات جدهم صلى الله عليه وآله؛ لأنهم داعون إلى دينه، وباذلون أنفسهم في تبيينه، ولا يجحدها إلا محروم مخذول.
قال في البسامة:
وزلزلت عضد المهدي أحمدِنا
فخضبت شيبة لابن الحسين دما
وكلّفت حسناً تحسين أقبح ما
وسامت الشيخَ من حوث مهاجَرُه
ضحّوا بأشمطَ يُسْتَسْقَى الغمام به
مالوا إلى أحمدَ عن أحمدٍ فبغوا
بأحمد ورمته منه بالكبرِ
وعفّرت وجهه الوضَّاح بالعفرِ
جرت به من صروف الدهر والعبرِ
بعد الولاء على صاع من الفطرِ
قد بايعوه فكانوا أخسـر البشـرِ
على الإمام وقالوا جارَ في السيرِ
قال السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي في اللآلي المضيئة: قال مصنّف السيرة المهدية رحمه الله، وهو السيد الفاضل العالم شرف الدين يحيى بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم صلوات الله عليهم: وهذه الأبيات كما ترى من العجائب، قد تضمّنت جملاً مما كان في دولته ؛ لأن أمره انتشر إلى الحرمين.
إلى قوله: وولّى هنالك الولاةَ ونصب القضاة، وكذلك فإن الظالمين من أهل المشرق والمغرب والحصون نالوا منه.
إلى قوله: ومن كراماته ما رواه الفقيه العالم الورع علي بن سلامة الصريمي، قال: كان مولانا الإمام المهدي واقفاً للناس بثلا بعد صلاة الجمعة، إذ أقبل رجلان أحدهما أعمى، والآخر يقوده، فطَلَبا الاتصال بالإمام، فلم يمكنهما لكثرة الزحام.
قال الفقيه: فأدخلتُ ذلك الأعمى إلى الإمام، وقلت: يا مولانا امْسَحْ على هذا الأعمى، فرفع رأسه وقد تغيّر وجهه وبانَ فيه الغضب، فندمتُ نَدَمَاً عظيماً ثم مسح الإمام على وجه الأعمى ورأسه وقرأ عليه ودعا له فخرج الأعمى من بين يديه، وقد شفاه الله وعافاه وأبصر الأشياء صغيرَها وكبيرَها، فكبّر الناس لذلك وهلّلوا، واجتمعوا عليه اجتماعاً عظيماً.
ومن كراماته عَلَيْه السَّلام: قصة التنيّن، والهضب، وقصة الحشيشي، وعين الماء في مأرب، وغير ذلك كثير، وقد ذكرنا بعضها في أثناء سيرته .
وكتب الإمام الدعوة إلى الأمراء والسادة آل يحيى بن يحيى برغافة وقطابر، فمنهم من قطع على صحّة الإمامة بما كان قد تقدّم إليه وصحّ عنده من صفات الإمام وبلوغه درجة الاجتهاد كالأمير السيد الكبير شيخ العترة، وإمام الشريعة، حافظ علوم أهل البيت جمال الدين علي بن الحسين بن يحيى بن يحيى .
والأميران السيدان أجابا وتكلّما بالكلام الجميل، وطلبا المباحثة، ثم انخرطا بعد ذلك في سلك الإمامة ووجوب الطاعة، وتكلّما في المشاهد والمحافل بالخطب البليغة، والقصائد الفصيحة في وجوب طاعته ، وأكثرا من نعوته والثناء عليه.
وللإمام الحسن المنصور القصيدة المشهورة في مدح الإمام.
قلت: وقد ذكرتها في [عيون] المختار، منها:
هذا إمام الزمان أحمد بالـ
إن قال فالدرّ لفْظُ مَنْطِقِهِ
الصادق السابق المقاتل في الـ
الألمعي الذي يظن بك الشـي
طاب شمالاً وعنصـراً وزكا
الواهب الجود في أعنّتها
ومنها:
حيث ترى البيض وهي ساجدة
حيث ترى الطير وهي راتعة
يا سيّد العالمين كلّهم
أَحْيَيْتَ مَيْتاً من الهدى حِقَباً
فأمعن الكفر بعده هرباً
وكنتَ كالنيّرين ما طلعا
بل كنتَ كالليث حَوْلَ أَشْبُلِه
بل كنتَ كالموت للعصاة إذا
لا أكذِبُ الله أنني رجل
العلم والفضل والشجاعة والـ
ـحق وأمر الإله قد صدعا
أَوْ صال فالليث حيث ما وقعا
ـمجد كما قيل في الذي سمعا
ء كأن قد رأى وقد سمعا
فرعاً وأصلاً فعد ممتنعا
والضارب الهام والطلا جمعا
والنقع بين الصفوف قد صدعا
دماً عبيطاً والنقع مرتفعا
وخير من قام سابقاً ودعا
لولاك لم ينتعش ولا ارتفعا
والفسق لا يُلْقَيَان مجتمعا
إلا وطار الظلام وانقشعا
والسيف مهما هززته قطعا
حلّ على معشـر فلن يدعا
وجدت خصل الكمال فيك معا
رأي وفيض السماح والورعا
قال في مطلع البدور: لله درّه ما أعذب ناشيته، وأرق حاشيته، وهي كما ترى فايقة رائقة، وذكر أنها نيف وخمسون بيتاً.
قال الشرفي في وصفه : وكرمه وكراماته وفضائله وفواضله مما لا يحيط به الوصف، ولا تسعه المجلدات. انتهى.
ووضع الله فيه السماح الهائل، والجود الذي لا يساجله مساجل، فكان يُعْطِي المئين والألوف، ويخوضُ غَمَرَات الحتوف، ولم يكن يعرف عدد الدراهم في العطايا، ولقد وهب ألف فرس وستمائة فرس وسبعين فرساً، وأعطى لرجل ثماني عشرة فرساً، ووهب لبعض الشعراء ثلاثة آلاف درهم، وثلاثة من الخيل، ومائتي فردة ثياباً، قال الشاعر:
حَسَنِيّ بوَجْهِهِ حَسُنَ الدّهر
قاسميّ بكفّه يُقْسَمُ الرّزق
ومنها:
يا قضيباً من فضّة يُقْطفُ النر
ولولاه ما أقيم العثار
ومنه تستوهب الأعمار
جس من وجنتيه والجلنار
قلت: وقد زدتها بقولي:
أَشْرَقَتْ من سناه شمسُ ضياء
وتجلّى للعالمين نهار
ولم يكن له من الولد إلا محمد الناصر، وقد أعقب ثم انقطع.
السيد الإمام حميدان بن يحيى القاسمي:
وفي عصره السيّد الإمام حامي علوم الآل، وماحي رسوم الضلال، أبو عبدالله حميدان بن يحيى بن حميدان بن القاسم بن الحسن بن إبراهيم بن سليمان بن الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني ، ولما اطّلع على مجموعة الإمام أحمد بن الحسين أثنى عليه وقال ما معناه: هو الحقّ الصحيح، والدين الصريح، وإنه معتقد آل الرسول.
وكذا: الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين، والإمام المطهر بن يحيى، وولده الإمام محمد بن المطهر، والإمام القاسم بن محمد ، قالوا جميعاً: هو معتقدهم الذي يدينون الله به، حتى قال الإمام القاسم: ما كان في الأساس مخالفاً له فَيُرَدُّ إليه، واستثنى الإمام الحسن: الإرادة، فإنه توقّف فيها، والإمام محمد بن المطهر: الجوهر الفرد.
قال الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر في الأبيات الفخرية:
أما حميدانُ مَنْ شادَ المنارَ فقد
أحيا بهمَّتِه قَوْلاً لهم بَاْلي
مشهده عَلَيْه السَّلام بهجرة الظهراوين من أعمال شظب، وما هو إلا ممن صدق فيه قول جدّه صَلَواتُ الله عَلَيْه وآله وسلامه: (( إنّ عند كلّ بدعة يُكَادُ بها الإسلام ولياً من أهل بيتي....)) الخبر.
استشهاده عليه السلام:
استشهد الإمام المهدي سلام الله عليه سنة ست وخمسين وستمائة، ومشهده بذيبين.هذا، وفي عصره انقرضت دولة العباسية كما أسلفنا، وأما الأموية فمدّة ملكهم ألف شهر، وأولهم عثمان، وقد حصرنا الأموية والعباسية في القصيدة المسماة عقود المرجان مستهلّها:
عَجَباً لهذا الدهرِ من دَهْرِ
ولأمَّةٍ مهتوكةِ السترِ
وآخرهم مروان الملقب الحمار بن محمد بن مروان بن الحكم، وهم من معاوية أربعة عشر ملكاً، وقد أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أوحى الله إليه، وبلّغه وصيه سلام الله عليه.