علماءهم الذين هم الربانيون والأحبار لا يستنكرون على قومهم قول الإثم والباطل؛ فإذا سمعوهم يكفرون بالله وبرسوله، ويستهزئون بشرائعه وأحكامه - سكتوا ولم يستنكروا ولم ينهوا، وإذا رأوهم يأكلون الربا والرشوة والسحت لا يغيرون عليهم، ولا يستنكرون ذلك منهم؛ لذلك فهم مثلهم في الشر والجريمة والعقاب.
  {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، يخبرنا الله بقبائح أقوالهم وأفعالهم، والمعنى أن اليهود يقولون: إن الله بخيل.
= {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}[آل عمران: ١٨١]، {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}[المائدة: ٦٤]، {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ}[النساء: ١٥٧]، {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}[البقرة: ٨٠]، {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ}[آل عمران: ١٨٣]، {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}[آل عمران: ٧٥]، ونحو ذلك في القرآن كثير.
سؤال: هل في الآية دليل على أن سكوت علمائهم عنهم أقبح من فعلهم؟
الجواب: قد يؤخذ أن سكوت الربانيين والأحبار عن الإنكار على إخوانهم اليهود أقبح وأعظم جرماً عند الله، وذلك من حيث إن الله تعالى قال في هذه الآية: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ٦٣}، وقال في اليهود الذين يعملون المنكرات: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٦٢} فسمى الله تعالى معصية الربانيين والأحبار صناعة وأعمال اليهود عملاً، والصناعة هي إتقان العمل وإحكامه، وعلى هذا يكون سكوت الأحبار والربانيين أعظم عند الله وأقبح.
سؤال: يروى عن ابن عباس أن هذه الآية أشد آية في القرآن وعيداً فلماذا؟
الجواب: كانت أشد وعيداً من حيث أن الله تعالى ذكر أعمال اليهود الخبيثة وأنواعها، ثم إنه تعالى وصف سكوت علمائهم بما يقتضي أنه أعظم وأسوأ عند الله من أعمال اليهود على كثرتها، وأيضاً من حيث عموم الابتلاء به لكل زمان تقريباً وتعسر التخلص منه، وشدة التكليف به وحضور الخوف من الظلمة إن تكلم ومن الله إن سكت، فهو لذلك تكليف مستمر وحاضر وليس كغيره من التكاليف يحضر مرة ويغيب مراراً، وعند عروضه يمكن تجنبه والابتعاد عنه، والله أعلم.