الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى(ع)

اليمن — حجة توفي 840ه الإمام المهدي
حجم الخط:

نسبه عليه السلام:

الإمام المهدي لدين الله أبو الحسن أحمد بن يحيى بن المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن المفضل بن منصور بن المفضل الكبير بن عبدالله الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف بن الإمام المنصور بالله يحيى بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم .

قيامه(ع):

بعد وفاة الإمام الناصر صلاح الدين ، وله من العمر ثماني عشرة سنة، وأَسَرَه علي بن الناصر [صلاح الدين] كما تقدّم، قال الهادي بن إبراهيم يستعطف علي بن صلاح في حال حبس الإمام:
ثَوَى مَلِكُ الأئمَّةِ من علي
صلاحٌ خيرُ مَنْ رَكِبَ المطايا
فمَاجَ النَّاس مِنْ يَمَنٍ وشَام
وقالوا مات رَاعِينا وولّى
تخطّفُنا الذئَابُ عَقِيْبَ مَلْكٍ
فمن للناسِ بعدكَ يا صلاح
فلا والله ما رأت الكراسي
سوى المنصور أكرم آل طه
وأكرم يوم جود من خِضَم
تفرّس فيه أهل الفضل حتى
ولم يستعملوا في الحقّ جَهْلاً
فعارَضنا قرابَتُنا برأي
فلاطَفَهُمْ وقَرّبهم إليه
وجادلهم بعفوٍ بعد قَهْرٍ
وجازوه يريدون انتقاما
عفا والسيف يركع في الهوادي
فكان الظافر المنصور لكن
فقلتُ له فداك أبي وأمي
وبعدها:
كَرِيْمُ الأَصْلِ مشهور الكرامهْ
وأَشْرف من تتوّج بالعِمَامهْ
كموج البَحْرِ يَلْتَطِمُ التِطَامهْ
فنحنُ عَقِيْبَه شَاءٌ مُسَامهْ
دعا ورعا وكان لنا دعامهْ
يقيم لنا الهدى بَعْضَ اسْتقامهْ
زعيماً للخلافة والزعامهْ
وأتْقَاهم وأعلاهم علامهْ
وأقدم يوم حرب من أُسَامهْ
رأوه لها وللإسلام شامهْ
ولا في دينهم بَلَهَ النعامهْ
تعقّب في عواقبه ندامهْ
وأَسْبَغَ فوقهم ظُلَلَ الكرامهْ
وعوّضهم من الموتِ السلامهْ
فذاقوا من مُشَطَّبِهِ انتقامهْ
ويسجد حدّه في كلّ هامهْ
أذاقهم القيودَ المستظامهْ
تلطّف بالقرابة والرحامهْ
فإن المصطفى أعفى قريشاً
همُ عن دارِه أَقْصَوْهُ ظلماً
فلم يُهْلِكْ قرابتَه ولكن
وأخت النضـر وافته بشعرٍ
وفي الشيما حديث مستفيضٌ
فإن السيّد المهديّ منكم
ألم يكُ جدّك المهديّ خالاً
سألْتُك أن تبرّد منه سَاقاً
وأوْسِعْهُ نَوالاً وابتذالاً
فإني والحديثُ له شُجُونٌ
نَصِيْحَةُ وامقٍ خَدِنٍ شفيق
أخاف إذا استمرّ القَيْدُ فيه
فيسألك الإله بأيّ ذَنْبٍ
فإن من الظلامة منعه من
ففكّ القَيْدَ عنه كي يصلي
وأغلق دونه باباً حفيظاً
وهاكَ قصيدةً غرَّاء تحكي
وأطلقهم وقد كرهوا مقامهْ
وراموا يوم فارقهم حمامهْ
أراهم من طلاقته ابتسامهْ
فرقّ لها وأَنْطَقَها كلامهْ
عفى والموت أقرب من ثمامهْ
بمنزلة تحقّ له الفَخَامهْ
له وكفى بذلك في الرحامهْ
نحيفاً قَيْدُهُ أوهى عِظَامهْ
وروِّ بجودك الهامي أوامهْ
وليس تليق في الدين الحشامهْ
محبّ ليس يحتاج القسامهْ
تجيء مُقَيَّداً يوم القيامهْ
تقيّده وتحبسه ظلامهْ
تمكُّنه الصلاة المستدامهْ
بأركان يدير لهنّ قامهْ
وَكِلْهُ إلى الحفاظة والرسامهْ
إذا جئتَ الغضا ولك السلامهْ
وقد كتب إليَّ الولد العلامة الأديب محمد بن أحمد الكبسي قصيدة على هذا الوزن، صدرها:
دَعَا ذِكْرَ النَّداما والمدامَهْ
وحيُّوا حجَّة الإسلامِ حَقاً
وبَدر الآلِ مَنْ أحيا هداهم
وإذكاء الغَرَامِ برِيْمِ رَامَهْ
ونبراسَ الفضائل والعَلامَهْ
وفذاً في بني الحسنين شامهْ
والقصيدة بتمامها في ديوان الحكمة ص 109.
ثم أُطْلِقَ من الحبس سنة إحدى وثمانمائة، تُوفّي بالطاعون الكبير في صفر سنة أربعين وثمانمائة عقيب موت علي بن صلاح بدون شهر، مشهده بظفير حجة عمره خمس وستون سنة.
ومن كراماته عَلَيْه السَّلام: أنه وَضَعَ يده الشريفة على صبيّ قد بلغ الحلم وهو أخرس لا يتكلّم، ثم تلا عليه، ثم قال له: قل لا إله إلا الله، فنطق بها الصبي مُفْصِحاً حتى سَمِعَهُ أهْلُ الجمع.

من مؤلفاته(ع):

كتاب البحر الزخَّار، انتزعه من الانتصار للإمام يحيى، والبحر الزخّار يشتمل هو ومقدّماته على جلّ علوم الاجتهاد.
ومنها: كتاب معيار العقول وشرحه منهاج الوصول في الأصول، وكتاب رياضة الأفهام في علم اللطيف، وشرحه دامغ الأوهام، وكتاب الغايات، وله المكلل شرح المفصل، نحوي وصرفي، ومتن الأزهار وشرحه الغيث المدرار أربعة مجلدات في الفقه.
وفي السنّة: الأنوار الناصّة على مسائل الأزهار، والقمر النوّار.
وفي الفرائض: القاموس، والفائض.
وفي أصول الدين: نكت الفرائد، وكتاب القلائد، والملل والنحل، وشرحه المنية والأمل.
وفي النحو أيضاً: الكوكب الزاهر، شرح مقدمة طاهر، والشافية شرح الكافية، وتاج علوم الأدب، وإكليل التاج.
وفي علم الطريقة: التكملة.
وفي السير: الجواهر والدرر في سيرة سيّد البشر، وشرحها يواقيت السير، وغير ذلك.
ويوجد في مؤلّفاته الكلامية اختيار أقوال للمعتزلة لا توجب التضليل، والذي يظهر أن الإمام وغيره من أهل ذلك العصر تأوَّلوا كلام المعتزلة وحملوه على أحسن المحامل، فلما صحَّ لهم ذلك جعلوا تلك الأقوال لهم، على أنه يخطِّئهم في مسائل عدَّة، فأما الإمام فلا يحتاج كلامه إلى تأويل، لأنه مُصَرِّحٌ بأن ليس المراد مثلاً بثبوت ذوات العالم في الأزل إلا تعلّق العلم بها والحكم عليها، ونحو ذلك، فلم يبق إلا الخطأ في العبارة، لكن يقال: إن لم يكن مقصودهم إلا ذلك فلم لا يقولون هي ثابتة في القدم، فما بال الفرق بين الأزل والقدم، لأن الله سبحانه وتعالى عالم بما كان وما يكون، ومالم يكن لو كان كيف كان يكون، وعِلْمُ الله لا يقتضي التخيل والتصور: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى11]، فإن كان قصدهم بالثبوت هو صحة العلم بها ونحوها - وقد صرَّحوا بأنها غير ثابتة في القدم - فإذاً مقتضى كلامهم أنَّ الله لا يصح أن يعلمها في القِدَمِ، ولا يصح أن يحكم عليها، وهل هذه إلا جهالة لا محالة، فإن قالوا: إنما أردنا أنه لا يعلمها في القدم، أي لا يعملها كائنة أو موجودة على معنى قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران142]، أي مجاهدين، لأنه لم يكن قد وقع منهم جهاد، وإنما هو متوقّع، أفاد ذلك (لمَّا)، قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ’ في المسترشد في بحث صفات الأفعال، وقد كان سبحانه وجل عن كل شأن شأنه، ولما يفعل الجود والرحمة، والعفو والإحسان والنعمة، ثم فعلها، فأتى الإمام بلمّا حيث كانت هذه الأفعال من الله متوقّعات، وأما أنهم سيجاهدون أو لا يجاهدون فهو يعلمه كذلك جل وعلا.
قلنا: فعلى هذا أما في الأزل فقد علمها كائنة موجودة، فإن قالوا: إنما قلنا: بأنها ثابتة في الأزل دون القدم تحاشياً ودفعاً للإيهام.
قلنا: فقد وقعتم فيما هو أشد، وكنتم كما قال:
وكُنْتُ كالآوِيْ إلى مَثْعَبٍ
موَائِلاً من سَبَل الرَّاعِدِ
والذي تقرَّر أن أصل هذا كلّه تَشْكِيْكُ الفلاسفة في التعلّق، وأنه مَحَاْلٌ تعلّق العلم والقدرة بالمعدوم، فأمّا هم فثَلَمُوا السّور وبَنَوْا على هذا قِدَمَ العالم، وأما المعتزلة أعني جمهورَهم، فقالوا: بل ذَوَاتُ العالم ثابِتَةٌ في الأَزَلِ ليصحّ تعلّق العلم بها، وليست بموجودة ولا أعيانها، واصْطَلَحُوا على حقائق للذّوَات والأعيان والثبوت والوجود، وغير ذلك مما هو مشروح في علْم الكلام، هذا هو الذي أدَّاهم إلى المناقضات، والقول الطويل العريض في الذوات والصفات.
نعم، أما تَشْكِيْكُ الفلاسفة قَطَعَ اللهُ دَابِرَهم في التعلّق، فالجوابُ الحاسم هو ما نشاهده من الحوادث اليوميّة بالعيان، ونُدْرِكُهُ بالوجدان، فلم تَحْتَجْ في التعلّق إلى الوجود في القدم، وثبتَ أنّهم - في نظرهم - أضلّ من النعم، وقد تبيَّن بالأدلة القاطعة إِحْدَاثُ العالمين، وإخراجُهم من العَدَمِ المَحْض إلى الوجود المحقّق اليقين، وقد اضطرّتهم حتى عدلوا إلى إثبات العِلَلِ، وتأثير الإيجاب، وقد ردَّ الله جل جلاله عليهم بقوله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف51]، ومما نقض عليهم به في استدلالهم على ثبوت الذوات بالعلم؛ أنا نعلم بالنفي، كنفي الشريك، والمحال، ونحو ذلك مما لا يثبت، وأجيب بأجوبة ركيكة ليس هذا محلها، وهذه الفروق والاصطلاحات مما لا يعلم في الوضع اللغوي ولا الشرعي، سواء كان الوضع توقيفاً أو غيره، وكذلك خوضهم وتطرّقهم بالأوهام في الأمور التي ضُرِبت دونها حجب الغيوب، وتقحمّهم في السدد التي حارت عندها الأفهام، وإن كان قد تؤول لهم بأنها عندهم أمور اعتبارية، واصطلاحات سابرية، ليست بأكثر من التعبير، لكن يقال: فما لهم والتضليل والتخطئة لبعضهم بعضاً، بسبب هذه الخيالات، وما بالهم والتوسط بين الفلاسفة والأئمة، وهم يزعمون أن علمهم مأخوذ من علم أهل البيت، وأنهم أخذوا قواعد العدل والتوحيد عن وصي رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا شك أنهم كذلك أخذوها عنه، ولكنهم أحدثوا في ذلك ما لم يكن منه، أيظنون أنه خفي على حجج الله من أهل بيت النبوة ما أثبته الفلاسفة الحائرون من الخيالات الخارجة عن حدود العقول، التي قطعوا فيها أعمارهم، فلم يقفوا منها والله على محصول، بل أوردتهم بضعف إدراكهم موارد الإشراك، وقادتهم بحيرتهم إلى مَهَامِهِ الهلاك، فسبحان من باين خلقه بصفاته رباً كما باينوه بحدوثهم خلقاً، ولنعد إلى ما نحن فيه، فهذه مفاوز تُخْرِجُ إلى أودية التيه.
وللإمام المهدي في باب المنظوم مجال رَحْب، ومقال عَذْب، من ذلك قصيدته المسماة الزهرة الزاهرة ضمّنها تعداد الأنبياء ¢ مطلعها:
أَمِنْ نكباتِ الدهر قلبُكَ آمن
وهي نحو مائة بيت.
ومن روعات فيه روعك ساكن
وله الدرة المضيئة في ذكر ما نال أهل البيت من محن الدنيا الدنيّة صدرها:
لوميض بَرْقٍ لاحَ للمشتاقِ
أرسلت دَمْعَ سحائبِ الأَحْدَاقِ
وقد مرّ لنا ذكر بيتين منها.
وله مخاطباً لبني الفواطم، وما أحقّهم بلزوم تلك المكارم، وأخلقهم بقبول النصح من إمامهم العالم المرشد إلى أعلا المعالم، وهي:
إذا ما رأيتَ الفاطميَّ تمَرَّدا
فذاكَ الذي لماَّ اكْتَسى ثوبَ عِزِّهِ
فيا سَوْأتا للفاطميّ إذا أَتَى
فلو لم يكن إلا الحياء عقوبة
لكانَ له والله أعظم وازع
فقلْ لِبَنِيْ الزهراءِ إنَّ محمداً
وإن أباكم حيدراً بعده الذي
فلا تهدموا بنيانَ والدكم وقد
فَشَـرُّ فتىً في العالمينَ فتىً أتى
أقامَ على كَسْبِ المعاصي وأَخْلدا
تَبَدّلَ أثوابَ الدناءِة وارْتَدى
أسير المعاصي يوم يَلْقَى محمداً
ولم يخشَ أنْ يَصْلَى الجحيم مخلَّدا
عن النكر والفحشاء كَهْلاً وأَمْرَدا
بنى لكم بيتَ التقاء وشيَّدا
حماه وقد قامت إلى هَدْمِه العدى
تحسَّى أبوكم دونه جرع الردى
وقد أَصْلَحَتْ كفَّا أبيه فأفسدا
وقال مناصحاً لولده بأبيات لم يسبقه بها سابق، ولم يلحقه إليها لاحق، وهي:
اسْمَعْ هداكَ إلهُ الخَلْقِ يا وَلَدِي
إن المعالي سماوات مُرَكَّبَةٌ
عقلٌ وحلمٌ وصبرٌ والأناةُ مع الـ
ثم المروءة فاحرصْ في ارْتِقَاء مَرَاْ
فكل لذَّةِ عَيْشٍ لا يصاحِبُها
انتهى.
وصيَّة لكَ من خيرِ الوصيَّاتِ
سبع كَترْكِيْبهِ السبعَ السماواتِ
ـعلم الغزير وإخلاص الدياناتِ
قيها ولا تشتغل عنها بلذّاتِ
نيل المعالي فمن عيش البهيماتِ
ولله درُّه، وقد اخترتُ إيرادها إيثاراً لواجب النصح نَفَعَ اللهُ بها.
أ(ولاده(ع):)
الحسن، وهو مؤلِّف سيرته لا عقبَ له، قال العلامة محمد بن علي الزحيف رضي الله عنه: وكان من الفضلاء الأعيان أهل العلم الغزير والإتقان، وشمس الدين، وهو من عباد الله الصالحين والأخيار المفلحين، جُمِعَ هذا الشرح وهو باقٍ، انتهى.
العودة إلى صفحة الأئمة

أئمة آخرون