أنهم كانوا مشركين، وكيف ضاعت آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا(١).
  {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} ومن المشركين ناس يستمعون القرآن.
  {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}(٢) يستمعون إلى القرآن لكنهم لا يفهمونه، وإنما سماعهم كسماع الأنعام؛ فلا يعون ما تقوله يا محمد ولا يفهمونه؛ لأن قلوبهم قد غطاها الكفر فلا تفقه شيئاً واستولى عليها الكبر والكفر والتمرد.
(١) سؤال: يقال: ظاهر الكلام أنه ضاع اعتقادهم في الآلهة، فكيف؟
الجواب: يحتمل الكلام الأمرين:
- إما أنه ضاع معبودهم الذي كان من المفروض أن يحضر ليخلصهم من شدائد يوم القيامة وأهوالها.
- وإما أنه ظهر لهم بطلان الشرك الذي كانوا يظنون أنه الحق النافع.
(٢) سؤال: ما وجه نسبة جعل الأكنة إلى الباري تعالى؟ ويشكل أيضاً ما يفهم من ظاهرها أن الأكنة جعلت من أجل أن لا يفقهوه؟
الجواب: قد تقدم الجواب على ذلك في أول سورة البقرة عند قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ... } الآية [البقرة]، ونزيد ذلك توضيحاً وشرحاً فنقول: أعرض المشركون عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وكان النبي صلى الله عليه وآله يقرأ عليهم القرآن ليفهموه، فيستمعون إليه سماع استخفاف، لا يفتحون لسماعه آذان عقولهم، ولا يتفكرون في معانيه، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحاول أن يفهموا ويفقهوا ما يقرأه عليهم ليؤمنوا، ولكنهم أعرضوا عن تفهم ما يقال لهم، وعن التفكر فيه بعقولهم؛ لذلك مثل الله تعالى حالهم هذه للنبي صلى الله عليه وآله وللمؤمنين بحالة من جعل الله على عقله وقلبه غطاءً يحول بين العقل وبين التفكر والتفهم لما يقال له، بالإضافة إلى سد الطريق على العقل؛ لئلا يصل إليه شيء بواسطة السمع، فجعل في السمع وقراً - أي: ثقلاً وصمماً - يحول دون سماع ما يقال، وكل ذلك لكراهة أن يفقه العقل ما يقال له. فالمشبه به هو كل هذا بما فيه كراهة أن يفقه العقل، والغرض من هذا التمثيل والتصوير هو حسم طمع النبي صلى الله عليه وآله ورجائه وأمله في إسلام قريش.