= وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ٥٤}[النساء]، ومثل ما جاء في قوله تعالى: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... }[ص: ٢٦]، ونحو ما في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... }[القصص]، ومثل ما جاء في محمد صلى الله عليه وآله وآل محمد: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ}[الحج: ٤١]، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة: ٢٤٧]، في قصة طالوت، فعلى ذلك يكون إيتاء الله الملك في هذا الوجه حقيقة وفي الوجه الأول مجاز، ويجوز حمل الآية على الوجهين الحقيقي والمجازي، ويسمى ذلك عموم المجاز.
وبعد، فيمكن توضيح المقصود للعامي إن أمكن، فيقال: إن الله تعالى أعطى المتسلطين أسباب التسلط والملك للابتلاء والاختبار، كما أعطى قارون قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}[القصص: ٧٦]، فأعطى الله تعالى قارون أسباب التسلط على الناس من المال الكثير والقوة والتدبير، فتسلط على الناس وظلمهم، فاستنكر الله جبروت قارون وتسلطه على الناس وظلمه لهم، ووعظه صالحو قومه فلم يتعظ، وحذروه فلم يحذر، فخسف الله به وبداره الأرض، وقصته مذكورة في آخر سورة القصص، فعلى ذلك فما حصل من ملك وتسلط في الأرض فإنما حصل بسبب ما أعطاه الله للمتسلط من المال والقوة والتخلية.
سؤال: ما الوجه في انتقال الآية من الإخبار إلى الدعاء بقوله: {اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ... }؟
الجواب: جاءت هذه الآية بعد ذكر ما عليه أهل الكتاب من التكذيب والكفر وإعراضهم وجحودهم لرسالة محمد صلى الله عليه وآله، وهذا مع ما لقي النبي صلى الله عليه وآله من تكذيب الأميين وهم المشركون، ورفضهم لدينه ورسالته، وجاءت بأسلوب الدعاء لأمور:
١ - لأن المقام مقام طلب النصر من الله والالتجاء إليه في أن يعز نبيه ودينه، وذلك من حيث أن أبواب الأمل بنصره وإعزاز دينه قد أغلقت في وجهه صلى الله عليه وآله ولم يبق إلا باب في نصر الله وتأييده، وطلب ذلك من الله موجود في قوة الكلام.
٢ - في الدعاء وطلب النصر والتأييد من مالك الملك ... إلى آخر ما ذكر من صفات العظمة =