⬇️ تحميل الكتاب كاملاً

دروس رمضانية

علي بن أحسن الحمزي
📄 صفحة 274 - الجزء 1

  مصائب الدنيا نِعمٌ، ومصائب الآخرة نِقمٌ، فإذا ميز بينهما واعتبر، أقبل على خيرهما عاقبة، وعمل لآخرته بطيبة من نفسه، وانتبه واطمأن، وعرف أن الآخرة خير من الدنيا، وتحصَّن بذكر الله في دنياه، وعمل لعقباه، فطوبى له وحسن مآب.

  قال الوافد: فما يجب عليه بعد ذلك؟

  قال العالم: يجب عليه أن يدعو عباد الله إلى الله، ويعرِّفهم أنهم قد هربوا من ربهم، فيرغبهم ويردهم إلى مولاهم من بعد هربهم منه، ويحبب إليهم خالقهم، ويعلمهم شرائع دينه، ويعرفهم آلاء الله ومنَّه ونعماه، ويلقّنهم الشكر، ويرغبهم بالذكر في طاعته، ويحذرهم من معصيته، ويريهم تقصيرهم، ويخوفهم هجوم الموت عليهم، ويعلمهم التوبة، ويدلّهم على الله، ويعلمهم التوحيد حتى يوحّدوا الله ويصدقوه ويعدلوه، وينشر العلم فنشره غنيمة، وذلك فعل الأنبياء والصالحين، ولو سكت هلك العالم والمتعلم جميعاً، ومثل العالِم والمتعلم مثل نور الشمس ونور العينين.

  افهم لو أن رجلاً بصير العينين بقي في بيت مظلم فسُدَّ بابه، وهو لا يهتدي إلى شيء فيه مخرجه، أليس يكون فيه محتاراً لا ينتفع ببصر عينيه ما دام البيت مظلماً، حتى إذا فُتح عليه الباب، وخرج ورأى ضوء الشمس، كذلك المتعلم يكون في بيت الجهل موثقاً عليه بأنه لا يهتدي إلى الخروج حتى يفتح عليه العالم العارف؛ لأن المتعلم يستضيء بنور العالم، ويهتدي إلى منار طرقه، ويخرج من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فعند ذلك يكون علمه خالصاً صافياً من الآفات، فإنما مثل الجاهل مثل مكفوف البصر لا ينتفع أبداً بضوء النهار، فالليل والنهار في الظلمة عليه سواء. كذلك الجاهل لا يعرف ما هو فيه من ظلمة الجهل وعمى القلب، ولا يميز بين الحق والباطل، والجهل دآء وشَين، لا يداويه غير العلم.

  والعلم شفاء وزين، لا يدخل معه دآء ولا شين، وليس العلم علم اللسان، المعلق على ظاهر الإنسان، الخالي عن القلب، إنما هذا مثله مثل شبكة الصياد