نبيه صلى الله عليه وآله أن يسأل المشركين من قريش: هل لكم دليل(١) على هذا الذي تدعونه على الله سبحانه وتعالى في المشيئة؟ فهاتوا الدليل إن كان؛ لأن من ادعى دعوى لا بد من برهان عليها، وإلا لم تقبل دعواه عند أي أحد.
  {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ١٤٨}(٢) فلا حجة لكم على دعواكم هذه، وإنما تتبعون أوهاماً، وتكذبون على الله سبحانه وتعالى، وتفترون عليه.
  {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}(٣) الدليل مع نبيه صلى الله عليه وآله، وهو الذي يأتيكم بالحجج البالغة القاطعة التي يقتنع العقل عندها؛ لأن العقل لا يقتنع إلا بالصدق،
(١) سؤال: ما وجه إطلاق العلم على الدليل؟
الجواب: يطلق العلم على المعلومات حقيقة، والدليل هو من جملة المعلومات، غايته أن يكون من استعمال المطلق في المقيد كقوله:
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس قبل اليوم يجتمعان
أي: قبل يوم القيامة.
(٢) سؤال: ما إعراب: {إِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ١٤٨}؟
الجواب: «إن» نافية، «أنتم» مبتدأ، «إلا» أداة استثناء، «تخرصون» جملة في محل رفع خبر المبتدأ، والاستثناء مفرغ.
(٣) سؤال: يقال: ظاهر الآية: فلله الحجة البالغة لا لكم، فكان من المناسب أن يقول: قد شاء عدم إشراككم فأشركتم، أو يقول: بأنه لم يشأ إشراككم، فكيف أجاب بقوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ١٤٩}؟ فكأنه في الظاهر قرر حجتهم، فلو وضحتم المناسبة بين هذا الجواب ومقالهم؟ وكيف صار هذا الجواب حجة بالغة؟
الجواب: قد أوضح صاحب الكشاف معنى هذه الآية إيضاحاً يتبين به جواب السؤال المذكور فقال: فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلله الحجة البالغة عليكم «أيها المشركون» على قود «حسب» مذهبكم، فلو شاء لهداكم أجمعين، منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته تعالى فتوالوهم ولا تعادوهم وتوافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه. اهـ كلام صاحب الكشاف.