وقال غيره:
  لقد علمت وما الإسراف من خُلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
  أسعى إليه فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنَّيني
  لا خير في طمع يدلي إلى طبع ... وعفة من قليل العيش تكفيني
  [ثم] قال الوافد: صف لي المتقي العارف؟
  قال العالم: إن من صفات المتقي العارف، أن يكون غذاؤه ذكر الله، ورأس ماله اليقين بالله، ومطيته الهيبة من الله، ولباسه تقوى، وتحريكه التفويض لأمر الله، وعزمه التسليم إلى الله، وخوفه التعظيم لله، وهو محبوس في سجن الرهبة، مقيّد بالحياء، متنعّم بالمناجاة، قد أمرضه الشوق، وأشغفه الحب، فهو مستأنس بطبيبه، مُمَكَّن بحبيبه، وله ورع لا يشوبه طمع، ويقين لا يشوبه طلب، وانتباه لا يشوبه غفلة، وذكر لا يشوبه نسيان، وعزم لا يشوبه تواني، وتعب لا يشوبه عجز، وعلم لا يشوبه جهل، ورجاءٌ لا يشوبه غِرَّة، ودعاء لا يشوبه فترة، وتفكر لا يشوبه تَوَهُّم، وتوحيد لا يشوبه تشبيه، وتصديق لا يشوبه تكذيب، وتعديل لا يشوبه تجوير. فهذه صفة المتقي العارف.
  فعليك بهذه الطريقة فالزمها، وأقبل عليها بقولك وفعلك، وحركتك وسكونك، وسمعك وبصرك، وظاهرك وباطنك، ونظرك وتمييزك، فإن الخير والبركة بحذافيرها لمن سلك هذه الطريقة.
  واعلم أنك إذا صدقَت عليها نيتك، وعلم الله منك المجهود في ذلك، نظّرك عليها وظفَّرك بها، فمن صبر على هذه الصفة أربعين يوماً لا يشوب عمله بالكدرة والتخاليط والآفات، اتقد في قلبه مصباح النور، وانفتح له عينا قلبه، فيبصر بنورهما إلى جميع الدنيا والآخرة، فيعرف عند ذلك مصائب الدنيا، ومصائب الآخرة، فيصبر على مصائب الدنيا، ويخاف من مصائب الآخرة، لأن