الإمام المجدد للدين /مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي
٢٦ شعبان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف – 1428ه
✦المقدمة
✦تقديم بقلم السيد العلامة المجتهد / محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله تعالى وأبقاه
﷽الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالْمَين، وَصَلَّى الله على سَيِّدنا محمَّد وعَلى أهل بيته الطاهرين.
شَكَرَ اللهُ سعيَ الولدِ العلامة إبراهيم بن مجدالدين المؤيدي، وَأَتْحَفَهُ بِتُحَفِ الكَرَامَةِ، بما أَخْرَجَهُ لنا مِنْ شَيءٍ من سِيرَةِ وَالِدِهِ المبَارَكَةِ، وعَجَائِبِ كَرَامَاتِهِ، ونِتَفٍ مِنْ أَحْوَالِه في أيَّامِ حَياتِهِ، وطَرَفٍ من أعْمَالِهِ، كَعَناوِينَ تَدُلُّ على ما وَرَاءَها، أمّا اسْتِيعَابُ الكُلِّ فَمُتَعَسِّرٌ، ففي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ له أَعْمَالٌ في العِلْمِ وَنَشْرِهِ والإرْشَادِ و .... إلخ جَدِيرَةٌ بِتَسْطِيرها وَتَدْوِينها.
ووالدُه أَعْرَفُ من أن يُعَرَّفَ هو الإمَامُ وحُجَّةُ الله على الأنَامِ، المجدِّدُ للدِّين/ مَجْدُالدِّين بن محمَّد بنِ مَنْصُور المؤَيَّدي رَحِمَةُ الله عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُه.
وهَذا الكِتَابُ قد اشْتَمَلَ على ما قَالَهُ عُلَماءُ عَصْرِهِ من الثّناءِ عَلَيْهِ وبَيَانِ مَنْزِلَتِه وَرُسُوخِ قَدَمِهِ في العِلْمِ، وحِرْصِه على التَّحْقِيقِ والتّدْقِيقِ، والبَحْثِ والتَّفْتِيشِ، ونَشَاطِهِ في الدَّرْسِ والتَّدْرِيسِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ، مع ما مَنَحَهُ الله من جَوْدَةِ الفَهْمِ والحِفْظِ والتَّوفِيقِ والمعُونَةِ.
وسَتَرى في هذا الكِتابِ ما قَالُوهُ، وقد قَالُوا ما بِوِسْعِهم وما بَلَغَتْ إليه بَلاغَتُهم، وهو أَهْلٌ لما قَالُوا، بل فَوْقَ ما قَالُوا.
هذا في جَانبِ العِلْمِ ودَرْسِهِ وتَدْرِيسِهِ وتَحْقِيقِهِ ونَشْرِهِ، ومن
جَوانِب أُخَر، فَقَدْ بارَكَ الله في أَعْمَالِهِ في مَجَالاتٍ شَتَّى.
وعلى الجمْلَةِ فقَدْ تَحَقّقتْ فيه خِلافَةُ النّبوَّة، وآيات الزّعَامَةِ والإمَامَةِ، مِنَ الأَمْرِ بالمعْرُوفِ والنهْي عن المنْكَرِ، وتَبْلِيغِ الدّينِ ورَفْعِ رَايَةِ الحقّ، وَنَشْرِ تَعَاليْمِ الإسْلامِ وأَحْكَامِهِ في الحوَاضِرِ والبَوَادِي.
ومَا زِلْنا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ نَسِيرُ في دَرْبِهِ، ونَهْتَدِي بِهَدْيهِ الذي مهَّدَ طَرِيقَهُ وفَتَحَ لنا أَبْوَابَهُ؛ فالإرْشَادُ اليومَ مُنْتَشِرٌ في كُلِّ مَكَانٍ، ومَدَارِسُ العِلْمِ الدينِيّ للرّجَالِ والنّساءِ مَعْمُورَةٌ بِطَلَبَةِ العِلْمِ في البَدْوِ والحَضَرِ بِبَرَكَتِهِ وجَمِيلِ سَعْيهِ، فهو الذي فَتَحَ بابَ الإرْشَادِ، وأَمَرَ بإرْسَالِ المرْشِدِينَ وتَوْزِيعِهم في البُلْدَانِ.
ومَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كانَ له أَجْرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو الذي فَتَحَ مُؤّسَّسَةَ طِبَاعَةِ كُتُبِ العِلْمِ الزّيدِيَّةِ (مكتبة أهل البيت (ع))، وَوكَّلَ عَلَيْها وَلَدَهُ العلامة إبْرَاهِيم بن مجْدالدِّين حَفِظَهُ الله، ومَا زَالَتْ تَعْمَلُ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ الله وَبَرَكَةِ وَلِيِّهِ الإمَامِ المجَدِّدِ مجْدِالدِّين بن محمَّد بنِ مَنْصُورِ المؤَيّدي، ضَاعَفَ اللهُ أَجْرَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ وأَعْلى مَنْزِلَتَه، وبَارَكَ في ذُرِّيَّتِهِ بَرَكَةً مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بحَقِّ محمَّد وآلِ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، والحمْدُ للهِ ربِّ العَالمين. وَصَلى اللهُ وَسَلَّمَ على سَيِّدِنا محمَّد وعَلى آلِهِ الطَّاهِرِينَ.
✦مقدمة
﷽الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالْمَين، وَصَلَّى الله على سَيِّدنا محمَّد الأَمين وعَلى أَهْلِ بَيتِه الطيِّبين الطاهِرِين، الذين أَذْهَبَ الله عنهم الرِّجْسَ وطهَّرهم تَطْهِيراً.
فهذه سِيرَةٌ مُخْتَصَرَةٌ لوَالِدَنا الإِمَامِ الحجَّة المجَدِّدِ للدِّين/ مَجْدِالدِّين بنِ محمَّد بنِ مَنْصُور المؤيَّدي عليه السلام، أُورِدُها اسْتِنْزَالاً للرَّحْمَةِ، واسْتِجْلاباً للبَرَكَةِ، مَعَ إِثْبَاتِ بَعْضٍ مما زَبَرَهُ في شَأْنِهِ العُلَماءُ الأَعْلَامُ، أَثْبَتُّها من مُتَفرِّقَاتِها لِمُنَاسَبَةِ المقَامِ، وَتَبَرُّكاً بإيرادِ شيءٍ من سِيرَتِهِ العَطِرَة، وَمَقَامَاتِهِ النَّضِرَة، أَسْأَلُ الله تَعالى أَنْ يَجْمَعَنا به في دَارِ كَرَامَتِهِ وبُحْبُوحَةِ جَنَّتِهِ وَمُسْتَقَرِّ رَحْمَتِه مَعَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالحِينَ بِفَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ.
وفي ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ أَحْوَالِ أوْلِياءِ الله الصَّالحِينَ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَنا بهم الأسْوَةُ الحَسَنَةُ في اعْتِقَادَاتِهم وَأَعْمَالهِم وأَقْوَالهم، فهم طَرِيقُ النَّجَاةِ لمن خَلْفَهُم، بهم يَقْتَدِي الْمُقْتَدُونَ، وعلى دَرْبِهم يَسِيرُ الْمُهْتَدُونَ، وفي سِلْكِهم يَنْتَظِمُ الصَّالِحُونَ.
قال والدنا الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام: وغَيْرُ خَفِيِّ أنَّ الاطِّلاعَ على أَحْوَال أَعْلَامِ الاقْتِدَاء، ونُجُومِ الاهْتِدَاءِ، وحَمَلَةِ العِلْمِ وخَزَنةِ الحُكْمِ، لاسِيَّما الهُدَاة الحُنَفَاء من أَهْلِ بَيْتِ المصْطَفى، حُمَاةُ التّنْزِيلِ، وَوُعَاةُ التّأْوِيلِ، وَرُعَاةُ التحْرِيمِ والتّحْلِيلِ، مَصَابِيحُ الظُّلَمِ، وَمَفَاتِيحُ البُهَم، وَيَنَابِيعُ الحِكَم، مَنْ سَرْبَلَهُم اللهُ بِسَرَابِيلِ النّبُوَّةِ في الابْتِدَاءِ، وَكَلَّلَهم بِأَكَالِيلِ الإِمَامَةِ في الانْتِهَاءِ - مِنْ الوَاجِب الأَهَمِّ واللَّازِب الأَعْظَمِ.
كَيْفَ لا! والدِّين بِسَوْحِهم مُتَّصل، والعِلْمُ إلى صَرْحِهم مُتَسَلْسِل، وَمَوَدّتُهم مُطَوَّقَةٌ بها الرِّقَاب، كما صَرَّحَتْ به السّنَّةُ وأَوْضَحَها الكتابُ، والمحبَّة والاتِّباعُ ممن ليس يَعْرِفُهُم تُحِيلُهُما الألْبَابُ، ولو لم يكن إلا الاقْتِدَاء بخَبَرهم، والاحْتِذَاء بسِيَرِهم، بل لو لم يكن من المرغِّبات إلا ما وَرَدَتْ به المأْثُورَاتُ أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالحينَ تَنْزِلُ البَرَكَاتُ.
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ}[الطور: ٢١]، {ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤}[آل عمران]، انتهى.
نعم، قال السيّدُ العلَّامة/ الحَسَنُ بنُ محمَّد الفيشي رحمه الله تعالى في تَرْجَمَتِهِ للإمام مجدالدين المؤيَّدي عليه السلام:
ولِقِلَّةِ عَتَادي وقِصَرِ بَاعِيْ وَكَوْنِهِ كالشَّمْسِ رَابِعَةَ النَّهارِ، والقَضِيَّةَ الْمُسَلَّمَةَ التي لا يَتَسَرَّبُ إليها إِنْكَار، فسَأَسْلُكُ مَسْلَكَ الاخْتِصَار، وَكَيْفَ لي بِالإِجَادَةِ والإِحَاطَةِ في صِفَاتِ قُدْسِيَّةِ وَحِيدِ عَصْرِهِ في القِيَادَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَسَفِيرِ الإسْلامِ لِتَجْدِيدِ مَعْرِفَةِ نُظُمِهِ الأَسَاسِيَّةِ، وَمُنْتِجِ الثَّرْوَةِ العُظْمَى من عُلُومِ العِتْرَةِ النَّبوِيَّةِ، وَحَامِي» 7):
سَرْحِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرةِ من تَيَّارَاتِ المبَادِئ الإلْحَادِيَّة، فأقولُ:
إنَّ الإسْلامَ ومُجْتَمَعَهُ الصَّحِيح إنَّما يَقُومُ على أُسُسِ الهِدَايَةِ، وأَقْطَابِ الدِّرَاية والرِّوَايَة، حُجَجِ الله على خَلْقه، وأُمَنائِه على تَبْلِيغِ نَهْيهِ وأَمْرِه، وَرَثَةِ الأَنْبِياءِ الذينَ اسْتَخْلَصَهم اللهُ وَوَفَّقَهُمْ لِقَهْرِ قُوَى الطَّبيعَةِ، وحُبّ المادَّة والشَّرَفِ، تَتَفَاعَلُ أَنْفُسُهم في التّصَوُّرِ الْمُسَدَّد الشَّامِلِ لأَبْعَادِ الملَّة الحَنِيفِيَّة، وأَسْرَارِها ومُقَوِّمَاتِها، وَما يَلْزَمُ لها وما يَتَنَافى مَعَهَا، وبالْوَعِي الكَامِلِ، والعَقِيدِةِ الرَّاسِخَةِ، والضَّمِيرِ الخَالِصِ عن جَميعِ الرَّوابِطِ والْمُلَابَسَاتِ والانْطِبَاعَاتِ بغيرِ الْمَنَاهِجِ الإلهِيَّةِ، والقِيَمِ الفَاضِلَةِ الزَّكِيَّةِ، ولِذَلِكَ اسْتَطَاعَتْ أنْ تَتَخَلّى عن الخطِّ النَّفْسِي، والاتّجاهِ العُنْصُرِيّ، والخُلُقِ التَّقْلِيدِيّ، والجَبَرُوتِ التَّغَطْرُسِيّ، وقَضَتْ على جَمِيعِ العَقَباتِ والحَوَائِلِ دُونَ أَدَاءِ أَمَانَتِها الكُبْرَى ورِسَالَتِها العُظْمَى، وهِيَ الدَّعْوَةُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، والتَّمَشّي مع هَدْي الإسْلامِ، وهذا هو الاسْتِعْلاءُ الحَقِيقِيُّ الدَّائِمُ القَائِمُ، {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢}[الأحزاب: ٦٢]، إنِّي تَارِكٌ فيكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ به لَن تَضِلُّوا من بَعْدِي أبَداً كتابَ اللهِ وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي إنَّ اللَّطِيفَ الخبِيرَ نبَّأَني أنَّهما لن يَفْتَرِقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ، اللهمَّ بَلى؛ لا تخْلُو الأَرْضُ من قَائِمٍ لله بِحُجَّةٍ، صَدَقَ اللهُ وصَدَقَ رسولُه، وصَدَقَ وَلِيُّهُ.
والإمام الحجَّة/ مَجْدُالدِّينِ بنُ محمَّد المؤيَّدي عليه السلام مِنْ مِصْدَاق واقِعِ هذه الأدِلّة الصادِقَةِ في عَصْرِنا، فَهُوَ مَنْ جَمَعَ الله به الفَوَاضِلَ
والفَضَائِلَ، ورَأَبَ به صَدْعَ المائِلِ، وثبَّتَ عُرَى القَواعِدِ والدّلائِلِ، المجْتَهدُ الجَهْبَذُ الْفطَاحِلُ، عَالِمُ العَالَمِ الوَحِيدُ، والنَّاقِدُ الثَّبْتُ الْمُسَدَّدُ الرّشِيدُ، ربَّاني العِتْرَةِ وحَافِظُها، ونِحْرِيرُها وحَجَّتُها، الإمامُ المجَدِّدُ لتراثِ آلِ الرَّسُولِ، والقَامُوسُ المحِيطُ بِعِلْمَي الْمَعْقُولِ والْمَنْقُولِ، أَمْتَعَ اللهُ بِدَوَامِ بَقَائِهِ الدِّينَ والْمُسْلِمِينَ، وَرَفَعَ مَنْزِلَهُ مع الأنْبِيَاءِ والْمُرْسَلِينَ.
✦مولده ونشأته
وُلِدَ أسْعَدَهُ الله في ٢٦ شعبان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف، بالرَّضْمَةِ من جَبَلِ (برط) دارِ هِجْرَةِ والدِهِ الأُولى لما انْتَقل إلى هنالك من هِجْرَةِ ضحيان صعدة، مع مَنْ ارْتَحَلَ من العُلَماءِ الأَعْلَامِ إلى مقَامِ الإمامِ المهدي لدين الله محمَّد بن القاسم الحُسَيْنِي عليه السلام، لاسْتِقْرَارِ الإمام هنالك، وقيامه بواجب الدَّعْوة ونَشْرِ العِلْم الشريف، رَغْمَ اسْتِيلاءِ الأتراك على أكثر قُطْرِ اليمن.ووالدُه هو المولى السيِّد العلَّامة العَابِدُ الزكيّ محمَّد بن منصور بن أحمد المؤيدي رضي الله عنه، المتوفى في جمادى الأولى سنة ستين وثلاثمائة وألف بمدينة صعدة، كان لا يُجَارَى في فَضْلٍ، ولا يُسَامَى في نُبْلٍ، ولا تَأْخُذُهُ في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.
ووالدتُه هي الشريفة الطَّاهرة النَّجيبة الزاهِرَة، حَلِيفَةُ العبادة والزَّكا أمة الله بنت الإمام المهدي/ محمد بن القاسم عليه السلام المذكور آنفاً.
فشبَّ الإمامُ مجدالدين المؤيدي عليه السلام بينَ هذِه الأُسْرَةِ الكريمة، وعليه رَقَابَةُ عَيْنِ العِنَايةِ القُدْسِيَّة، وتوجِيهَاتُ العَوَاطِفِ
الرَّوْحَانِيَّة الأبويّة، فَدَرَجَ بَيْنَ أَحْضَانِ البيئةِ العربيةِ، والترْبِيَةِ الهاشِميّة العَلَوِيّة، يَتَلَقّى المواهِبَ الفِطْرِيَّةَ السَّنِيَّةَ، وفُتُوحَات الطّمُوح إلى المعالي والعَبْقَريّة، فَصَفَتْ سَرِيرَتُه، وخَلُصَتْ عن كل شائبةٍ سَجيّتُه، وانْطَبَعَتْ نَفْسُه بمبادئِ الخُلاصَةِ المصْطَفَاةِ، ومُقَوِّماتِ السعَادَةِ والصَّراحَةِ في ذاتِ اللهِ، وطَهُرَتْ طُفُولَتُه الغَضَّة عن أَوْضَارِ لِدَاته، وحَازَ الْمُثُلَ العُلْيا في عُنْفُوَانِ حياتِه، ورُبَّ صغير قَوْم كبير قَوْم آخَرين، فنَبَغَ منه مُثَقَّفٌ مُؤَيَّد، ومُقَوَّمٌ مُسَدّدٌ، مُؤَهَّلٌ للمَكْرُمَاتِ، مُرَشَّحٌ للكمالاتِ، وقد اسْتَزَادَ من ظُرُوفِهِ المحِيطَةِ، ولَمَحَاتِهِ الصَّادِقَةِ الحديدة؛ عِلْماً إلى فَهْمٍ، وتَصْمِيماً في الجدِّ والعَزْمِ، كي يَلْحَقَ برَكْبِه.
✦نسبه عليه السلام
مَجْدُ الدِّينِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الحَسَنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ الإِمَامِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ الْمُؤَيَّدِ بْنِ جِبْرِيلَ بْنِ الْمُؤَيَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الأَمِيرِ شَمْسِ الدِّينِ يَحْيَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ النَّاصِرِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإمام المنتصر بالله مُحَمَّدِ بْنِ الإمام الْمُخْتَارِ القَاسِمِ بْنِ الإِمَامِ النَّاصِرِ أَحْمَدَ بْنِ الإِمَامِ الهَادِي إِلَى الْحَقِّ يَحْيَى بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَلَامُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ.✦دراسته ومشائخه
فَدَخَلَ مَرْحَلَتَهُ الثَّانية في حَياتِهِ وهي الدِّرَاسَة، أَقْبَلَ بِكُلِّيَتِه إلى العِلْمِ وشغف به وعَكَف عليه، وأَلَبّ به، وقد ساعدَهُ اتِّقادُ ذِهْنِه.فَدَرَسَ على وَالِدِهِ رحمه الله جُلَّ العُلُومِ، المنْطُوقِ منها والمفْهُومِ، في: النحو، والصَّرْفِ، والمعاني، والبيان، والبَدِيع، والمنْطِقِ، واللغة، والأُصُولَيْنِ، والتَّفْسِيرِ، والحَدِيثِ، والفِقْهِ، والفَرَائِضِ، ومَعْرِفَةِ رِجَالِ الرِّوَاية، والتاريخ، والسِّيَرِ، وغير ذلك، وأَجَازَهُ إجَازَةً عامّةً في جميع مَسْمُوعَاتِهِ ومُسْتَجَازاتِهِ، ووالِدُهُ رضي الله عنه أخَذَ عن الإمام المهدي محمد بن القاسم الحسيني عليه السلام.
قَالَ والدُنا الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام في كِتَابِه لَوَامِعُ الأَنْوَارِ ج ٢/ط ٥/ ٣١:
وَأَقُولُ: وأَنَا بحَمْدِ الله تَعَالى وَفَضْلِه، وتَحَدُّثاً بِنِعْمَتِه، وَشُكْراً لمنَّتِه، مَنَّ اللهُ عَليَّ بِمُلازَمَةِ والدِي - رِضْوَانُ الله عَلَيْه - من ابْتِدَاءِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، قَرَأْتُه عَلَيْهِ، وأَسْمَعْتُ عَلَيهِ في المتُونِ، ثُمَّ في عُلُومِ الآلَةِ، والأُصُولَيْنِ، والتَّفْسِير، والحَدِيثِ؛ ولم أَزَلْ أَسْتَضيءُ بِمِصْبَاحِه، وأَهْتَدِي بِضَوْءِ صَبَاحِهِ، وذَلِكَ نحو خَمْس وعِشْرين سنَةً، حتى اخْتَارَ اللهُ له مَا عِنْدَهُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وأَرْضَاهُ، وجَزَاهُ عنَّا وعن المسْلِمِينَ أَفْضَلَ جَزاه، وَجَمعَ بَيْنَنا في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ، وَدَارِ كَرَامَتِهِ -. وإِسْنَادُهُ رضي الله عنه أَرْفَعُ أَسَانِيدِ مَنْ أَدْرَكْنا مِنْ أَعْلامِ عَصْرِهِ، ونُجُومِ أَهْلِ دَهْرِه، فلَم يَبْقَ أَحَدٌ ممن أَسْمَعَ على الإمَامِ، ومَنْ في سَمْتِهِ من العُلَماءِ الكِرَامِ غَيرُهُ.
وكانَ - رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ - على ذَلكَ المنْهَجِ من الِعْلمِ، والعَمَلِ، والزّهْدِ، والوَرَعِ، وبُلُوغِ الغَايةِ في الاجْتِهَادِ، والتَّحَرِّي والانْتِقَادِ، وشِدَّةِ المرَاقَبَةِ لله سُبْحَانَهُ، والغَضَب له، وتَقْدِيم مُعَامَلتِه في كلِّ إصْدَارٍ وإيرَادٍ؛ وآثرَ في آخِرِ أيَّامِهِ رضي الله عنه العُزْلَةَ والبُعْدَ عن النّاسِ، لما شَاهَدَ من فَسادِ أهْلِ الزَّمَنِ، وتغيِّر الأعْلامِ والسُّننِ، حتى صَارَ كثيرٌ من النّاسِ - لِعَدَمِ الخِلْطَةِ - لا يَتَحَقَّقُ مَعْرِفَتَهُ؛ وتَفَرَّدَ للخُلْوَةِ بنَفْسِهِ، والعِبَادَةِ لِرَبِّه، وإِحْيَاءِ الليلِ والنَّهارِ، بالتّلاوَةِ والأَوْرَادِ والأذْكارِ، إلا ما تَوَجَّهْنا إليْهِ في تَفِرْيغِهِ من الأوْقاتِ للقِرَاءة؛ وأكْرَمه اللهُ تعالى بِكَراماتٍ نيِّراتٍ، وبشارَاتٍ بيِّناتٍ، شَاهَدْناها مُعايَنَةً، ورَأَيْناها مُكَاشَفَةً، مما يُفِيضُه الله تعالى لأَوْلِيائِه، وخَاصَّةِ أَصْفِيائِه، من قَرابَةِ خَاتم أنْبِيائِه، وأَوْلِيائِهم - صَلَوَاتُ الله عَلَيْهم وَسَلامُه -.
فلله الحَمْدُ على ما وَهَبَ، ونسأله تعالى الإعانة على القِيامِ بما وَجَبَ، إنه قريبٌ مُجِيبٌ.
✦تعداد مسموعاته عليه السلام على والده رضي الله عنه
نعم، فقَدْ ثَبَتَ لي السّماعُ عنه - بمنِّ الله تعالى - في فُنُونِ العُلومِ؛ منها: في هذه الكتب التي ذَكَرْتُ سَمَاعَه لها على الإمام عليه السلام، [وهي: كِتابُ البَحْر الزخَّار، للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى (ع) وتخريجه لابْنِ بَهْران، وَشْرْح غَايةِ ابن الإمام (ع)، وكَشَّاف الزَّمَخْشَريّ، وغير ذلك كَثِير؛ فقَدْ لازَمَ والدي رضي الله عنه مَقَام الإمامِ (ع) قَدْرَ عِشْرينَ عاماً، وانْتَقَلَ مِنْ وَطَنِه هِجْرَةِ ضَحْيان، للهِجْرَةِ مع من هَاجَرَ من الأَعْلامِ، إلى الإِمَام (ع)، بَعْدَ خُرُوجِهِ من اليَمَنِ إلى هِجْرَتِه المبارَكَةِ بجَبَل بَرَط، وسَبَبُ ذَلِكَ التّحَصُّنُ في الجَبَلِ، حَالَ جِهَادِ الأَتْرَاكِ] وفي مَجْمُوعِ الإمَامِ الأَعْظَمِ زيدِ بن عَلي صلوات الله عليهم بقراءتِهِ عَلينا، وفي أمالي حَفِيدِه الإمام أحمدَ بنِ عِيسى (ع) كذلكَ، وصَحِيفة الإمام علي بن موسى الرّضا، بِقِرَاءتي لها عليه رضي الله عنه بِتَمامِها، وأَحْكَام الإمام الهادي إلى الحقّ (ع) كذلكَ إلى كِتَابِ الحُدُودِ - وَصَحّ لي سَماعُ بَقِيَّتِه بحَمْدِ الله تعالى - وفي البِسَاطِ للإمامِ النَّاصِر للحَقّ الحسن بن علي الأطروش (ع)، وفي شَرْحِ التّجْريد للإمام المؤيد بالله (ع)، وفي تَحْرِير الإمامِ أبي طَالب (ع) بقِرَاءتِه رضي الله عنه، وفي أمَاليهما (ع)، وفي أمَالي الإمامِ المرشِِد بالله (ع) الخمِيسِيَّةِ، وفي تَفَاسِيرِ آل محمَّد (ع)، ومجمُوعَاتِهم، وأُصُولِ الأَحْكامِ للإمام أحمد بن سليمان (ع)بقراءتي لها عليه رضي الله عنه من فَاتحتِها إلى خَاتمتها، وفي شَافي الإمامِ الحجّة المنْصُورِ بالله (ع)، وحَدِيقة الحِكْمَةِ شَرْح الأرْبَعِين له (ع)، وفي مجمُوعِ السَّيد الإمام حميدان بن يحيى القاسِمي (ع)، وشِفَاء الأوام، للأَمِيرِ النّاصِرِ للحقّ الحسين بن محمَّد بدر الدين (ع) في السّنّة، ويَنَابيع النَّصِيحَةِ له (ع)، وأنْوَار اليَقِين لأخيه الإمام الحسن بن بدر الدين (ع) بِقِراءتي لها عليه رضي الله عنه، وفي البَحْرِ الزَّخَّارِ للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى (ع) في النّسْخَةِ التي لديَّ الآنَ، بِخَطِّ وَالِدِنا الإمام الهادي إلى الحقّ عزّ الدين بن الحسَن (ع)، وإنما ذَكَرْتُها لتَعْيِينِ هذهِ النُّسْخَةِ، وإلا فقد تَقَدَّمت في مَسْمُوعَاتِه؛ وفي شَرْحِ أزْهَارِه (ع)،
وفي فُصُولِ السّيد الإمام صَارِم الدين (ع) في أصول الفِقْهِ، وفي الفَلَكِ الدوَّارِ له، وفي شَرْح أساسِ الإمام المنصورِ بالله القَاسِمِ بن محمّد (ع) في أصُولِ الدِّينِ، وفي مِرْقَاتِه في أُصُولِ الفِقْهِ، واعْتِصَامِهِ في السنَّةِ، والبُدُورِ المضِيئَةِ، جَوَابَاتِ الأَسْئِلَةِ الضَّحْيانِيَّة، لِوالِدِنا الإمَام المهدي لدين الله محمّد بن القاسِم (ع)، وفَرائِد اللآلي في الرَّد على المقْبَلي، للإمام المنصور بالله محمَّد بن عبدالله الوزير (ع)، وفي العيونِ للحَاكِم الْمُحَسّن بن كرامة رضي الله عنه، وفي نُكَتِ العِبَادَاتِ، للقاضي شمس الدِّين جعْفَرِ بنِ أحمدَ - رِضْوانُ الله عليه -، والأَسَانِيد اليَحْيويّة التي جَمَعَها القَاضي العلامَة تقي الدِّين عبدالله بن محمد بن أبي النَّجْم، وفي شَرْحِ ابن أبي الحدِيد على نَهْجِ البَلاغَةِ، من كلام
أمير المؤمنين صلوات الله عليه وفي مَقَاتلِ الطَّالبيّين للأصفهاني، وفي الحَدائِقِ الوَرْدِيَّة للفَقِيه الشهِيد حُمَيْدِ بن أحمدَ المحلّي رضي الله عنه في سِيَرِ الأئمَّة، وفي قَواعِدِ عقَائِدِ آل محمَّد، لمحمد بن الحسن الديلمي رضي الله عنه، وفي شرح الثّلاثين المسألة، للقاضي العلامة أحمد بن يحيى حَابِس رضي الله عنه في أصُولِ الدِّين، وفي المقْصَدِ الحَسَنِ له؛ وغير ذلك من كتب الأُصُولِ، والفُرُوعِ.
وقد صحّ لي - والحمد لله تعالى - السماع عليه رضي الله عنه، وعلى غيره في مُؤَلَّفاتٍ واسِعَةٍ، منها: المعْرَاجُ شرح مِنْهاجِ القُرَشِيّ، لوالدنا إمام المحققين الهادي إلى الحقّ عزّ الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) في أُصولِ الدِّين، وفي قِسَْطاسِ وَلَدِهِ الإمام الحسن (ع)، وشرْح الغاية كما سبق، وفي الكَوَافِلِ في أصول الفِقْه، وفي الجامع الكَافِي، والمنْهَاج الجَلي شرح مجموع الإمام زيد بن علي، للإمام محمد بن المطَهّر (ع)،
والرَّوْض النَّضِير شرح المجموعِ أيضاً، لحافِظِ العَصْرِ الأَخِير، الحسين بن أحمد السيَّاغِي في الحديث، وبَيان ابن مُظَفّر في الفِقْهِ والفَرائِضِ، وفي مَباحث وأوائل كُتُبٍ كثِيرة من كُتُبِ أئمّتِنا، وأَتْبَاعِهم، وكُتُب المحَدِّثِين، كالأمَّهاتِ السّتِّ، وفي النَّحْو، والصَّرْف، والمعاني، والبَيانِ، والبَدِيعِ، والمنْطِقِ، في الكُتُبِ المعهودِ دَرْسها.
هذا، وأجازَنا والِدُنا رضي الله عنه كما سَبَقَ في جميعِ طُرُقِه، وما صَحّ له.
رضي الله عنه وأرضاه، وبل بوابل الرحمة ثراه. انتهى من لَوَامِع الأَنْوارِ.
وأخذ عن المولى السيد العلامة نبراس آل محمد وحافظهم الأوحد الحسن بن الحسين بن محمد الحوثي رحمه الله - المتوفى عام ١٣٨٨ هـ بظهران - في مختلف العلوم، وأجازَه فَوْقَ ذَلِك بالإجَازَةِ العامَّةِ في جَميع مَسْمُوعاته ومُسْتَجَازَاتِه، وشَيْخُهُ المذكور أخذَ عن والده رحمه الله، وهو عن الإمام المهدي محمد بن القاسم الحسيني عليه السلام.
كما تَلَقَّى أيضاً عن الْمَوْلى السَّيِّدِ الحافظ المجتهد الْمُطْلَق شَيْبَة الحَمْدِ عبدالله بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي رحمه الله - المتوفى عام ١٣٧٥ هـ، وأجازه إجازة عامَّة في جميع مُؤَلَّفَاتِهِ التي مِنْها: الجَدَوالُ مُخْتَصَرُ طَبَقَاتِ الزَّيديَّة، وجميع مسموعاته ومستجازاته، ومؤلّفَاتِ والِدِهِ الإمام الهادي عليه السلام، وشَيْخُهُ المذكور أخذَ عن والده الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي عليه السلام الآخذِ عن الإمام المهدي محمد بن القاسم عليه السلام أيضاً، وله مشائخ غير من ذُكِرَ أَخَذَ عَنْهُم وأَخَذُوا عَنْه.
وَأخَذَ عن الموْلَى العَلَّامة العَابد الوَليّ عِمَاد الإسْلام يحيى بن صَلاح بنِ أَحْمد سِتِّين المؤَيَّدي رحمه الله، المتَوَفَّى سَنَة خَمْس وثَمَانِين وثلاثمائة وأَلْف، وَهُو ابْنُ خَالِ وَالِدِ الإمام مجْدالدِّين المؤَيَّدي عليه السلام، وَهُو مِنْ مَشَائِخِهِ الأعْلام، أَخَذَ عنْهُ قِرَاءَةً في شَرْحِ التَّجْرِيد، والرَّوْضِ النَّضِير، والبَيَان، وغَيْرِها، وأَجَازَهُ إِجَازَةً عَامّة، وهُوَ
يَرْوِي عن مَشَائِخِه، منهم: شيخ الإسْلام محمَّد بن عَبْدِالله الغَالِبي رضي الله عنهم، ويَرْوِي عَنْه الإمامُ مجدالدين المؤيَّدي عليه السلام الخبرَ المسَلْسَلَ بِعَدِّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ عَدَّهُنّ في يدي، وقال: عدَّهن في يَدِهِ شَيْخُهُ المذْكُورُ، بسَنَدِهِ المتَّصِلِ إلى الإمامِ الأَعْظَمِ زيْدِ بنِ علي عن آبائِه صلوات الله عليهم كَمَا في المجْمُوعِ الشَّرِيفِ.
أما المولى السيّد العلامة بدر آل محمد: محمد بن إبراهيم المؤيدي الملقّب بابن حورية رضي الله عنه، فأَجَازَه إجازةً عامَّةً نَثْراً ونَظْماً، وبَعْدَ أنْ سَاقَ في مَنْظُومَةِ الإجَازَةِ، قال:
وَبَعْدُ إنَّ الوَلَدَ العلّامهْ ... الفَذَّ والنِّبْراسَ ذا الشَّهامَهْ
وَوَاحِدَ العَصِْر فَرِيدَ عقْدِهِ ... لِمَا حَوَى من نُبْلِهِ ومَجْدِهِ
فَهْوَ بلا رَيْبٍ طِبَاقُ اسْمِهِ ... فَلَمْ يكُنْ مخَالِفاً لِرَسْمِهِ
مَجْدَ الهُدَى والدِّين والإسْلامِ ... ونجلَ رَأْسِ العُلَما الأَعْلامِ
محمَّدَ بنَ السيّدِ المنْصُورِ ... ذِي الفَضْلِ والزَّهَادَةِ المبْرُورِ
دَامَتْ لهم من ربّنا السَّعَادَهْ ... والفَوْزُ بالحُسْنَى مع الزِّيَادَهْ
عَوَّلَ في التَّاريخِ أنْ أُجيزَهُ ... في كُلِّ مَسْمُوعٍ وما اسْتَجِيزه
عن مَنْ رَوَى لي مُسْنداً مُسَلْسَلاً ... في كُلِّ فَنٍّ أو رَوَاهُ مُرْسَلا
ومَا قَرَأْتُ من عُلُومِ الأَدَب ... مع الأُصُولَيْنِ وأَعْلا الكتب
في مُسْنَدَاتِ الآلِ والتَّفْسِيرِ ... وفي فُرُوعِ الفِقْهِ بالتَّنْقِيرِ
لأنّ لي والحَمْدُ للجَبَّارِ ... مَشَائِخاً كَانُوا وُلَاةَ البَارِي
كَانُوا كَوَاكِبَ عِلْمِهِ الدّرِّيّهْ ... بَلْ كَشُمُوسِ عالَمِنَا المضِيَّهْ
وهَاكَ تَعْيينِي لأَسْماءٍ لَهُمْ ... وبَعْض ذلك من سِمَاتِ فَضْلِهم
ومَا سَمِعْتُ أوْ قَرَأْتُ مُفْرداً ... عَنْ كُل فَرْدٍ أو بِجَمْعٍ مُسْنَداً
ثم ساقَ في ذِكْرِ مشائخه، وطُرُقِهِ وإجازته للإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام، كما أجَازَهُ غَيْرُهُم من العلماء المبرّزين، انتهى.
قال السيد العلامة/ إسماعيل بن أحمد المختفي رحمه الله في سياقِ ترجمته للإمام الحجّة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام:
حَدَثَ بهجرة برط في أَحْضَانِ الخلافة النبويّة، وأبوه يومئذ أَحَدُ العيون النَّاظرة للإمام، القائِمِينَ بشرائع الإسلام، وهو مَعْرُوفٌ بالعِلْمِ والوَرَعِ والزُّهْدِ، سيدي محمد بن منصور رحمه الله، أدْرَكْتُ شيئاً من عمره في سنة ١٣٥٨ هـ بصعدة المحميّة حينما هَاجَرْتُ إلى صعدة من بلدي شهارة المحْميّة، فعرَفْتُ شَيْبَةَ الحَمْدِ المذكور بصعدة رجلاً فاضلاً، عَالماً وَقُوراً، عَازِفاً عن الدنيا، مُبايِناً لأَرْبَاب الولايات، وَسِنِّيْ يوم عَرَفْتُه في الخامسة عشرة من سِنِّي فقط، وأما بقيّةُ أجْدَادِ المولى الكرام فهم مَنْ لا يُشَقُّ لهم غُبَار.
✦صفته الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة
صفة مجد الآل الخَلْقِيَّة: طَوِيلُ القَامَةِ، إلى الاعْتِدَالِ أَقْرَب، بَيْنَ النَّحَافَةِ والسِّمَن، أَقْنَى الأَنْفِ، أبْلَج الوَجْهِ، أَزَجّ العَيْنَينِ، أَقْرَبُ إلى شُهْلَةٍ، تَامّ اللحْيَةِ مع خِفَّةٍ في العَارِضَين، لا عَاهَةَ به أَبَداً، صَحِيحُ الأَطْرَافِ، سَلِيمُ الحَواسِّ، كان يَعْتَرِيه مَرَضٌ في أُذُنَيْهِ لا يُخِلّ بِسَمْعِهِ أَبَداً.صِفَتُهُ الخُلُقِيَّة: حَسَنُ الأَخْلاقِ، ليِّنُ الجَنَابِ، لَطِيفُ الشَّمائِلِ، مُتَواضِعٌ سَهْلُ الطَّبِيعَةِ، يَعْتَرِيهِ بَعْضُ نَزَقٍ حيث يَسْمَعُ بأَحَدٍ يَتَعَدَّى حُدُودَ الله، أو يُخَالِفُ أَوَامِرَ الله، لا تَأْخُذُهُ في اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ.
لم يَكُنْ مُتْرَفاً، ولا مَشْغُولاً بالرَّفَاهِيَّةِ؛ لأنه نَشَأَ في الزُّهْدِ والعِفَّةِ، لا فَقِيراً فَقْراً مُدْقِعاً يَزْدَرِيهِ الأرَاذِلُ فيُخْلِقُ وَجْهَهُ لأَحَدٍ منهم، ولا مُثْرِياً ثَرَاءً مُبْطِراً كَمَنْ نُشاهِدُهُ من أَبْنَاءِ الدنيا الذينَ هَمُّهم المأْكُولُ والمشْرُوبُ، والرَّوحُ والرَّاحَةُ.
يَقْنَعُ من الزَّاد بما يُقِيمُ صُلْبَه، غَير شَرِهٍٍ ولا نَهِمٍ، ولا مُبالٍ بما يَفْتَتِنُ به أَبْنَاءُ الزَّمانِ من اللحمِ السَّمِينِ والطَّعامِ الأَنِيقِ كالشَّوْي والسَّبَايا الذَيْن هما بِعَصْرِنَا مَشْهُورُ الْمَخْبُوزَاتِ، لا يُبَالي بالزَّمَانِ، ولا يَهُمُّهُ اكْتِسَابُ الدِّرْهَمِ والدِّينَارِ، وحقَّ له أنْ يَتَمَثَّل له بقَوْلِ جَدِّهِ علي عليه السلام:
وما هِيَ إلا جَوْعَةٌ قَدْ سَدَدْتُها ... وكُلُّ طَعَامٍ بينَ جَنْبَيْكَ وَاحِدُ
✦ورعه وزهده
وَرِعٌ عَفِيفٌ مُتَقَشِّفٌ، لم يُخَالِط الدّوْلةَ، ولم يَقُمْ بوَظِيفَةٍ قطّ سِوى تَدْرِيسِ العِلْمِ، وهكذا وَجَدْنَاهُ منذ اجتماعنا وَتَعَرُّفِنَا عَلَيْهِ من سنة ١٣٥٨ هـ إلى التاريخ سنة ١٣٨٧ هـ، لم يقم بقَضِيّة تتّصِلُ بالدَّوْلَةِ إلا نَافِعاً أو شَافِعاً لِضَعِيفٍ ظُلِم، فهو يَتَشَفَّعُ عند ذوي الأمر مع كَرَاهَةِ وُلُوجِهِ عَليْهم، لولا خشيتُه من الله أن يُسْأَل عن جَاهِه.وهو مَرْجِعٌ ديني حقيقة، فلا أَعْلَمُ في أَرْضِ صعدة ونَوَاحِيهَا بمشكلة أو حَادِثة يجبُ البَحْثُ عنها من قبائلِ مدينةِ صعدة أو سكان المدينة تَحْدُثُ عليهم حَادِثَةٌ إلَّا ويقول: سنسألُ سَيّدي مجدالدين، هكذا قبولٌ عَظِيم، وبحبّ شَدِيدٍ ممن عَرَفْنَا هناك.
✦ذوقه وفهمه السليم
ذَوْقُه وفهمه السَّلِيم: لم أَجِدْ منذ عَرَفْتُ من أبناء دَهْري صَاحِبَ ذَوْقٍ سَلِيمٍ كسيّدي العلامة مجدالدين، فهو تَصَدَّر وصَار صَدْراً في إبَّان شَبَابِهِ بذَوْقِهِ وفَهْمِه المنقاد، ونَظَرِهِ الثَّاقِبِ.نعم، مِنْ ذلك أنَّا كنّا بمدرسة صعدة المحميّة شعبة سبعة عشر شخصاً، فلما رأينا سيدي مجدالدين كان يَطْلَعُ الجامِعَ المقدّس بصعدة جامع الإمام الهادي عليه السلام اجتمع رَأْيُ شُعْبَتِنا لَمَّا رأينا خُلُقَ مجدالدين وأَنْظَارَهُ وجوابَاتِهِ وتَفْهِيماتِهِ وتَفْكِيكَهُ لِعَوِيصِ المشْكِلَات - اجتمعنا وتعاهَدْنا أنه لا بُدَّ من جَمْعِ دروسِنا
عند هذا الشاب البارِِعِ المتفنِّنِ الذكِيّ، وتَعاهَدْنا على ذلك، وحَرَّرْنا شيكة [ورقة طلب والتماس] لمديرِ المدرسة القاضي العلامة أحمد بن عبدالواسع الواسعي حفظه الله، بإجماعنا أنّ هذا شيخنا، فرَتَّبَ دروسنا من سنة ١٣٦٣ هـ.
وإليكَ الكتبَ التي دَرَسْناها وهي المهمّات العظيمة: شرح الغاية من فاتحته إلى خاتمته، البحر الزخَّار من فاتحته إلى خاتمته، مُغْنِي اللبيب من فاتحته إلى خاتمته، في الكشَّاف، في الشَّرْح الصغير،
في البَيَان، في دُرُوسٍ كثيرةٍ، منها في شرح التجريد للإمام المؤيد بالله عليه السلام، وأمالي المرشد بالله عليه السلام، والجامع الكافي، وشرح نهج البلاغة، وغيرها سَهَوْتُ عنها لحوادِثِ الزَّمان.
ثم لما تمكّن المولى حجّة الدين/ مجدالدين بجامع الذَّوِيدِ انْهَالَ عليه طَلَبَةُ العِلْم من كلِّ قُطْر من هذه الجهات، انتهى.
مُمَثِّل الفَضِيلَةِ الجَامِع وقِبْلَةُ الأصابع
قَالَ السيِّدُ العَلَّامَةُ/ الحسنُ بن محمَّد الفيشي رحمه الله:وبعد أن اسْتَوْلى على عِلْمَيْ الدِّرَايَةِ والرِّوَايَةِ، وسَلَّمَتْهُ أزِمَّتَها أرْبَابُ التَّحْقِيقِ والهِدَاية، طَارَ اسْمُه وشَاعَ ذِكْرُهُ، وعَظُمَ خَطَرُهُ، فَصَارَ قِبْلَةَ الأَصَابِعِ، وممثّلَ الفَضِيلَةِ الجَامِعِ، ورَائِدَ الْمُتَطَلِّعِينَ إلى ذروة الفَوْزِ والفَلاح، وطَلِيعَةَ السَّابقِينَ من دُعَاةِ الحِكْمَةِ والعَدَالَةِ والإصْلاح، تَلْهَجُ الأَلْسُنُ بمَحَامِدِه، ويَنْشُرُ الأَثيرُ آياتِ مَجْدِهِ وشَوَاهِدِهِ، ولذَلك خَفَّتْ إليه جُمُوعُ الطَّلَبَةِ، أهْلِ الهِمَمِ السَّامِيَاتِ،
وأَحْدَقَتْ به الآمَالُ من كُلِّ المنَاحِي والجِهَاتِ، فَبَسَطَ لهم من خُلُقِه رَحْباً، ومَنَحَهُمْ إِقْبَالاً وَقُرْباً، ومَلأَ قُلُوبَهم شَغَفاً بالعِلْمِ وحُبّاً، وشَحَذَ عَزَائِمَهُمْ، وَرَتَقَ ما فَتَقَ من تَصْمِيمِهِمْ ونَشَاطِهِمْ، فكَانَ لهم أَخاً شَغُوفاً، وَوَالِداً بَرّاً عَطُوفاً، وَصَيِّباً هَتَّاناً دَفُوفاً، أَنْسَاهُم عن الآبَاءِ والإِخْوَانِ، وعن نَفِيسِ الجَوَاهِرِ والعِقْيَانِ، فسُبْحَانَ رَبّ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ ما يَشَاءُ، أَرْيَحِيَّةٌ هَاشِمِيَّةٌ، وأَخْلَاقٌ مُحَمَّدِيَّةٌ، وَتَحَمُّلَاتٌ عَلَوِيَّةٌ.
✦أسلوبه، وغزارة علمه
وَمَهْمَا أَنْسَ مِنْ شَيءٍ لا أَنْسَى أُسْلُوبَهُ الحَسَنُ، وطَرَائِقَهُ الفَذَّةُ في التَّدْرِيسِ، والتَّلْقِينِ بالتَّوْضِيحِ والتَّفْهِيمِ، والصَّبْرِ على طَبْعِ المعَانِي في قَرَارَةِ نُفُوسِ الطَّلَبَةِ، وتَصْوِيرِهَا الممتَازِ، والتَّنازُلِ إلى حَدِّ أنْ تُهَالَ عليه المنَاقَشَةُ والاعْتِرَاضَاتُ، فَيُرْسِلُ عَلَيْهَا أَشِعَّةَ أنْوَارِهِ، وصِحَاحَ عُلُومِهِ وَآرَائِهِ، فتَنْسَخُ غَياهِبَهَا، وتَقْطَعُ شُجُونَها، فَيَتَحَوَّلُ الْمُعْتَرِضُمُقْتَنِعاً رَاضِياً مُسْتَسْلِماً، لكنَّه آمِنٌ من مَغَبَّةِ الخَطَلِ ِوالخَطَرِِ، مُسْتَلْزِماً لِنَتَائِجِ مُقدّمَاتِه في الوِرْدِ والصَدَرِ.
على هذا أَنَّهُ دَائِمُ البَحْثِ في الدَّفَاتِرِ، مُنَكِّتاً عن ذَخَائِرِ النَّفَائِسِ والجَوَاهِرِ، مُشْرِفاً على هَمَسَاتِ الأَفْكَار والخَوَاطِرِ، وفَلَتَاتِ الأصَاغِرِ والأَكَابِرِ، مُمَيّزاً الصَّحِيحَ من الرَّدِي، كَاشِفاً عن وَجْهَي الشَّنَاعَةِ والوَضِي، إنْ رَدَّ أَفْحَمَ، أو اسْتَدَلَّ أَجَادَ وأَفْعَمَ، أَوْ جُورِي سَبَقَ، أو اسْتُمْطِرَ تَدَفّقَ.
هو الْبَحْرُ من أيّ الجِهَاتِ أَتَيْتَهُ
بغَزَارَةٍ في المادّةِ، وَقُوَّةٍ في العَارِضَةِ، وبُعْدٍ في النّظَرِ، وإِجَازَةٍ في وَجَازَةٍ، وسُهُولَةٍ في جَزَالَة،
وطَلَاوَةٍ في بَلَاغَةٍ، وإِبْدَاعٍٍ في الاخْتِرَاعِ، وَسَعَةٍ في الاطِّلاعِ، وَوُقُوفٍ عِنْدَ الحَدِّ، وتَصْمِيمٍ في دَعْمِ كَيَانِ الحَقِّ، واقْتِحَامٍ في غِمَارِ الفُحُولِ، وانْقِضَاضٍ للأَخْذِ بِتَلَابِيبِِ الجَهُولِ إلى حَضِيرَةِ الْمَعْقُولِ والْمَنْقُولِ.
كَمْ نَعَشَ حُكْماً دَفِيناً من بين أَطْبَاقِ الحَضِيضِ، وعَدَّلَ في مَهَارَةٍ لتَثْقِيفِ أَوَدِ الْقَوْلِ الْمَهِيضِ، مع نَظْمٍٍ فَائِقٍٍ، ونَثْرٍ مُسْجَع ٍمُتَعَانِقٍ، وَحَلٍّ لِمُشْكِلٍ، وَبَرْءٍ لِمُعْضِلٍ، وَتَبْيِينٍ لِمُجْمَلٍ، وتَوْضِيحٍ لِمُبْهَمٍ، وجَمْعٍ لِمُفْتَرِقٍ، وقَيْدٍ لآبدَةٍ، وسَيْطَرَةٍ على شَارِدَةٍ، وإِيرَادٍ في إقْنَاعٍ، وَدَعٍ للخَصْمِ في أَجَمِ الانْقِطَاعِ، والحَالُ يَشْهَدُ، والْعَيَانُ فَوْقَ البَيَانِ.
✦من كراماته عليه السلام
✦أمطار وعواصف وبرد في يوم عرفة عام ١٣٦٩ هـ
وفي يَوْمِ عَرَفةَ عام ١٣٦٩ هـ - وكانَ والِدُنَا الإمام/ مجدالدين المؤيَّدي عليه السلام من ضِمْنِ الحَجِيجِ في ذلك العَامِ - وَقَعَتْ عَوَاصِفُ ورِياحٌ شَدِيدَةٌ وأَمْطَارٌ غَزِيرَةٌ صَاحَبَها سُقُوطُ حَبَّاتِ بَرَدٍ كَبِيرَةٍ وبِكَمِّيَّاتٍ كَثِيرَةٍ، ولم يكن لَدَى الحَجِيجِ ما يَقِيهم من ذلك البَرَدِ، فسَقَطَ خَلْقٌ كثِيرٌ قَتْلَى وجَرْحَى، ولَطَفَ اللهُ تعالى بِهِ ولم يُصِبْهُ شيءٌ مِنْهُ، ولم يَكُنْ يَحْتَمِي بِشَيءٍ إلا أنَّ حِمَايَةَ اللهِ سبحانه وتعالى كانَتْتَرْعَاهُ، وقد قَالَ أَبْيَاتاً في شَأْنِ ذلك مِنْها:
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ الْحَمْدِ للصَّمَدِ ... حَمْداً عَلى كُلِّ حَالٍ دَائِمَ الْمَدَدِ
والْحَمْدُ للهِ مَنْ نَعْمَاؤُهُ عَظُمَتْ ... فَلا تُحَدُّ ولا تُحْصَى بِعَدِّ يَدِ
حَمْداً لِمَنْ حَمْدُهُ مِنْ فَيْضِ نِعْمَتِهِ ... حَمْداً عَلى حَمْدِهِ حَمْداً مَدَى الأَبَدِ
ومِنْ مَوَاهِبِهِ التَّبْلِيغُ نَحْوَ مَقَا ... مِ الأَمْنِ للآمِّينَ البَيْتَ ذَا السّددِ
مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ في التَّعْرِيفِ بَعْدَ إذْ عَصَفَـ ... ـتْ رِيحٌ وحَاصِبٌ منهل من البَرَدِ
مِنْ أَجْلِ طُغْيَانِ أَرْبَابِ الفُسُوقِ طَغَى الـ ... ـطُّوفانُ لَمَّا اعْتَدوا في حُرْمَةِ البَلَدِ
وقَدْ سَرَتْ في القَضَا أَلْطَافُهُ بِذَوِي الْـ ... إيمَانِ صُنْعُ الحَكِيمِ العَالمِ الأَحَدِ
حَمَى تَعَالى وَقَى سُبْحَانَهُ وَكَفَى ... مِنْ غَيرِ حَامٍ ولا وَاقٍ ولا مَدَدِ
وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ ... من الدّرُوعِ وعن عَالٍ من العُدَدِ
وَخَاتَمَ الرّسْلِ زُرْنَاهُ وَعِتَرَتَهُ ... مَنْ في البَقِيعِ ومَنْ في السَّفْحِ من أُحُدِ
كَذَاكَ مَهْدِيّ أَهْلِ البَيْتِ مَنْ وَرَدَتْ ... به البَشَاراتُ في العَالي من السَّنَدِ
ومَنْ بِفَخٍّ ومَنْ نَالَتْ زِيَارَتُنَا ... مِنْ سابقٍ في الوَرَى منهم ومُقْتَصِدِ
صَلَّى وَسَلَّمَ رَبُّ العَالَمِينَ عَلى ... طَه وعِتْرَتِهِ الهادينَ مُعْتَمَدِي
وذَا بَعْدَ عَامِ ثَلاثٍ في المئِينَ وَزِدْ ... ألْفاً وسِتّينَ زِدْ تِسْعاً على العَدَدِ
إلى آخر الأبيات.
✦حادثة حصلت له أثناء عوده مع قافلة من الحجيج
وَذَاتَ مَرّة وهو عليه السلام عَائِدٌ من الحجِّ ضِمْنَ قافلة من الحجيج، وكان الناسُ في ذلك الزمَنِ كما هو معروف يحجُّون إلى بيت الله الحرام مَشْياً على الأقدام وعلى الرَّواحِلِ لمن يَمْلِكُ منها شيئاً، فحَصَلَ أن اسْتَأْجَرُوا جِمَالاً للنزول بهم من الحجاز إلى تهامة إلى مَوْضِعٍ اتَّفَقُوا عليه مع أصحاب تِلْك الجِمَال، فلما قطعوا مسافةً في الطريق أَظْهَرَ الجَمَّالَةُ وَقَائِدُهُمْ خُشُونَةً في التَّعامُلِ مَعَهُمْ، وسَارُوا بهم بِخُشُونَةٍ وعُنْفٍ شَدِيدَيْنِ، وهم مُتْعَبُونَ وفي حَالَةٍ يُرْثَى لها بعد أداءِ فريضة الحج وشِدَّةِ السَّفر، وأَغْلَبُهُم من كبارِ السنِّ والْمَرْضى، وليس معهم سِلاحٌ، بل لم يَكْتَفِ الجَمَّالَةُ بذلك فصاروا يَرْكَبُونَ فَوْقَ الْمَرْضَى وكبار السنِّ على تلك الجِمَال.فراجَعَ والدُنَا عليه السلام قَائِدَهم في ذلك، وكان قد رَكِبَ ذلك القَائِدُ أمَامَهُ على الجملِ الذي يَرْكَبُهُ، فنَفَرَ فيه وأَغْلَظَ في الجَوَابِ وتَهَدَّدَ وأَرْعَدَ وأَبْرَق، فلم يُطِقْ والدُنا عليه السلام الصَّبْرَ على الضَّيْمِ،
فَأَهْوَى بذلِكَ القَائِدِ من أَعْلى الجَمَلِ وأَسْقَطَهُ على الأرضِ مُسْتَعِيناً بالله سبحانه وتعالى، فقامَ الجمَّال من على الأرض رَافِعاً سِلاحَهُ يُرِيدُ البَطْشَ به عليه السلام، وإذا بثعبان له صَوْتٌ عَظِيمٌ من بين صُخُورِ الجَبَلِ مُنْطَلِقٌ كالسَّهْمِ، وهي مَعْرُوفَةٌ في تلك البلادِ، فارْتَعَبَتْ الجِمَالُ ونَفَرَتْ، فَخَرَّ ذلك الرَّجُلُ مَغْشِياً عليه على الأَرْضِ من هَوْلِ ما سَمِعَ ورَأَى وأَيْقَنَ بالهَلاكِ، وجَعَلَ يَصِيحُ بأعْلى صَوْتِهِ: سَامِحْنا يا شَرِيف، سَامِحْنا يا شَرِيف،
وبعضٌ من الحجيج من أصحابه عليه السلام ممن قد أَتْعَبَهُمْ أولئِكَ الجَمَّالَةُ يَصِيحُونَ قَائِلِينَ: لا تَدَعْ مِنْهُمْ يا سَيِّدي لا جَمَلاً وَلَا جَمَّالاً.
وبعدَ أنْ هَالَهُم ما حَصَلَ قَامَ ذلك الجَمَّالُ هو وَأَصْحَابُهُ على خِدْمَةِ الحجيج بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وسَارُوا بهم حَسَبَ طَلَبِهِمْ بِرِفْقٍ ولِينٍ، وعندما وَصَلُوا إلى المكان الْمُتَّفَق عليه أَبَوْا أنْ يَأْخُذُوا الأُجْرَةَ، وطَلَبُوا الْمُسَامَحَةَ والدُّعَاءَ لهم.
✦انقطاع السبل به عليه السلام وبأصحابه في منى
وأَخْبَرَنا والدُنا عليه السلام أنه في إحدى حَجّاتِه قبل وجود السيّارات وتَيَسُّرِ سُبُلِ المواصلات انْقَطَعَتْ به مع أصحابه من الحَجِيجِ السُّبُلُ في أيَّامِ منى، ونَفَذَ ما لديهم من مُؤَنٍ، وجَعَلُوا يَتَراودُونَ فيما بينهم كيف سَيَعْمَلُون، فقال لهم عليه السلام: نُصلِّي المغْرِبَ والعِشَاءَ وسَيَجْعَلُ اللهُ لنا من أَمْرِنا فَرَجاً ومَخْرَجاً، فقاموا إلى الصلاة، وبعد انتهائِهِ من التسليمِ جاءَهُ رَجُلٌ لم يَعْرِفْهُ، وكانالضَّوْءُ خافتاً لم تَتبيَّن له ملامِحُه، وقال له: هل تحتاجون إلى مال؟
فقال: نعم. إذا كان لديك مَالٌ نَأْخُذُ منك قِرْضَةً مَرْدُودَةً.
فقال كم تَحْتَاجُ؟
فأجابه: القَدْرَ الذي تَسْتَطِيعُ تَوْفِيرَه. فلم يَعُدْ لَدَيَّ ولا لَدَى أَحَدٍ من أَصْحَابي شَيءٌ.
فأعْطَاهُ مَبْلَغاً كبيراً جداً من الرِّيالات الفرانسي المعروفة، فقال له والدنا عليه السلام: أُرِيدُ مَعْرِفَةَ اسْمِكَ وعِنْوَانِكَ لأَجْلِ ردِّ هذا المال القِرْضَةِ عند تَيَسُّرِهِ.
فقال له: لا عَلَيْكَ. أنا سَآتي إليكَ لأخْذِهِ. وذَهَبَ.
فجَعَلَ والدُنا عليه السلام يَقْسِمُ المالَ بَيْنَ أصْحَابِهِ ويُسَجِّلُ على كلِّ مَجْمُوعَةٍ واحِداً يَلْتَزِمُ عليهم لِرَدِّ ذلك المال لِصاحِبِهِ عند طَلَبِهِ.
ولكن ما حَصَلَ أنَّ ذلك الرَّجُلَ لم يَعُدْ أبَداً، ولم يَعْرِفْهُ والِدُنا عليه السلام ولا أَحَدٌ من أَصْحَابِهِ، وأَيْقَنَ هو وأَصْحَابُهُ أنَّ ما حَصَلَ ما هو إلا من أَلْطَافِ الله تعالى عَلَيْهِ ومَنِّهِ وكَرَمِهِ وجُودِهِ.
✦انقطاع الماء
وأَخْبَرَنا وَالِدُنا عليه السلام أنَّه في طَرِيقِ العَوْدَةِ بعدَ الحجّ ذاتَ مَرّة في ذلك الزَّمَنِ قَبْلَ وجُودِ السيّارات، انقَطَعَ عن قَافِلتهم الماءُ، ولم يجدُوا ماءً في المكان المعروف على الطريق الذي يَعْرِفُهُ أهْلُ السَّفر في المرَاحِلِ المعرُوفَةِ، واشتَدّ بهم العَطَشُ ويَئِسَ الجميعُ من النَّجاةِ، فجَعلَ يُشَجّعهم على مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ وَاثِقاً بِفَرَجِ اللهِ تَعَالى،وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ في نَوَاحِي تِلْكَ المنْطِقَةِ لَعَلّهُ يَجِدُ مَا يُغِيثُهم، وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ في القَافِلَةِ قَد يَئِسُوا واسْتَسْلَموا للأَمْرِ الوَاقِع، وكلٌّ مِنْهم قَد اسْتَقرَّ في مَكَانِهِ مُنْتَظِراً حَتْفَهُ ومَصِيرَه، قَد أنهَكَهُم العَطَشُ وَبَلَغَ مِنْهم مَبْلَغاً عَظِيماً، فانْطَلَق عليه السلام بَعِيداً عن القَافِلَةِ خَارِجاً عَن الطَّرِيقِ وإذا به يجدُ شَخْصاً في ناحِيَةٍ مِنْ تِلْكَ القِفارِ، فَسَألَهُ عن أقْرَبِ بِئْرٍٍ أو محَلَّةٍ بها مَاءٌ، فَأَجَابَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بأنّ أَقْرَبِ مَاءٍ لهم عَلى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ، وأنَّه مُسْتَعِدٌ أنْ يَسْقِيَهُ لِوَحْدِهِ مما لَدَيْهِ من الماءِ؛ لأنَّه لَيْسَ لَدَيْهِ إلا القَلِيلُ، فَرَفَضَ وآثرَ البَقَاءَ على العَطَشِ مَعَ أَصْحَابِهِ،
ولكنَّهُ لم يَيْأَسْ من رَحْمَةِ الله تعالى وَرَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ وَأَظْهَرَ لهم الاسْتِبْشَارَ وقَالَ لهم الماءُ عَلى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وجَعَلَ يسْتَحِثُّهم على النُّهُوضِ ومُوَاصَلَةِ السَّيْرِ وَطلَبَ منهم قِرَاءَةَ سُورَةِ يس وَوَعَدَهُم بِأنَّهم لَنْ يُتِمُّوها إلا وَهُمْ على الماءِ - ثِقَةً مِنْهُ باللهِ تَعَالى، وَبَيْنَما هُمْ على تِلْكَ الحالِ الشَّدِيدَةِ، وَمُوَاصَلَتِهم للسَّيْرِ بِرَغْمِ التَّعَب والعَطَشِ الشَّدِيدِ الذي لَحِقَ بهم وَبِدَوَابِّهم إذا بِنَسِيمٍٍ عَلِيلٍٍ من أَمَامِهم، وَإذَا هُمْ بِغَدِيرٍ وَاسِعٍ، فجَعَلَ الحَجِيجُ يَدْخُلُون بينَ الماءِ بدَوَابّهم بأَحْمَالها من شِدَّةِ الفَرَحٍ، وَحَقَّقَ اللهُ تَعَالى أَمَلَهُ وَأَكْرَمَ وَلِيَّهُ.
✦المريض الذي أتى به أصحابه إليه عليه السلام وهو بجامع الإمام الهادي عليه السلام
وأَخْبَرَنا والِدُنا الإِمَامُ الحُجَّةُ مَجْدُالدّين المؤَيَّدي عليه السلام أنّه ذَاتَ مَرّةٍ وهو يُقْرِئُ في جَامِعِ وَالِدِهِ الإِمَامِِ الهادِي يحيى بنِ الحُسَيْنِ عليه السلام إذْ جَاءُوا إِلَيْهِ بِشَخْصٍ مَرِيضٍ جِداً في حَالَةٍ يُرْثَى لها قَدْ أَكَلَتْ الآكِلَةُ بَعْضَ رَقَبَتِهِ حتى أَنَّ عِظَامَ رَقَبَتِهِ قدْ بَانَتْ، وجَعَلَ أَصْحَابُ المرِيضِ يَطْلُبُونَ له مِنْهُ الدّعَاءَ، فَدَعا بِوِعَاءٍ وأَخَذَ شَيْئاً مِنْ تُرَابِ الإمَامِ الهادي عليه السلام وعَجَنَهُ بماءٍ وجَعَلَ يَرْضَخُ رَقَبَةَ ذَلِكَ المرِيضِ بِهَذا العَجِينِ،وَدَعا لَهُ بالعَافِيَةِ، وَبَعْدَ أسْبُوعَيْنِ تَقْرِيباً وهو عليه السلام دَاخِلٌ إلى مسْجِدِ الإمام الهادي عليه السلام إذا بِرَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيهِ ويُبَالِغُ في السَّلامِ، وقالَ له: ألم تَعْرِفْنِي؟ ، قال: لا، فقالَ: أنا ذَلكَ المريض الذي جاءوا بي إلِيَكَ، وأَقْسَمَ له بالله أنَّ رَقَبَتَهُ كانَتْ تَغْلِي بهِ من شِدَّةِ الألمِ وكَأنَّ ناراً مُشْتَعِلَةً بها، وأنه عِنْدَما وَضَعَ عَجِينَ التُّرابِ عَلَيْها كأنَّهُ يَضَعُ الثَّلْجَ على الجَمْرِ، وأنَّ أَلَمَهُ بَرَدَ من سَاعَتِهِ، وأنَّهُ نامَ تلك الليلة وله من النَّوْمِ ليالٍ كثيرة، وجَعَلَ يُرِيهِ مَحَلّ الجَبْرِ في رَقَبَتِهِ، وهذه كَرَامَةٌ عُظْمى للإمَامَيْنِ عليهما السلام.
✦مؤلّفات الإمام الحجة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام
✦كتاب لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار
هَذِهِ مُؤَلَّفَاتُهُ سَافِرَةٌ، وآثارُهُ البَاهِرَةُ ظَاهِرَةٌ، منها كِتَابُ (لَوَامِعِ الأَنْوَارِ في جَوَامِعِ الْعُلُومِ والآثَارِ) وإنَّها لهي كَواكِبُ سَاطِعَةٌ، تَهْدِي إلى غَايةِ المآربِ والمطَالِبِ، طَلَعَتْ من هَدْيِ مُحْكَمِِ الْقُرْآنِ، وصَحِيحِِ السنَّةِ، وإِجْمَاعِ تَرَاجِمَةِ القُرْآنِ، انتهى.✦ممّا قاله السيد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله تعالى
وعِنْدَ اطِّلاعِ السيِّد العلَّامةِ/ الحسن بن محمَّد الفيشي رحمه الله على كتاب لَوَامِعِ الأَنْوَارِ في جَوَامِعِ الْعُلُومِ والآثَارِ للإمَامِ الحُجَّةِ/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام قَالَ في وَصْفِ هذا الكِتَابِ الْعَظِيمِ ومُؤَلِّفِهِ عليه السلام:نعم، فبين يَدَي هذا لَوَامِعُ الأنْوَارِ، في جَوامِعِ العلومِ والآثارِ، وتَراجِمِ أولي العِلْمِ والأنْظارِ، الْمَوْسُوعَةُ الفَريدَةُ، والْمَجْمُوعَةُ الوَحِيدَةُ، بأَسَاسِها الْمَكِينِ، وعِمَادِها الْمَتَينِ، وحِصْنِها الحَصِينِ، بِفَنِّها الجَدِيدِ، ومَغْزَاهَا الرَّشِيدِ، ومَغْنَمِها الحَمِيدِ.
بِمُسْتَواهَا الفَائِقِ، ومُحْتَواهَا الخَارِقِ، لأَبْكَارِ الرَّقَائِقِ والدَّقَائِقِ، بِوَقْفَتِهَا مع الدَّلِيلِ، وسُلُوكِهَا مَسْلَكَ التَّنْزِيلِ، وهُدَاهَا لِسَواءِ السَّبيلِ، بِبَرَاعَتِها في التَّنْقِيبِ، ولَبَاقَتِهَا في التَّهْذِيبِ، بِرِقَّتِهَا في الأُسْلُوبِ، وسُهُولَتِهَا في الإِيصَالِ إلى الْمَطْلُوبِ، فهي وَجَامِعُهَا كَما قِيلَ:
حِكَمٌ سَحَابَتُها خِلالَ بَنَانِهِ ... هَطّالَةٌ وقَلِيبُها مِنْ قَلْبهِ
كالرَّوْضِ مُؤْتَلِقاً بحُمْرةِ نَوْرِهِ ... وبياضِ زَهْرَتِه وخُضْرة عُشْبِه
حَلَّلَتْ وأَبْرَمَتْ، وأَوْجَبَتْ وسَلَبَتْ، مع قُوَّةٍ في الحَبْكِ، ومَهَارَةٍ في السَّبْكِ، عُقُودٌ مَنْضُودَة، ودُرُوعٌ مَسْرُودَةٌ، مَوَادُّها كِتَابُ الله وسُنَّةُ رَسُولهِ، ومَوْضُوعَاتُها تِبْيَانُ الحقِّ وجِيلِهِ، حُدُودُها تَكْشِفُ عن تِلْك المعَالِم، ورُسُومُها تُزِيلُ التَّشْكِيكَ فيها والمزَاعِمِ، رَفَعَتْ المرْتَفِعَ، وَوَضَعَتْ المتَّضِعَ، ما بَيْنَ تَقْرِيبٍ وتَبْعِيدٍ، وتَصْوِيبٍ وتَصْعِيدٍ، بِمَنْطِقِهَا الجزْلِ، وحُكْمِها الْعَدْلِ.
لَمْ تَدَعْ لِذِي الدَّاءِ الدَّوِيِّ نَقَاهَةً ولا إِبْلالاً، ولا لِأَلَدِّ الخُصُومِ مُنْطَلَقاً ولا مَجَالاً، وَقَفَتْ لهم بِالْمِرْصَادِ، وَلَذَعَتْهُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، رَمَتْهُمْ بِثَالِثَةِ الأَثَافِي، وَنَسَفَتْ آثَارَهُمْ في الْفَيَافِي، صَبَّتْ عليهم حَمِيمَ الانْتِقَادِ، وأَلْزَمَتْهُمْ الاسْتِسْلَامَ والانْقِيَادَ، رَغَمَ التمرُّدِ والعِنَادِ، شعر:
إذا غَضِبَ الْفَحْلُ يَوْمَ الْهِيَاجِ ... فَلَا تَعْذُلُوهُ إذَا مَا هَدَرْ
غيره:
وَمَا السُّمْرُ عِنْدِي غَيْرُ خَطِّيَّةِ القَنَا ... ومَا البِيضُ عِنْدِي غَيْرُ بِيضِ اللّهَاذِمِ
غيره:
في كُلِّ مَنْبَتِ شَعْرَةٍ مِنْ جِسْمِهِ ... أَسَدٌ يمُدُّ إلى الْفَرِيسَةِ مِخْلَبَا
قَامَ خَطِيبُ أَطْيَارِهَا، عَلى مَنَابِرِ أَشْجَارِها، فصَدَحَ بِفَصِيحِ أنْغَامِهِ، ونَثَرَ - على رُؤُوسِ أَوْلِيائِهِ وفِطَرِ أَعْدَائِهِ - بَلِيغَ سَجْعِهِ، وبَدِيعَ نِظَامِهِ، شعر:
فَأَسْمَعَهُمْ قَوْلاً ألَذَّ من المنَا ... وأحْلى من الْمَنّ الْمُنَزَّلِ والسَّلْوَى
مَرَامِي أَطْرَافِها مُرُوجٌ مُمْتِعَاتٌ، ومَسَارِحُ سَرْحِها هِضَابٌ مُخْصِبَاتٌ، وشَوَادِي بَلابِلِهَا هَوَاتِفُ جَاذِبَاتٌ،
شعر:
هَذِي الحَمَائِمُ في مَنَابِرِ أَيْكِها ... تُمْلي الهَوى والطَّلُّ يَكْتُبُ في الوَرَقْ
والقُضْبُ تَخْفضُ للسَّلامِ رُؤُوسَهَا ... والزَّهْرُ يَرْفَعُ زَائِرِيهِ على الحَدَقْ
بنَفْسَجُهَا يُرِيحُ الأَرْوَاحَ، وشَقَائِقُها مَرَاهِمُ تُدْملُ الجِرَاحَ، يا لَها مِنْ رِيَاضٍ أََرِيضَةٍ، وَجِنَانٍ عَرِيضَةٍ، شعر:
أَيَا حُسْنَها رَوْضَةً قَدْ غَدَا ... جُنُونِي فُنُوناً بِأفْنَانِها
أَتَى الْمَاءُ فيها عَلَى رَأْسِهِ ... لِتَقْبِيلِ أَقْدَامِ أَغْصَانِها
تُنْهِلُ وتُعِلُّ، وتُسْنِدُ وتُرْسِلُ، تُورِدُ وتُصْدِرُ، وتُحْلِي وتُمِرُّ، نَاهِيكَ منها بِمُثِيرٍٍ للخَبَايا، كَاشِفٍ لما في الحَنايَا والزَّوَايا، فَاتِحٍٍ للبَراعِمِ، كَاشِفٍ لِوُجُوهِ التَّمائِمِ، جَالٍ لِصَدَاهَا عن الصَّادِحِ والبَاغِمِ.
وكَيْفَ لا تَكُونُ كذلك وَمُبْدِعُها مَنْ لا يُشقُّ لَهُ غُبَارٌ، ولا يُوقَفُ له على عِثَارٌ، ولا تُطْمَسُ منه آثار، ولا تُعْكَسُ مُقَدّمَاتُه
وأَخْبَارُه، ولا يَجْزُرُ تيَّارُهُ وإنْ تظَاهَرَ مَعَ عَدُوِّه أنْصَارُه: مَوْلانا وشَيْخُنا، الإمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ الْحُلَاحِلُ، والسَّابِقُ المجَلِّي على السُّبَّاقِ الأمَاثِلِ، أبو الحسنين الأَمْجَدِ، مجْدُالدِّينِ بنُ محمَّد، بَيَّضَ الله غرَّتَهُ، وأَجْزَلَ في الدَّارَيْن كَرَامَتَهُ وتُحْفَتَهُ.
فحَيَّ هَلا أَخِي إلى مَائِدَةِ الحِكْمَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ، ومَلَاكِ الذَّخَائِرِ النَّفِيسَاتِ الرَّائِعَة، فقَدْ صَارَتْ نَصْبَ عَيْنَيْكَ، وفي مُتَناوَلِ يَدَيْكَ، بعْدَ أن كانَتْ هنا وهُنَاكَ، لا تخْضَعُ لطَابَعِ هذا الأسْلُوبِ، وبَعْضُهَا في سِرِّ أَسْرَارِ الْغُيُوبِ، والْعَدَمِِ الْمَحْجُوبِ.
فتَصَدَّى لها بِجُهُودٍ جَهِيدَةٍ، في مُدَّة مَدِيدَةٍ، واسْتَخْرَجَها من أمَّهاتِها، وأَصْلَحَ منها ما كان قد أَخَذَ منه الزَّمَنُ، وجَلا الصَّدَى عن وَجْهِهَا الْمُسْتَحْسَن ِالحَسَنِ، مع ما ضَمَّ إليها من رَوَافِدِهَا، شعر:
ذُكِرَتْ فَصَغَّرَها العَذُولُ جَهَالَةً ... حتى بَدَتْ للنَّاظِرِينَ فكَبَّرا
ومِصْدَاقُ هذا ما قَالَهُ المؤلِّفُ عليه السلام حين قالَ: (فَهَذَا الْمَجْمُوعُ الْمُبَارَكُ (لَوَامِعُ الأَنْوَارِ) إنْ شَاءَ اللهُ تعالى - خُلَاصَةُ ما يَنِيفُ على عِشْرِينَ مُجَلَّداً في هذا البَابِ ِوغَيْرِهِ، سِوَى ما مَنَّ الله تعالى بِجَمْعِهِ وتَحْصِيلِ نَفْعِهِ، مما لم يَكُنْ مَزْبُوراً في كِتَابٍ، وَلَيْسَ مُخْتَصاً بِجَمْعِ الأَسَانِيدِ؛ بَلْ يَتَضَمَّنُ إنْ شَاءَ الله فَوَائِدَ وفَرَائِدَ من أَنْوَاعٍ من الفُنُونِ، تَقَرُّ بها العُيُونُ، وَيَرْتَاحُ لها الرَّاغِبُونَ)، انتهى.
✦مما قاله السيد العلامة/ أمير الدين بن الحسين بن محمد الحوثي رحمه الله تعالى
وممَّا قاَله المولى العَلَّامة الفهَّامَةُ، نِبْراسُ المحقِّقِينَ، ورَأْسُ أهْلِ التَّقْوى واليَقِينِ، البَقيّة من الآلِ، والعُمْدَةُ من أهلِ الفَضْلِ والكَمالِ، خِيرَةُ الخِيرَة، والطاهِر السَّريرة، من نجوم العِتْرة الْمُنِيرة: أميرُ الدِّين بن الحسين بن محمَّد الحوثي الحسني رحمه الله تعالى عند اطِّلاعِهِ على كِتابِ لوامِعِ الأَنْوارِ ما لفظه:الحمْدُ للهِ المفيضِ نِعَمَهُ، العَدْلِ في قِسَمِهِ، المعزّ مَن يشاء، المختَصّ برحمته من يشاء، والله ذو الفَضْل العَظِيم.
سيّدي العَلَّامة، بَقِيَّة أهْلِ الاسْتِقَامة، نُقْطَة بِيكَارِ بني الحَسَن، وتُرْجُمَان عُلُوم الآلِ في الزَّمَن، ذِي الْمَجْدِ الأَثِيلِ، والشَّرَفِ الأَصِيلِ، ذي الأَنْظَارِ الثَّاقِبَةِ، والمعَارِفِ الصَّائِبَةِ، مُطَهِّر عُلُومِ الآلِ، عن دَنَسِ أُولِي الغَيِّ والضَّلال.
الفَاطِمِيُّ العَلَوِيُّ الأَحْمَدِي ... مَجْدُ الهُدَى والدِّينِ نَجْلُ محمَّدِ
نُهْدِي إليكَ تَحِيَّةً مَحْفُوفَةً ... بالخَيْرِ والبَرَكَاتِ أَزْكَى مَا بُدِي
سَلامُ اللّهِ يَغْشَاكُم ورَحْمَةُ اللَّه وبرَكَاتُهُ.
صُدُورُها عن أَحْوالٍ - بحَمْدِ اللَّه - صَالحَةٍ، ومِنَنٍ جَسِيمَةٍ، ونِعْمَةٍ مُسْتَدِيمَةٍ، نَرْجُو اللَّهَ لكم ذَلِكَ، وفَوْقَ ما هُنَالِكَ.
إلى أن قال: وقد فَعَلْتُ تَقْرِيظاً - بِحَسَبِ ضَعْفِ الْقَرِيحَةِ -
للَّوامِع، صَدَرَ أَسْفَلَ هذا، أُحِبُّ وَضْعَهُ على نُسْخَتِكم، وكانَ المقَامُ خَلِيقاً بالبَسْطِ والإعْظَامِ، ولكن بَرْدَ الشِّتَاء يُطْفِئُ نَارَ الفِطْنَةِ، والكِبَر أَقْحَلَ نَاعِمَ القَرِيحَة، فاعْذُروا؛ ولا زِلْتُم في حِمايَةِ اللَّه ورِعَايَتِه، وحِفْظه وكلايتَهِ، مَؤَيَّدِين مُخلَّدِين .. إلخ.
هَذا الكِتَابُ مُسَوَّدُ لِمُسَوَّدِ ... ومُجَدِّدٌ في فَنِّهِ لِمُجَدِّدِ
هَذَا الكِتَابُ لَوَامِعٌ أَنْوَارُهُ ... وَضِيَاؤُهُ كالشَّمْسِ للمُسْتَرْشِدِ
فِيهِ أَسَانِيدُ العُلُومِ تَصَحَّحَتْ ... وفَوَائِدٌ غَرَّاءُ قَصْدَ الْمُهْتَدِي
كَمْ حَازَ مِنْ نُكَتٍ جَلِيلٍ قَدْرُهَا ... لِمُؤَلِّفٍ شَهْمٍ كَرِيمِ الْمَحْتَدِ
ذِيْ هِمَّةٍ قَعْسَاءَ تَعْلُو الْمُنْتَهَى ... شَادَ الْعُلُومَ عُلُومَ آلِ محمَّدِ
بِبَلاغَةٍ وَبَرَاعَةٍ وَفَطَانَةٍ ... لِمْ لا وذَاكَ سِرَاجُ عِتْرَةِ أحْمَدِ
حَامِي عُلُومَ الآلِ قَامَ بِنَصْرِهَا ... فأَمَاطَ عَنْها دَسَّ غَاوٍ مُعْتَدِ
وَكَذَاكَ لا يَنْفَكُّ نَجْمٌ طَالِعٌ ... مِنْهُمْ لِدِينِ اللَّهِ أيّ مُشَيّدِ
فَحَبَاكَ مجدَالدِّينِ رَبُّكَ فَضْلَهُ ... فُزْ بالسَّلامَةِ والكَرَامَةِ في غَدِ
فلَقَدْ أَفَدْتَ وَقَدْ أجَدْتَ بما حَوَى ... هذَا من الدُّرِّ النَّفِيسِ وَعَسْجَدِ
قُولا لِمَنْ يَبْغِي الهُدَى وَسَبِيلَهُ ... فَعَلَيْكَ بالأنْوَارِ فابْحَثْ تُرْشَدِ
تَجِد السَّبِيلَ مُوضَّحاً ومُلَخَّصاً ... عَنْ كُلِّ شَائِبَةٍ ورَأْي مُفَنّدِ
مَحَضَ الطَّرِيقَ طَرِيقَ آلِ محمَّدٍ ... هَذَا المرَامُ وَبُغَيَةُ الْمُسْتَرْشِدِ
ما الحقّ إلا نَهْجُهُمْ وسَبِيلُهُمْ ... وَمُخَالِفُوهُمْ في الضَّلالِ الأَبْعَدِ
هُمْ بَابُ حِطَّةَ والسَّبِيلُ إلى النَّجَا ... وهم الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ لَهُ اقْصِدِ
مَنْ مَالَ عَنْ مِنْهَاجِهِمْ فَلَقَدْ هَوَى ... مَنْ رَامَ غَيْر هُدَاهمُ لم يَهْتَدِ
قَدْ جَاءَ في الأَخْبَارِ قَوْلٌ صَادِقٌ ... عَنْ جَدِّهم فِيهِمْ بما يَشْفِي الصَّدِي
إنْ كُنْتَ لمْ تعْلَمْ بِصِحَّةِ قَوْلِنا ... فلْتَبْحَثِ الأَنْوَارَ بَحْثَ الْمُجْتَدِي
ثُمَّ الصَّلاةُ على النَّبي وآلِهِ ... القَائِمِينَ بِنَصْرِ دِينِ محمَّدِ
نَصَحُوا لِدِينِ اللَّهِ أيّ نَصِيحَةٍ ... بِتَصَلُّبٍ وتَصَبُّرٍ وَتجلُّدِ
أَقْلامُهُمْ وسُيُوفُهم ورِمَاحُهُمْ ... مَنْصُوبَةٌ للكَائِدِينَ بِمَرْصَدِ
يَتَهالَكُونَ لِنَصْرِ دِينِ أَبِيهِمُ ... لا يَنْثَنُونَ عَنِ الجهَامِ الأَسْوَدِ
مَا زَالَ أَوَّلُهُمْ إمَاماً هَادِياً ... ما انْفَكَّ آخِرُهُم بِذَاكُمْ يَقْتَدِي
✦وللسيد العلامة/ الحسين بن يحيى المطهر رحمه الله تعالى:
سَبِيلُ اللهِ مِنْ خَيْرِ الْوَسَائِلْ ... إلى نَيْلِ المكَارِمِ والْفَضَائِلْوطَاعَتُهُ وَسِيلَةُ كُلّ حُرٍّ ... كَمَا عِصْيانُه خُلُق الأَرَاذِلْ
سَلامٌ عَرْفُهُ مِسْكٌ وَوَرْدٌ ... عَلى زَيْنِ الْمَجَالِسِ والْمَحَافِلْ
ومَنْ في عَصْرِنا بَدْرٌ وشَمْسٌ ... لمن للرُّشْدِ والتَّنْوِيرِ قَابِلْ
إذا ما النيِّراتُ لها أُفُولٌ ... فلَيْسَ ضِيَاؤُهُ عَنَّا بآفِلْ
لَقَدْ وَرِثَ المكَارِمَ عن أَبِيهِ ... وعَنْ أَجْدَادِهِ أَسْنَى الشَّمَائِلْ
عَن المخْتَار أَزْكَى النَّاسِ طُرًّا ... وأَفْصَح نَاطِقٍ حَقّاً وقَائِلْ
وفَاطِمَة ووَارِثِهِ عَليٍّ ... وَسِبْطَيْهِ ونَسْلِهِما الأَفَاضِلْ
قَفَا زَيْداً ويَحْيى ثُمَّ أَحْيَا ... عُلُومَ الآلِ في كُلّ المحَافِلْ
قَفَا نَهْجاً سَوِياً مُسْتَقِيماً ... بِحَزْمٍ لم تُزَلْزِلْهُ الزَّلازِلْ
إذا مَا الغُصْنُ مُعْتَدِلٌ سَوِيٌّ ... فلَنْ تَرَ ظِلّهُ أَبَداً مُمَائِلْ
لَوَامِعُ نُورِهِ من نُورِ طَه ... ومِنْ فُرْقَانِهِ تِلْكَ الدَّلائِلْ
وتُحْفَتُهُ حَوَتْ عِلْماً مُفيداً ... وتَارِيخاً به جَمَعَ الأَمَاثِلْ
كِتَابُ الحَجِّ فيه أَتَى بما لَمْ ... يَجيء به الأَوَاخِرُ والأَوَائِلْ
وفي مَجْمُوعِهِ عِلْمٌ غَزِيرٌ ... وفيه جَمْعُ أَشْتَاتِ المسَائِلْ
إذا أَعْيَتْكَ مُشْكِلَة فَزُرْهَا ... ففي طَيَّاتِها حَلُّ المشَاكِلْ
وفيها دَحْرُ ذِي شَغَبٍ عَنِيدٍ ... وعَنْ مِنْهَاجِ أَهْلِ الحقِّ مَائِلْ
رَضِينَاهُ لنا مَوْلىً لأَنّا ... عَرَفْنَا أنْ لَيْسَ لَهُ مُمَاثِلْ
رَضِينَا خَيْرَ أهْلِ الأَرْضِ طُرّاً ... إذا رَضِيَ الأرَاذِلُ بالأَرَاذِلْ
فيَا رَبَّ السَّما أنْصُرْهُ نَصْراً ... وَضَعْ كِبْرَ المعَادِي والْمُخَاذِلْ
وَهَبْ وارْفَعْ له في الأَرْضِ قَدْراً ... وفي جَنَّاتِكَ الحُسْنى الْمَنَازِلْ
وَصَلِّ عليه بَعْدَ أَبِيهِ طَه ... وآلِهِ دَائِماً ما الْقَطْرُ نَازِلْ
✦وللسيد العلامة/ محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله تعالى
﷽الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين - وبعد:
فقد تبلَّجَتْ بِلَوَامِعِ الأنوارِ بُرُوجُ الحقِّ وفِجَاجُهُ، وتَجَلَّى بِوَهَجِ نُورِهَا لُجَاجُ البَاطِلِ واعْوِجَاجُهُ، وَلَقَدْ تَتَبَّعَتْ لَوَامِعُ الأَنْوَارِ شُبَهَ الْمُبْطِلِينَ فَدَمَغَتْها، ورجَعَتْ إلى ما تَسرَّبَ منها بينَ الأَصْحَابِ فأَحْرَقَتْها ونَسَفَتْها، ولم تَدَعْ لِلْمُبْطِلِينَ مَسْلَكاً إلا رَدَمَتْه، ولا بَاباً إلا أَغْلَقَتْهُ، ثُمَّ رَمَّمتْ ما اسْتَرَمَّ مِنْ مَعَاهِدِ الحَقِّ، وَشَيَّدَتْ ما انْهَدَمَ من بُنْيانِهِ، وأَظْهَرَتْ من الحَقِّ ما خَفِيَ، وذَكَّرَتْ بما نُسِيَ، وأعَادَتْ منه ما تَزَلْزَلَ إلى مَكَانِه، ورَفَعَتْ منه ما حُطَّ إلى مقَامِهِ، فخَرجَ الحقُّ على النَّاس في زِينَتِهِ، وَظَهَرَ عليهم في كَامِلِ حِلْيَتِه التي حَلَّتْه بها الأقَدَارُ، وصَنَعَها له بعِلْمِه الملِكُ الجبَّارُ.
وحَقّاً أَقُولُ: إنَّ الحقَّ لم يَبْرُزْ قبلَ لوامعِ الأنوارِ بهَوِيَّتِه الكَامِلَةِ وشَخْصِيَّتِهِ التي هو عَلَيْها بِذَاتِها وَصِفَاتِها كما أبْرَزَتْهُ لَوامِعُ الأَنْوارِ.
وقد زادَ الحقَّ بهاءً وجمالاً توفرُ أُمُورٍ:
١ - أنّ مُصَنِّف لَوَامِعِ الأَنْوار رَأْسُ الزيديّة وعالِمُها، الذي أَذْعَنَ العلماءُ لِفَضْلِهِ في العِلْمِ عليهم وتَقَدُّمِهِ فيهم؛ مُتَسالِمِينَ على ذلك مُعْتَرِفِين به.
وقد تَقَدَّمَ مع ذلك على غيره وسَبَقَهُم في مَكارِمِِ الأخْلاقِ وفضائلها، وكانَ المثلَ الأعلى والصّورَةَ الحيَّةَ التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ والحسنان وزَيْدٌ والقاسِمُ والهادي و ... و ... إلخ
وقد أَدْرَكَ رَحْمَةُ الله عليه منَازلَ الأئِمّةِ ولَحِقَهُم فيها، فبرَزَ بنفسِه وقارَعَ المبطلينَ وصَدَّ هَجَماتِهم، ورَفعَ رَايةَ الحقِّ ودعا إليها، ونَشَرَ الدِّين على كَثْرَةِ الأَعْداءِ.
٢ - أنَّ قارِئَ لوامعِ الأنوارِ المتأمِّلَ في قِراءتِه يُدْرِكُ بفِكْرِهِ ويَلْمَسُ بفَهْمِهِ أنَّ ذلك الذي يقرَؤُهُ خَرَجَ من قَلْبٍ ناصحٍ شفيقٍ، تكادُ سُطُورُهُ أن تَعْصِرَ أجْفَانَها حُزْناً على ما يَلْحَقُ الأُمَّةَ من الضَّلال والفِتَنِ.
٣ - أنَّ القارِئَ للوامعِ الأنوارِ يجدُ من القُوَّةِ الفعَّالة في نفسه ما لا يَجِدُهُ في غيره، فكأنّه يَقْتَلِعُ العبارةَ من صَخْرٍ ويَقْذفُ بها في ذِهْنِ القارئ والسامع، وكلُّ جملة من أوّلها إلى آخرها تحملُ هذه القوّة.
وما ذلك إلا لحصولِ:
أ - بَلاغةِ المؤلِّفِ ورُسُوخُ قدَمِه في عِلْمِ البيان وعلوم اللغة.
ب - عنايةِ الله تعالى وإمدادِه للمؤلِّف رحمة الله عليه ليُخْرِجَ للناس حُجَّتَه ويُبيّنها لهم حيث أنّ الحقَّ كادَ أن ينطمسَ أو يُنْسى، وحيث أنَّ الحقّ كان قد شِيبَ بالباطل.
ويجدُ القارئُ أثرَ عنايةِ الله تعالى وتَسْديدِه فيما يَلْمَسُ بفهمِهِ من وُجْدَانِ مَسْحَةٍ ربانيّةٍ وسِرٍّ لطيفٍ لا يوجد مِثْلُه إلا في كلامِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والوصيّ والأئمة السابقين سلام الله عليهم.
ج - حماسٍ مُتَبالِغٍ في نَفْسِ المؤلِّف رحمة الله عليه، وشعورٍ عظيمٍ بأهميّة الموضوعِ، وحاجَةِ الدارِسينَ إلى موضوعِ كِتَابهِ، فاندفَعَ في كتابِهِ بهذا الحماسِ البليغِ والشعور العظيم بالحاجة إليه، مع ما هو عليه من اسْتِجْماعِ المؤهّلات العالية في أنواع العلوم، والصّدْق والأمانة والتحرِّي والاحتياط والخوف من الله وتحرّي رضاه والبعد عن الدنيا والهوى والتواضع و ..... إلخ.
وبالمطالَعةِ لكتابه هذا يجدُ القارئُ صحّةَ ما ذكرنا، ويتحقّق صدْقَ ما سطَّرْنا، فجزى اللهُ المؤلِّفَ عنّا خيرَ الجزاء، ورَفَعَ قَدْرَهُ في الدنيا والآخرة.
والحمدُ لله ربِّ العَالمين. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
محمد بن عبدالله عوض
الثامن من جمادى الأولى ثلاثة وثلاثين اربعمئة والف هـ
✦طلعت يتيمة عصرها في طرسها
وأَنْشَأَ السيِّدُ العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله هذه الأبيات في شأن كتاب لوامع الأنوار:طَلَعَتْ يَتِيمَةَ عَصْرِها في طِرْسِهَا ... سُفُنُ النَّجَاةِ بِبَحْرِها الزَّخَّارِ
بَهَرَتْ شُمُوسُ أُصُولِها وفُصُولِها ... وَكَلامُهَا وَحَدِيثُها الْمُخْتَارِ
للهِ مُظْهِرُها الذي مُنِحَتْ بِهِ ... لَقَباً فَقِيلَ لَوَامِعُ الأَنْوَارِ
جَمَعَتْ نَفَائِسَ ما يَلَذُّ لِنَاظِرٍ ... وَلِسَامِعٍ وَيُقِرُّ عَيْنَ القَارِي
وَبِهَا قَوَاعِدُ عِلْمِ آلِ محمَّدٍ ... رُسِمَتْ بِأَعْظَمِ قُوَّةٍ وَقَرَارِ
بِبَلاغَةٍ وَوَجَازَةٍ وبَرَاعَةٍ ... وَطَلاوَةٍ وجَلالةِ الْمِقْدَارِ
وَجَوَامِعٌ وبَدائِعٌ ورَوَائِعٌ ... وَغَرَائِبٌ ودَقَائِقُ أَبْكَارِ
خَلُصَتْ عن الإِيغَالِ والإِمْلالِ والـ ... إِخْلالِ فهي خُلاصَةُ الأَفْكَارِ
✦كتاب التحف شرح الزلف
ومن مُؤَلَّفاتِ وَالِدِنَا الإِمَامِ الحجَّة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام مَنْظُومَتُهُ الْمُسَمَّاةُ: (بالزُّلَفِ الإمَامِيَّةِ) وشَرْحُهَا (التُّحَفُ الفَاطِمِيَّة).قال فيه عليه السلام: وقد جَمعَ ذلك الكَتَابُ على صِغَرِ حَجْمِه، وإيجاز لَفْظِهِ مالم يجتمع في غيره بفضل الله تعالى وتسديده ولطفه وتأييده، واشْتَملَ على الْمُهِمِّ من السيرة النبويَّة والخلافة العَلَويّة، وأَعْلَام الأمَّة المحمّدية، وعُيُونِ المسائل الدينيَّةِ، بالأدلَّةِ الْعَقْلية والنَّقْلِيَّةِ، من الآيات القرآنية والأخبار النبويَّةِ، والطُّرُقِ إلى كُتُبِ الأَسَانِيدِ
المرْوِيَّة، وغير ذلك مما يَعْرِفُه ذووا الهِمَمِ العَلِيَّة، ذلك من فَضْلِ الله علينا وعلى الناس ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون.
إلى أن قال عليه السلام: والحَمْدُ للهِ المنْعِم الوَهَّاب، وإليه سبحانه المرجع والمآب، والمرجو منه تعالى أن ينفعَ به مَنْ وَقَفَ عليه من أولي الألباب، وأن يجْعَلَهُ من الأعمال الْمَقْبُولَةِ، والآثارِ المكْتُوبَةِ، وأن يُجْزِلَ لنا ولمن يشارك في نَشْرِهِ الْمَثُوبَةَ إنه قَرِيبٌ مجِيبٌ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكَّلْتُ وإليه أُنِيب، وأقولُ في خُلاصَةِ تاريخِ الحياةِ: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤}:
قد مَضَتْ وانْقَضَتْ ثمانُونَ عاماً ... وأنافَتْ حَوْلاً كطَرْفَةِ عَيْنِ
لم أُحَقِّقْ ما كُنْتُ أَرْجُوهُ فيها ... مِنْ جِهَادٍ ونَشْرِ عِلْمٍ وَدِينِ
ربِّ فَاغَفِرْ وارْحَمْ وأيِّدْ وسَدِّدْ ... واعْفُ والْطُفْ ربَّاه في الدَّارَيْنِ
ولا أقول كما قال:
إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها ... قدْ أحْوَجَتْ سمْعِي إلى تُرْجُمانِ
بل أقول تَحَدُّثاً بِنِعْمَةِ الله سبحانه وعَظِيمِ لُطْفِهِ وامْتِنَانِهِ:
إنّ الثَّمانِينَ بفضْلِ الإلَهِ ... مَا أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانِ
لكِنَّها قَدْ أَوْهَنَتْ من قِوَايَ ... وأبْدَلَتْنِي بالنَّشَاطِ التَّوَانِ
ولم تَدَعْ فيَّ لِمُسْتَمْتِعٍ ... سِوَى لِساني وكذاكَ الجَنَانِ
أدْعُو بِهِ اللهَ وأرْجُوهُ أنْ ... يُزْلِفَنِي في غُرُفَاتِ الجِنَانِ
وأقول في سادس وعشرين شعبان سنة ١٤١٦ هـ:
أَنَافَ عَلَى عقدِ الثَّمانِينَ رَابِعٌ ... وَذَا خَامِسٌ إنِّي إلى اللهِ راجِعُ
وَصِرْتُ أَبَا الأَجْدَادِ أرْجُو صَلاحَهُمْ ... وَسَائِرَ أوْلادِي فَفَضْلُكَ وَاسِعُ
وأرْجُوكَ يَا رَحْمَنُ عَفْواً ورَحْمَةً ... وحُسْنَ خِتَامٍ إنَّني لكَ ضَارِعُ
✦مما قاله السيد العلامة/ علي بن عبدالكريم الفضيل رحمه الله تعالى
قال السيد العلامة/ علي بن عبدالكريم الفضيل رحمه الله في شَأْنِ هذا الكتاب: لقد كان لي شَرَفُ مُطَالَعَةِ الكتاب التأريخي الجليل كتاب (التحف شرح الزلف) لصاحب الفضيلة مولانا وشيخنا الحجّة مفتي اليمن ....ولقد كُتِبَ الكثيرُ عن تَأريخ الأَئِمَّةِ في اليمن ولكنّهم ما بين مُقَصِّر إلى حدّ الإهْمالِ، وما بين حَافِلٍ بما لا فائدة فيه؛ مع العلم بأن التأريخ اليمني بصفة عامة، وتأريخ الأئمة بصفة خاصة ما
يزال في حاجة ماسَّةٍ إلى الدراسة والتحليل والمقارنة على أُسُسٍ عِلْمِيَّةٍ مَنْهَجِيَّةٍ حَدِيثَةٍ.
وقد جاء كتاب (التحف شرح الزلف) في الوقت الذي يتطَلَّع فيه كُلُّ العالم إلى اليمن عَقِيدةً وتأريخاً وثقافة وتقاليد، منهجاً سياسياً وسلوكاً اجتماعياً ... إلخ، ليستنير بهذه المعلومات.
وكتاب (التحف) على صِغَرِ حَجْمِهِ قد اسْتَوْعَبَ من الفوائد العِلْمِيَّةِ والتأريخية ما لم يَسْتَوْعِبْهُ أيّ كتاب في هذا الباب، وتبرز قِيمَتُهُ العلميَّة والتأريخية في الجوانب الآتية:
١ - اقْتِصَارُهُ على ذِكْرِ الأئمَّةِ الهُدَاةِ مُعْرِضاً عمَّن سِوَاهم ممن لم يبلغ المستوى اللائق بالإمامة الشرعيَّة والخلافة النبويَّة، وإنما رَفَعَهُ الحَظُّ إلى عَرْشِ الإمامة نتيجة ظُرُوفٍ زمنيَّة وعوامل اجتماعية.
- اشتماله على أهمِّ الأفكار العلميَّةِ التي اخْتَصَّ بها هذا الإمام أو ذاك أو تَبَنَّاها وكان له اليد الطولى في شَرْحِها وإخْرَاجِها إلى حَيِّزِ الوجود نقيَّة صافية من التعقيد والغُمُوضِ والتعصُّبِ.
٣ - اشتماله على ذِكْرِ أكبر الشخصيَّات العِلْمِيَّةِ الإسلامية، ومنهم الذين غَمَطَهُم المؤرِّخون وتجاهلوا لسبب أو لآخر مَكَانَتَهم العِلْميَّة والاجتماعية.
٤ - توضيحه لأكثر المسائل التي كَثُرَ فيها الأَخْذُ والرَّدُّ بين العلماء وتبيين الحق فيها مُدَعَّماً بالحجة والبرهان.
وقد سَلَك مُؤلِّفُهُ رضي الله عنه في جميع مُؤلَّفاتِهِ مَسْلَكَ العلماءِ الْمُنْصِفِينَ الْمُؤْثِرِينَ للحَقِّ ولو على أنفسهم في قُوَّةِ بيانٍ ودِقَّةِ تَعْبِيرٍ وأَنْصَعِ حُجَّةٍ، ومَنْ عَرَفَهُ عِلْماً وخُلُقاً واسْتِقَامَةً عَرَفَ الحقَّ والإنْصَافَ مُجَسَّداً في كُلِّ مُؤَلّفَاتِهِ القَيِّمَةِ ورَسائِلِهِ النَّافِعَةِ.
ولذلك فقد انْتَشَرَتْ مُؤَلَّفاتُهُ في كُلِّ الأَوْسَاطِ العِلْمِيَّةِ في اليمن انْتِشَارَ الضوْءِ مع الفَجْرِ أو الحياةِ مع الرَّبيعِ، وقامَ العُلَماءُ والأُدباءُ بتَقْرِيظِها والإِشَادَةِ بأهميَّتها وقِيمَتِها العِلْمِيَّةِ نظماً ونثراً .... الخ كلامه
حرر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة تسعة وثمانين ثلاث مئة والف هـ
✦وقال السيد العلامة صفيّ الإسلام/ أحمد بن محمد عثمان الوزير رحمه الله تعالى
الحَمْدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وبعد:فلقد يَسَّرَ اللهُ لي وشَرُفْتُ بالاطِّلاعِ على كتاب التحف شرح الزلف لمؤلِّفِهِ مولانا ربَّاني آل محمد، حُجَّةِ اللهِ على خَلْقِهِ، الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، والمجدِّدِ المحَقِّقِ، المولى: مجدالدين بن محمد بن منصور الحسني المؤيَّدي، حفظه الله وأبقاه، ونفع الإسلام والمسلمين بعِلْمِهِ، ومَتَّعَهُمْ بحياته، وأمدَّهم من بركاته.
فوجَدْتُ التحفَ القيّمةَ الثَّمَنِ تُحَفاً مَلِيئَةً بالنُّورِ والهِدَايةِ والعِلْمِ والدِّرَايَةِ يهتدي بها الحائِر، ويَسْتَضِيءُ بِنُورِهَا أولو البَصَائِرِ، ولا يَسْتَغْنِي عنها أحَدٌ من الأكَابر والأَصَاغِرِ في المستقبل والحاضر، وهي الضَّالَّةُ الْمَنْشُودَةُ لكلِّ عالمٍ والبُغْيَةُ المطْلُوبَةُ لكلِّ مُتَعَلِّمٍ.
إن هذا الكتاب مع صِغَرِ حَجْمِهِ يعْطِيكَ من العلم والمعرفة ما تَعْجَزُ أنْتَ وغيرُكَ أيُّها المطَّلِعُ عن جَمَّةِ عِلْمِهِ. هذا، وقد قلتُ مُقَرِّظاً، وإن كُنْتُ لَسْتُ شاعراً:
قُولُوا لِمَنْ أَهْدَى التُّحَفْ ... سُكْناكَ في أعْلَى الغُرَفْ
عِنْدَ النَّبِيِّ محمَّدٍ ... وَوَصِيِّهِ مَنْ بالنَّجَفْ
يا مَجْدَ دِينِ اللهِ يا ... خَيْرَ الأوائلِ والخلَفْ
يا فَخْرَ آلِ الْمُصْطَفَى ... في الحَاضِرِينَ وفي السَّلَفْ
أَهْدَيْتَ نُوراً صَادِعاً ... للمُسْلِمِينَ بلا كَلَفْ
ونَشَرْتَ عِلْماً نَافِعاً ... بِضِيَاءِ شَرْحِكَ للزُّلَفْ
مِنْ بَحْرِ عِلْمِكَ سَيّدِيْ ... أَخْرَجْتَ مَكْنُونَ الصَّدَفْ
نُورٌ تَسَلْسَلَ في الأَئِمْـ ... ـمَةِ والدُّعَاةِ لِمَنْ عَرَفْ
فاسْلَمْ ودُمْ ذُخْراً لَنَا ... يا بنَ الكِرَامِ أولي الشَّرَفْ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ... وآله ما الطّيرُ صَفّ
٢٢/ رجب/ ١٣٩٠ هـ
✦من كلام للقاضي العلامة شرف الإسلام/ الحسين بن علي حابس رحمه الله تعالى
ومما قاله القاضي العلامة شرف الإسلام الحسين بن علي حابس رحمه الله تعالى، المتوفى في سنة ١٣٦٩ هـ تَقْرِيظاً للزلف والتحف، يقول فيه:نُورٌ به شَمْسُ النَّهارِ تَغَيَّرَتْ ... واهْتَزَّ مِنْ طَرَبٍ لَهُ الآفَاقُ
والبَدْرُ أَضْحَى كَاسِفاً لِوُجُودِهِ ... والخَلْقُ كُلُّهُمُ لَهُ مُشْتَاقُ
زَالَ العَنَاءُ بهِ لِجَمْعِ أَئِمَّةٍ ... حُنَفَاءَ قَدْ وَافَاهُمُ الإِشْفَاقُ
بَاعُوا النُّفُوسَ وجَاهَدُوا فَتَبَيَّنَتْ ... طُرُقُ اليَقِينِ فَلِلْهُدَى إِشْرَاقُ
شُمُّ الأُنوْفِ مُطَهَّرُونَ من الرَّدَى ... صُبُرٌ وسِيرَتُهُمْ بها الإِرْفَاقُ
حَتْفُ العِدَى وشِحَاكُ كُلِّ مُعَانِدٍ ... فَدِمَاءُ أَعْدَاءٍ لهم مُهْرَاقُ
مَوْلايَ قَدْ أَوْجَزْتَ غَيْرَ مُقَصِّرٍ ... وبِدُرِّ نَظْمِكَ رُصِّعَتْ أَوْرَاقُ
مَوْلايَ مجدالدين يَا بْنَ محمَّدٍ ... لا غَرْوَ حَقّاً أَنْتُمُ السُّبَّاقُ
فلَقَدْ نَثَرْتَ لآلِئاً وَزَبَرْجَداً ... حُفَّتْ بِنُورٍ للنّظامِ نِطَاقُ
يا رَاجِياً حَصْرَ الأَئِمَّةِ هَاكَ ما ... أمَّلْتَ يحْلُو نَشْرُهُ ومذاقُ
أَعْنِي اليَوَاقِيتَ الثَّمِينَةَ سَمْطُهَا ... عِقْدٌ به تَتَقَلَّدُ الأَعْنَاقُ
عَرَبِيَّةٌ صَدَرَتْ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ ... فالحقُّ أنَّ الْمِسْكَ صَارَ يُرَاقُ
يُنْبِيكَ إنْ أَتَت الرِّيَاحُ رَوَائِحٌ ... رَوْحُ الْمُحِبِّ ولِلْعِدَى إِمْحَاقُ
فَجَزَاكَ رَبُّكَ كُلَّ خَيْرٍ دَائِماً ... وَحَبَاكَ فَضْلاً رَبُّنا الرَّزَّاقُ
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعَ السَّلامِ لِأَحْمَدٍ ... والآلِ مَنْ أَصْفَاهُمُ الخَلَّاقُ
✦مما كتبه السيد العلامة بدرالدين بن أمير الدين بن الحسين الحوثي رضي الله عنهم
ومما كتبه السيد العلامة بدرالدين بن أمير الدين بن الحسين بن محمد الحوثي رضي الله عنهم: ﷽، الحمد لله على النّعم، والصلاة والسلام على سيّد الأمم، وعلى آله ينابيع الحِكَمِ، ومَصَابِيحِ الظُّلَم، وبعد:فإنَّ كِتَابَ (الزلف الإماميّة والتحف الفاطميّة) حَدَائقُ بَسَّامَةٌ أَنْوَارُها، ومَطَالِعُ بُدُورٍ تَكْشِفُ الظُّلَمَ أَنْوَارُها، تَضَمَّنَ الإفَادَةَ مَعَ الإجَادَةِ، واشْتَمَلَ على الحُسْنَى وزِيَادَة، وقَدْ قَرظه بَعْضُ الإخوان فأَحْسَنُوا، وسَبَكُوا عِقْيَانَ مَدِيحِهِ فأَخْلَصُوا وأَتْقَنُوا، وسَلَكُوا تِبْيَانَ مَحَاسِنِهِ فأَصْلَحُوا وَبَيَّنوا.
فَأَجْرَيْتُ قَلَمِي مَجْرَى أَقْلَامِهِم في القَرَاطِيسِ، وإنْ كَانَ كابْنِ اللّبُونِ بجانب البُزْلِ القَنَاعِيس، وحُقّ فيَّ الْمَثَلُ: تَحَكَّكَتِ الْعَقْرَبُ
بالأَفْعَى، واسْتَنَّتِ الفِصَالُ حتى القَرْعَى، وليَغْتَفِرْ تَقْصِيرِي في الْمَدْحِ في جَنْبِ تَنْبِيهِي على مَضْمُونِ المتْنِ والشَّرْحِ، وَقَدْ جُدْتُ بها وما لَدَيَّ قَلِيلٌ، فإنْ قَلَّتْ فاصْفَحِ الصّفْحَ الجَمِيلَ، فإنَّها وإن تَكُنْ كالبَدْرِ في الوَمِيضِ فإنَّها لم تَزِدْ على أوَّل الثلاثِ البِيضِ:
أَتَيْتَ بلُؤْلُؤِ البَحْرِ العَمِيقِ ... وَجُدْتَ برَوْضَةِ الرَّوْضِ الأنِيقِ
وأَدْنَيْتَ القُطُوفَ لِمُجْتَنِيها ... وجُدْتَ بتُحْفَةِ الأخِ الرَّفِيقِ
بِنَظْمٍ كالجَواهِرِ وهي عِقْدٌ ... ونشرٍ فَاحَ كَالْمِسْكِ السَّحِيقِ
تَعُدُّ أَئِمَّةً كَانُوا كِرَاماً ... لإنْقَاذِ العَبِيدِ من الحرِيقِ
تَعُدُّ أَئِمَّةً من آلِ طَه ... هُدُوا للمُسْتَقِيمِ من الطّرِيقِ
وتَذْكُرُ كيْفَ لاقَوْا حِينَ لاقَوْا ... بكُلِّ مُهَنَّدٍ مَاضٍ رَقِيقِ
وتَذْكُرُ مِنْ خَصَائِصِهم كَثِيراً ... وآياتٍ لِذِي حِجْرٍ مُفِيقِ
تَعُدُّ مُجَدِّدَ الإيْمانِ مِنْهُم ... ومَقْتُولَ البُغَاةِ ذَوِي الْمُرُوقِ
وتذكُرُ فيه أَعْصُرَهُمْ وَتُحْصِي ... بِهِ الأَنْسَابَ في القَوْلِ النَّسِيقِ
وكَمْ ضَمَّنْتَهُ نُكَتاً حِسَاناً ... فُصُولَ الدُّرِّ في العِقْدِ العَقِيقِ
وذَلِكَ كلّه مع حُسْنِ سَبْكٍ ... وإيْضَاحٍ وإِيجَازٍ دَقِيقِ
وذاكَ لأنَّ عِنْدَكَ بحْرَ عِلْمٍ ... وأَنْتَ تُحِبُّ إِتْحَافَ الصَّدِيقِ
فلمّا كَانَ عِنْدَكَ بَحْرُ عِلْمٍ ... أَتَيْتَ بِلُؤْلُؤِ البَحْرِ العَمِيقِ
✦وللسيد العلامة / محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله تعالى
﷽الحَمْدُ لله رَبّ العَالمين، وصلّى الله وسلم على سيّدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين أذهبَ اللهُ عنهم الرّجْسَ وطهَّرهم تطهيراً، وبعد:
التُّحَفُ شَرْحُ الزُّلَفِ، هو اسْمٌ لشرْحٍ وَضَعَهُ مُؤَلِّفُه لِتفصِيلِ ما تَضَمَّنَتْهُ الأَبْيَاتُ الشِّعريّة التي نَظَمها الشَّارِحُ نَفْسُهُ في تعداد أئمَّةِ أهلِ البيت عليهم السلام الذيْن تَضَمَّنَهُم التاريخُ الإسْلاميّ من بِدَايَتِهِ إلى نِهَايَتِهِ،
وقد كانت البِدَايَةُ بأميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام والنهايةُ عَصْرَ المؤلِّف رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
✦مميّزات كتاب التحف شرح الزلف وأهميّته
١ - أنه تضمَّنَ ذِكْرَ سِيرَةِ أَئِمَّةِ أَهْلِ البيتِ عليهم السلام من أوَّلهم إلى آخرِهم الذي ينتهي بِعَصْرِ المؤلِّف عليه السلام.٢ - اشْتَملَ الكِتابُ على عُيُونِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ المثارَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ.
٣ - تضمَّنَ تَزْييفَ ما أَثَارَهُ الْمُبْطِلُونَ من الشُّبَهِ الْمُوَجَّهَةِ إلى أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيْتِ عليهم السلام وإلى سِيَرِهِم، وما جَرَى مِنْهُم وبَيْنَهم، وإِبْطَالَ ما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِم في سِيَرِهم زُوراً وبُهْتاناً.
٤ - تَعَرَّضَ المؤلِّفُ رحمة الله عليه إلى ذِكْرِ عُيُونِ العُلَماءِ في كلِّ عَصْرٍ حتى عَصْرِه.
٥ - وفيه ذِكْرُ أَنْسَابِ بُيُوتَاتِ بني هاشم في اليَمَن، مع الغَايَةِ القُصْوى في دقَّةِ تَدْرِيجِ الأَنْسَابِ.
٦ - يَشْتَمِلُ على ذِكْرِ سَلاسِلِ طُرُقِ الرِّوَايةِ والإسْنَادِ لِعُلُومِ الزَّيديَّةِ خُصُوصاً، ولِعُلُومِ غيرهم عُمُوماً.
٧ - وفيه التَّنبِيهُ على ذِكْرِ المجَدِّدِينَ الذين وَرَدَ فيهم الأَثَرُ عن سَيِّدِ البَشَرِ وهو أنّ الله تعالى يَبْعَثُ في رَأْسِ كُلِّ مائة سَنَةٍ في هذه الأُمَّةِ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَها، هذا مَعْنَى الرِّوَايَةِ.
٨ - ومن مميِّزاتِهِ أنه صَادِرٌ عن نَاصِحٍ شَفِيق، تَكَادُ نَفْسُهُ أن تَسِيلَ على صَفَحَاتِ كُتُبِهِ حَسْرَةً وأَسَفاً على تَفَرُّق الأُمَّة عن الحقِّ، وانْتِهَاجِهَا لِسُبُلِ الباطِل.
وبعد، فمن الحقِيقِ بالْمُسْلِم أنْ يَتَعَرَّفَ على أئمّةِ الدِّينِ، وخُلَفاءِ رسُولِ ربِّ العالمين، الذينَ أَوْجَبَ الله تعالى على لِسانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم الرّجُوعَ إليهم في الدِّين، والاهتداءَ بِهَدْيهم، وسُلُوكَ سَبيلِهم، فهذا الكتابُ مَوْضُوعٌ للتَّعْرِيف بهم، وتَفْصِيلِ ما يَنْبَغِي من أَخْبَارِهم، وما تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ من أَحْوَالهم.
✦رَأْسُ الزيدية ومَرْجِعُها
ومُؤَلِّفُ التُّحَفِ هو وَاحِدٌ من أئمَّةِ أهلِ البيت عليهم السلام الدّاعين إلى الله المجَاهِدِينَ في سَبيل الله، رَأْسُ الزّيديّةِ ومَرْجِعُها بلا مُنَازِعٍ ولا مُدَافعٍ، بل لم يأتِ - في كَبِيرِ ظَنِّي - مِثْلُهُ منذ زَمَنِ الإمَامِ عبدالله بن حمزة عليه السلام إلى عَصْرنا هذا في تَحْقِيقِِ العُلُومِ وتَحْصِيلِها، والرّسُوخالْمُتَبَالِغِ في جَمِيعِ أَنْوَاعِها، مع ما هو عليه من الغَايَةِ والنِّهايَةِ في فَضَائِلِ التَّقْوَى والوَرَع والزَّهادَةِ والعِبَادَةِ والكَرَم والشَّجَاعة، والهمَّةِ العَالِيَةِ التي لا تَقِفُ في وَجْهِهَا الحَوَاجزُ والْعَقَبَاتُ، ولا تَقْوى على رَدِّها الجِبَالُ الرَّاسِياتُ حتى آخر أيّامه رحمة الله عليه وبركاته، وعلى الجُمْلَةِ فهو سَلامُ اللهِ عليه في عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ قَرِينُ زَيْدِ بنِ علي والقاسم والهادي والناصر والمنصور.
وغيرُ خَافٍ ما تعرَّضَ له المذهبُ الزّيدي وحَمَلَتُهُ وأَئِمَّتُهُ منذ قُبَيْلِ غِيَابِ سُلْطَان الأئِمَّةِ وإلى اليوم من المحاولات الجاهدة لِطَمْسِهِ،
وقد أدْرَكَ المصنِّفُ عليه السلام ذلك فَوَقَفَ في وَجْهِ تلك المحاوَلاتِ وُقُوفَ الجبالِ الرَّواسي وأَظْهَرَ ذِكْرَ أهل البيت عليهم السلام ونادى بِفَضْلِهِمْ وإِحْياءِ آثارِهم والانْتِصَارِ لأوَّلهم وآخرِهِم.
ومَوْضُوعُ هذا الكِتَابُ هو وَاحِدٌ من أَعْمالِه في هذا المجال، وصَدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ يُكَادُ بها الإسْلامُ وَلِياً مِنْ أهْلِ بَيْتِي .... إلخ.
✦بجهاده واجتهاده عليه السلام نعش الله المذهب الحق
فبجهادِهِ واجْتِهادِهِ عليه السلام نَعَشَ الله المذهَبَ الحقَّ، وأَحْيا ذِكْرَ أهْلِهِ وأشْيَاعِهِ وأتْبَاعِهِ على رَغْمِ الأعْدَاءِ المبْطِلِينَ، وعلى رَغْمِ مَكْرِهم الْمَاكِرِ، وسَعْيِهم الجادّ المتواصل الذي لا يَنِي ولا يَفْتُرُ.ومما سَاعَدَهُ على ذلك جَلالَةُ شَخْصِيّتِهِ، وما هو عليه من الْمَهَابَةِ والفَخَامَةِ، بالإضَافَةِ إلى شُيُوعِ ذِكْرِهِ، وظُهُورِ فَضْلِهِ عندَ القَرِيبِ
والبَعِيدِ والصغير والكَبِيرِ، فلم يَجْرُؤْ لذلك أحَدٌ على الوقُوفِ في طَرِيقِه، حتى في بلادِ الحرَمَيْنِ الشَّريفين - فإنَّه رحمة الله عليه - كان يَنْشُرُ هناكَ ذِكْرَ أهل البيت عليهم السلام وذِكْرَ مَذْهَبِهِمْ، بل إنَّهُ كانَ يَقْرَأُ على النَّاسِ في كُتُبِهِ في المسجِدِ النَّبويّ والناس محلقون عليه يَسْتَمِعُون.
ومن أَعْمَالِهِ التي أَحْيا بها ذِكْرَ أئمَّة أهْلِ البيت عليهم السلام أنَّه كانَ يُكْثِرُ الترَدُّدَ على زِيارَةِ مَشَاهِدِ الأَئِمَّةِ والْعُلَمَاءِ، ويصْطَحِبُ في تردُّدِهِ الكَثِيرَ من النَّاسِ، ويَذْكُرُ فضْلَ زِيارَةِ الأئمَّةِ،
فلمَّا رَأَتْهُ الزّيدِيَّةُ يُكْثِرُ ذلك صَنَعُوا مِثْلَهُ - لما لهم فيه من الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ - فعَرَفُوا بسببِ ذلكَ أئمَّةَ أهل البيت عليهم السلام وعلماءَهُم المشْهُورِينَ، فانْتَعَشَ بذلكَ ذِكْرُ الأَئِمَّةِ واشْتَهَرَ أمْرُهم في هَذا الْعَصْرِ.
وهو عليه السلام الذي اكتشَفَ مَشْهَدَ الإمَامِ القَاسِم بنِ إبْرَاهيم عليه السلام بعد أنْ كَانَ خَفِيّاً لا يُعْرَفُ مَكَانُهُ بالتّحْدِيدِ، وقد بَذَلَ في سَبِيلِ ذلك جُهْداً كبيراً لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ تُقَارِبُ الأَرْبَعِينَ عَاماً إلى أنْ يَسَّرَ الله تعالى على يَدَيْهِ إِظْهَارَ ذلك المقَامِ، وفي أوَّلِ مَرَّة وَصَلَ إلى مَقَامِ الإمام القَاسِم بن إبراهيم عليه السلام كانَتْ الأَضْرِحَةُ على القُبُورِ لا زَالَتْ مَوْجُودَةً، والقُبُورُ مَرْفُوعَةً مَبْنِيَّةً مَعْلُومَةً بِأَضْرِحَتِها، والْمَقْبَرَةُ على حَالها دُونَ تَغْييرٍ كَما كانَتْ عليه مُنْذُ مِئَاتِ السنين، فَقَطْ كان عَلَيْها شَبْكٌ مُحِيطٌ بها، وعِنْدَ زِيَارَةِ ذلك الْمَقَامِ بعد مُدَّةٍ كانَتْ الأَضْرِحَةُ قد أُزِيلَتْ، والْمَقْبَرَةُ قَدْ سُوِّرَتْ، وأَصْبَحَتْ على مَا هِيَ عَلَيْهِ اليَوْمَ.
ومن جَلِيلِِ أَعْمَالِهِ فَتْحُ بابِ الإرْشادِ وفَتْحُ مَدَارِسِهِ، ونجحَ في
هذا الْمَشْرُوعِ نَجَاحاً كَبِيراً، ولا زالَ ذلكَ البَابُ مَفْتُوحاً إلى اليوْمِ.
ومن أَعْمَالِهِ في ذلكَ المجالِ طَبْعُ كُتُبِ أهل البيت عليهم السلام ونَشْرُها بعد تَحْقِيقِهَا والْمُبَالَغَةِ في تَصْحِيحِها، ومن آثارِهِ في هذا المجالِ مكتبة أَهْلِ البَيْتِ عليهم السلام، ومديرها ولده العلامة إبراهيم بن مجدالدين حفظه الله، وقد صَدَرَ عنها طِباعَة الكثير من كتب أهل البيت عليهم السلام وشِيعَتِهم رضي الله عنهم.
وأَخِيراً فَمُصَنِّفُ هذا الكتاب هو الإمَامُ الْمُجَدِّد للدِّين، الصَّادِعُ بحَقَائِقِ الحقِّ المبين، الذي انْتَشَلَ الحقَّ من مَهْوَاةِ التَّلَفِ، وانْتَزَعَهُ من مخَالِبِ ذوي البَغْيِ والسَّرَفِ، وأعادَ له حُلَّتَهُ البهيَّةَ، وزَيَّنَهُ بِزِينَتِهِ القُدْسِيَّةِ، فجزاهُ الله عن أهْلِ نِحْلِتِهِ ما يَرْضَى من جزيلِ العطَايا والدَّرَجاتِ، وأَسْبَغَ عليه الرَّحمة والرِّضْوان، وأَحَلَّهُ في أَعْلَى غُرَفِ الجنَانِ، وأَلْحَقَهُ بأَحْبابِهِ وأوْلِيائِهِ الذينَ جَهَدَ على إِعْلاء ذِكْرِهم، ونَشْرِ فَضْلِهم، وأَنْفَقَ عُمُرَهُ في الانْتِصَارِ لهم، والدِّفاعِ عنهم، وإِظْهَارِ حَقِّهم ودِينِهم، وشَغَلَ لِسانَهُ بالثَّناءِ عليهم، واشْتَغَلَ قَلْبُهُ بالشوْقِ إليهم، والتّتَبُّعِ لآثارِهم، والوَلَهِ لِذِكْرِهم، والحُزْنِ لمصائِبِهِم، والولاءِ لأوْلِيائهم، والعداء لأَعْدَائِهم.
وحقيقٌ بكلِّ مُنْتَسِبٍ إلى جَمَاعَةِ الزَّيديَّة أن يكون على مَعْرِفَةٍ بأئمَّتِهِ الذين يَنْتَسِبُ في دينه إليهم، فإنَّ مَعْرِفَتَهُمْ من تَمامِ معرفة الرَّسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنَّهم خُلَفاؤُه الذين حَمَلُوا دِينَهُ الحقَّ، وبلَّغوه إلى الخَلْقِ، وجاهَدُوا في ذلك حقّ الجهاد.
وهم القُدْوَةُ والأسوةُ الحَسَنَةُ لأهْلِ الإسلام، وخلفاء الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم لتبليغِ دِينِه وبَيانِ الحقِّ عند الاختلاف، مَنْ سَلَكَ سبيلَهُم واهْتَدَى بِهَدْيِهِم نجا، ومَنْ مالَ عنهم وسلَكَ غيرَ سبيلِهم ضَلَّ وغوى.
نسألُ الله أنْ يجعلنا من العَارِفِينَ بحقِّهم، الموقِنِينَ بفضْلِهم، وصلى الله وسلم على سيِّدنا محمَّد وعلى أهل بيته الطَّاهرين.
✦أوائل أبيات الزلف
وهذه أَوَائِلُ أَبْيَاتِ الزُّلَفِ الإمَامِيَّةِ للإمام الحجّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام والتي شَرَحَها بالتُّحَفِ الفَاطِمِيَّةِ:١ - ألا أَيُّها الْوَسْنانُ ما أَنْتَ صَانِعُ ... إذا حَلَّ خَطْبٌ لا مَحَالَةَ واقِعُ
٢ - هُنالِكَ لا مَالٌ عُنِيتَ بجمْعِهِ ... ولا وَزَرٌ إلا التُّقَى لَكَ نَافِعُ
٣ - وفي هَادِمِ اللذَّاتِ أَعْظَمُ زَاجِرٍ ... مَصَارِعُ تتلُو بَعْدَهُنَّ مَصَارِعُ
٤ - تخَلَّوْا عن الدُّنيا وَبَادَ نَعِيمُهمْ ... وضَمَّتْهُمُ بَعْدَ القُصُورِ الْمَضَاجِعُ
٥ - تُخَبِّركَ الأجْدَاثُ أنَّكَ رَاحِلٌ ... وتِلْكَ الدِّيارُ الخالِياتُ البَلاقِعُ
- وعَمَّا قَلِيلٍ أنْتَ فِيهنَّ سَاكِنٌ ... وقَدْ أَقْفَرَتْ عَنْكَ القُرَى والمجَامِعُ
٧ - أمَا لَكَ عَقْلٌ تَسْتَضِيءُ بهَدْيِهِ؟ ... كَأَنَّكَ في الأنْعَامِ يا صاحِ رَاتِعُ
٨ - وآياتُ رَبِّ الْعَالمين مُنِيرةٌ ... على خَلْقِهِ والبيِّناتُ قَواطِعُ
٩ - أتَى كُلَّ قَرْنٍ للبريَّة مُنْذِرٌ ... ودَاعٍ إلى الرَّحْمَنِ للشِّرْكِ قَامِعُ
١٠ - إلى أنْ تَناهَى سِرُّها عِندَ أحْمَدٍ ... فنَادَى أمِينُ اللهُ مَنْ هو سَامِعُ
١١ - وشَقَّ بفُرْقَانِ الرِّسالةِ غَيْهَباً ... فأشْرَقَ بُرهَانٌ من الْوَحْيِ صَادِعُ
١٢ - ولَمَّا أبَانَ اللهُ أمْرَ نبيِّهِ ... وقَدْ مُهِّدَتْ للمُسْلِمِينَ الشَّرَائِعُ
١٣ - أقَامَ أخَاهُ المرْتَضَى وَوَصِيَّهُ ... وأوْضَحَهُ التنْزِيلُ إذْ هو رَاكِعُ
١٤ - وبَلَّغَ مَا أَوْحَى إلَيْهِ إلَهُهُ ... بأنَّ ذَوِي القُرْبَى أمَانٌ فتَابِعُوا
١٥ - ولايَتُهُمْ فَرْضٌ مِنَ الله لازِمٌ ... نجُومُ سَماءٍ في الأنَامِ طَوَالِعُ
الخ الأبيات وهي ثمانية وثمانون بيتاً.
وقد أَخْبَرَنَا والِدُنَا عليه السلام أنه بَدَأَ إِنْشَاءَ أبْيَاتِ الزّلَفِ بعد صلاة العِشَاءِ ولم يَخْرُجْ لِصَلاةِ الْفَجْرِ إلَّا وَقَدْ أَتَمَّها، {ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١}.
✦كتاب مَجْمَعِ الفَوَائِدِ وبُغْيَةِ الرَّائِدِ وَضَالَّةِ النَّاشِدِ
ومن مؤلَّفات والِدِنَا الإمام الحجّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام كِتَابُ مَجْمَعِ الفَوَائِدِ، احْتَوَى على عُلُومٍٍ جمَّةٍ في مختلف الفنون، اشتمل القسم الأول منه على ثلاث عشرة رسالة، وهي:١ - فَصْلُ الْخِطَابِ في تَفْسِيرِ خَبَرِ الْعَرْضِ على الكِتَابِ.
إِيضَاحُ الدَّلالَةِ في تَحْقِيقِ أَحْكَامِ الْعَدَالَةِ.
٣ - الفَلَقُ الْمُنِيرُ بالْبُرْهَانِ في الرَّدِّ لِمَا أَوْرَدَهُ ابنُ الأَمِيرِ على حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.
٤ - الحُجَجُ الْمُنِيرَةُ على الأُصُولِ الخَطِيرَةِ.
٥ - الرِّسَالَةُ الصَّادِعَةُ بالدَّلِيلِ في الرَّدِّ على صَاحِبِ التَّبْدِيعِ والتَّضْلِيلِ.
٦ - الثَّوَاقِبُ الصَّائِبَةُ لِكَوَاذِبِ النَّاصِبَةِ.
٧ - الدَّلِيلُ القَاطِعُ المانِعُ للتَّنَازُعِ.
٨ - الماحِي للرَّيْبِ في الإِيمَانِ بالغَيْبِ.
٩ - إِيضَاحُ الأَمْرِ في عِلْمِ الجَفْرِ.
١٠ - فَصْلُ الخِصَامِ في مَسْأَلَةِ الإِحْرَامِ.
١١ - رَفْعُ الملامِ في رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ.
- الجَوَابُ التَّامُّ في مَسْألَةِ الإِمَامِ.
١٣ - الجَوَاباتُ الْمُهِمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الأَئِمَّةِ.
تَعْلِيقٌ على الرِّسَالَةِ الحَاكِمَةِ.
وقد طُبِعتْ بَعْضُهَا مُسْتَقِلَّةً.
واشتمل القسم الثاني من كتاب مجمع الفوائد على تَعْلِيقَاتٍ ورُدُودٍ وبُحُوثٍ في شَتَّى أَنْوَاعِ العُلُومِ، منها وَقَفَاتٌ:
- مع ابنِ حجر العَسْقَلاني في فَتْحِ البَارِي.
- ومع ابْنِ تيمية.
- ومع ابن القيِّم في زَادِ الْمَعَادِ.
- ومع السيّد الحافظ محمَّد بن إبراهيم الوزير في إيثار الحقّ على الخلْقِ.
- ومع أبي بكر العَامِرِيّ في بَهْجَةِ الْمَحَافِلِ.
- ومع الإمام يحيى بن حمزة في الرِّسَالةِ الوَازِعَةِ.
- ومع الإمام القاسم بن محمد في رِسَالَةِ التَّحْذِيرِ.
- ومع الإمام المؤيد بالله في شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
- ومع السيّد محمَّد بن إسماعيل الأمير في سُبُلِ السَّلامِ.
- ومع السَّيِّد الإمام أحمد بن يوسف زَبَارَةَ في تَتِمَّةِ الاعْتِصَامِ.
- ومع السيد العلامة أحمد بن محمَّد ابن لقمان في (شرح الكافل).
- ومع السيد الحَسَنِ الجَلَالِ في كتاب العِصْمَةِ عن الضَّلال.
- ومع الجَلَالِ في فَيْضِ الشّعَاعِ.
- ومع الشَّوْكاني في العِقْدِ الثَّمينِ في إثبات وصاية أمير المؤمنين،
ومع الشوكاني في فَتْحِ القَديْرِ، ومع الشوكاني في القَوْلِ المفِيدِ في أدِلَّةِ الاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ.
- ومع القاضي الحافظ الحسين بن أحمد السَّيَّاغِي في كتاب الرَّوْضِ النَّضيرِ.
- ومع السيد العبّاس بن أحمد في تَتِمَّةِ الروض النضير.
- ومع السيد محمد بن الحسين بن الإمام القاسم بن محمد صاحب مُنْتَهَى الْمَرَامِ في شَرْحِ آيَاتِ الأَحْكَامِ.
- ومع محمَّد عبده يماني في كتابه: عَلِّمُوا أولادَكُمْ حُبَّ آلِ بَيْتِ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم.
- ومع الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى عليهم السلام في (البَحْرِ الزخَّار).
- ومع الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى عليهم السلام في الْمُنْيَةِ والأَمَلِ في شرح كتاب الْمِلَلِ والنِّحَلِ.
بالإضافة إلى فَتَاوَى و بُحُوثٍ فِقْهِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْهَا:
- الْجَوَابَاتُ النَّافِعَة بِالأَدِلَّةِ الْقَاطِعَة.
- ومسائل السيد العلامة محمد بن منصور المؤيدي إلى الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين رضوان الله عليهم.
- ومِنْ جَوَابَاتِ الإِمَامِ الْمَنْصُورِ باللهِ محمد بن يحى حميد الدين عَلَى شَيْخِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ المؤيدي رضي الله عنهم، وَالِدِ الإمَامِ مجدالدِّين المؤَيَّدِي عليه السلام، واختيارات السيِّد العلامة الولي/ محمد بن منصور المؤيدي رضي الله عنه.
✦كِتَابُ الحَجِّ والْعُمْرَةِ
ومن مُؤَلَّفَاتِ وَالِدِنا الإِمَامِ/مجدالدين المؤيدي عليه السلام كتابُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، قال فيه عليه السلام ذَاكِراً سَبَبَ التَّأْلِيفِ: إِنَّهُ كَثُرُ الطَّلَبُ مِنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ العَامِلِينَ، وَالإِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ، لِتَأْلِيفِ كِتَابٍ جَامِعٍ فِي مَذَاهِبِ أَئِمَّةِ الْعِتْرَةِ، مَعَ الإِشَارَةِ حَسَبَ الإِمْكَانِ إِلَى مَذَاهِبِ سَائِرِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ.وَالْمَعْلُومُ أَنَّ الْمَنَاسِكَ كَثِيرَةُ الأَعْدَادِ، لَكِنَّهُمْ لَم يَجِدُوا مَا هُوَ وَافٍ بِالْمُرَادِ، وَمَا زَالَتِ الأَسْئِلَةُ تَتَوَارَدُ فِي كُلِّ عَامٍ يُيَسِّرُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ الْحَجَّ وَالاِعْتِمَارَ إِلَى حَرَمِ اللهِ عز وجل، وَالوُصُولَ إِلَى حَرَمِ رَسُولِهِ الأَعْظَمِ صلى الله عليه وآله وسلم.
واللهَ أَسْأَلُ، وَبِجَلَالِهِ أَتَوَسَّلُ، أَنْ يَرْزُقَنَا اتِّبَاعَ هَدْيِهِ، وَاقْتِفَاءَ آثَارِهِ، وَاقْتِبَاسَ أَنْوَارِهِ، وَالْفَوْزَ بِشَفَاعَتِهِ وَمُرَافَقَتِهِ، فَاسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى وَتَرَجَّحَ الإِسْعَادُ.
وَسَيَكُونُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الإِيجَازِ، مَعَ اسْتِكْمَالِ الْمُرَادِ، وَذِكْرِ الْمُخْتَارِ، مُؤَيَّدًا بِالْدَّلِيلِ، فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الأَقَاوِيلُ.
وَقَدْ كَانَ افْتِتَاحُ التَّأْلِيفِ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ وللهِ تَعَالَى الْمِنَّةُ، سَائِلًا مِنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّوْفِيقَ إِلَى مَنْهَجِ الْكِتَابِ وَالْسُّنَّةِ، وَدَفْعَ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَكَشْفَ كُلِّ مِحْنَةٍ؛ إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيب، {وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨}[هود]، انتهى.
✦كتاب عيون المختار من فنون الأشعار والآثار
لما ارْتَحَلَ الإمامُ الحجّة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام إلى لندن للعلاج عام ١٣٨٩ هـ لم يُنْسِهِ مَرَضُهُ الهدَفَ الذي يَعِيشُ من أَجْلِهِ، ولا مَنَعَتْهُ عِلّتُه عن تَصَفُّحِ أسْفَارِ العلوم، لأنه - كما هو معروف عنه - شِفَاءُ عِلَّته النّظرُ في الكتب ومُتْعَةُ حَياتِه مُدَاعَبَةُ أبكارِ المسائِلِ، فقَضَى وَقْتَهُ بين رُفُوفِ المكتبة العِمْلاقة في المتحف البريطاني يتنَقّل بين أقسامها كالنَّحْلة ليَمْتَصَّ رَحِيقَ أزهارِها،ولِعُلوّ همَّتِهِ وشِدَّةِ تَثَبُّتِهِ لم يكْتَفِ بالنَّظَرِ بل اسْتَنْسَخَ ما قَدَرَ عليه، وكان مما دَوّن جملةً من لَطَائِفِ القَصَائِدِ ودُررِ الأَخْبَارِ والأشْعَارِ.
وبعدَ رجُوعِهِ إلى اليمن رأى أن يُفْرِدَ كتاباً يجمَعُ فيه نُبْذَةً من تلك القصائد والأخبار، ويضيف إليها من مخزون عِلْمِه الجمِّ ما يزيدها نَضَارَةً وفائدة، ثم ضمَّنَها هذا الكتاب الذي سمَّاه: عيون المختار من فنون الأشعار والآثار.
قال فيه والدنا الإمام الحجّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام: فإنّه لما لزم الارْتِحَال إلى لندن لقَصْدِ المعالجة بعد أنْ تَطَاوَلَتْ مُدَّةُ الآثارِ، وقد نَدَبَ الشرعُ الشريف إلى التداوي في صحيحِ الأخْبَارِ، وكان دخول المستشفى بلندن يوم السبت أوَّل شهر ربيع الأول سنة ١٣٨٩ هـ ثم كان العَوْدُ بعد الوصول إلى ألمانيا يوم الأحد ٢٥ جمادى الأخرى، وكان الوصول إلى جدّة ليلة الاثنين ٢٦، فقد طالت المدَّةُ وأكْثَرُها بلندن لِضَرُورَةِ المعالجة والحمد لله تعالى على
نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه، كانَ الوقُوفُ هنالك على عجائبَ وغرائبَ، وسَأُقيِّدُ هنا بعضَ ما كتبتُه من الفوائد والفرائد ابتداءً بما نقلتُه من المتحف البريطاني المسمى بالإنجليزية (بريتش موزيم) ...... الخ.
إلى أن قال عليه السلام: هذا وكان ابتداءُ تحريرِ ذلك في الْمُسْوَدَّاتِ غُرّة شهر ربيع الأول عام ١٣٨٩ هـ بلندن، وكان ابتداءُ تَبْييضِهِ من الْمُسْوَدَّاتِ بجِوَارِ بيت الله الحرام بشعبان من هذا العام والله ولي التوفيق والإنْعَامِ .... الخ.
✦كتاب ديوان الحكمة والإيمان وشيء من شعره الفائق الرائق
وله عليه السلام كِتَابُ دِيوَانِ الحِكْمَةِ والإِيمَانِ، الْمُشْتَمِلِ على رَبِيعِ الأَعْيانِ ورَوْضِ الأَفْنَانِ مما وَرَدَ وصَدَرَ إليه ومِنْهُ عليه السلام.ومن شِعْرِ والِدِنا الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام الفَائِقِ الرَّائِقِ قَصِيدَتُه المسمَّاةُ عُقُودُ الْمَرْجَانِ، مَطْلَعُها:
عَجَباً لهذا الدّهْرِ من دَهْرِ ... وَلِأُمَّةٍ مَهْتُوكَةِ السّترِ
يا أُمّةً عَلِمَتْ وما عَمِلَتْ ... لِنَبيِّها في أهْلِهِ تزري
أَضْحَى كِتَابُ اللهِ مُطَّرَحاً ... وتَرَكْتُمُ الْمَقْرُونَ بالذِّكرِ
آلُ النبيّ ومَنْ يُتَابِعُهم ... يَتَجَرّعُونَ مَرَارَةَ الضُّرِّ
ضَاقَتْ فَسِيحَاتُ الدِّيار بهم ... وتَوَسَّعَتْ لِأَئِمَّةِ الكُفْرِ
تَجْفُونَ آلَ مُحَمَّدٍ أَكَذَا ... عَهِدَ الإلَهُ بآيَةِ الأَجْرِ
شَرٌّ الخِلافَةِ في قَرَابَتِهِ ... خَالَفْتُمُوهُ يا ذَوِي الغَدْرِ
فِرَقٌ تُضَلِّلُنا على التَّقْوَى ... وهي التي ضَلَّتْ ومَا تَدْرِي
فَلَنا مقَامٌ سَوْفَ نُدْرِكُهُ ... حَيْثُ القَضَا عَنْ أَمْرِهِ يجْرِي
وإِلَيْكَ ممّا قَدْ مَضَى قَصَصاً ... عِبَراً لِذِي لُبٍّ وذِي فِكْرِ
إلى آخرها.
وهي سبعون بيتاً، وقَدْ شَرَحها السّيدُ العَلَّامةُ المجْتَهِدُ/ محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله تعالى بِكِتَابٍٍ عَظِيمٍ أسْماهُ (شَقَاشِق الأشْجَانِ في شَرْحِ مَنْظُومَةِ عُقُودِ المرْجَانِ) نَفَعَ اللهُ تَعَالى به وجَزَاهُ عن الإسْلامِ والمسْلِمِينَ خَيْرَ الجزاءِ.
ولوالدنا الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام قَصِيدَةٌ مَطْلَعُهَا:
أَهَذِهِ دُرَرٌ تُطْوَى بِأَوْرَاقِ ... أَمْ هَذِهِ سُوَرٌ يَرْقِي بها الرَّاقِي
✦كتاب عيون الفنون
ولوالِدِنا الإمَامِ/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام أيضاً كتاب (الْجَوَابُ الْكَافِي) على ما أَوْرَدَهُ الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في كتابه الشافي من الأسئلة الْمُحْكَمَةِ الإغْلَاقِ، الْمُفَرِّقَةِ لِشَظَايا الخَارِقَةِ في أَعْنَاقِ أَهْلِ الشِّقَاقِ والنِّفَاقِ.قال السيد الإمامُ الهادي بن ابراهيم الوزير رضي الله عنه المتوفى سنة ٨٢٢ هـ في كِتَابِهِ هِدَايَةِ الرَّاغِبِينَ إلى مَذْهَبِ العِتْرَةِ الطَّاهِرِينَ عِنْدَ ذِكْرِهِ هذه الأَسْئِلَةَ المتعَلّقَةَ بفنُونِ اللغة العربيَّة والتي وجّهها الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام إلى فَقِيهِ الخَارِقَةِ ما لَفْظُهُ:
وأَوْرَدَ عليه من هذا القَبِيلِ (أيْ في عُلُومِ العربيَّةِ) جُمْلَةً من المسائِلِ الدَّقِيقَةِ التي لا يَهْتَدِي أَحَدٌ إلى مَعْرِفَتِها.
إلى قوله: ولَقَدْ قَالَ الشيْخُ العلامَةُ إمامُ الأدبِ إسماعيل بن إبراهيم بن عطية: إنَّ المسائِلَ التي أَوْرَدَها المنصورُ باللهِ عليه السلام على صَاحِبِ الخَارِقَةِ مما يَتَعَلَّقُ بعِلْمِ العربيَّةِ لا هِدَايَةَ لأَحَدٍ إلى مَعْرِفَتِها
وجَوَابِ مُشْكِلاتِها إلا بِوَحْي من السَّماء، هذا وهو علَّامَةُ فُنُونِ الأَدَبِ، والآية الْمُشَارُ إليها في مَعْرِفَةِ كلامِ العَرَبِ، انتهى.
فَجَاءَ الإمامُ الحجّة/ مجدالدين عليه السلام بجَوَاباتٍ شافِيَةٍ، وجَوَامِعَ وافِيةٍ كَافِيةٍ، نَكَصَتْ عن مَدَى غَايَتِها أهْلُ الأذْهَانِ الصَّافية، إذ هي أَسْئِلَةٌ غامِضةٌ بَقِيَتْ بين أدْرَاجِ مَهْدِها مِئَات السِّنِين، فأَبْرَزَهَا حَفِظَهُ الله كفَلَقِ الصُّبْحِ، وغرَّة بَرَاح، وقد طُبِعَ تحت اسْم: (عيون الفنون)، انتهى.
✦من كلام للسيّد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله
عند اطِّلاعه على كتاب عيون المختار من فنون الأشعار والآثارقال السيد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله عند اطِّلاعه على كتاب عيون المختار من فنون الأشعار والآثار للإمام الحجّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام:
إنَّ وَقْعَ هذا المجمع الْمُنْتَقَى فَوْقَ واقِعِ أمْثَاله من تراثِه الذي ألَّفَهُ، وهو الكثير الواسع الذي اسْتَقَاهُ وَوُفِّقَ إليه من عَيْنِ خَلِيفَتَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فلا يَذْهَبَنَّ عنك مَوْقِعُهُ، وما يجب أن تتلقّاه به:
مَا قٌلْتُ إلَّا الذِي قَدْ قَالَ خَالِقُنَا ... فِي قَوْلِهِ أَوْ رَسُولُ اللهِ حَاكِيهِ
إِجْمَاعُنَا حُجَّةُ الإجْمَاعِ وَهْوَ لَهُ ... أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى مَا الكُتْبُ تُنْبِيهِ
فواقِعُ هذا الْمُنْتَقَى من الأَدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ على أنَّ مولانا هو من العِلْمِ وإليه، وذلك لأنه تَولَّى ما تولَّى منه بلندن في فَتْرَةٍ لا يدخل في الحسبان اشْتِغَالُهُ بشيء غير ما دَخَلَها لأجْلِهِ، فهو إنما نزلها للاسْتِشْفَاءِ والعلاج، لا لاكتِشَافِ مَكْنُونِ ذَخِيرَتِها والإنْتَاج، ولولا أنه هو ما تَصَوَّرْتُ وقوع مقدّمات الإنتاج، ولا صَدَّقْتُ بمسلَّمات دخوله متحفها وحصيلة الإفراج، وكيف يجوز أن ينْصَرِفَ عن المستوصف وعِلَّته حَاصِلَةٌ، ويتحرَّك بحركات الصحيح من العِلَلِ نحو الْمُتْحَفِ بالسّرْعَةِ الفَائِقَةِ، ولكنها شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُها من أَخْزَم، يُفَضِّلُ شفاء الروح على انْدِمَالِ الجُرُوحِ.
صَحِبْتُهُ فكان لا يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ صَباحاً إلا إلى كِتَابٍ، ولا يُغْمِضُهُمَا بَعْدَ هَوِيٍّ من الليلِ إلا عن كِتَابٍ، وكأنَّ العِلْمَ من مُقوِّمَات حَياتِه، ومن مُغذِّيات مشاعره وطاقاته، ومن ضروريّاته لا من مُحَسِّناتِهِ، يُحَمِّل نفسَه في سبيله أقصى جهودها، ويمنعها إِجَامَها ورَوْحَها وهُجُودَها، مَعَاهِدُ نَشْرِهِ للعِلْمِ هنا وهناك مَفْتُوحَةٌ، في الحِلِّ والتِّرْحَالِ، في البكور والآصال،
في الليل إذا عَسْعَسَ والنَّهارِ إذا تَنَفّسَ، تلاميذُهُ يَعْسُرُ عَدُّهم، ويُجهِدُ حَصْرُهم، وهم بِبَرَكَتِهِ يَكْتَسِبُونَ النَّشاطَ من نشاطه، وتَرْتَاضُ أَنْفُسُهُمْ للمُوَاصَلَةِ تَأسِّياً به، وانْقِياداً لإرْشَادِهِ، وشاهدُ الحال يُغْنِي عن المقال، فها هو الآن قد احْقَوْقَفَ ظَهْرُهُ، ووَهَى صَوْتُه، وكادَ أنْ يكون رَهِينَ فِرَاشِهِ، وقَعِيدَ بِسَاطِهِ، تَتَوَافَدُ عليه الطَّلَبَةُ للأَخْذِ عنه صَباحَ مَسَاءَ، يُمْلي أَحَدُهم فإذا ما غَلِطَ أو وَهَمَ أو اسْتَفْهَم صحَّح مولانا الغلط، أو أَزَالَ الوَهَمَ، أو أفادَ الْمُسْتَفْهِمَ، بالقَرْعِ أو الإشارة أو الْمَنْطِقِ الهمْسِيّ.
وقد مَرّن نَفْسَهُ على عَدَمِ الإنْقِبَاضِ عن أيّ طالب في كلّ مكان وفي كلّ زمان، ومع كثرة تنقّلاته ومِصْدَاقيّة قول القائل حيثُ يقول:
يَوْماً بِحَزْوَى وَيَوْماً بِالعَقِيقِ وبِالْـ ... عَذِيبِ يَوْماً وَيَوْماً بِالْخُلَيْصَاءِ
تتجَدَّدُ له طَلبةٌ بنزوله يَنْزِلُونَ، وعلى نُورِهِ يَتَقَاطَرُونَ، حتى تغصّ بهم الساحة، ولا يكلّ ولا يملّ.
واسْمَحْ لي أن أقول: إنّ هذه نُبْذَةٌ مما يَسْتَحِقُّهُ فَضِيلتُه، لأنه في كلِّ مَكْرُمَةٍ إمام، ولكلِّ الفضائِلِ والفَواضِلِ زِمَامٌ، إنْ جٌوْرِيَ سَبَقَ، وإنْ ُجْودِلَ غَلَبَ، كم نَقَدَ وحَقَّقَ، وأَطْلَقَ وقَيَّدَ، وفَحَصَ وأَمْعَنَ، وأَسَّسَ فأَتْقَنَ، وكَمْ أَخَذَ ورَدَّ، وأَقامَ وأَقْعَدَ، فهو سَيْفُ الحَقِّ، بِيَدِ الحقِّ يَصُولُ ويَجُولُ.
أمَّا نَاحِيَتُهُ العِلْمِيَّةُ فحَدِّثْ عن البَحْرِ ولا حَرَجَ، وله اليَدُ العُلْيا عِنْدَ الْمُنَاقَشَةِ، والقِدْحُ المعلَّى حين الْمُجَادَلَةِ، إذا جَسَّ الخَصْمُ نبضَهُ صَدَمَهُ واعْتَنَقَ، وصَرَعَهُ وشَنَقَ، وتلا حِينَ ذاكَ: قُلْ أَعُوذُ بربِّ الفَلَقِ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ.
وما عَسى أنْ أَقُولَ في جَنْبِ ما لَهُ من خَصَائِصَ نَالَتْ كُلَّ مَنَالٍ، وضُرِبَتْ بها الأَمْثَالُ، بَلَّغَهُ الله غَايةَ الآمالِ ... الخ. انتهى.
✦في ذِكْرِ العِتْرَةِ الطاهرة الطَّاهِرَة عليهم السلام
إلى أن قال عليه السلام في ذِكْرِ العِتْرَةِ الطَّاهِرَة عليهم السلام:خَاضُوا المنيَّات في مَرْضَاةِ خَالِقِهِمْ ... وَحَكَّمُوا السَّيْفَ في هَامٍ وَأَعْنَاقِ
فَكَمْ أَطَارَتْ سُيُوفُ الآلِ مِنْ قُلَلٍ ... وَكَمْ دَمٍ في سَبِيلِ الله مِهْرَاقِ
فَقَلَّ مَنْ مَاتَ حَتْفَ الأَنْفِ ذَا دَعَةٍ ... بَلْ فَوقَ مَتْنِ جَوَادٍ تَحْتَ خَفَّاقِ
حَتَّى اسْتَقَامَتْ لِدِينِ اللهِ أَعْمِدَةٌ ... وَأَصْبَحَ الحَقُّ في نورٍ وإِصْبَاحِ
الخ الأبيات.
✦مع أحمد شوقي
وَقَالَ والدنا مجدالدين المؤيدي عليه السلام في شَهْرِ جمادى الآخرة سنة ١٤٠٥ هـ لَمَّا اطّلَعَ على أبيات أحمد شوقي الذي ينفي فيها التَّفْضِيلَ، التي منها في مَدْحِ الرَّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم:فَرَسَمْتَ بَعْدَكَ للعِبَادِ حُكُومَةً ... لا سَادَةٌ فيها ولا أُمَرَاءُ
اللهُ فَوْقَ الخَلْقِ فِيهَا وَحْدَهُ ... والنَّاسُ تَحْتَ لِوَائِها أَكْفَاءُ
ثم علَّقَ عَلَيْها السيّدُ الأدِيبُ أحمد بن محمد الشامي بقوله: وهو ما نَعْتَقِدُهُ جَميعاً؛ فَأَجَابَ الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام عليها بقوله:
حُكْمُ الكِتَابِ وَنَصُّ سُنَّةِ أَحْمَدٍ ... دَعْ عَنْكَ ما تَهْذِي بِهِ الشُّعَراءُ
حَكَما بِرَغْمِ الجاحِدِينَ بِحُكْمِهِ ... بالاخْتِيَارِ فلا يُرَدُّ قَضَاءُ
والاصْطِفَاءِ وَرَفْعُ بَعْضِكُمُ على ... بَعْضٍ أَتَى فَلْتَخْسَأِ الأَهْوَاءُ
أفَحُكْمَ لِينِينَ الكَفُورِ وَحِزْبِهِ ... أَمْ شِرْعَةٌ حَنَفِيَّةٌ غَرَّاءُ
رُسُلُ الإِلَهِ تَفَاوَتَتْ دَرَجَاتُهُمْ ... وَجَمِيعُهُمْ في فَضْلِهِ شُرَكَاءُ
ونِسَاءُ أَحْمَدَ لَسْنَ مِثْلَ نِسَائِكُمْ ... حُكْمُ النِّساءِ كَذَا فَما الأَبْنَاءُ
أَتَرُدُّ حُكْمَ اللهِ جل جلاله ... وَتَقُولُ جَهْلاً إِنَّهُنَّ سَوَاءُ
وَحَدِيثُ أنَّ اللهَ جَلَّ قد اصْطَفَى ... ذُرِّيَّةً وَرَدَتْ بها الأَنْبَاءُ
والنَّاسُ في الخَبَرِ الصّحِيحِ مَعَادِنٌ ... نَصٌّ صَرِيحٌ لَيْسَ فيهِ خَفَاء
لكِنَّ ذا التَّفْضِيلَ ليسَ بِنَافِعٍ ... إلا مَعَ التّقْوَى فَتِلْكَ وِقَاءُ
وَمَتَى اتَّقَوْا فَلِكُلِّ فَرْدٍ فَضْلُهُ ... لا يَسْتَوِي الْعُلَماءُ والجُهَلاءُ
والنَّاسُ كالأَسْنَانِ فيما عَمَّهُمْ ... أَحْكَامُهُ وَحِسَابُهُمْ وَجَزَاءُ
لا تَسْتَوِي في حُكْمِهِ الأَيَّامُ والـ ... ـأَحْجَارُ والأَشْجَارُ والأَحْياءُ
وبعْدَ زَبْرِهِ لِلْقَصِيدةِ المسمَّاة الثناء الْعَاطِر على أهْلِ البَيْتِ الطّاهرِ لأبي بكر بن شهاب التي مَطْلَعُها:
دَعْ ذِكْرَ أيَّامِ الشَّبابِ الرَّاحِلِ ... وَحَدِيثَ لابِسَةِ الحُلى والْعَاطِلِ
وانْبذْ بَقِيَّةَ ما بقَلْبِكَ مِنْ هَوَى ... لَيْلى ومَائِسِ قَدِّها المتمائِلِ
وَدَع الخُدُورَ وما بها مِنْ خُرَّدٍ ... كَيْلا تُصَابَ بِسهْم طَرْفٍ بابلي
نَهْنِهْ فُؤَادَكَ ما بَقِيتَ فأَنْتَ في ... شُغلٍ عن البِيضِ الكواعِبِ شَاغِلِ
وارْكَبْ نَجِيبَ التَّوْبِ في المثلى إلى ... سَاحَاتِ ذي الطَّوْلِ المجيبِ السَّائلِ
إلى قوله:
وَبِحُبِّ صِهْرِ المصْطَفى وَوَصِيِّهِ ... وَأَخِيهِ حَيْدَرَةَ الشّجاعِ الباسِلِ
ذِي العَزْمِ سَاقي الحَوْضِ مَوْلى المؤمنيـ ... ـنَ الحَبْرِ علَّامِ القَضَاء الفاضِلِ
والدُّرَّةِ الزّهراء فَاطِمةَ التي ... بَعْدَ الرَّسولِ قَضَتْ بِحُزْنِ الثَّاكِلِ
ذاتِ السيادَةِ مُطْلَقاً بالنّصِّ لا ... يَأْباهُ غير مُكَابِرٍ مُتَحَامِلِ
والسَّيِّدَيْنِ اللابِسَيْ حُلَلِ الشَّها ... دَةِ مِنْ فَرِيقٍ في الشَّقَاوَةِ وَاغِلِ
إلى قوله:
أَهْل الكساء الخَمْسَة الأَشْبَاح حُجْـ ... ـجَةِ ذي الجلالِ على المريبِ الدَّاجلِ
هُمْ بَيِّناتُ الله هُمْ آياتُهُ الْـ ... ـكُبْرَى لإرْغَامِ الجَحُودِ الجافِلِ
إلى آخرها، وهي في كتاب عيون المختار من فنون الأشعار والآثار.
فقال الإمام الحجة/ مجدالدِّين بن محمد المؤيدي عليه السلام:
وَأَتَى إلى الخَضْراءِ مِنْهُم سَادَةٌ ... فَاقُوا الوَرَى بِفَضَائِلٍ وفَوَاضِلِ
مِنْ أرْضِ طَيْبَةَ كانَ مَسْرَى نُورِهِمْ ... مَهْدِ النُّبُوَّةِ والهُدَى الْمُتَكَامِل
يَهْدِيهُمُ هَادِ الْأَنامِ مُجَدِّدٌ ... أَحْيا الهُدَى ومَحَا رُسُومَ البَاطِلِ
مَنْ طَهَّرَ اليَمَنَ الفَسِيحَ وأَشْرَقَتْ ... أَنْوَارُهُ في كُلِّ قُطْرٍ آهِلِ
مَنْ جَاءَتِ البُشْرَى به عَنْ جَدِّهِ ... وعَنِ الوَصِيّ أبيهِ أَصْدَقِ قَائِلِ
وتَلَاهُ أَعْلَامُ الأَئِمَّةِ قَادَةٌ ... حَكَمُوا بحُكْمٍ في البَريّةِ عادِلِ
ومن تَرْثِيةٍ لِوَالِدِنا عليه السلام رثى بها السيدَ العلامةَ محمدَ بنَ الإمامِ الهادي الحسن بن يحيى القاسمي رحمه الله عام ١٣٥٩ هـ:
ما زال داعي الموت دَأْباً مُسْمِعاً ... ولكلّ شَمْلٍ في الأنام مُصَدِّعا
فيه تَشَارَكَت الخلائقُ عَنْ يَدٍ ... وتنازَعَتْ للورد كأساً مترعا
لم تُغْنِ عنه السابغات ولم يَدَعْ ... أمْناً ولا حَرَماً يكونُ مُمَنَّعا
لكنّهم فيما سواه تفاوتوا ... شتّان بين من اسْتَرَاثَ ومَنْ سعى
هذا له الزّلفى وهذا ضدّها ... لا دَعْدَعاً يلقى هناكَ ولا لَعَا
إلى آخرها.
✦ولوالدنا عليه السلام في التوسُّلِ وطَلَبِ العَفْوِ والْمَغْفِرَةِ
ولوالدنا عليه السلام في التوسُّلِ وطَلَبِ العَفْوِ والْمَغْفِرَةِ في خِتَامِ سنة ١٤٠١ هـ:تَقَضَّى الْعُمْرُ لم أَبْلُغْ مرَامَا ... فَيَا رَبَّاهُ حَسِّنْ لي الخِتَاما
إلَاهِيْ إنْ ذَكَرْتُ عَظِيمَ ذَنْبِي ... طغَىَ خَوْفِي فَيَضْطَرِمُ اضْطِرَامَا
وَإِنْ أَذْكُرْ عَظِيمَ العَفْوِ يَعْظُمْ ... رَجَائِيْ إنَّ لي فِيكَ اعْتِصَاما
فَيَا رَحْمَنُ أَرْجُو مِنْكَ عَفْواً ... وَغُفْرَاناً وَرِضْوَاناً دَوَاما
وَأَنْزِلْنِي إلَاهِيْ خَيْرَ دَارٍ ... جِوَارَكَ جَنَّةً طَابَتْ مُقَامَا
وَآبَائِي وَأَبْنَائِي وَأَهْلِي ... وَأَرْحَامِيْ وإخْوَانِي تَمَاما
نُرَافِقْ أَنْبِيَاءَكَ في مَقَامٍ ... أَمِينٍ والملائِكَةَ الكِرَامَا
رَجَوْتُكَ يَا إلَاهِيْ لا تُخَيِّبْ ... رَجَائِي فِيكَ تُولِينَا السَّلاما
✦صور تدلّ على علوِّ همَّته في طلب العلم
وكان والدنا الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام يحكي لنا أنه عند اطّلاعه على كتاب الشافي كان يَتَعَجَّبُ من مُرُورِ تلك الأزْمِنَةِ الطَّويلَةِ، وهي مِئاتٌ من السِّنين، دون أن يَتَصَدّى أَحَدٌ لجوَابِ تلك الأَسْئِلَةِ العَجِيبَةِ التي أَوْرَدَها الإمام المنصور بالله عليه السلام على فَقِيهِ الخَارِقَةِ، فناقَشَ عليه السلام والدَه رضي الله عنه في ذلك، فقال له والدُه: هاتِ ما عندك، واكْشِفْ لنا عن هِمَّتكَ، فشمّرَ عن ساعِدَيْهِ، وأجابَ عنها بالكتاب المذكور (عيون الفنون)، وقد أَثْبَتْنَا تلك الأسئلة وجواباتها في محلِّها من الجزء الأول من كتاب الشافي للإمامِ المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام بحَمْدِ الله تعالى.وقد حَدّثنا والدُنا الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام غير مَرّة أنه بدأَ البَحْثَ عن كتاب الشافي للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام لِقِرَاءَتِهِ قَبْلَ البُلُوغِ، وهو الكتاب الكبير المعروف، الذي لا يَقْرَأُهُ إلَّا العُلَماءُ الكِبَارُ المجتهدون، فهو النِّهايَةُ والغَايةُ فيما اشْتَمَلَ عليه من
علوم، وهذا يُنْبِئكَ عن عُلوِّ هِمَّته، وقوّة عَزِيمَتِهِ في طلبِ العلم الشريف، وذِهْنِهِ الصَّافي وذَكَائِه الوَقّاد وبَصِيرَته النيِّرة، وأَيَنَ بلغَ في طَلَبِ العِلْمِ وهو لا يزال في هذا العمر الصَّغير.
وأخبرنا عليه السلام أيضاً أنه حَفِظَ مَتْنَ مِرْقاةِ الوصول إلى عِلْمِ الأصول (أصول الفقه) للإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام وهو في السابعة من عمره.
وحدّثنا والدُنا عليه السلام أنه كان مُلازِماً لِوَالدِهِ حالَ طُفُولَتِهِ مُلازَمَةً تامَّةً، ووَقْتُهُ في طُفُولَتِهِ مُسْتَغْرَقٌ بالكامل في طَلَبِ العِلْمِ بِجَانِبِ وَالِدِهِ رضي الله عنهما، وكانَ يَظُنُّ أنَّ جَمِيعَ الأَوْلادِ عَلى هذا الحَالِ،
كُلٌّ بِرِفْقَةِ وَالِدِهِ على الدَّوَامِ يَطْلُبُ العِلْمَ، ولم يكن يَعْلَمُ أنَّ الأوْلَادَ يَلْهُونَ ويَلْعَبُونَ في السَّاحَاتِ والشَّوارِعِ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ مع والِدِهِ إلى مَدِينَةِ صعدة عام ١٣٤٥ هـ، وقد صَارَ عُمُرُهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ عَاماً، فشاهدَ الأولادَ يلعبون في الأزِقَّة، وَيَجُولُونَ في الشَّوارِعِ، فَتَعَجَّبَ غايَةَ العَجَب من ذلك.
وأَخْبَرنَا والِدُنا عليه السلام أنَّ زَوَاجَه صَادَفَ يومَ الأَحَدِ، فأَوْصَلُوا عَرَوْسَهُ إلى بَيْتِهِ وهو خَارِجٌ بِكُتُبُهِ إلى الجَامِعِ لِدِرَاسَةِ دُرُوسِهِ الْمُعْتَادَةِ، فاسْتَوْقَفَهُ والدُه رضي الله عنه وقال له: اليومَ عُطْلَةٌ من الدِّراسَةِ، هذا يوم زَواجِكَ، وهذه عَرُوسُكَ قد وَصَلَتْ إلى البيتِ، فلم يَقْبَلْ منه أَبَداً، وأَجَابَهُ بأنَّه لا يُوجَدُ سَبَبٌ مهما كان يُمْكِنُ أن يُعَطِّلَهُ عن دُرُوسِهِ، حتى الزواج، ولا شَيْءَ مُقَدَّمٌ على طَلَبِ العِلْمِ، وأَخَذَ كُتُبَهُ
وذَهَبَ إلى الْمَسْجِدِ وأَتَمَّ دُرُوسَهُ الْمُعْتَادَةَ.
وأخبرنا السيد العلامة الولي عبدالعظيم بن الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله قال: كُنَّا أَثْنَاءَ الدِّراسَةِ مع الْعُلَماءِ الأَعْلامِ على مولانا عليه السلام نَتَعَاقَبُ عليه مَجْمُوعَةً بَعْدَ مَجْمُوعَةٍ، وهو لا يَتْعَبُ ولا يَكِلُّ ولا يَسْأَمُ ولا يَسْتَرِيحُ، وعندما يأتي وَقْتُ النوْمِ نُقْفِلُ الدُّرُوسَ عليه، وتَأْوِي تِلْكَ المجموعَاتُ كلٌّ إلى فِرَاشِهِ، وكان عليه السلام يَسْكُنُ سَاعَةً أو نحوها حتى يَتَأَكَّدَ من أنّ جميعَ الطلبة قد ناموا، فَيُشْعِلُ الضَّوْءَ خَافِتاً، ويَبْدَأُ بتقْلِيبِ الكُتُبِ،
ويَغُوصُ في بُحُورِها إلى ما شاء الله تعالى، وكُنْتُ أَرَاقِبُهُ وهو على ذلك الحَالِ مِرَاراً عَدِيدَة حتى يَغْلِبَنِي النوم، انتهى.
وقد رَأَيْنا من والِدِنا عليه السلام عَجَائِبَ في مِثْلِ هذا، فكان مع كِبَرِ سِنِّه وضَعْفِهِ ومَرَضِهِ على هذا الحال، وكانَ يُقْسِمُ لنا أنَّه لا يَلْتَذُّ بأَكْلٍ ولا بشُرْبٍ، وإنَّما يَتَناوَلُ من ذلك ما هو ضَرُورِيٌّ لاسْتِقَامَةِ الحَيَاةِ، وكَانَ يَتَحَسَّرُ على ضَيَاعِ الوَقْتِ القَصِير، وليسَ له وَقْتٌ للرَّاحَةِ أبداً، ولا يَنَامُ إلا إذا غَلَبَهُ النوْمُ، وينامُ سَاعَةً أو نحوها ويَرْجِعُ للمُطَالَعَةِ والبَحْثِ والتَّنْقِيبِ، وهكَذا، ولم نكن نَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَهُ ونحنُ في شَبَابِنَا وهو في سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ والضَّعْفِ والْمَرضِ.
وقد كانَتْ والِدَتُنا - رحمها الله تعالى وأَسْكَنَها فَسِيحَ جَنَّاتِهِ وجَزَاهَا عنه وعنّا خَيْرَ الجزَاءِ - تُجْهِدُ نَفْسَها كَثِيراً في مُتَابَعَتِهِ لأَكْلِ وَجْبَتِهِ اليَسِيرَةِ، وإلا اشْتَغَلَ عن الأَكْلِ بالْمُطَالَعَةِ والقِرَاءَةِ وهو ل
يَشْعُرُ بذلك؛ لأنه إذا كَانَ في بَحْثٍ ومُرَاجَعَةٍ ومُطَالَعَةٍ يَغُوصُ بكلٍّ حَوَاسِّهِ بينَ الكُتُبِ، ولا يَشْعُرُ بعدَ ذلك لا بالزَّمَانِ ولا بالمكَانِ ولا بالجُوعِ ولا بالعَطَشِ، وهذا أَمْرٌ عَجِيبٌ لم نَعْهَدْهُ بَيْنَ البَشَرِ.
ولم يَكُنْ له في الْيَوْمِ سِوَى وَجْبَتَيْنِ، ويَعْمَدُ إلى القُرْصِ من الخُبْزِ فيَقْسِمُهُ أرْبَاعاً ويَأْكُلُ الرُّبُعَ فقط، على قَليلٍ من اللبَنِ وزَيْتِ الزَّيْتُونِ أو نَحْوِ ذلك.
وقد أَخْبَرَتْنا والِدَتُنا رحمها الله تعالى أنها ذَاتَ مَرَّةٍ وضَعَتْ له الأَكْلَ على مَجْمَرٍ ليَبْقَى الطَّعامُ دَافِئاً، واشْتَغَلَتْ بِنِسَاءٍ زَائِرَاتٍ، ورَجَعَتْ إليه بعد سَاعَةٍ لِتَحُثَّهُ على إِتْمَامِ وَجْبَتِهِ، فرَأَتْهُ قد اشْتَغَلَ بكتَابٍ بينَ يَدَيْهِ، فلما كَرَّرَتْ عليه وحَثَّتْهُ على الأَكْلِ أرَادَ أن يُطَيِّبَ خَاطِرَها، فأَخَذَ قِطْعَةً من الخُبْزِ وَعَيْنُهُ على الكِتَابِ وأَخَذَ يَغْمِسُ الخُبْزَ بين الرَّمادِ في الْمَجْمَرِ ظَانّاً أنه وِعَاءُ الطَّعَامِ، ورَفَعَ اللُّقْمَةَ إلى فَمِهِ، فنبَّهَتْهُ وقالَتْ له: إنَّكَ تَغْمِسُ اللُّقْمَةَ بين الرَّمَادِ!. ولَكِنْ هَذَا دَأْبُهُ إذَا كَانَ الكِتَابُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
✦يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً
وَأَخْبَرَتْنا وَالِدَتُنا رَحِمَها اللهُ تَعالى أَنَّها في لَيْلَةِ زَواجِهَا بِالوَالِدِ عليه السلام قَضَى لَيْلَتَهُ تِلْكَ في تَسْمِيعِ الصَّلاةِ لها، يَتَأَكّدُ مِنْ إِتْقَانها للصَّلاةِ وَمَعْرِفَتِها بِفَرائِضِها وَوَاجِباتِها وَمَسْنُونَاتِها وَمَنْدُوباتِها، وَطَلَبَ مِنْها أنْ تَلْبَسَ مَلابِسَ الصَّلاةِ وَتَضَعَ سِجّادَتها وأنْ تُوَدّي الصَّلاةَ أَمَامَهُ لِيَتَأكّدَ أنها تُحْسِنُ أَدَاءَ صَلاتِها، هَذَا في لَيْلَةِ زَوَاجِهِ بها، ومَا ذَلِكَ إلَّا امْتِثَالاًلِقَوْلِ الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦}[التحريم].
وعِنْدَ صُدُورِ الطَّبْعَةِ الأوْلَى من كِتَابِ لَوَامِعِ الأنْوَارِ كان مُسَافِراً لأَدَاءِ الحَجِّ، وأَتَيْنَاهُ بالكِتَابِ وهو في مَدِينة جدّة، فَنَاوَلْنَاهُ الكِتَابَ بعْدَ العِشَاءِ، فأَخَذَ في مُطَالَعَتِهِ ومراجعته وهو في غَيْرِ مَجْلِسِهِ الْمُعْتَادِ، كالمتأهِّبِ للقِيَامِ، جَالِسٌ على قَدَمَيْهِ جلْسَةً غَيْرَ مُرِيحَةٍ،
فنبَّهْنَاهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ وهو على تِلْكَ الحال، لكي يَقُومَ إلى مَجْلِسِهِ، فأجَابَ بأنه سَيَقُومُ، فقط يُطَالِعُ بِسُرْعَةٍ وسَيَقُومُ، وبَعْدَ كُلِّ فَتْرَةٍ نَعُودُ لِتَنْبِيهِهِ وهو على تِلْكَ الحَالِ، حتى أذَّنَ الفَجْرُ وهو مُنْكَبٌّ على الكِتَابِ وفي نَفْسِ وَضْعِيَّتهِ تلك على قَدَمَيْهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أمَدَّهُ بهذا الصَّبْرِ العَجِيبِ، وهذه الرَّغْبَةِ الشَّديدَةِ، ومعَ ذلك قامَ وتَوَضَّأَ وصَلَّيْنَا الفَجْرَ، وقُلْنا لَهُ: اليَوْمَ عُطْلَةٌ مِن الدُّرُوسِ التي بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَأَنْتَ مُرْهَقٌ جِداً وَلَمْ تَنَمْ طوَالَ الليْلِ، فأَبَى وقَالَ: هذا وَقْتٌ ثَمِينٌ وفَضِيلٌ لا يُمْكِنُ تَضْييعُهُ، وأَخَذْنَا في دُرُوسِنَا الْمُعْتَادَةِ حتى شُرُوقِ الشَّمْسِ.
وقد كان عليه السلام يُقْسِمُ بالله العَظِيمِ أنَّه لو وُضِعَ في أَفْخَم قصرٍ، وجُهِّزَ بأكملِ التجهيزات، وليس فيه كُتُبٌ، لكان عنده أسوأَ مكانٍ وأضيقَهُ، ولو وُضِعَ في سِجْنِ ضَيِّقٍ وفيه كتبٌ لكان عنده من أحسنِ الأَمَاكن.
✦البلاغ الناهي عن الغناء وآلات الملاهي
وللإمامِ الحجَّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام كِتابُ: البَلاغِ النَّاهِي عن الغِنَاء وآلاتِ الْمَلَاهِي، وهو جَوابُ رِسالةٍ أرْسَلَها إلى الإمامِ النَّاصِرِ أحمد بن يحيى حميد الدين في شَأْنِ الغِنَاء وآلاتِ اللَّهْوِ التي كَانَتْ تُذَاعُ من الإذَاعَةِ المتوكّليَّة بصنعاء، وَقَدْ أَجَابَ الإمَامُ النَّاصِرُ بِجَوابٍ مُفِيدٍ، وأَمَرَ بإلْغَاءِ الغِنَاءِ وآلاتِ اللهوِ من الإذَاعَةِ المتوَكِّلية.✦المنهج الأقوم في الرفع والضم، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإثبات حي على خير العمل في التأذين، وغير ذلك من الفوائد التي بها النفع الأعم
ومن مؤلَّفَاتِ والِدِنا الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام كتابُ الْمَنْهَجِ الأَقْوَمِ في الرَّفْعِ والضَمِّ والجَهْرِ ببسم الله الرحمن الرحيم وإِثْبَاتِ حَيَّ على خَيْرِ العَمَلِ في التأذِينِ، وغير ذلك من الفَوائِدِ التي بها النَّفْعُ الأَعَمُّ، ذَكَرَ فيه سَبَبَ التَّأْلِيفِ فقال: فقد كانَ الاطِّلاع على الكتابِ الكريم والخِطَابِ الوَسِيمِ المتَضَمِّنِ للسؤالِ، وطَلَبِ حَلِّ الإشْكَالِ الذي أَوْرَدَ الولَدُ العلَّامةُ محمَّد بن إبراهيم بن القاسم بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي حرسه الله تعالى، قال فيه: مولانا وشَيْخُنا الوالِدُ العلَّامة الحجّة نجم آل الرسول سيدي مجدالدين بن محمد المؤيدي حفظكم الله تعالى ... الخ.وقد ابْتَدَأَ عليه السلام الكِتَابَ بِبَحْثٍ حَوْلَ حُكْمِ الإنْكَارِ في المسائل النَّظَرِيَّةِ الاجْتِهادِيَّةِ الخِلافيَّة، واسْتَوفى الأدِلَّة على تلك المسائل، وأتى فيه بما يكفي ويشفي، وبما فيه ذكرى لمنْ كانَ له قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
✦الجامعة المهمّة لأسانيد كتب الأئمة
ومِنْ مُؤَلَّفاتِ وَالِدِنا الإمامِ الحجَّةِ/مجدالدين المؤيدي عليه السلام كِتَاب (الْجَامِعَةُ الْمُهِمَّةُ لِأَسَانِيدِ كُتُبِ الأَئِمَّةِ).قَالَ عليه السلام في الْمُقَدّمةِ مُوَضِّحاً سَبَبَ التَّأْلِيفِ: فإنَّه الْتَمَسَ مِنِّي جَماعَةٌ - من بُدُورِ الدِّرَايَةِ ونُجُومِ الهِدَايَةِ، الرَّاغِبِينَ في أَفْضَلِ الرَّغَائِبِ والْمُقْبِلينَ على أَجَلِّ الْمَكَاسِبِ وأَشْرَفِ الْمَطَالِبِ، وهو بِالحَقِيقَةِ حَيَاةُ الدَّارَيْنِ وحِيَازَةُ شَرَفِ الحَظَّيْنِ:
وَكُلُّ فَضِيلَةٍ ولها سَنَاء ... وَجَدْتُ الْعِلْمَ من هَاتيكَ أَسْنَى
فَلا تَعْتَدَّ غَيْرَ الْعِلْمِ كَنْزاً ... فَإِنَّ العِلْمَ كَنْزٌ لَيْسَ يَفْنَى
وكَفَى بَمَا أَثْنَى العَلِيُّ الأَعْلَى: {إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ}[فاطر ٢٨]، {يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ}[المجادلة ١١]، {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ}[الزمر ٩]، {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨}[آل عمران].
الْمُشَمِّرِينَ في اجْتِنَاءِ العُلُومِ، الْمُكِبِّينَ على ارْتِشَافِ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، من عُيُونِ الْمَنْطُوقِ والْمَفْهُومِ، من أَعْيَانِ القَرَابَةِ، وَكِرَامِ العِصَابَةِ، ممَّن يَسَّرَ اللهُ لنا ولهم الاجْتِمَاعَ، والأَخْذَ والسَّماعَ، كَثَّرَ اللهُ عَدَدَهُمْ، ويَسَّرَ مَدَدَهُمْ، وحَمَاهُمُ اللهُ تعالى
وتولَّاهم، وبَارَكَ للجَمِيعِ فيما أَوْلاهُم، وأَفْرَغَ عَلَيْنَا وعَليهم أَنْوَارَ هُدَاه، وغَمَرَنا وإيَّاهم بِشَآبِيبِ عَفْوِهِ ورِضَاه - أنْ أُوصِلَ سَنَدَهُمْ بِسَنَدِي، وأُصَحِّحَ لهم في طُرُقِ الرِّوَايَةِ مُعْتَمَدِي، وأُوَضِّحَ لهم الأَسَانِيدَ النَّافِعَةَ الجَامِعَةَ إلى أَرْبَابِها، الْمُوصِلَةَ بِفَضْلِ الله تعالى إلى إِتْيَانِ البُيُوتِ من أَبْوَابِها، كَمَا هِيَ السُّنَّةُ الماضِيَةُ عِنْدَ عُلَماءِ الإسْلَامِ، والطَّرِيقَةُ الْمَرْضِيَّةُ بينَ ذَوِي الحَلِّ والإِبْرَامِ .. الخ. انتهى.
وَنَحْنُ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالى وَمَنِّهِ وَجُودِهِ وكَرَمِهِ نَرْوِي عَنْ وَالِدِنَا الإمام الحجَّة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام بِالإِجَازَةِ العَامَّةِ والخَاصَّةِ وبالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وهو يُمْلِي وَنَحْنُ نَسْمَعُ، ونَحْنُ نُمْلِي وهو يَسْمَعُ، نَرْوِي عَنْهُ جَمِيعَ مَؤَلَّفَاتِهِ وَمَقْرُوآتِهِ وَمَسْمُوعَاتِهِ وَمُسْتَجَازَاتِهِ وَمَرْوِيَّاتِهِ، بأَسَانِيدِهِ الفَاخِرَةِ العَالِيَةِ عَنْ آبَائِهِ الكِرَامِ التي أَوْضَحَها مُجْمَلَةً وَمُفَصَّلَةً في هذا الكِتَابِ (الجامعة المهمّة) وفي كِتَابِ لَوَامِعِ الأَنْوَارِ وفي كِتَابِ التُّحَفِ شَرْحِ الزُّلَفِ، فَجَزَاهُ اللهُ عَنّا وعن الإسلام خَيْرَ الجَزَاءِ، وَجَمَعَنا بِهِ في جَنَّاتِهِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، في دَارِ كَرَامَتِهِ ومُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ، وَرَفَعَ اللهُ دَرَجَتَهُ مع النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهدَاءِ والصَّالحِينَ وحَسُنَ أولئِكَ رَفِيقاً.
✦وغير ذلك من غَرَائِبِ العِلْمِ ونَوَابِغِ الحُكْمِ
أمَّا التَّعاليق المفيدة الفريدة، فمنها:- منها على شفاء الأمير الحسين بن محمد بدر الدين عليهما السلام.
- ومنها على الشافي للإمام الحجة عبدالله بن حمزة عليهما السلام.
- ومنها على كتاب الاعتصام للإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليهما السلام.
- ومنها على كتاب مجموع الإمام الأعظم أمير المؤمنين، زيد بن علي عليهم السلام.
ومنها على كتاب البدور المضيئة جوابات الأسئلة الضحيانيَّة، وكذا كتاب الموعظة الحسنة، وهذان الكتابان لجده لأُمِّهِ الإمام المهدي محمد بن القاسم عليهم السلام.
- وعلى أمالي الإمام أحمد بن عيسى عليهما السلام.
- وعلى كتاب الأحكام، وكتاب المنتخب، للإمام الهادي يحيى بن الحسين عليهم السلام.
- وعلى أمالي الإمام أبي طالب عليه السلام.
- وعلى كتاب الجامع الكافي لأبي عبدالله العلوي.
- وعلى كتاب البساط، للإمام الناصر الأطروش عليه السلام.
- وعلى كتاب شرح الأزهار للعلامة ابن مفتاح رحمه الله.
- وعلى كتاب الثَّمَرَات للفقيه يوسف رحمه الله تعالى.
- وعلى كتاب جلاء الأبصار للحاكم الجشمي رحمه الله تعالى.
وعلى كتاب طبقات الزيدية الكبرى للسيد العلامة/ إبراهيم بن القاسم رحمه الله.
- وعلى كتاب العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين، للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام.
- وعلى كتاب ينابيع النصيحة، للأمير الحسين بن بدر الدين محمد عليهما السلام.
- وعلى شرح الأساس للسيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي رحمه الله.
- وعلى جار الله الزمخشري في كتابه الكشَّاف.
وَبِحَمْدِ اللهِ تَعَالى فَقَدْ أَثْبَتْنَا ما أَمْكَنَ مِنْ تِلْكَ التَّعْلِيقَاتِ والْفَوائِدِ الْعَظِيمَةِ الْفَرِيدَةِ في مَحالّها مِنْ كُلِّ كِتَابٍ عِنْدَ طِباعَتِهِ، كما ذَلِكَ معلومٌ في مَنْشُورَاتِ وَإصْدَارَاتِ مَكْتَبَةِ أَهْلِ البَيْتِ عليهم السلام.
قال السيد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله: وله عليه السلام غير هذه من غرائب الْعِلْمِ ونَوَابِغِ الحُكْمِ، والْفَتَاوَى والمراسلاتِ والْمُطَارَحَاتِ الأدَبِيَّة، والْمُرَاجَعَاتِ والْمُذَاكَرَاتِ الْغَضَّةِ النديَّة، وكُلُّها خالِيَةٌ من الإِلْغَازِ، حَالِيَةٌ بمَحَاسِنِ الحَقِيقَةِ والْمَجَازِ، بالطَّرائِقِ المأْلُوفَةِ، واللَّهْجَةِ الممْتَازَةِ المطْبُوعَةِ، تُشَنِّفُ المسَامِعَ، وتُطْرِبُ القَارِئَ والسّامِعَ، وعَلَيْهِ مِنْهَا له شَوَاهِد، أُعِيذُها باللهِ من كُلّ حَاسِدٍ مَعَانِد، ولا غَرْوَ فهي من خُلاصَةِ الصَّفْوَةِ، ويَنْبُوعِ الحِكْمَةِ، وفَيْضِ مَعَادِنِ العِصْمَةِ، قد بارَكَتْهَا أَفْكَارُ الْعِتْرَةِ، ومَسَحَتْ عليها يَدُ الْقُدْرَةِ، {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ
ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ}[البقرة]، اللَّهُمَّ اجْعَل الْعِلْمَ في عَقِبي، وعَقِبِ عَقِبي، وزَرْعِي وَزَرْعِ زَرْعِي.
✦كَمْ له من مَسَاعٍ محْمُودَة، ومقاماتٍ مَشْهُورَة
نعم، وكَمْ له من مَسَاعٍ محْمُودَة، ومقاماتٍ مَشْهُورَة، ومصالح مَسْطُورة، وشفاعات مقبولة، وخُلاصَةُ الأمر أنه لا يزال بين العلم والعمل، والدرس والتدريس، والذّكْرِ والفِكْرِ، ومَقَامُه الشريف يَغَصُّ بمَنْ فيه من عَالِمٍٍ مُسْتَزِيدٍ، وطَالِبٍِ مُسْتَفِيدٍ، وزَائِرٍ مُتَبَرّك، ومُسْتَنْجِدٍ من دَهْره العَنُودِ، ومُسْتَعْدٍ على خَصْمِهِ اللَّدُودِ،ومُسْتَنْصِرٍ من ظَالِمِهِ الكَؤُودِ، فيَؤُوبُ كلٌّ بما طَلَبَ، ويَحْظَوْنَ بالزيادة والإفادة، والرَّفادَةِ والسَّلامة، والعِزّة والكَرَامَةِ، لا مانعَ لما أَعْطَيْتَ يا ربّ، ليس على الله بمُسْتَنْكَرٍ ...
وهذه قصيدة مني إليه كإشادة بسيطة ببعض صفاته:
كَشَطَ البؤوسَ وجودُه وحنانُهُ ... وَوَشَى الطُّرُوسَ يَرَاعُه وَبَيانُهُ
يُغْضَى لِهَيْبَتِهِ وعِظْمِ جَلَالِهِ ... وَيُبَدِّدُ البَصَرَ الحَدِيدَ عيانُهُ
تَتَضَاءَلُ العَزمَاتُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَا ... أَذْرَاعُهُنَّ سِنَانُه وَلِسَانُهُ
هَذا وذَاكَ تَسَرَّعَا لِمَنَاصِبٍ ... لِبَنِي البَتُولِ يَرُوقُهُ عَسَلانُهُ
يَوْمَاهُ يوم قِرَى ويوم قراءةٍ ... وغِذَاهُ ما يَلْتَذُّهُ عِرْفانُهُ
وإليه سَلَّمَتِ القِيَادَ فطاحلٌ ... لما اسْتَوَى فَوْقَ السُّهَا إِيوَانُهُ
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ ... أَقْوَى وأَمْضَى حُجَّة بُرْهَانُهُ
ولَهُ الفَوَاضِلُ والفَضَائِلُ والنَّدَى ... والْمَكْرُمَاتُ ملاكُهَا جُثْمَانُهُ
أَوْقَاتُهُ وحِرَاكُهُ وسُكُونُهُ ... وكَلامُهُ فِيما يَشَا دَيَّانُهُ
بَحْرٌ يَمُدّ على الوَرَى تيّارَهُ ... عِلْماً وَجُوداً غَامِرٌ فَيَضَانُهُ
تَالله ما عَثَرَتْ على شَبَهٍ له ... عَيني وطَالِعْ فالزَّمانُ زَمَانُهُ
هو عَالمٌ هو ناقِدٌ هو حَافظٌ ... مَلِكُ الكَلامِ بَلِيغُهُ سُحْبانُهُ
رَاجِعْ بمُبْتَكَرَاتِهِ فتَجِدْ بها ... ما لم يَكُنْ فيما تَرَى حسْبانُهُ
لله أنتَ أبا الحسين مُجَدِّداً ... ومُؤَلِّفاً بَهَرَ النُّهى إمْعَانُهُ
ما أَنْتَ إلا آيَةٌ عُظْمَى لها ... أعْلامُ سِرٍّ كَوْثَرٍ هَتَّانُهُ
أَرْبِعْ علينا يا عَلي لَعلَّنا ... نُهْدَى فقد شمل الملا طُغْيانُهُ
أوَ لَسْتَ مجد الدّين نجْل محمّد ... مِنَّا ونَحنُ على المدى إخْوَانُهُ
إن جَاءَكَ الخَصْمُ العَنُودُ تُدِيرُه ... فيحول لَمَّا خَانَهُ رَوَغَانُهُ
تُلْقِي عَلَيْهِ أَشِعَّةَ الأضْواءِ من ... لدني عِلْمٍ لأْلأٍ لَمَعَانُهُ
لا غَرْوَ أنْ جُزْتَ المدَى ولَكَ العِدَا ... مَحَضُوا الولا صَفْواً خَلا شَنَآنُهُ
فلأنتَ هَادِينَا ومَهْدِينا الذي ... ملكَ القُلُوبَ بأَسْرِها سُلْطانُهُ
يا بَدْرَ آلِ المصْطَفَى يا فَخْرَ آل ... الْمُرْتَضَى يا مَنْ سَما بكَ آنُهُ
لا زِلْتَ للعِلْمِ الشَّريفِ وللعُلا ... والدِّين تُحْيي ما ذَوَتْ قُضْبَانُهُ
وعَلَيْكَ صَلَّى بَعْدَ جَدِّكَ رَبُّنا ... والآلِ يتْبَعُها لكم رِضْوَانُهُ
ما قيلَ في بَرّ كَمِثْلِكَ مُحْسِن ... كَشَطَ البُؤُوسَ وُجُودُه وحَنَانُهُ
✦رحلته العلاجية الى لندن وما حصل له من مواقف ومراجعات
وقال الإمام الحجَّة مجدالدين المؤيدي عليه السلام أيضاً: وكان التوجّه يوم الجمعة الموافق خامس شهر ربيع الآخر سنة ١٣٨٩ هـ إلى المركز الإسلامي بلندن وقت صلاة الجمعة عند الارْتِحالِ إلى هنالك للمعالجة، فكانَ الاتِّفاقُ بكثيرٍ من المسلمين من المغرب وليبيا والعراق والجزائر والإيران وتركيا وسوريا والأردن وفلسطين ومصر وسائر أنحاء العالم، وَجَرَت مذاكراتٌ ومراجعاتٌ عِلْميَّةٌ وتاريخيَّةٌ.ومِمَّن كان هناك إمام المركز الإسلامي الشيخ عبد الجليل الشلبي، ومما سألني عنه هذا السؤال، وهو ما لفظه: من هي الزيدية؟
فكان الجواب: الزيدية من أعظم فرق الإسلام، لا يخفى
محلّها، ولا يُجْهَلُ مكانُها عند أهل الاطِّلاع من علماء الأنام.
عمدتُها في الدِّين: الكتابُ، والسُّنَّة، وإقامة أركان الإسلام، والدعاء إلى الخير، والأَمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والجهاد للظالمين، ومُنَابَذَة المعتدين، وهذا هو أعظم مميزاتها - أعني الخروج على أئمة الظلم والفساد -، فهي مختصَّةٌ بذلك، كما نَصَّ عليه علماءُ الأُمَّة، وكما تَحكيه كتبُ التَّاريخِ المنصِفَةُ التي لا تُصَانِعُ المنكرين للحقِّ والحقيقة، إرضاءً لأَربابِ السياسة.
ولم تَزَلْ تُجَاهِد بين يدي أئمةِ الحَقِّ، وقادة الخلق، ودعاةِ الخير من أهل بيت الرسول الأمين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، من أَيامِ إمامِهَا الأعظمِ الإمامِ الوليِّ بنِ الولي زيدِ بن عليٍّ سيِّد العابدين بن الحسينِ السِّبْطِ ريحانةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وسَيِّدِ شبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ بنِ أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالب عليهم السلام، قد مَلأت أَسْمَاعَ أهلِ الدنيا بجِهَادِها للظالمين المتغلبين الجائرين من الأُمويَّة والعباسيَّة وغيرِهم، حتَّى طَهَّرَتِ اليمنَ المشهودَ له بالإيمانِ والحِكْمَة، والحرمين تارةً، وتارةً يَغْلِبُ عليهما غيرُهُم، والحجاز كذلك، والمغرب، ولكنَّها لم تَظهرْ كلّ الظُّهُورِ ويستقر أَمْرُهَا إلَّا في اليَمَنِ والجِيلِ والدَّيْلَم، ببركة الإمامين المجدِّدين للدين الهادي إلى الحقِّ يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، والإمامِ النَّاصرِ للحقِّ الحسنِ بن علي بن الحسن بن علي بن
عُمَرَ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكلُّ هذا مما شَهِدَ به التَّاريخُ، وعلماءُ الأمَّة، كابن حَجَر في فتح الباري شرح البخاري، فإنَّه شَهِدَ للإمامِ الهادي إلى الحقِّ عليه السلام وأئمة العترة في اليمن بما هو مسطور، وفَسَّر بهم الخَبَرَ النَّبويَّ: لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُم اثْنَانِ.
وكما شهد محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير للإمام الناصر الأطروش، وأنه لم يسمع الناس مثل عدله وإقامته للحق.
وقد أَصْلَحَ الله تعالى على يدي الإمام الهادي اليمن، وأَظْهَر فيه التوحيدَ والعَدْلَ، وَمَلأهُ بالعِلْمِ، وأَحيا فيه الكتابَ والسُّنَّةَ، وأَسَّسَ ولايةَ الحَقِّ من آل محمدٍ عليه وعليهم الصلاة والسلام، وَفَتَحَ على يَدِ الإمام الناصر الجيلَ والدَّيْلَم، وأَسْلَمَ على يديه ألف ألف - أي: مليون - ممن كانوا يعبدون الشجر والحجر، وملأه كذلك بالهدى ودين الحق.
وممن سَجَّل ذلك من علماء التاريخ الْمِزِّيُّ في تهذيب
الكمال، والمقريزي الشافعي في الخطط والآثار، ومحمد بن أبي بكر العامري المحدث الكبير في الرياض المستطابة، والدامغاني في رسالته التي عدد فيها الفرق، وما نقم على كل فرقة، وقد شهد أنَّ الزيدية أتقى الفرق، ونقم عليهم أشياء، الأمر فيها كما قيل:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَذَكَرَ تشدّدهم في شروط الإمامة، ومُبَالَغَتهم في التطهّر، وقولهم بعَدَمِ الشفاعة للفسَّاق، ونحو ذلك، وأمرهم أَوْضَح من أن يخفى.
وإنما ضَربَ الستارَ بينهم وبين إخوانهم فيما بَعُدَ من أقطار الأرض الدولُ الْمُتَغَلِّبةُ المنابِذَةُ لهم كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. انتهى السؤال الأوّل وجوابه.
السؤال الثاني: مَنْ هو إمامُ الزيديّة الذي يُنْسَبُونَ إليه؟
فقلت: الجواب عن هذا السؤال هو ما أجاب به الفرزدق على السؤال عن أبيه زين العابدين إزاء الكعبة المشرّفة، وقد مَنَعَ الزِّحامُ هشامَ بنَ عبدالملك عن الاستلام، فلمَّا جاء عليُّ بنُ
الحسين أَفْرَجَ له النَّاسُ. فقال أحد أهل الشام: مَن هذا الذي هابَهُ الناس هذه الهَيْبة؟
فخاف هشام أن يَمِيلَ إليه أهلُ الشام إن عَرَفُوه، فقال: لا أدري، فقال الفرزدق:
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهُمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ ... كُفْرٌ، وقُرْبُهُم مَنْجًى وَمُعْتَصَمُ
مَا قَالَ (لَا) قَطُّ إلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ... لَوْلَا التَّشَهُّدُ كانَتْ لَاءَهُ نَعَمُ
وقال:
وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضَائِرِهِ ... الْعُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ
القصيدة المشهورة التي رواها المزي في تهذيب الكمال، والذهبي في النبلاء، والسخاوي، وغيرهم.
فأَقُولُ: هو الإمَامُ الأعظمُ، إمَامُ الجِهادِ والاجتهادِ، الغَاضبُ لله تعالى في الأَرْضِ، ومُقِيمُ أَحْكامِ السّنَّةِ والفَرْضِ، أبو الحسين زَيْدُ بن عليّ بن الحسينِ بن عليّ بن أبي طالب، ابن فاطمة بنت رسول ربّ العالمين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين.
وكان مِنْ أَتْباعِهِ الإمامُ أبو حنيفةَ النّعمان بن ثابت رضي الله عنه.
والأمّة مُجْمِعَةٌ على فَضْلِ الإمام [زيد] ونُبْلِهِ وجلالة محلِّه.
وسُمِّيَتْ هذه الفِرْقَةُ التي اتَّبعتُه، وأقامت عَلَمَ الجهاد معه: (الزيدية) لذلك، كما أوضحه أَئِمَّةُ العِلْمِ والتاريخ منهم المزي صاحب تهذيب الكمال، والمقريزي الشافعي في الْخُطَط، وابن حجر العسقلاني في التهذيب.
فقال بعضهم: قد كان يبْلُغُنا عن الزيدية خلاف هذا، وقد ارْتَحْنا بما أَوْضَحْتَ لنا.
فقلتُ: هذه هي الحَقِيقَةُ مَشْهُودًا عليها بما صَدَّرَهُ أئمَّةُ العِلْمِ، وأَفَدْتُكم أنّ أرباب الْمُلْكِ والسياسَةِ ومَنْ صَانَعَهم من عُلماءِ السوء البائعين ضمائرهم هم الذين وضعوا السدود بين هذه العصابة المؤمنة المجاهدة وبين إخوانهم، ورَمَوْهُمْ بكلّ داهية، وأَلْصَقُوا بهم كل فاقرة؛ تنفيرًا للناس عنهم؛ لمكان اختصاصهم بالجهاد، وإنكار الظلم والطغيان، وثلّ عروش الظلمة، وجبابرة الأمة، هذا أمر مَعْلُومٌ لا يُنْكَرُ، والبرهان قائم عليه من التاريخ المعترف به بين الأمة.
والذي تميَّزوا به حقّ التميّز هو العمل حقيقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على الظلمة، وغيرهم لا يقولون بذلك.
أمَّا أتباع الأئمة الأربعة فيذهبون إلى أنه لا يجب الخروج على المتغلّب الظالم مهما أقام الصلاة، أو ما لم يروا كفراً بواحاً، ولهم روايات في ذلك.
وقد احتجّت الزيدية بحججٍ نَيِّرة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤}[آل عمران]، وقوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ} الآية [المائدة].
ونحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِع اللَّهَ، أخرجه
أحمد عن أنس.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا سيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ، وَأَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ، أخرجه في الجامع الكافي من طريق محمد بن منصور، وأحمدُ، والخطيبُ، والطبرانيُّ عن ثوبان، والطبرانيُّ عن النعمان بن بَشير، وحسَّنَه السيوطي.
وفي خبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم: لَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ عز وجل، أخرجه الطبرانيُّ، والحاكمُ عن عبادة بن الصامت.
والأدلة على هذا مبسوطة في مواضعها.
وأمَّا الإماميَّةُ فعندهم أنَّه يجب الانتظار إلى قيام المهدي، وأن التقية واجبة كما هو معلوم من مذهبهم.
نعم، وإنما قلتُ: أتباع الأئمة الأربعة؛ لأنَّ الأئمة الأربعةَ أنفسَهُم كانوا أَنصارًا لأئمة أهل البيت عليهم السلام، فالإمام أبو حنيفة كان من أتباع الإمام زيد بن علي، وممن أخذ عنه العِلْم، وأَعَانَهُ عند قيامه بمالٍ كثير، وأَفتى بالخروج معه،
وأفتى بعده بالخروج مع النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام القائم في المدينة المنورة المستشهد بها، وكذا أفتى بالخروج مع أخيه الإمام إبراهيم بن عبدالله، وهذا معلوم لمن عرف التاريخ، وقد روى هذا صاحب الكشاف فيه وهو من الحنفية، وغيرُه، وقد سُقِيَ أبو حنيفة رضي الله عنه السمَّ ببغداد من أجل ذلك، فهو شهيد مع آل محمد عليهم السلام.
والإمام مالك كذلك أفتى بالخروج مع الإمامين السابقين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن عليهم السلام، ونالته لذلك محنة مشهورة.
وأمَّا الإمام الشافعي فأمره في ولاء أهل البيت عليهم السلام أشهر من نار على علم، وأفعاله وأقواله في هذا الباب لا تُعَدُّ ولا تحصى، وقد كان داعيًا للإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام في اليمن
أيام الرشيد، وقد اسْتُدْعِيَ من اليمن وأُدخل بغداد مكشوف الرأس وهو القائل:
يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ ... فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمُ مِنْ عَظِيمِ الشَّأْنِ أَنَّكُمُ ... مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ
والقائل:
يَا رَاكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى ... وَاهْتِفْ بِوَاقِفِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ
إلى قوله:
قِفْ ثُمَّ نَادِ بِأَنَّنِي لِمُحَمَّدٍ ... وَوَصِيِّهِ وِابْنَيْهِ لَسْتُ بِبَاغِضِ
إنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّيْ رَافِضِي
والقائل:
قَالُوا تَرَفَّضْتَ قُلْتُ: كَلَّا ... مَا الرَّفْضُ دِينِي وَلَا اعْتِقَادِي
إِنْ كَانَ حُبُّ الوَصِيِّ رَفْضًا ... فَإنَّنِي أَرْفَضُ الْعِبَادِ
والقائل:
بَرِئْتُ إِلَى الْمُهَيْمِنِ مِنْ أُنَاسٍ ... يَرَوْنَ الرَّفضَ حُبَّ الفَاطِمِيَّهْ
عَلَى آلِ الرَّسُولِ صَلاةُ رَبِّي ... وَلَعْنَتُهُ لِتِلْكَ النَّاصِبِيَّةْ
وقد أورد السمهودي الشافعي في جواهر العقدين كثيراً
من أشعاره وأقواله رضوان الله عليه.
وهو مصداق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن بني هاشم وبني المطلب لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام، أو كما قال.
والإمام أحمد ألَّفَ في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام المناقب المشهورة.
فالأئمة الأربعة وسائر الأبرار من علماء الأمة أعْرَفُ النّاس بحقِّ أهل بيت نبيِّهم، وما يجب لهم من المودّة والنصرة على إحياء الكتاب والسنة، وإماتة البدع المضلّة.
وإنَّما صَنَعَ الْفُرْقَةَ كما ذكرتُ لكم الملوكُ والرؤساءُ، وساعَدَهم على ذلك علماءُ السوء. وبحمد الله تعالى وفضله لم يتمكَّنوا من طَمَّ منارهم، وطَمْسِ أنوارهم، وكيف والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الخبر الذي اتَّفقت علماء الأمة على روايته وهو: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وهو بلفظ الكتاب والعترة مُجْمَعٌ على روايته.
وقد أخرجه أحمد، ومسلمٌ في صحيحه، وعبد بن حميد بلفظ: أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ثلاثًا.
ولقد حاول بعضُ المعاندين معارضةَ هذا الخبر الشريف بما
رُوي مُرْسَلاً في الموطأ، وفي المستدرك من طريق واحدة عن أبي هريرة بلفظ وسنتي، مع أنه في المستدرك نفسه أخرجه بلفظ وعترتي، من ثلاث طرق.
وليس في ذلك معارضة على فرض ثبوت هذه الرواية الشاذّة التي صار بعض المنحرفين لا يروي هذا الخبرَ إلَّا بلفظها، فالكتاب والسنة مصدرهما واحد، ومؤدّاهما واحد، ولذا اكتفى بذكر الكتاب والعترة في الخبر المتواتر الذي رواه نيف وعشرون صحابيًّا، فكيف يُعْرِضُونَ عنه، ويَطَّرِحُونَهُ حسدًا من عند أنفسهم، {أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤}[النساء: ٥٤].
وَفِي تَعَبٍ مَنْ يَحْسُدُ الشَّمْسَ نُورَهَا ... وَيَجْهَدُ أَنْ يَأَتي لَهَا بِضَرِيبِ
ومما قاله إمام المركز الشلبي عافاه الله تعالى: من المراد بآله؟ أليسوا أمته؟ بهذا أو معناه.
فقلتُ: إنَّ الأمر كما أَسْلَفْتُ لكم: قد أَبْلَغَ أهلُ المعارضة والجحود كلَّ مستطاع في رَدِّ مَا فَضَّلَ اللَّهُ تعالى به أهلَ بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ}[الأنعام: ١١٢]، فأقول:
أمَّا لفظ (العِتْرَة والذُّرِّيَّة) فلم يستطع أيُّ مُعَانِدٍ أن يُنازِعَ في اختصاصهم به، وأمَّا (أهل البيت)
فكذلك لَم يتمكن مُدَّعٍ أنْ يَدَّعي أنَّ المراد بها كل الأمة، غاية الأمر أن يَدَّعي أنَّه يدخل مع علي وفاطمة والحسنين وذرّيتِهِم: آلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ العَبَّاسِ.
وأخبارُ الكساءِ المعلومة التي فيها أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم ردَّ أمَّ سلمة رضي الله عنها، وقال لها: أَنْتِ إِلَى خَيْرٍ، بعد أن سألتْهُ أن يُدْخِلَها معهم، تُبَيِّنُ أنَّ المراد بأهل البيت متى أُطْلِقَ شرعًا: ذرّيّتُهُمُ.
وقد ورد في خبر الثقلين وخبر الكساء مُبَيِّناً للعترة بأهل البيت هكذا: وعترتي أهل بيتي.
وأمَّا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكما ذكرتَ قد ادَّعى بعضُ المعارضين أنَّ المراد به: أَتْقِياءُ الأمّةِ، وروى خبرًا مُضَعَّفًا عند أهل الحديث آل محمد كل تقيّ، وقد حَمَلَهُ بعضُ أهل الإنصاف من أهل
السنّة على أنَّ المراد: إخراج غير الأتقياء منهم، كقوله تعالى {إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ}[هود: ٤٦]، ذكر ذلك في شرح الجامع الصغير.
وإنَّ دعوى أنَّ آل محمد كلّ الأمة: بمكان من البطلان، لا يحتاج معه إلى إقامة برهان، لمن له ذَرَّة من عِلْم أو اطِّلاع؛ إذ المعلوم أنَّ الله تعالى قد خَصَّ مَنْ يُطْلَقُ عليه هذا اللفظ بأحكامٍ يستحيل أن يُرَادَ به كلّ الأمة، منها: تحريم الزكاة على آل محمد، أفتكون محرّمة على كلِّ المؤمنين؟ !
فمن تُصْرَف فيه إذًا؟ في أهل الكتاب أم في المشركين؟ ! إنَّ في هذا ما يكفي من له أدنى مُسْكَة.
وقد بَيَّنَ الله جل جلاله الآلَ بالذرية دلالة على المراد منه، قال عز وجل {۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣ ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤}[آل عمران]، وفي هذا كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومما سألني عنه إمام المركز الإسلامي بلندن عبد الجليل الشلبي حماه الله تعالى:
هل الزيدية تؤذن: أشهد أنَّ عليًّا وليُّ الله، وهل هي تؤذن بحيَّ عَلَى خير العمل؟
فقلت له: الجواب، والله الموفق إلى منهج الصواب على السؤال الأول:
أنَّ الزيدية لا تُؤَذِّنُ بذلك، ولا يقول به في أذانه أحدٌ منهم؛ لأنَّه وإنْ كان عليٌّ وليَّ الله، بل أولُ أولياء الله في هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يثبت في الأذان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
فهو شبيه بما زِيد في أذان الفجر عند بعض أهل السنة، وهو: الصلاة خير من النوم، فالصحيح أنَّ ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا رُوِيَتْ فيه روايةٌ صحيحة، وإنَّما استحسنه عمر، ولقد رُوِيَ عن ابن عمر أنَّه سمع مؤذنًا يؤذن به فخرج من المسجد، وقال لصاحبه: أَخْرِجْنَا من هذه البدعة، بهذا أو نحوه، وقد رووا فيها رواية لكنّها غير صحيحة كما أوضح ذلك الحفّاظ، وقد ذكر الأمير في سبل السلام أنَّه لَم يثبت في أذان الفجر، قال فيه بعد أن روى حديث أبي محذورة أنه كان يُثَوِّبُ في الأذان الأول من الصبح ما لفظه:
وعلى هذا ليس (الصلاة خير من النوم) من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها، قال: فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس إلى آخره.
وأَمَّا الجواب على السؤال الثاني: فليس الزيديون وحدَهُم يؤذِّنون به، بل معهم كثير من السَّلَف كعليِّ بن الحسين زينِ العابدين، وابنِ عُمَرَ، وغيرِهِمَا، كما سأوضحه.
وقد صَحَّت فيه الرواياتُ عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّما طُرِحَ في أيام عُمَرَ بنِ الخَطَّاب؛ لأنَّه خاف أن يَتَّكِلَ الناس، ويتركوا الجهاد.
وإليك بعض ما حضر من الرواية الثابتة فيه فمنها:
ما أخبر به أبو بكر المقري، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: هو ثقة علامة.
قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي، قال فيه الذهبي في التذكرة: حسن الحديث.
قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السَّائب، وقد وثقه الذهبي، قال أخبرني أبي، عن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة الصحابي الجليل قال: عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأذان كما تؤذنون الآن، وذكر تلك الكلمات، ومنها حيّ على خير العمل.
وذَكَرَ نحو هذا الخَبَرِ الطَّبَرِيُّ في (كتاب الأحكام الكبير) عن أبي أُمَامَةَ بنِ سهل البدري، وذكره عنه سعيد بن منصور في سننه.
وقد ذكره الحافظ البيهقي صاحب التصانيف الجليلة عن محمد بن سيرين عن ابن عمر أنَّه كان يقول ذلك في أذانه.
وذكر روايات أخر عن ابن عمر قريبًا من هذا.
ورواه أيضًا عن علي بن الحسين عليهم السلام أنَّه كان يقول في أذانه إذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل.
ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وهو من كبار المحدثين ومشائخ البخاري ومسلم، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، وهو ثقة من رجال البخاري ومسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر،
ومسلمٍ بنِ يسار المدني، وهو من رجال البخاري أنَّ علي بن الحسين كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول، وإنَّه أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى سعد الدين في حاشية شرح العضد أنَّ حي على خير العمل كان ثابتًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّ عمر هو الذي أمر أن يكف ذلك مخافة أن يثبط الناس عن الجهاد، ويتكلوا على الصلاة، وهذا الرأي لا حجة فيه.
احتج المخالفون: بأنه لم يُذكر في ابتداء الأذان.
قلنا: قد ثبت بالروايات الصحيحة، وإجماع عترة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما قال في منظومة الهدي النبوي:
وَمِنْهُمَا حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلْ ... قَالَ بِهِ آلُ النَّبيِّ عَنْ كَمَلْ
وفِعْلُ سيِّد العابدين، وابنُ عمر، وروايتهما لذلك، فيجب العمل بذلك، سواء كان ثبوته ابتداءً أو كان زيادةً من جهة الشارع، كما زِيدَتْ صَلاةُ الحَضَر.
وقد ادَّعى بعضُهم النَّسْخَ؛ لقول علي بن الحسين: (هو الأَذان الأول)، وهذا في غاية السقوط، فلو قصد أنَّه نُسِخَ لَمَّا أَذَّنَ به، وإنَّما أَرَادَ بالأَوَّلِ عَلَى عَهْدِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ذلك معلوم.
وبأقل من هذه الحجج القيمة ثبتت هاتان الكلمتان الطيبتان الصادقتان. والله وليّ التوفيق.
✦زيارته عليه السلام لمكتبة المتحف البريطاني
وحَصَلَ أنه في إِحْدَى زَيارَاتِهِ لهذه المكتبة العِمْلاقَةِ في الْمُتْحَفِ البريطاني انتهى الدَّوامُ، وهُمْ في العَادَةِ يَجْعَلُونَ جَرَساً لِتَنْبِيهِ الزُّوَّارِ بانْتِهَاءِ الدَّوامِ، فيَخْرُجُ الجَمِيعُ، وكانَ والِدُنا عليه السلام قد هَامَ بينَ رُفُوفِ تلك المكتبة، فلم يَنْتَبِهْ لهذا الجَرَسِ، فأَغْلَقَتْ المكتبة أَبْوَابَها، ولم يَنْتَبِهْ لذلك فقَدْ أَصْبَحَتْ الكُتُبُ بينَ يَدَيْهِ، وتَاهَ عَنْهُ الوَقْتُ والمكَانُ كما هِيَ عَادَتُهُ في ذلك الْمَقَامِ، وكانَ ذلك آخِرَ نهارِ السّبْتِ، والأَحَدُ لديهم إِجَازَةٌ رَسْمِيَّةٌ، ولنْ يَفْتَحُوا الأَبْوَابَ إلا صباح الاثنين، ومِنْ أَلْطَافِ الباري سبحانه وتعالى أنَّ أحَدَالموظَّفِينَ بعدَ مُرُورِ وَقْتٍ طويلٍ يُقَدَّر بسَاعَاتٍ رَجَعَ لِغَرَضٍ نَسِيَهُ، فرَأَىهُ مُنْهَمِكاً في تَصَفُّحِ كُتُبِ المكْتَبَةِ، لم يَنْتَبِهْ طوال تِلْكَ الفَتْرَةِ، فَنبَّهَهُ إلى انْتِهَاءِ الدَّوَامِ قَبْلَ سَاعَاتٍ، وأَخْرَجَهُ معه.
✦موقف حصل له عليه السلام في الفندق بلندن
وأخبرنا والدنا الإمام الحجّة/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام أنه في رِحْلَتِهِ تلك إلى لندن للعلاج اسْتَأْجَرَ غُرْفَةً في فُنْدُقٍ، وعندَ ذهابِهِ للمستشفى للرُّقُودِ فيه لِعَمَلِ الفُحُوصَاتِ اللازِمَةِ، لم يُخْبِرْ مُوَظَّفَ الاسْتِقْبَالِ أنه خَارِجٌ من الفُنْدُقِ لِيُغْلِقَ حِسَابَهُ، واكْتَفَى بأنْ أَعْطَاهُ مِفْتَاحَ الغُرْفَةِ فَقَط، ظَناً منه أن ذلك يكفي، وبعد خروجه من المستشفى عادَ إلى الفُنْدُقِ يُرِيدُ اسْتِئْجَارَ غُرْفَةٍ، فأَخَبَرَهُ مُوَظَّفُ الاسْتِقبال بأنَّ عليه كذا وكذا من المال، حساب الفترة الماضية، ولم يقبل منه عذراً ولا حَمَلَهُ على السَّلامة، وكانَتْ مَصَارِيفُهُ قد شارَفَتْ على النَّفَاذِ، ولم يَعُدْ بيدِهِ شَيءٌ من المالِ، فأخَذَ الْمِفْتَاحَ ودَعَا اللهَ في طَرِيقِهِ إلى الغُرْفَةِ بأن يأتِيَهُ بالفَرَجِ، وعندما فَتَحَ الغُرْفَةَ وَجَدَها مُبَعْثَرَةً - ومعه حَقِيبَةُ يَدٍ صَغِيرَةٍ يَضَعُ فيها أقْلَامَهُ وأَغْرَاضَ قِرَاءَتِهِ كالنَّظَّارَةِ ونحوها -كانت في الغرفة ووَجَدَها مَفْتُوحَةً والأغْرَاض التي فيها مُبَعْثَرَة على الأرض، فدَعا مُوَظَّف الاسْتِقْبالِ وأَتَوا بِمُتَرْجِمٍ، وأَخْبَرُوهُ أنه بالفِعْلِ حَصَلَتْ سَرِقَةٌ في غِيَابِهِ لِبَعْضِ غُرَفِ الفُنْدُقِ، وقد تكونُ غُرْفَتُهُ هذه من ضِمْنِ تلك الغُرَفِ التي سُرِقَت، وتَرَجَّوْهُ بأن يجعَلَ الأَمْرَ طَيَّ الكِتْمَانِ؛ لئل
تَسُوءَ سُمْعَةُ الفُنْدَقِ، وقالوا له: نحن مُسْتَعِدُّونَ أن نُعَوِّضَكَ عن أيِّ شيء فَقَدْتَهُ كائناً ما كان، فقال الْمُتَرْجِمُ له: قلْ لهم كانَ لدَيَّ كذا وكذا من المال وأُرِيدُ تَعْوِيضاً .. الخ.
فأبى، وأَخْبَرَهُمْ بأنه لم يَفْقِدْ شَيئاً من أَغْرَاضِهِ، فأَكْرَمُوهُ وقالوا: الحِسَابُ فيما مَضَى أنْتَ مَسْمُوحٌ فيه، وامْكُثْ ما شِئْتَ في الفُنْدُقِ والحِسَابُ عَلَينا.
وبذلِكَ اسْتَجابَ اللهُ دُعاءَهُ سَرِيعاً، وأَتَاهُ الفَرَجُ من حَيْثُ لم يَعْلَمْ.
✦حال عودته من رحلته العلاجيّة
وأخبرنا والدنا عليه السلام أنّه عند عَوْدَتِهِ من هذه الرِّحلةِ إلى مطار جدّة وَقَعَ له لُطْفٌ عَظِيمٌ، فكَانَ قَدْ قامَ بِتَصْوِيرِ كُتُبٍ مَخْطُوطَةٍ كَثِيرَةٍ من مَكْتَبَةِ المتحف البريطاني الذي ذَكَرْنَاهُ سَابِقاً، وجَمَعَ تِلْكَ الكُتُبَ وهي لا تَزَالُ أَوْرَاقاً غَيْرَ مُجَلَّدَةٍ في حَقِيبَةٍ كَبِيرَةٍ، وكان ذِهْنُهُ مَشْغُولاً طوَالَ الرِّحْلَةِ من التَّفْتِيشِ والسُّؤَالِ والجَوَابِ وما إلى هنالك، وظَلَّ يَدْعُو اللهَ تعالى بِتَيْسِيرِ الأُمُورِ، وعندَ وُصُولِهِ إلى صَالَةِ المطَارِ وهو مُقْبِلٌ على العَسْكَرِ ورِجَالِ الجمارِكِ سَقَطَتْ منه تلك الحَقِيبَةِ لِثِقَلِها، وانْفَتَحَتْ بما فيها، فإذا بالأَوْرَاقِ مُنْتَشِرَة في أَرْجَاءِ صَالَةِ المطارِ، فَهَرَعَ العَسْكَرُ والموظَّفُونَ لِمُسَاعَدَتِهِ، وجاءُوا له بِكُرْسِيٍّ وقالوا له: اسْتَرِحْ يا شَيْخُ ونَحْنُ سَنَكْفِيكَ، وقَامُوا بِجَمْعِ تِلك الأوْرَاقِ وتَرْتِيبِهَا وَوَضْعِها في الحَقِيبَةِ وحَمَلُوها مَعَهُ إلى مَوَاقِفِ السّيَّارَاتِ، وكَفَاهُ اللهُ تَعالى هَمَّه.✦لما تلاطمت الفتن على ربوع اليمن
نعم، وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وألف هجرية، لما قامت الثورة الجمهورية، وتلاطَمَتْ أمْوَاجُ الفِتَنِ على ربوع اليمن، كان الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام الْمَثَلَ الأَعْلَى في هِدَايةِ الخَلْقِ، إلى طَرِيقِ الحقّ، باذِلاً نَفْسَهُ ونَفِيسَهُ في نُصْرَةِ الكِتَابِ والسُّنّةِ، والدعايَةِ إلى الخيرِ.ولما له من المكَانَةِ في قُلُوبِ المسْلِمينَ كانَ لذلك الأثرُ البالغُ في حَقْنِ الدِّماء،
وتَسْكِينِ الدَّهْماء، وصِيَانَةِ المقدَّسَاتِ، وحِفْظِ الحُرُمَاتِ.
ولكِنّها لما تَشَعّبت الأُمُورُ، وتَغَلَّبت الأَهْوَاءُ عادَ بكلّ همّةٍ وعِنايَةٍ إلى تَدْرِيسِ العُلُومِ، وإحْياءِ مَعَالمِ الدِّينِ، ونَشْرِ مُؤلَّفاتِ عُلَماءِ الإسْلامِ، بواسِطَةِ الطَّبْعِ لما أمْكَنَ منها، لِيُعْلَمَ أنّ في الزَّوايا خَبَايا، ولِقُرَنَاءِ القُرْآنِ تَرَاجِمَةِ البَيَانِ ومُؤَسِّسي الإيْمَانِ عُلُوماً لا تُضَاهَى، ومَزَايا لا تُسَامَى، وهو الآنَ بالطَّائفِ يُوَاصِلُ عَمَلَهُ الجادّ لَيْلاً ونَهاراً، على رَأْسِ لجنةٍ عِلْميّةٍ مُؤَلَّفة من بَعْضِ تلامِذَتِهِ، كَلّلَ الله أَعْمَالَهُ بالنَّجاح، وقَرَنَها بالْفَوْزِ والفَلاحِ، كما نَسْأَلُه للجَمِيعِ بِفَضْلِ الفاتحة حُسْنَ الخاتمةِ، وحُرِّرَ شهر ربيع الثاني عام ١٣٨٦ هـ. انتهى.
✦عودته عليه السلام إلى اليمن والنهضة العلميّة التي قادها وتأسيس الإرشاد
وقد عَادَ والدنا الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام بعد ذلك إلى اليَمَنِ، وَلَمَّا شَاهَدَ تَقَاعُدَ الهِمَمِ، وانْحِلَالَ العَزَائِمِ، وانْهِدَامَ المعَالمِ، حتى كاد يَنْدَرِسُ الأَثَرُ، ويَنْطَمِسُ الخُبْرُ والخَبَرُ، قَادَ نَهْضَةً عِلْمِيَّةً كُبْرَى، وحَرَكَةً إرْشَادِيَّةً عُظْمَى، وتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ وبِثِقَلِهِ لإحْياءِ الحَرَكَةِ العِلْمِيَّةِ المسْتَقِيمَةِ، فَفَتَحَ الدُّرُوسَ، وشَجَّعَ الْعُلَماءَ على الدَّرْسِ والتَّدْرِيسِ، كُلٌّ في مُحِيطِهِ وحسب اسْتِطَاعَتِهِ،وقد حَافَظَتْ حَرَكَتُه العِلْمِيَّةُ تلك - بفضل الله تعالى - على كيانِ المذْهَبِ الشَّريف بَعْدَ تِلْكَ الأحْدَاثِ المهُولَةِ ومَا تَلاهَا على مَدَى عُقُودٍ من تَدَاعِيَاتٍ، وحَالَتْ نَهْضَتُه العِلْمِيَّةُ هذه دُونِ المصيرِ المظْلِمِ للزيدِيَّةِ الذي آلت إليه في بلدانٍ أخرى كالجيلِِ والدَّيْلَمِ، وقادَ مَعْرَكةً بكلّ ما تَعْنِيهِ الكلِمَةُ من معنى للحِفَاظِ على المذْهَبِ الشّريفِ والهويَّةِ الزيديّة رَغْمَ جَسَامَةِ الأحْدَاثِ وَسُوءِ الأَحْوَالِ وشِدَّةِ التَّضْييقِ.
وظلّ على تِلْكَ الحال فَتْرةً طَويلةً امتدّتْ لِعُقُودٍ حتى اسْتَطَاعَ بعد ذلك بِفَضْلِ الله تعالى تَأْسِيسَ الإرْشَادِ، الذي نوَّرَ الله بِفَضْلِهِ بلادَ اليمَنِِ ونواحيها وقُرَاها وعُزَلَها، فَفُتِحَت مَدَارِسُ العِلْمِ، وتَقَاطَرَ الطَّلَبَةُ مِنْ كُلِّ أَنحَاءِ اليَمَنِ، يَتَعَلَّمون ما أَوْجَبَهُ الله تعالى وما نَهَى عنه، يَرْتَشِفُونَ ذلك من عَيْنٍ صَافِيَةٍ، وأَوْكَلَ أمْرَ الإرشاد إلى السّيد العلامّةِ المجتهد/ الحسين بن يحيى المطهر رحمه الله تعالى، الذي
بَذَلَ نَفْسَهُ ونَفِيسَهُ لِنَشْرِ مَدَارِسِ الإرْشَادِ في أَنْحَاءِ اليَمَنِ الميْمُونِ، وَحَمَلَ رَايَةَ الإرْشَادِ بَعْدَ ذلِكَ السيِّدُ العلَّامةُ المجْتَهِدُ/ محمَّد بن عبدالله عوض المؤيدي حَفِظَهُ الله تعالى ونَفَعَ بعُلُومِهِ الإسْلامَ والمسْلِمينَ.
✦زيارته عليه السلام لإحدى مناطق بلاد سحار
وعِنْدَ زيارَتِه لإحدى مناطق بلاد سحار (الروابضة) اسْتَقْبَلَهُ أهلُ البلادِ ومَنْ وَفَدَ في ذلك اليوم العظيم من العلماء والمشائخ والأعيان والأفراد بهذا الزامل:مَرْحَبا وأهْلا بكم عِدَّ الهَمِيلة عِدّ ما شَنَّ المطَرْ
عِتْرَة المخْتارِ مِنْ تُرْبه أصِيلَه جَدَّكم خير البَشَرْ
مَنْ بَغِضْكُمْ سَادَتي وجْدِي لِحَاله
بَاثْنِيَ الترْحِيب منّي والقَبيلَه عَمّ جَمْعَةْ مَنْ حَضَرْ
قِدْ تشَرَّفْتُوا ومَبْدَاكُمْ فَضِيله زال همّي والضَّجَرْ
وانْتُوا أهل العِلْم وا بيت العَدَالَه
يا بلادي رَحّبي ما انْتِي بَخِيله بِنْ تُجُودِي بالثَّمَرْ
مَسْجِد الموْهِرْ توَسَّعْ زِدْ قَلِيلَه لاجْلِ ضِيفَان الظَّفرْ
نَبِّي الأحْوَاض كُلّنْ من قُبَاله
والجبَال الصُّمّ من حَوْلَكْ مخيْلَه والبَطَاحِي والمدَرْ
كلّ هذا اليوم لو تِعْرِفْ وَسِيلَه وِنْ تِمَشْقَرْ بالشَّجَرْ
وا تقُول أهْلاً بمَنْ حُسْنَتْ فِعَاله
زيارته عليه السلام الميمونة لمدرسة آل العامري (مدرسة العلامة الفاضل التقيّ النقي محب محمد وآل محمد (ع) علي بن مسعود الرابضي حفظه الله تعالى)
وقد قام الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام بزيَارَةٍ مَيْمُونَةٍ لمدْرَسَةِ آل العَامِرِي (مَدرَسَة العلَّامَةِ الفَاضِلِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ مُحِبِّ محمَّدٍ وَآلِ محمَّد عَلي بنِ مَسْعُود الرَّابِضِي حَفِظَهُ الله تَعَالى) في العام ١٤١٧ هـ وبرفْقَتِهِ الْعُلَماءُ الْكِرَامُ من صَعْدَةَ وصَنْعَاء وَغَيْرِهما من نَوَاحِي اليَمَنِ الميْمُونِ، وبحُضُورِ جَمْعٍ كَبِيرٍ من المشَائِخِ والأَعْيَانِ وطَلَبَةِ العِلْمِ الشَّريفِ والأفْرَادِ، وكانَ يَوْماً عَظِيماً عُظِّمَتْ فيه شَعَائِرُ الله تعالى،
وقَدْ أصْبَحَتْ تِلْكَ المدْرَسَةُ بِفَضْلِ الله تعالى وبجهودِ العلماءِ العَامِلِينَ المخْلِصِينَ مَناراً للهُدَى، وصَرْحاً من صُرُوحِ العِلْمِ والمعْرِفَةِ.
✦استقراره في منطقة سودان ببني معاذ ببلاد سحار
وقد اسْتَقَرَّ والِدُنا الإمام مجدالدين عليه السلام في مَنْطِقَةِ سودان ببني معاذ بِبلادِ سحار الأَبِيَّةِ، وبَنَى له بَيْتاً هناكَ، وشَارَكَ في بِنَاءِ بَيْتِهِ ذَلِكَ كَافَّةُ فُرُوعِ قَبِيلَةِ بني معاذ خُصُوصاً وقبائل سحار الأبيَّة عُمُوماً، واسْتَبْشَرُوا بِسُكْناه ببلادِهم، وكانوا يَفِدُونَ جَماعَاتٍ للعَمَلِ في بِنَاءِ بَيْتِهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُعَيِّنُ لها يوماً، وكانَتْ تُنْشَدُ الزَّوَامِلُ أَثْناءَ الاسْتِرَاحَةِ من العَمَلِ، من ذلك هذا الزَّامِلُ من قبيلة بني معاذ الأبيّة:كَثَّرَ الله خَيْرَكُمْ سَيِّدْ وغَيْرِهْ عِدّ مَا خَطَّ القَلَمْ
قِدْ وَطَنْ سَوْدَان خِيرَةْ كُلّ دِيرَهْ بالْمُرُوَّهْ والكَرَمْ
عَادَتام الجُودْ ما مِثْلَا قَبِيلَهْ
في وَطَنَّا ابو الحَسَنْ كُنْ نسْتَشِيرهْ قِدْ جَعَلْناه الحَكَمْ
والسَّرَقْ قِدْ خَلَّوا الْمَسْجِدْ نَثِيرَهْ ما دَرَيْنا مِنْ هَجَمْ
والْمهَاجِرْ مَا دَرَى الَّا بالْوَهِيلَهْ
فَأَجَابَهُم وَالِدُنا الإمَامُ مجدالدين عليه السلام بِهذا الجوَابِ بِلُغَتِهم والذي صَارَ وِسَامَ فَخْرٍ لِقَبِيلَةِ بني معاذ الكِرَامِ خُصُوصاً، وقَبائِل سحار الأبيّة عُمُوماً:
تِسْلَمُوا يا اهْلَ الوَفَا واهْلَ السَّرِيرَهْ والشّهَامَهْ والكَرَمْ
وانْ قِد اخْتَرْنَا وَطَنْ سَوْدَان خِيرَهْ مِثْلِ ما اخْتَار الحَرَمْ
جَدَّنا الْمُخْتَار مِنْ أَشْرَفْ قَبِيلَهْ
هُمْ لَكُمْ أَسْلَاف وانْتُو بَالْمَسِيرهْ حَظَّكُمْ بَيْن الأُمَمْ
والسَّرَقْ خَابُوا وفَعْلَتْهمْ كَبِيرَهْ سَوْف يَلْقَوْنَ النَّدَمْ
والْجَزا مِنْ رَبَّنا مَا هو قَلِيلَهْ
وَحَادِثَةِ (السَّرِقَةِ) الْمُشَارِ إليها وَقَعَتْ في المسْجِدِ من بَعْضِ اللصُوصِ، حَيْثُ أَخَذُوا خِزَانَةَ كُتُبٍ كَانَت مُقْفَلَةً بأقْفَالٍ كَبِيرَةٍ وَمُحْكَمَة، فتَوَهَّمُوا أنَّ فيها شَيْئاً ثَمِيناً من مَتَاعِ الدُّنْيَا، ولم يَكُنْ فيها إلا كُتُبٌ عِلْمِيَّةٌ.
وَعِنْدَ عَوْدَتِه عليه السلام من أَدَاءِ الحجِّ أو العمْرَةِ كانت تَفِدُ عَلَيْهِ
القَبَائِلُ بالزَّوامِلِ والترَاحِيبِ مُهَنِّئِينَ بسَلامَةِ الوصُولِ، فتَحْصُلُ الاجْتِماعَاتُ الكَبِيرَةُ حَوْلَ مَنْزِلِهِ ببني معاذ، وتَفِدُ الجَماعَاتُ الكَثِيرةُ من قَبِيلَةِ بني معاذ وسفيان بني معاذ ومن مُخْتَلَفِ قَبَائِلِ سحار الأَبيَّة لِاسْتِقْبَالِ الوَاصِلِينَ والترْحِيبِ بهم بِحُكْمِ قُرْبِهم، ويحْصُلُ في تلك الاجْتِماعَاتِ العَظِيمَةِ تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللهِ تعالى التي أَمَرَ الله تعالى بِتَعْظِيمِها، والوَعْظُ والتَّذْكِيرُ والإِرْشَادُ بِكَلِماتٍ من العُلَماءِ الأَجِلَّاءِ الحَاضِرِينَ مع الزَّائِرِينَ أو مَعَ الْمُسْتَقْبِلِينَ.
وَأَذْكُرُ من ذَلِكَ هذا الزَّامِلُ على لِسَانِ قَبِيلَةِ وَلَدِ مَسْعُود الأَبِيَّةِ من قبائل سحار الكِرَام، قَالُوا فيه:
سَلامْ يَا مَجْد العَدَالَهْ والبَسَالَهْ والْوَرَعْ والدِّينْ
يا عِتَرَةَ الطَّاهِرْ نَبِينَا
جِينَا عَلى مَا يَرْضِي الْبَارِي ويَرْضِي نَجْل ابُو السِّبْطَيْنْ
ذِي خَاض بَدْرٍ وَاحنَيْنَا
وَهَذِهِ التَّكْثِرَةُ من السَّادَةِ الحمَزَات لِقَبِيلَةِ بني معاذ في إِحْدَى زِيَارَاتِهم للسّلام عليه عليه السلام:
بَا اقُلْ كُثْر خَيْرَكْ يا شِيعَة محمَّدْ
مَرْحَبْكُمْ مأَصَّلْ زَايِلْ بالهمُومْ
رَبِّي ذِي جَمَعْنا مِنْ سَادَه وشِيعَهْ
وانْتُوا قَوْمِ شِيعَه والتَّاريخ يشْهَدْ
وبلادَكْ مأكِّدْ حَلَّتْها نُجُومْ
فيها العِلْمِ شَامِخْ وفنُونَ الشَّريعهْ
وكَانَ كَثِيرٌ من العُلَماءِ الأعْلامِ وطَلَبةِ العِلْمِ الشَّريفِ ومن الإِخْوَانِ الكِرَامِ من قبائل ولد مسعود وبني معاذ والطلح وغيرهم من قبائل سحار وكذلك من السادة الحمزات وقبائل همدان بفروعها ومن غيرهم يُرَافِقُونَهُ عليه السلام عند زِيَارَتِهِ لِمَشَاهِدِ الأَئِمَّةِ عليهم السلام في مُخْتَلَفِ أَنْحَاءِ اليَمَنِ، وقد تَسْتَمِرُّ تلك الزِّيارَاتُ في الأماكن البَعِيدَةِ أيَّاماً، فَيُعَرِّفُ رُفْقَتَهُ ومن بِمَعِيَّتِهِ بالإضَافَةِ إلى الْمُجَاوِرِينَ لتك المشاهِدِ الْمُقَدَّسَةِ من أهلِ تلك البلاد، بِسِيَرِ الأَئِمَّةِ الكِرَامِ ومَآثِرِهِم وفَضْلِهِم وَعِلْمِهِم وَجِهَادِهِم
ومُؤَلَّفَاتِهِم واعْتِقَادَاتِهم والأَحْدَاثِ التي جَرَتْ في عَصْرِ كُلٍّ مِنْهُم.
✦زيارته للإمام القاسم العياني عليه السلام ببلاد سفيان وقواعد القبائل له عليه السلام
وَفي إِحْدَى زيارَاتِهِ للإمامِ القَاسِمِ العياني عليه السلام ببلاد سفيان طَلَبَ والدنا مجدالدين المؤيدي عليه السلام مَشَائِخَ وأعْيَانَ قبيلة سفيان الأبِيَّة، فاجْتَمَعُوا إليه في المسْجِدِ بِمَشْهَدِ الإمام القاسم العياني عليه السلام، فقَرَأَ عليهم قَوَاعِدَ كَتَبَهَا أَسْلَافُهُم لوالِدِهِ رضي الله عنه، تَتَضَمَّن عُهُوداً ومَوَاثِيقَ منهم في النصرة والْمُعَاوَنَةِ على نفوذ الكلمة بالأَمْرِ بالمعْرُوفِ والنَّهْي عن الْمُنْكَرِ، وإجَابَةِ دَاعِي الشَّرِيعَةِ المطهَّرَةِ، ونُصْرَةِ الْمَظْلُومِ ورَدْعِ الظَّالمِ، والإجلال والاحترام والميزة له رضي الله عنه ولذرّيته من بعده ..... إلى آخر ذلك، وطَلَبَ منهم تَجْدِيدَ تِلْكَ العَرِيضَةِ، فَوَقَّعَ مشائخُ وأَعْيَانُ وعُقَّالُ قَبائل سفيان الأبيَّة على عَرِيضَةٍ جَدِيدَةٍ له عليه السلام، كَتَبُوا فيها أَلْفَاظَالعَرِيضَةِ السَّابقة من أسْلافِهم.
وفي ذلك المقام شَكَوا إليه جَدْبَ بلادِهم وقِلَّةَ الماء لديهم، وطلَبُوا منه الدعاء لهم بأن يَسْقِيَ الله تعالى بلادَهم، فدعا لهم، وبعد أسبوع أَتَى منهم جَماعَةٌ إليه للزِّيارَةِ، وأخْبَرُوهُ أنَّ الله تعالى اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ، وأنها هَطَلَتْ أَمْطَارُ خَيْرٍ وبركة ورَحْمَةٍ غزيرةٌ، واسْتَقْبَلُوا في نَفْسِ اللَّيْلَةِ تلك سيولاً عَظِيمَةً سَقَتْ بلادَ سفيان بأَجْمَعِها.
وَمِثْلُ تِلْكَ القَاعِدَةِ قَاعِدَةٌ كَتَبَها قَبَائِلُ سحَارِ الكِرَامِ بأجمعها كلَيْبي ومَالِكِي وَوَقَّعَ عَلَيْها مَشَائِخُهُم وَأَعْيَانُهم وَعُقَّالُهُم.
وَمِنْ أَلْفَاظِ تِلْكَ القَاعِدَةِ: الحمْدُ لله الذي جَعَلَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ قُرَنَاءَ الكِتَابِ، وَأَوْرَثَهُم عِلْمَ السُّنّةِ ومَنْهَجَ الحَقِّ والصَّوابِ، وَجَعَلَ أُجْرَةَ أَبِيهِم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ مَوَدَّتَهُمْ وَاحْتِرَامَهُم كما صَرَّحَ بذَلِكَ في الفُرْقَانِ، وعَلى لِسَانِ أَبِيهم سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَان، فَقَالَ تعالى: {قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ}[الشورى ٢٣]، وقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي، وقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: ثَلَاثَةٌ أَنَا شَفِيعٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الضَّارِبُ بِسَيْفِهِ أَمَامَ ذُرِّيَتِي، وَالْقَاضِي لَهُمْ حَوَائِجَهُمْ عِنْدَمَا اضْطَرُّوا إِلَيْهِ، وَالْمُحِبُّ لَهُمْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أَبِيهِم النَّبِيِّ الكَرِيمِ وعَلى آلِهِ أَهْلِ التَّعْظِيمِ والتَّكْرِيمِ، وَبَعْدُ:
فإنَّه لما كَانَ مِنْ أَنْصَارِنا وَأَعْوَانِنَا وَقَبائِلِ جِهَاتِنا من سحَار
الكُلَيْبِيّ منهم والمالِكِيّ الموَدّةُ الصَّادِقَةُ والمحَبَّةُ التي هِي للقُرْآنِ والسُّنّةِ مُوَافِقَة، والاقْتِدَاءُ بنا، والاهْتِدَاءُ بِهَدْيِنا، وَمَعْرِفتُهُمْ بِحُقُوقِنا وَحُقُوقِ آبَائِنا ..... إلى قوله: فَحَضَرَ مَنْ سَيُذْكَرُ منهم وَأَشْهَدُوا اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وأَهْلَ سَماواتِهِ وَأَرْضِهِ ومَنْ سَيُذْكَرُ أَسْفَلَ هذا، والتَزَمُوا وأَلْزَمُوا ذُرِّيّاتِهِمْ وَطَوَّقُوا في أَعْنَاقِهِم ........ إلخ ما فيها. وَهِيَ مُحَرَّرَةٌ بتَاريخِ سَبْعٍ وأَرْبَعِينَ وثَلاثمائَة وأَلْف (١٣٤٧ هـ) للهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشّرِيفَةِ.
وَمَكْتُوبٌ أَعْلاهَا بِخَطِّ وَالِدِهِ السيِّد العلامَة الوليّ محمَّدِ بنِ مَنْصُورِ المؤيّدي رضي الله عنه مَا لَفْظُه: هَذَا مَا وَضَعَهُ لَنا رِجَالُ كُلَيْبِيّ ومَالِكِيّ الذينَ هُمْ لأَوَّلِنا وآخِرِنا سِنَانٌ، وكَانَ مَنْشَأُ سَلَفِنا مِن الأَئِمَّةِ الهادِينَ والسَّادَةِ الأَعْلامِ في أَرْضِهِمْ وَبَيْنَهُمْ، وبما وَضَعُوهُ صَارَ لَهُم القِدْحُ الْمُعَلَّى وإِيفَاءُ رَسُولِ اللهِ أُجْرَتَهُ بهذا ومَا بَعْدَهُ في ذُرِّيّتِهِ، حَشَرَهُم الله في زُمْرَتِهِ. مُحَمَّدُ بنُ مَنْصُور بنِ أَحْمَدَ المؤَيّدِيّ.
وَقَدْ كَتَبَ في تِلْكَ العَرِيضَةِ التي من قَبَائِل سحارِ الأبِيَّةِ والدُنا الإمامُ مَجْدُالدّينِ المؤَيّدِيّ عليه السلام عِنْدَ تَجْدِيدِها من مَشَائِخِهِم وَأَعْيَانِهِم وَعُقَّالهِم عَامَ سَبْعِ وَسِتّينَ وثَلاثمائة وَألْف (١٣٦٧ هـ) للهجرة، ما لفظه: الحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَصَلَواتُهُ وَسَلامُهُ على رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ، وعَلى عِتْرَتِهِ الهادِينَ من بَعْدِهِ، وبَعْدُ: فإنَّهُ لمَّا اطَّلَعَ على هَذا المسْطُورِ لحيِّ وَالِدِنا العلّامَة نَجْمِ آلِ محمَّد الوَليِّ محَمَّدِ بنِ مَنْصُور بنِ أحْمَدَ المؤَيّديِّ رضي الله عنه مَنْ سَيُذْكَرُ اسْمُهُ مِنْ
أَشْيَاعِنا وَأَتْبَاعِنَا أَوْلِياءِ آلِ مُحَمَّد مِنْ كُلَيْبِيّ ومَالِكِيّ أَصْلَحَ اللهُ شَأْنَهُمْ وبَارَكَ فِيهِم وعَلِمُوا بما وُضِعَ لِوَالِدِنا رضي الله عنه عنه وَلِذُرِّيّتِهِ احْتَمَلُوا ما ذُكِرَ من الاحْتِرَامِ والإجْلَالِ وَنُفُوذِ الكَلِمَةِ بالأَمْرِ بالمعْرُوفِ والنَّهْيِ عن الْمُنْكَرِ لَنَا مِنْ بَعْدِ وَالِدِنا وَلِذُرِّيّتِنا امْتِثالاً مِنْهُم لأَمْرِ اللهِ تعالى بِقَوْلِهِ عز وجل: {قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ}[الشورى ٢٣]، وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِيْ أَبَداً كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، إِنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأَنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ
وَغَيْر ذَلِكَ ممَّا لا يُحْصَى كَثْرَةً كِتَاباً وَسُنَّة، وَرَضُوا بِذَلِكَ وَأَشْهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ومَنْ سَيُذْكَرُ اسْمُهُ، واللهُ سُبْحَانَهُ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ، تَوَلَّى اللهُ مُكَافَأَتَهُمْ وَأَصْلَحَ أَحْوَالَهم وثَبَّتَهُمْ على اتِّبَاعِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهم والجِهَادِ بَينَ أَيْدِيهم وَحَشَرَهُم في زُمْرَةِ جَدِّهِم صلى الله عليه وآله وسلم، حُرِّرَ بِتَارِيخِهِ جُمَادَى الأُولى سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّين وثلاثمائة وألف (١٣٦٧ هـ). كَتَبَهُ المفْتَقِرُ إلى اللهِ سُبْحَانَهُ مَجْدُالدِّينِ بنِ مُحَمَّد المؤَيَّدِيّ عَفَا اللهُ عَنْهُم.
وفي أسفل تلك العريضة: أسماء الموقّعين من المشائخ والأعيان، منهم: آل السربي وآل جعفر وآل شريف وآل علعل وآل هبرة وآل سربة وآل الأشول (قرشة) وآل شوكان وآل الشعثان وآل القعيصي وآل أبو عبيد وآل كباس وآل جحا وآل عريج وآل حطمان وآل أبو نايف وآل صيفان وآل جمعان وآل
منَّاع وآل الذيبان وآل العلابي وآل النقيب وآل مجلي وآل البدوي وآل قرحش .... الخ من ذُكِرَ من المشائخ والأعيان.
وَمِثْلُ تِلْكَ القَاعِدَةِ قَوَاعِدُ مِنْ القَبَائِلِ الأَبِيَّة: ذُو محمَّد وآل محمّد والعَمالِسَة.
وَقَوَاعِدُ مِنْ أَشْرَافِ وَقَبَائِلِ الجوْفِ الكِرَامِ بَأَجْمَعِها عِنْدَ نَقْلِهِم لِوَالِدِهِ رضي الله عنه من بَرَط بلادِ المحَامِدَةِ إلى الجوْفِ في الزَّاهِرِ لإِحْيَاءِ مَعَالمِ الدِّينِ الشَّرِيفِ وإقَامَةِ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ والقِيامِ بالإِرْشَادِ والتّدْرِيسِ وإِنْفَاذِ الأَمْرِ بالمعْرُوفِ والنَّهْي عن الْمُنْكَرِ.
وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ قَدْ أَتَتْنِي فَوَارِسٌ ... كِرَامٌ لَدَى الهَيْجَاء أيّ كِرَامِ
يَقُودُهُمُ حَامِي الحَقِيقَةِ مَاجِدٌ ... سَعِيدُ بنُ قَيْسٍ والكَرِيمُ مُحَامِي
بِكُلِّ رُدَيْنِيٍّ وعَضْبٍ تَخَالُهُ ... إذا اخْتَلَفَ الأَقْوَامُ سَيْلَ عُرَامِ
فَخَاضُوا لَظَاهَا واصْطَلَوْا حَرَّ نَارِهَا ... كَأَنَّهمُ في الْهَيْجِ شُرْبُ مُدَامِ
جَزَى الله هَمْدَانَ الِجنَانَ فَإِنَّهُمْ ... سِمَامُ العِدَا في كُلِّ يَوْمِ خِصَام
لَهُمْ تُعْرَفُ الرَّاياتُ عِنْدَ اخْتِلافِهَا ... وَهُمْ بَدَؤُا للنَّاسِ كُلَّ لحَامِ
رِجَالٌ يُحِبُّونَ النّبِيَّ وَرَهْطَهُ ... لَهُمْ سَالِفٌ في الدَّهْرِ غَيرُ أَيَامِ
هُمُ نَصَرُونَا والسّيُوفُ كَأنَّها ... حَرِيقٌ تَلَظَّى في هَشِيمِ ثُمَامِ
لِهَمْدَانَ أَخْلَاقٌ وَدِينٌ يَزِينُهَا ... وَبَأْسٌ إذَا لُوقُوا وَحَدُّ خِصَامِ
وَجِدٌّ وَصِدْقٌ في الحَدِيثِ وَنَجْدَةٌ ... وَعِلْمٌ إذَا قَالُوا وَطِيبُ كَلَامِ
فَلَوْ كُنْتُ بَوَّاباً عَلى بَابِ جَنَّةٍ ... لَقُلْتُ لِهَمْدَانَ ادْخُلُوا بِسَلَامِ
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (يا مَعْشَرَ هَمْدَانَ؛ أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحِي، ومَا نَصَرْتُم إلَّا اللهَ ورَسُولَهُ، ومَا أَجَبْتُمْ غَيْرَهُ)، فقَالَ سَعِيدُ بنُ قَيْسٍ، وزِيَادُ بنُ كَعْبِ الأَرْحَبِي: (أَجَبْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ وأَجَبْنَاكَ، وَنَصَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ ثمَّ إيَّاكَ، وقَاتَلْنَا مَعَكَ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكَ، فَارْمِ بِنَا حَيْثُ شِئْتَ)، فقَامَ عَامِرُ بنُ قَيْسِ العَبْدِي، وهو فَارِسُ القَوْمِ،
فقَالَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إذَا رُمْتَ بهَمْدَان أَمْراً فَاجْعَلْنَا مَعَهُم، فإنَّا يَدَاكَ وجَنَاحُكَ، فَقَالَ عليه السلام: (وَأَنْتُم عَبْدَ القَيْسِ سَيْفِي وقَوْسِي)، فَرَجَعَ بها العَبْدِيّ إلى قَوْمِهِ.
ولما بَعَثَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيّاً عليه السلام إلى اليَمَنِ وَقَرَأَ عَلَيْهِم كِتَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّها في يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَمَّا قَرَأَهُ خَرَّ سَاجِداً، وَقَالَ: (السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ) ثَلاثاً، وَكَانُوا أَنْصَارَ عَلي عليه السلام.
وَفِي قَبَائِلِ اليَمَنِ يَقُولُ وَلَدُهُ الإِمَامُ الهادي إلى الحقِّ يحيى بن الحسين عليهم السلام لَمَّا قَامُوا بِنُصْرَةِ الإسْلَامِ مَعَهُ، في قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ:
تَحُفُّ بِهِ خَيْلٌ يَمَانيَّةٌ لها ... عَلى الهَوْلِ إِقْدَامٌ لُيُوثٌ طَوَالِبُ
قُرُومٌ أَجَابُوا اللهَ حِينَ دَعَاهمُ ... بِأَيْمَانِهم بِيضٌ حِدَادٌ قَوَاضِبُ
فَما زَالَت الأَخْبَارُ تُخْبِر أَنَّهم ... سَيَنْصُُرنا مِنْهم جُيُوشٌ كَتَائِبُ
ومنها:
وَنَادَيْتُ هَمْدَاناً وَخَوْلَانَ كُلَّهُم ... وَمَذْحَجَ والأَحْلَافَ واللهُ غَالِبُ
تُذَكِّرُنِي نِيَّاتُهم خَيْرَ عُصْبَةٍ ... من النَّاسِ قد عَفَّتْ عَلَيْها الجَنَاِئبُ
من أصْحَابِ بَدْرٍ والنَّضِيرِ وَخَيْبَرٍ ... وَأُحْدٍ لَهُمْ في الحَقِّ قِدْماً مَنَاقِبُ
وَيَقْصِدُ بِخَوْلانَ هُنَا: خَوْلَان بن عَامِر وهي قَبَائِلَ سحار وجماعة وبني مُنبّه وخَوْلان.
وبِهَمْدَان: همدان الكُبْرَى التي تَشْمَل قَبَائِلَ حاشد وبكيل.
وَهَذا عَارِضٌ، وَبَابُهُ وَاسِعٌ، ولكِنَّ الشّيءَ بالشيءِ يُذْكَرُ.
✦بعض من مكاتبات العلماء الأعلام رضي الله عنهم إليه عليه السلام
✦كتب السيد العلَّامة بَدْرُ الإِسْلَامِ/محمَّد بن إبراهيم المؤيدي (الملقب بابن حورية) رضي الله عنه
المتوفى سنة ١٣٨١ هـ، إلى والدنا الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام:يَا بَدْرُ مُرْتَفِعَ الخيَالِ وَجِسْمُهُ ... حَلَّ السِّفَالَ مع عُلُوِّ الْمَحْتَدِ
يَا مَجْدُ حَلَّ المجْدُ فِيهِ مُلَازِماً ... فازْدَادَ ميم الإبتدا لممجَّدِ
أَشْبَهْتَ في التَّصْوِيرِ بَدْراً طَالِعاً ... وَيُرَى بِقَعْرِ الْمَا وَفَوْقَ الفَرْقَدِ
يَا نَجْلَ عِزِّالدّيْنِ قُرْباً مَوْلِداً ... وَالجَدّ عِزُّالدِّينِ كَهْفُ السّؤْدَدِ
وَالجَدُّ أَيْضاً مَنْ تَرَدّى بالْعُلَى ... مِنْ نَسْلِ ثَانِي السِّبْطِ سِبْطَيْ أَحْمَدِ
إنِّي أُرَجِّي فِيكَ سِرّاً قَدْ سَرَى ... مِنْ جَانِبَيْ نَهْجَيْكَ والنَّهْجِ النَّدِي
إلى قوله:
والعِلْمُ في آلِ الرَّسُولِ مُؤَسَّسٌ ... وَبِذَاكَ كَانَ دُعَاءُ لَفْظِ مُحَمَّدِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا بَدْرٌ سَرَى ... وَعَلَى بَنِيهِ أُولِي الهُدَى والسُّؤْدَدِ
وهي طويلة. فأجابه الإمام مجدالدين عليه السلام بقصيدة مَطْلَعُهَا:
مَا لِيْ وللرَّشَا الْمَلِيحِ الأَغْيَدِ ... وَوِصَالِ غَانِيَةٍ وَلَثْمِ مُوَرَّدِ
(✦وكتب السيد العلامة محمد بن إبراهيم المؤيدي (الملقب بابن حورية
المتوفى سنة ١٣٨١ هـ رضي الله عنه جواباً على الإمام الحجة مجدالدين المؤيدي عليه السلام في تاريخ ٢٦ ذي القعدة عام ١٣٥٨ هـ:))عَادَ السَّلامُ عَلَيْكَ مَجْدَالدِّينِ ... نَجْلَ الْهُمَامِ الشَّهْمِ عِزِّ الدِّينِ
وَسَلِيلَ أَبْنَاءِ الْمَكَارِمِ عَنْ يَدٍ ... وَالعَالِمَ البَدْرَ التَّقِي بِيَقِينِ
مَنْ حَازَ أَطْرَافَ الْمَكَارِمِ يَافِعاً ... إِرْثاً عَنِ الآبَاءِ بِالتَّلْقِينِ
ثُمَّ انْثَنَى بِتَعَلُّمٍ وَتَفَهُّمٍ ... حَتَّى رَقَا الدَّرَجَاتِ بالتَّبْيِينِ
لا زَالَ في طُرُقِ الْمَكَارِمِ نَاشِئاً ... وَكَلاهُ رَبِّي عَنْ صِفَاتِ الشَّيْنِ
إلى آخرها.
وبعدها: وَعَلى الوَلَدِ العَلَّامَةِ والشَّامَةِ في بَنِي الزَّهْرَاءِ والعَلَامَةِ، ضِيَاءِ الدِّينِ ونَسْلِ السَّادَةِ الميامِين:
وَمَجْدُ الدِّينِ اسْماً والْمُسَمَّى ... وَدُرَّةُ تَاجِ أَرْبَابِ الْمَعَالِي
عَلَيْهِ يَعُودُ مِنِّي كُلَّ حِينٍ ... سَلَامٌ عَرْفُهُ في النَّهْجِ عَالِي
وَرَحْمَةُ رَبِّنَا مَا لَاحَ بَرْقٌ ... وَشَنَّ الْمُزْنُ مِنْ سُحُبٍ ثِقَالِ
وإنَّها صَدَرَتْ للسَّلامِ على تَرَادُفِ أَشْغَالٍ وتَبَلْبُلِ بَالٍ، وذلك بعدَ وصُولِ مُشَرَّفِكُم الأَشْرَفِ، وخِطَابِكُم العَذْبِ القَرْقَفِ، وأحْسَنْتُم بالتَّحْقِيقِ، ونسألُ الله لنا ولكم حُسْنَ التَّوْفِيقِ، والمشْي في مَنْهَجِ أهْلِ الصِّدقِ والتَّصْدِيقِ، آمين، وما أَشَرْتُمْ إليه فَبِالْعَيْنِ والرَّأْسِ، وتِلْكَ
طَرِيقَةُ أهْلِ الرُّسُوخِ وتَوْطِيدِ الأَسَاسِ .... إلى أن قالَ: هذا وبالله عَلَيْكُمْ بَلِّغُوا عَنِّي والِدَكُمْ بَقِيَّةَ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ والكَمالِ عِزّ الدينِ والإسْلام محمد بن منصور ألف ألف سلام ..... الى آخرها.
✦وكتب إليه السيد العلامة جَمالُ الإسْلامِ، ونِبْرَاسُ العُلَماءِ الأَعْلامِ، علي بن محمد بن يحيى المؤيدي العِجْرِي رضي الله عنه المتوفى سنة ١٤٠٧ هـ، ما لفظه:
سيِّدي المولى العلَّامة، الْمُجْتَهِد الفهَّامَة، الحجَّة القَائِمَة في نَجْدٍ وتهامة، والعَيْن النَّاظِرَة في الآل والعَلَامة، زِينَة المتَّقِين، مجدِّد الدين/ مجدالدين بن محمد المؤيّدي أيَّده الله تعالى بالذِّكْرِ المبين، وأَطَالَ بَقَاهُ لحِفْظِ شَرِيعَةِ سَيِّدِ المرسلين، من عَقَائِدِ ومَذَاهِبِ الآل الأَكْرَمينَ، وأَعَادَ عَلَيْهِ السلامَ الأَسْنى، ورَحْمةَ الله إِفْرَاداً ومَثْنَى.صدَرَت للسَّلام بعد أن أُلْقِيَ إليَّ كتابُكم الكَرِيمُ، وخِطَابُكم العَذْبُ الرَّخِيم الفَخِيمُ، وأَنَا أَحْمَدُ الله إليكم، ونَسْأَلُهُ إسْبَالَ الخَيْرَاتِ والْمَسَرَّاتِ عَلَيْنَا وعَلَيْكُم، وأن يَمُنَّ بالفَرَجِ العامِّ على المؤمنين وكَافّة المسلمين.
إلى قوله: وفي هَذا حُسْنُ نَظَرِكُم، فأَنْتُمْ مَرْجِعُنَا وَبَرَكَتُنَا وَقُدْوَتُنا، ولا يَقَعُ إلَّا مَا تُحِبُّونَ، ومَعَ ذلك فلا يَخْفَاكُم حَدِيثُ: إذا هَمَمْتَ بِأَمْرٍٍ ... إلى آخره، وَنَسْأَلُهُ لنا ولكم التَّوْفِيقَ وَحُسْنَ الخِتَامِ، وأَنْتُمْ ومَنْ حَوَى مَقَامَكُم من الإِخْوَانِ والأولادِ مُتْحَفُونَ بأَوْفَرِ السَّلام وَأَفْضَلِهِ وَأَجْزَلِهِ. حرر ٢٦ جمادى الآخرة سنة ١٣٩٧ هـ من الفقير إلى الله: علي بن محمد العجري وفَّقه الله.
✦وقال السيد العلامة المجتهد/ علي بن محمد بن يحيى المؤيدي العِجْرِي رضي الله عنه في كتاب آخر:
﷽سيّدي الْمَوْلى عَلَمُ العُلَمَاءِ الأَعْلَامِ، وَتَاجُ العِتْرَةِ الكِرَامِ، مِغْنَاطِيسُ أَصْحَابِ الشَّرِيعَةِ النَّبويَّةِ، الغَائِصُ في بَحْرِ العُلُومِ الأَدَبِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، شَمْسُ مُشْكِلاتِ الْمَسَائِلِ، وَمِفْتَاحُ مُعْضِلاتِ النوَازِلِ، زِينَةُ عَصْرِنَا وَمُجدِّدُ أَوَانِنَا، ضِيَاءُ الدِّينِ مَجْدُالدِّينِ بنُ محمَّد المؤَيَّدي حَرَسَهُ الله تَعَالى بِأُمِّ القُرْآنِ، وَكَفَاهُ مُهِمَّاتِ نَوَائِبِ الزَّمَانِ، وَحَفِظَ بهِ مَآثِرَ الْفَضَائِلِ، وَأَحْيَا بِهِ مَا أَمَاتَهُ الجَاهِلُونَ مِنْ عُلُومِ آبَائِنَا الأَوَائِلِ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ من السَّلامِ أَتْحَفَهُ وَأَهْنَاه، ومن الرَّحْمَةِ أَوْسَعَها، ومن البَرَكَاتِ أَطْيَبَها.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وعَلَى آلِهِ كَاشِفِي كُلِّ غُمَّةٍ، صُدُورُها للسَّلامِ بَعْدَ أَنْ أُلْقِيَ إليَّ كتابُكم الكَرِيمُ، وَخِطَابُكُم الوَسِيمُ، فَابْتَهَجْتُ به سُرُوراً، وَزَادَني غِبْطَة وَحُبُوراً؛ إذْ كان مِنْ جَنَابِكُم العَزِيز مَسْطُوراً، وإليَّ مَصْدُوراً.
✦وقال السيد العلامة/ محمد بن الحسن بن يحيى العجري رحمه الله تعالى في كلام له:
أمَّا شَيْخِي فَهُوَ السيِّدُ العَالِمُ العَلَّامَةُ، الحَبْرُ الفَهَّامَةُ، أبو الحسنين، رَئِيسُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَكَعْبةُ الْمُسْتَرْشِدِين، الجَامِعُ لِمَا تَشَتَّتَ مِنْ عُلُومِِ الآلِ، وَالْمُعْلِنُ الحقَّ في الغُدُوِّ والآصَالِ، عَلَّامَةُ عَصْرِهِ، وَالقُدْوَةُ في قُطْرِهِ، ضِيَاءُ الدِّينِ، وَعَوْنُ صِدْقٍ للمُؤْمِنِينَ، مَجْدُالدِّينِ بنُ محمَّدِ بنِ مَنْصُورِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ يحيى بنِ الحَسَنِ بنِ يحيى بنِ عَبْدِالله بنِ عَلي بنِ صَلاحِ بنِ عَلي بنِ الحُسَيْنِ بنِ الإمامِ المؤْتَمَنِ الهادي إلى الحقِّ أَبِي الحَسَنِ عِزّالدِّينِ بنِ الحَسَنِ بنِ الإِمَاِم عَلي بنِ الْمُؤَيَّدِ.رَوَى عُلُومَ آلِ مُحَمَّدٍ عن وَالِدِهِ، وَقَرَأَ على وَالِدِهِ الكَثِيرَ الطيِّبَ، وَلَهُ التآليف الوَاسِعَةُ، منها: (التُّحَفُ الفَاطِمِيّة شَرْحُ الزُّلَفِ الإمَاميَّة)، ضمَّن فيها رضي الله عنه سِيَرَ الأَئِمَّةِ إلى عَصْرِ مَلِكِ اليَمَنِ الإمام يحيى حَمِيد الدِّين، وفِيهَا مَا يُنْبِئ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَسِعَةِ اطِّلَاعِهِ وَطُولِ بَاعِهِ في عُلُومِ آبَائِهِ.
ومنها: (لَوَامِعُ الأَنْوَارِ وَجَوَامِعِ العُلُومِ وَالآثَارِ) ضَمَّنَ فيها أَكْثَرَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في آلِ محمَّدٍ عليهم السلام، وسَنَدَ عُلُومِهم وَكُتُبَهُم وَشِيعَتَهم مَعَ مَا يُكَافِحُ فيها من الرَّدِّ على الْمُخَالِفينَ، وَقَد انْتَهى إلى الآن في مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ وَلمْ يَتِمَّ بل هو رضي الله عنه في عَمَلِه، اللهَ أَسْأَلُ وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم أَتَوَسَّلُ أنْ يُعِينَهُ على التَّمامِ.
ولَعَمْرِي إنَّ هَذَا الكِتَابَ جَدِيرٌ بأنْ يُسَمَّى خَزْنَة آلِ محمَّدٍ، لِمَا
جَمَعَ فيه من عُلُومِهِم.
وله غير هذين الكتابين، وهو رضي الله عنه حَسَنُ الشعر، عَارِفٌ لِقَوَانِينِه، مميِّزٌ للكَامِلِ من الوَافِرِ، والطَّويلِ من القَصِيرِ.
ومَعَ تَحْصِيلِ هذهِ العُلُومِ بِأَسْرِِهَا، لا زَالَ يُقْرِئُ الطَّلَبَةَ في كُلِّ يَوْمٍ من الصَّبَاحِ إلى وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، ثُمَّ من بَعْدِ الظَّهِيرَةِ إلى الغُرُوبِ، ثُمَّ العَشِيّ إلى أَكْثَرِ الليلِ، هَكَذا في أَغْلَبِِ الأَوْقَاتِ.
ومَعَ هَذِهِ الخِلالِ الْمَحْمُودَةِ، فَلَمْ أَرَ في عَصْرِي مِثْلَه مِنْ حُسْنِِ أَخْلاقِهِ، وَمُعَاشَرَتِهِ لأَرْفَاقِهِ، إنه رضي الله عنه إذا أَتَى الغَرِيبُ انْبَسَطَ لَهُ حتى يَظُنّ الرَّائِي أنَّ بَيْنَهما مَعْرِفَةً قَدِيمَةً، وما ذَلِكَ إلا لِكَوْنِهِ حَسَنَ الشِّيمَةِ ...... الخ.
✦وكتب السيد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله إلى الإمام الحجة مجدالدين المؤيدي عليه السلام ما لفظه:
﷽، وسلام على عباد الذين اصطفى، يَعِزُّ على الْمَمْلُوكِ أَنْ تُقَبِّلَ كَفَّ مَلِيكِهِ شِقَّتُهُ دُونَ شَفَتِهِ، وأَنْ تَحْظَى بِنَعِيمِ نَظْرَتِهِ عَيْنُ أَثَرِهِ دُونَ عَيْنِ نَظَرِهِ، وَأَنْ يَسْعَدَ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا لا يَدْرِي مَا لَهُ مِن الحَقِّ عَلَيْهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَوَانِعُ التِّيهِ، فَهَنِيئاً لَهُ مَسْطُوراً صَارَ في بَيَاضِ الْمَقْبُوضَاتِ دُسْتُوراً، وَلا غَرْوَ أَنْ حَسَدَهُ العَالَمُ الإِنْسَانِي، فَقَد انْدَمَجَ في سِلْكِ بُلُوغِ الأَمَانِي، من سَيِّدِ آلِ مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْمَثَانِي، وأَنْ تَغْبِطَهُ نَيِّرَاتُ الكَوَاكِبِ وَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَسْنَى الْمَطَالِبِ أَرْغَبَ الرّغَائِبِ، فَهَا أَنَا ذَا فَاعِلُهُ قَدْ مُنِحْتُ مِنْهُ بِمَا مَلَأْتُبه جَوَانِحِي وَتَقَاصَرَتْ عَنْهُ صَفَائِحِي، ومَا أَنَا في ذَلِكَ بِوَحِيدٍ، وَسَلْ كُلَّ مَنْ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد.
... إلى قوله بعد قَصِيدَةٍ غَايَةٍ في الْمَدْحِ والثَّنَاء مَطْلَعُهَا:
غَطَمْطَمٌ زَاخِرٌ نَاهِيكَ مِنْ خِضَم ... فَعَنْهُ حَدِّثْ بِمَا تَسْطِيعُ مِنْ كَلِمِ
فَإِنَّهُ اليَمُّ عِلْماً مَدَّ فَائِضَهُ ... فَأَلْبَسَ الكَوْنَ دِيبَاجاً من النِّعَمِ
ذَلِكَ جَمَالُ الكَمَالِ وَكَمَالُ الْجَمَالِ، إِمَامُ الأَئِمَّةِ، كَعْبَةُ سِرِّ الحِكْمَةِ، العَالِمُ الرَّبَّانِي، والْمُفْتِي الأَكْبَرُ في قُطْرِنَا اليَمَانِي، أَبُو الْمُرْتَضَى وَالرَّضِيِّ/ مَجْدُالدِّينِ بنُ مُحّمَّدِ بنِ مَنْصُورِ اليَحْيَوِيّ، حَيَّاهُ الله بِكُلِّ تَحِيَّةٍ، وَأَحْيَا بِهِ مَا مَاتَ من الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
إلى قوله: وَأَنَّهُ طَالَ البِعَادُ، وَعَدِمَ مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَايَ العِهَادُ، وَكَانَ وَلَدُكُمْ كَالْحَالِ تَنْصِبُهُ رَوَائِحُ الأَفْعَالِ، فَهُوَ مُتَبَلْبِلُ البَالِ، غَرِيقٌ في تَيَّارِ جَمٍّ الأَشْغَالِ، وَلَمْ يَزَلْ مُتَرَقِّباً فُرْصَةً من الدَّهْرِ يَخْتَلِسُها رَاصِداً طَرْفَ عَيْنٍ يَنُومُ فِيهَا الحَائِرُ، لِيَحْظَى بِمَرْغُوبِهِ وَغَايَةِ مَأْمُولِهِ، مِنْ تَجَلِّي طَلْعَتِكُم والكَوْنِ في خِدْمَتِكُم، وَلَمَّا وَعَسَى وَلَعَلَّما وَطَالَمَا عَانَيْتُ شَيْئاً من الْمُكَاتَبَةِ وَتَوَسَّمْتُ لُفَيْظَاتٍ للمُرَاسَلَةِ، فَسَمُجَ لَعَمْرُ اللهِ كُلُّ حَاصِلٍ من الْمُقْتَرَحَاتِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البَشِيرُ بِقُدُومِكُمْ حَرَّكَ النَّشَاطَ، فَأَجْرَيْنَا بَعْضَ كَامِنِ الفُؤَادِ، وَهَذَيْنَا بِمَا تَرَوْنَهُ، فَاسْحَبُوا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِ السِّتْرِ والإِغْضَاءِ كُلَّ بِجَادٍ، وَأَتِمُّوا النيَّةَ لِلْوصُولِ بالعَمَلِ، وَصَدِّقُوا الْقَوْلَ بِالْفِعْلِ ... الخ.
✦وفي رسالة لوالدنا الإمام الحجة مجدالدين المؤيدي عليه السلام إلى السيد العلامة / الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله كتبها عليه السلام بخطِّ يده الشريفة، فيها ما لفظه:
﷽، بِقَلَمٍ يَرْسُمُ ما يُمْلِيه اللسانُ، وَيُتَرْجِمُ عن مَا يُكِنُّه الجَنانُ، من الاشْتِياقِ إلى الاتِّفاقِ بِأَلِيفِهِ وَحَلِيفِهِ وَخَدِينِهِ وَقَرِينِهِ، قُرَّةُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ أَنْجَالِ الحَسَنَينِ، سَيِّدِي وَسَاعِدِي وَعَضُدِي، الأَوْحَدُ الأمْجَدُ، نَجْمُ سَماءِ آلِ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، عَلَمُ أَعْلامِ الْعِتْرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَبَدْرُ سَادَاتِ الأُسْرَةِ الْعَلَوِيَّةِ، الحَفِيّ الوَفيّ، الحَسَنُ بنُ محمَّدِ الهادَوِيِّ اليُوسفِيّ الفَيْشِيّ حَفِظَهُ اللهُ تَعالى وَحَرَسَ مُهْجَتَهُ وأَدَامَ تَأْييدَهُ وَتَسْدِيدَهُ، وأَعَادَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمَ والتَّجْلِيلَ والتَّكْرِيمَ، سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبِّ رَحِيمٍ، وبعد:فَإنَّهُ وَصَلَ كِتَابُكُم الكَرِيمُ، وَخِطَابُكمُ العَذْبُ الوَسِيمُ، والحَمْدُ للهِ تعالى على صَلاحِ أَحْوَالِكُم، ونَجَاحِ أَعْمَالِكُم التي أَجَلّها القِيامُ بِنَشْرِ العِلْمِ الشَّرِيفِ في مَعَاهِدِهِ الْمُشَرَّفَةِ وَرُبُوعِهِ الْمُقَدَّسَةِ التي هِيَ على التَّقْوَى مُؤَسَّسةٌ بَعْدَ أنْ أَصْبَحَتْ تُنْشِدُ بِلِسَانِ حَالِها:
مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ عَنْ تِلاوَةٍ ... وَمَعْهَدُ ذِكْرٍ مُقْفِر العَرَصَاتِ
نَعَمْ، وَأَحْسَنْتُم أَحْسَنَ اللهُ تعالى إِليْكُمْ وشَكَرَ سَعْيَكُم المبرُور المشْكُور بما قُمْتُمْ بِهِ من العِنَايَةِ لَدُنْ صَاحِبِ الْمَطْبَعَةِ، وقد اتَّصَلْتُ به وَشَكَرْتُ له عَمَلَهُ واسْتَرَاحَ جِدّاً بالاتّصَالِ، وعن شَأْنِ
لَوَامِعِ الأنْوَارِ قال: إنَّ التصْوِيرَ أَسْرَعُ، لكِنِّي أَفَدْتُهُ أنَّ الأَصْلَ قَدْ وَقَعَ فيه كَشْطٌ وتَصْحِيحٌ، فقَالَ: لا بَأْسَ، نُرْسِلُ الصورَةَ ليكُونَ طَبْعُها بالحُرُوفِ، قَالَ وهُوَ أَفْضَلُ ألْفَ مَرَّةٍ، فَرَأْيُكم أَيْنَ الأَصْلَحُ الطَّبْعُ أم التَّصْويرُ؟ وإنْ تَرَجَّحَ التصويرُ فيَلْزَمُ أن تُلْصَقَ بَيَاضَات على مَوَاضِعِ الخَدْشِ، كما عَمِلُوا في لندن كَما رَأَيْتُم، وَأَرْجُو أن تَتَوَلَّوا أَنْتُم ذلك، وَيَنْبَغِي أن يُنَبَّهَ على ما وَقَعَتِ الإشارَةُ إليه بأن يُحْذَفَ في الطَّبْعِ ليكُونَ الاهْتِمامُ بِحَذْفِهِ، وإنْ رَأَيْتُم تَقْدِيمَ كَلِمَةٍ مختَصَرَةٍ عن فَائِدَةِ الكِتَابِ في مُسْتَهَلِّهِ فلا بَأْسَ، وكذا تُلْصَقُ وَرَقَةٌ على تَرْجَمَةِ الكِتَابِ ويُكْتَبُ المكْتُوبُ في شَرْحِ الزُّلَفِ أيْ بَعْدَ اسْمِ الكِتَابِ ما لَفْظُهُ: تَأْلِيفُ المفْتَقِرِ إلى عَفْوِ اللهِ تَعالى وَرَحْمَتِهِ ... الخ لا غَيْر تَكْتُبُونَها أَنْتُم بِقَلَمِكُم على لِسَاني وَكَّلْتُكُم بِذَلِكَ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكُم، هذا ونَحْنُ الآنَ في قِرَاءَةٍ وقِصَاصة على وَشَكِ التَّمام،
وقد وَقَعَ إِصْلاحُ كَلِماتٍ فيها وأَشَرْتُ بِرَمْزٍ إليها فَتَفَضَّلُوا بإِصْلاحِها في النّسْخَتَيْنِ اللتَيْنِ لَدُن القَاضي العَلامة صَلاحِ الإسْلامِ حَرَسَهُ الله تَعَالى الْمبَلَّغِ جَزِيلَ السَّلامِ وَرَحْمة الله تعالى وبركاته، تَتَشَارَكَانِ في الإصْلاحِ وهو يُمْلِي في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فهي يَسِيرَةٌ.
نَعَم، والأَوْلى أنْ يَكُونَ تَصْحِيحُ الشَّافي بِقَلَمِكُم البَهِيِّ البَارِعِ الرَّائِعِ لِيَكُونَ لكم الأَجْرُ الجَزِيلُ إن شاءَ اللهُ تَعالى في تَحْصِيلِ الأَصْلِ والفَرْعِ، وإنْ يَسَّرَ اللهُ تعالى الوصُولَ حَالَ العَمَلِ كَانَت المشَارَكَةُ إن شاء الله تعالى.
هَذا، وَأَنْتُم ومَنْ أَحْبَبْتُم إِبْلاغَهُ عَنِّي مُبَلَّغُونَ أَزْكَى السَّلامِ وَرَحْمَة الله تعالى وَبَركاته، والدُّعَاءُ مُسْتَمَدٌّ وَمَبْذُولٌ، وَأَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ تعالى، ودُمْتُم في ِحِفْظِ الله تعالى وَحُسْنِ رِعَايَتِهِ، وفي الصَّدْرِ ما لا يَسَعُهُ المصْدُورُ، حُرِّرَ على عَجَلٍ وَشُغْلٍ، والله تعالى وليُّ الإعَانَةِ والتيسِيرِ، وَسَلامُ اللهِ عَلَيْكُم وَرَحْمَتُه تعالى وَبَرَكاتُه، حُرِّر ٧ صفر الخَيْر سنة ١٤٠٢ هـ والِدُكُم/ مجدالدين بن محمد المؤيدي غفر الله لهم وللمؤمنين.
✦وقال السيد العلامة عبد الرحمن بن حسين شايم المؤيدي رحمه الله تعالى:
فإنه لما ترجّح لمولانا العَلَّامَةِ، حُجَّةِ العَصْرِِ وَمُجْتَهِدِهِ، مَجْدِالدِّينِ بنِ محمَّدِ بنِ مَنْصُورِ المؤيَّدي أَسْعَدَهُ الله في الدَّارَيْنِ - الْعَزْمُ إلى جَبَلِ بَرَط لِمَقَاصِدَ صَالِحَةٍ وَمُتَاجَرَةٍ رَابِحَةٍ، مِنْهَا زِيَارَةُ الإمَامِ الأَوَّاهِ المهْدِي لِدِينِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وعَلَى آبَائِهِ، وَمِنْهَا إِطْفَاءُ نَارِ الفِتْنَةِ وَإِخْمَادُ مَا نَجَمَ من الْمِحْنَةِ بَيْنَ الْمُتَقَاتِلِينَ من قَبَائِل ذو محمَّد، ومِنْهَا مَا يَحْصُلُ من إِرْشَادِ ضَالٍّ وَتَعْلِيمِ جَاهِلٍ، وَتَقْوِيمِ مَائِلٍ وَحَلِّ مُشْكِلَةٍ لِسَائِلٍ، فَكَانَ مِنْهُ أَسْعَدَهُ اللهُ الإشارَةُ إليَّ بِالْعَزْمِ صُحْبَتَهُ، فَسَارَعْتُ بِالامْتِثَالِ رَجَاءَ الثَّوَابِ وَعَمَلاً بِنَصِّ السُّنَّةِ والكِتَابِ، وكَانَ العَزْمُ بِمَعِيَّةِ مَوْلَانا سيِّدي العَلَّامة القَانِت صَارِمِ الدِّينِ إِبْرَاهِيم بن عَلي الشِّهاري حَفِظَهُ الله، وَسيِّدي العَلَّامة الحُسَيْنِ بنِ يَحْيى الْمُطَهَّر حَفِظَهُ الله، مَعَ جَمَاعَةٍ من السّادَةِ الأَعْيَانِ وَغَيْرِهم من الشِّيعَةِ الكِرَامِ.إلى قوله: فَتَمَهَّدَتْ أُمُور، وَطَابَتْ خَوَاطِرُ الجُمْهُورِ، وَأَنْزَلُوا الْمُقَاتِلَةَ من مَرَاتِبِهَا، وارْتَفَعَتْ الجُنُودُ مِنْ مَضَارِبِها، وَأَمِنَتْ النّفُوسُ وَارْتَفَعَ البُوسُ.
إلى قوله: وفي لَيْلَةِ الأَحَدِ لِصَبَاحِ الاثْنَيْنِ شُوهِدَ النُّورُ البَاهِرُ الذي غَشِيَ أَبْصَارَ أُولِي البَصَائِرِ، آيَةٌ من آيَاتِ الله شَاهِدَةٌ لِمَوْلَانا بالكَرَامَةِ، فَفِي صَبَاحِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ شَهِدَ بها لَدَيَّ عُدُولٌ أَثْبَاتٌ بأَنَّهم شَاهَدُوا ذَلِكَ النُّورَ هَبَطَ قَرِيباً من البَيْتِ السَّاكِنِ فِيهِ مَولانا وَقَرِيباً من الْمَسْجِدِ حتى أَضَاءَتْ مِنْهُ الْمَدِينَةُ وَغَلَبَ ضَوْءَ الكَهْرَبَاءِ ثُمَّ اتَّجَهَ إلى القِبْلَةِ.
إلى قوله: وَفي أَيَّامِ بَقَائِنَا ببرَط كُلَّ يَوْمٍ يَجْتَمِعُ عِنْدَ مَوْلَانا أُمَّةٌ من النَّاسِ فَيَحْصُلُ مِنْهُ الإِرْشَادُ والتَّعْلِيمُ وإِقَامَةُ الحُجَّةِ وإِيضَاحُ الْمَحَجَّةِ، وَبَيَانُ الْمَنْهَجِ وَتَقْوِيمُ الْمُعْوَجِّ، فَقَدْ حَصَلَ لمولانا أَيَّدَهُ اللهُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ من التَّبْلِيغِ بإقَامَةِ الدَّليلِ وَإيْضَاحِ السَّبِيلِ، وَلَهُ بِجَدِّهِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وآله وسلم أُسْوَةٌ، وبِأَقْوَالِ وَأَفْعَالِ أَئِمَّةِ آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم قٌدْوَةٌ، فَقَدْ سَارَ في مِنْهَاجِهِم وَنَسَجَ على مِنْوَالِهم، وقَد كُنْتُ ابْتَدَأْتُ بإنشاءِ قَصِيدَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ تلك الآياتِ، مَطْلَعُها:
سَارَتْ رَكَائِبُنَا أَمَّتْ بَنَا بَرَطَا ... نَرْجُو مِن اللهِ أَجْراً كَامِلاً وَعَطَا
حتى ظَهَرَتْ تِلْكَ الكَرَامَاتُ فَأَنْشَأْتُ الأَبْيَاتَ الآتِيَةَ:
زُرْنَا الإِمَامَ مُحَمَّدَ بنَ القَاسِمِ ... الْقَائِم الدَّاعِي الإِمَام العَالِم
زُرْنَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ مُحَمَّداً ... مَنْ عِلْمُه كَالْخِضْرَمِ الْمُتَلاطِمِ
قَادَ الجِيَادَ إلى الجِهَادِ وَكَمْ لَهُ ... مِنْ مَوْقِفٍ يَقْضِي بِخطَّةِ حَازِمِ
جَمَعَ الفَضَائِلَ والشَّمَائِلَ وَارْتَقَى ... فَوْقَ السُّهَى بِمَحَاسِنٍ وَمَكَارِمِ
إلى قوله:
أَكْرِمْ بِمَجْدِ الدّيْنِ فَخْرَ عِصَابَةٍ ... زَيْدِيَّةٍ طَابَتْ بِفَخْرٍ لَازِمِ
أَخْلَاقُهُ نَبَوِيَّةٌ عَلَوِيَّةٌ ... عَلْيَاهُ مِيرَاثُ تُرَاثِ أَكَارِمِ
لَمَّا وَقَفْنَا في العنَانِ تَتَابَعَتْ ... آيَاتُ لا تَخْفَى لِقَلْبٍ فَاهِمِ
صَلُحَتْ بِهِ فِتَنٌ كِبَارٌ إِنَّها ... كَادَتْ تُطِيحُ بِأُمَّةٍ وَعَوَالِمِ
مِثْلُ التي كَانَتْ لِيَحْيَى جَدِّهِ ... أَعْنِي به الهَادِي حَفِيدَ القَاسِمِ
وَكَرَامَةٌ ظَهَرَتْ عياناً إِنَّها ... نُورٌ أَضَاءَ بِحِنْدِسٍ مُتَرَاكِمِ
شَهِدَ الشُّهُودُ لَدَى الحُضُورِ بِأَنَّهُ ... نُورٌ تَلَأْلَأَ جُنْحَ لَيْلٍ عَاتِمِ
هَلْ بَعْدَ هَذَا يَا أَخِيْ مِنْ آيَةٍ ... قَطَعَتْ مَقَالَ مُجَادِلٍ وَمُخَاصِمِ
يَا سَيِّدَ البَطْنَيْنِ دُمْ في نِعْمَةٍ ... مَحْرُوسَةٍ مِنْ فَضْلِ رَبٍّ رَاحِمِ
وَعَلَيْكَ مَا هَطَلَ الغَمَامُ تَحِيَّةٌ ... وَحَبَاكَ رَبي بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ
وَخُذُوا قَرِيظِي وَاصْفَحُوا وَتَغَمَّدُوا ... مَا فِيهِ وَاسْمَحْ يَا ابْنَ أَوْحَدِ هَاشِمِ
وَبَعْدَهُ: بِسْمِ اللهِ، مَوْلَايَ أَيَّدَكُم اللهُ تَعَالى، والسَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، تَطَفَّلَ وَلَدُكُمْ بِكِتَابَةِ مَا تَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ نَثْرٍ ضَعِيفٍ وَنَظْمٍ رَكِيكٍ، خَلا أَنَّ ذَلِكَ تَارِيخٌ للسَّفَرِ الْمَيْمُونِ إلى بَرط، ومَا حَصَلَ في ذَلِكَ السَّفَرِ من الفَوَائِدِ التي يُضَاعِفُ اللهُ ثَوَابَها إنْ شَاءَ اللهُ، فَصَدَرَ إِلَيْكُمْ صُورَةٌ ممَّا كَتَبْتُهُ، أَرْجُو عَفْوَكُم، والسَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
عَبْدُالرَّحْمن شَايم، وَفَّقَهُ اللهُ،
يَسْتِمِدُّ دُعَاءَكُمْ.
✦وكتب إليه السيّد العلامة/ صلاح بن محمد الهاشمي رحمه الله تعالى هذه الأبيات:
طَرِبْتُ لِنَظْمٍ مِنْ إِمَامٍ وَسَيِّدِ ... بَصِيرٍ بِإِصْدَارٍ بَصِيرٍ بِما يَدْرِيلَهُ عِلْمُ يَحْيَى بنِ الحُسَيْنِ وَحِلْمُهُ ... وَإِقْدَامُ مَوْلانَا أَبِي الحَسَنِ الفَرْدِ
هُوَ البَحْرُ في نَحْوٍ وَصَرْفٍ وَمَنْطِقٍ ... فَأمَّا أُصُولُ الدِّينِ فهو الذي يَهْدِي
وَعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ لَانَ لَهُ كَمَا ... أُلِينَ لِدَاودَ الحَدِيدُ لَدَى السَّرْدِ
وَأَنْظَارُهُ في مُحْكَمِ الذِّكْرِ أَسْبَلَتْ ... عَلَيْنَا مِن الأَحْكَامِ مَا لَيْسِ في العَدِّ
وَسُنَّةُ خَيْرِ الرُّسْلِ أَوْضَحَ مَنْهَجاً ... صَحِيحاً سَلِيماً لا مَجَالَ لِذِي النَّقْدِ
وَسَلْ عَنْهُ في كُلِّ العُلُومِ لَوَامِعاً ... فَفِيهَا من التَّحْقِيقِ مَا لَيْسَ للسَّعْدِ
وَإِسْنَادُهُ فِيهَا صَحِيحٌ لِطَالِبٍ ... من الله تَوْفِيقاً وَرُشْداً عَلى رُشْدِ
فَيَا مَجْدَ أَوْلَادِ النَّبيِّينَ عَنْ يَدٍ ... وَقَاكَ إِلَهي شَرَّ ذَا الزَّمَنِ الْمُرْدِي
نَصَرْتَ الأُولَى سَنُّوا طَرِيقاً سَلِيمَةً ... من العِتْرَةِ الأَطْهَارِ أَكْرِمْ بهم عِنْدِي
عَلى حِين لا رَاعٍ ولا مُسْتَبْصرٌ ... ولا دَافِعٌ عَنْهُمْ غِوَايَةِ ذِيْ الحِقْدِ
ولا بَاذِلٌ نَفْساً وَلا رَافِعٌ يَداً ... لِقَمْعِ خُصُومٍ دَنَّسَتْ حَوْزَةَ الْمَجْدِ
وَطَهَّرْتَ ما قَدْ أَوْرَثَتْهُ يَدُ العِدَى ... لأنَّكَ مَنْ نَرْجُوهُ للحَلِّ والعَقْدِ
أَزَحْتَ عَن الأَنْظَارِ كُلَّ غَشَاوَةٍ ... بِتَحْقِيقِكُمْ كَادَتْ تَمِيلُ إلى الصَّدِّ
وَتَعْرِفُ هَذَا عُصْبَةٌ عَلَوِيَّةٌ ... لَهُمْ قَدَمٌ في العِلْمِ تَهْدِي وَتَسْتَهْدِي
وَحُلُّوا بِنَظْمٍ مِنْ خَبِيرٍ بِحَالِهمْ ... قَلَائِدَ فَخْرٍ أَوْضَحَتْ عِظَمَ الودِّ
أَبَتْ غَيْرَ مِيرَاثِ النَّبيّ مُحَمَّدٍ ... مُثَابَرَةً بالِجدِّ فيه وبِالجَهدِ
فَأَكْرِمْ بِهِمْ واللهِ مِنْ مَعْشَرٍ همُ ... ذَوُو الفَوْزِ في الدُّنْيَا وفي جَنَّةِ الخُلْدِ
بَقِيتَ لنا يَا ابْنَ النَّبِيِّ محمَّدٍ ... عِمَاداً وَذُخْراً مَا بَقِينَا عَلى العَهْدِ
وإنَّا لَنَرْجُو أَنْ َتكُونَ مُجَدِّداً ... عَلى رَأْسِ هَذا القَرْنِ لِلْعِلْمِ والرُّشْدِ
وقد تقدَّم آنِفاً ذِكْرُ بَعْضٍ من مُكَاتَبَاتِ العُلَماءِ الأَعْلامِ رضوان الله عليهم جميعاً إلى والدنا الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام في الكلام على مُؤلَّفاته.
✦أولاده عليه السلام
أَوْلَادُهُ السَّادَةُ العُلَماءُ النجباء: الحسن، والحسين، وعلي، وإبراهيم، وإسماعيل؛ أبناء مجدالدين، أخذوا العلم عن والدهم الإمام مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام وغَيْرِهِ من العُلَماءِ الأَعْلامِ، ونَشَأُوا في بَيْتِ الهِدَايَةِ، وتربَّوا علي يَدَيْهِ على التَّقْوَىوالصَّلاح، وهم من القَائِمِينَ على الدَّرْسِ والتَّدْرِيسِ، وإِحْيَاءِ مَعَالمِ الشَّرْعِ الشَّريفِ، وإرْشَادِ العِبَادِ إلى طَرِيقِ الرَّشادِ، مُنْتَظِمِينَ في سِلْكِ الإرْشَادِ والْمُرْشِدِينَ، ونَشْرِ عُلُوم أهْلِ البيت المطهَّرين، مُقْتَفِينَ مَنْهَجَ آبَائِهِم الهدَاة الْمَيَامِين، الْمَنْهَج القَوِيم، والصِّرَاط الْمُسْتَقِيم، الْمُوصِل إلى رِضَا ربِّ العالمين.
وَلَهُ عليه السلام أَيْضاً من الأَوْلادِ: أَحْمَدُ ومحمَّد وعلي (الأكبر) والحسين (الأكبر) أبناء مجدالدين بن محمد المؤيدي، توفّوا أطْفَالاً قَبْلَ ولادَةِ أوْلادِهِ الْمَذْكُورِينَ أَعْلاه، وقُبُورُهم بِمَشْهَدِ جَدِّهم السيَّد العلَّامة الوَلي/ محمَّد بن منصور المؤيدي رضي الله عنه؛ المعروف شَامِي مَقْبَرة صعدة.
وله عليه السلام من الأحْفَادِ: محمد وعبدالوهاب وعبدالله وأحمد وطه والمؤيد والحسن أبناء الحسن بن مجدالدين، ومحمد وعبدالله ويحيى وعلي والحسن أبناء الحسين بن مجدالدين، ومحمد والحسن والحسين أبناء علي بن مجدالدين، ومحمد وأحمد ابنا إبراهيم بن مجدالدين، ومحمد وعبدالله والحسن أبناء إسماعيل بن مجدالدين، وأحمد وعلي ويحيى وعقيل (توفي) ويس وعقيل أبناء محمد بن الحسين بن مجدالدين، وعبدالله بن محمد بن الحسن بن مجدالدين، ومحمد ويحيى والحسن أبناء عبدالله بن الحسين بن مجدالدين، والحسن ومجدالدين ابنا عبدالوهاب بن الحسن بن مجدالدين، ومحمد وإبراهيم ابنا عبدالله بن الحسن بن مجدالدين، ومجدالدين
ويحيى ومحمد والحسن أبناء أحمد بن الحسن بن مجدالدين، ومحمد بن طه بن الحسن بن مجدالدين، ويحيى ومحمد والحسن أبناء المؤيد بن الحسن بن مجدالدين، وجبريل بن الحسن بن الحسن بن مجدالدين، ومحمد وإبراهيم ابنا يحيى بن الحسين بن مجدالدين، ومحمد وعلي بن الحسن بن الحسين بن مجدالدين، ومجدالدين وإبراهيم ابنا محمد بن إبراهيم بن مجدالدين، وعلي بن محمد بن علي بن مجدالدين، ومحمد والحسين ابنا أحمد بن محمد بن الحسين بن مجدالدين، ومحمد بن عبدالله بن محمد بن الحسن بن مجدالدين، بَارَكَ اللهُ فِيهم وَرَزَقَهُم العِلْمَ النَّافِعَ والعَمَلَ به، إنَّه على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
توفي ولده السيد العلامة/ الحسن بن مجدالدين رحمه الله تعالى في ٢٥ صفر عام ١٤٣٥ هـ، وقَبْرُهُ بجانبِ قَبْرِ جدِّه السيد العلَّامة الوليّ/ محمد بن منصور المؤيدي رحمهم الله تعالى بِمَشْهَدِهِ الْمُقَدَّسِ الْمَعْرُوفِ، شَامِي مَقْبَرَةِ صعدة.
وتوفي ولده السيد العلامة/ الحسين بن مجدالدين رحمه الله تعالى في ١١ شوال عام ١٤٤١ هـ، وقَبْرُهُ بِجَانِبِ قَبْرِ والِدِه بمَسْجِدِ الإمام/ مجدالدين المؤيدي عليه السلام بضحيان.
أمّا تَلامِذَتُهُ عليه السلام فَيَصْعُبُ حَصْرُهُمْ، وقَدْ أوْرَدَ السيّد العلامة الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله نبذةً يسيرة حَوْلَ تَلامِذَتِهِ الآخِذِينَ عنه والْمُسْتَجِيزِينَ منه، أَثْبَتْنَاهَا في تَرْجَمَتِهِ رحمه الله لوالدِنا الإمام مجدالدين المؤيدي عليه السلام في آخِرِ كِتَابِ التّحف شرح الزلف.
وعلى كلٍٍّ فَكِبَارُ العُلماءِ الْمَعْرُوفِينَ ممَّن قَدْ تَوَفّاهم الله تعالى أو ممَّن لا زَالُوا مَوْجُودِينَ حتى الآن هم من تَلامِذَتِهِ أو مِنْ تَلامِذَةِ تَلامِذَتِهِ، فقد (أَخَذَ بزِمَامِ سُلطانِ العِلْمِ ودَوْلتِهِ أَكثرَ من نِصْفِ قَرْنٍ)، وقد بَارَكَ الله تعالى في عُمُرِهِ فأَخَذَ عنه الأَجْدَادُ والآبَاءُ والأبناءُ والأَحْفَادُ، {ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١}.
✦وفاته عليه السلام
صَعَدَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ عليه السلام مَغْرِبَ يَوْمِ الثلاثاءِ السادس من شهر رَمَضَان عام ١٤٢٨ هـ.✦العطر في كفنه عليه السلام
وقَدْ وَجَدْنا عِطْراً له كَانَ يحْتَفِظُ به مِنْ قَبْلِ وَفَاتِه بخمْسِينَ عَاماً، وأَوْصَى - كما هو مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بخَطِّ يَدِهِ الشَّريفَةِ - بأنْ يُفَرَّغَ هذا العِطْرُ على كَفَنِهِ عنْدَ وَفَاتِهِ.ومِنْ عَجِيبِ أُمُورِهِ عليه السلام أنَّه كَتَبَ ذَلكَ بتَاريخ ٧ رمضان ١٤٠٨ هـ وصَادَفَ أنّه غُسِّلَ وكُفِّنَ في نفْسِ ذلك اليوم من التاريخ بعدَ عِشْرينَ عاماً الموافق ٧ رمضان ١٤٢٨ هـ، فللّه هذه المصادفة العَجِيبَة ولله هذا الإمام المستَعِدّ للقاءِ ربّه قَبْلَ وفاتِهِ بعُقُودٍ من الزَّمَنِ، ونَصُّ ما كَتَبَهُ بخطِّ يدِهِ الشَّريفَةِ على كَرْتِ هذا العِطْرِ:
الحمْدُ لله وَحْدَهُ، لهذه القَارُورَةِ الحبشُوش التي في هذا الصَّندوقِ الخَشَبِ مدّة نحو ثلاثينَ سنَة ولم أجدْ مِثْلَها قطّ، وقد أبْقَيْتُ فيها
شَيئاً يَسِيراً للاحْتِفاظِ برَائحَتِها، ونَرْجُو اللهَ سبْحَانه ألَّا يحْرِمَنا روائِحَ الجنَّةِ، حُرِّرَ ٧ شهر رمضان ١٤٠٨ هـ، ثماني وأربعمائة وألف، مجدالدّين بن محمد غفر الله لهما. فَإنْ أتَى أَمْرُ اللهِ سُبْحَانَهُ وهو مَوْجُودٌ فُرِّغَ في الكَفَنِ إنْ عُرِفَ هذا وإلَّا فَلا حَرَجَ. انتهى.
✦اضطراب بلاد اليمن لنبأ وفاته عليه السلام المفزع
وفَوْرَ شُيُوعِ نَبَأِ وَفَاتِهِ اضْطَرَبَتْ بِلادُ اليَمَنِ لهذا النَّبَأِ الْمُفْزِع، والخَطْبِ الْمُفْجِع، وتَقَاطَرَتْ قَوَافِلُ الْمُصَلِّينَ والْمُعَزِّينَ من أَنْحَاءِ اليَمَنِ ومِنْ خَارِجِهِ للصَّلاةِ عليه يوم الأربعاء السابع من شهر رمضان، بجَامِعِ جَدِّه إمَامِ اليَمَنِ الْمَيْمُونِ الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام بمَدِينَةِ صعدة، وامْتَلأَ الجَامِعُ وسَاحَاتُهُ وجَمِيعُ شَوَارِعِ المدِينَةِ ذلك اليوم في مَنْظَرٍ جَنَائِزيٍّ مَهِيبٍ، وَلِعَدَمِ تمكّن أَغْلَبِ الوَافِدِينَ من الصلاة عليه لِشِدَّة الزِّحَامِ وامْتِلاء السَّاحَاتِ نُقِلَ جُثْمَانُه الطَّاهِرُ بمَشَقَّةٍ بَالِغَةٍ إلى مَقْبَرَةِ صعدة الكبرى، وهُنَاكَ صَلَّت الجُمُوعُ عليه صَلاةَ الجَنَازَةِ، وبَقِيَتْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لم تَسْتَطِع الصَّلاةَ عَلَيْهِ،ثم نُقِلَ بعدَها إلى مَسْجِدِهِ بمدينة ضحيان حيث صُلِّيَ عليه مَرَّاتٍ أُخْرَى هناك ممن لم يَسْتَطِعْ الصَّلاة عليه سَابِقاً، وكانَ خُرُوجُ جُثْمَانِهِ الطَّاهِرِ من مَنْزِلِهِ عند الزوال، ولم نَتَمَكّنْ من مُوَارَاتِهِ الثَّرَى إلَّا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ من شِدَّة الزِّحام.
وَقُبِرَ في مَسْجِدِهِ المعروف بضحيان، وَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ مَزُورٌ.
✦من المراثي التي قِيلَتْ في الإمام الحجّة/ مجد الدين بن محمد المؤيدي عليه السلام
✦ممّن رثى الإمام الحجّة مجدالدين بن محمد المؤيدي عليه السلام السيّد العلامة الحسين بن يحيى المطهر رحمه الله، فقال:
أَيَا مَغْرُورُ تَخدَعُكَ الأَمَاني ... وتَأْتِيكَ الدَّواهِي في ثَوانيتَبِيتُ قَرِيرَ عَينٍ في ابْتِهَاجٍ ... وشَأْن الصُّبْحِ بَعْدَ الليلِ ثَاني
وإنْ أَصْبَحْتَ يَوْمًا في سُرُورٍ ... دَهَتْكَ الليلَ سَالِبَةُ الجنانِ
كَدَاهِيَةِ الثَّلُوثِ دَهَتْ مَسَاءً ... فَثُلْمَتُهَا على إنْسٍ وجَانِ
فَقَدْنا خَيرَ أهْلِ الأَرْضِ طُرّاً ... وأَزْكى مَنْ تلا السَّبْعَ المثاني
وأَشْرَف مَنْ رَقَى أَعْلا المرَاِقي ... ومَنْ خَطَّ الصَّحائِفَ بالبَنانِ
وأَعْلَمهم بما أَوْحَاهُ رَبِّي ... ومَا ضمَّتْ عليه الدّفَّتانِ
وكَانَ حَياتُهُ تِسْعِينَ عَامًا ... وستّة ثم آبَ إلى الجِنَانِ
وعَشْرًا بعْد تلك من الليَالي ... وغَادَرَها إلى الحُورِ الحِسَانِ
لَهُ الألْبَابُ قد ذَهُلَتْ وتَاهَتْ ... لهذا الرّزْءِ قَاصِيها ودَاني
لَئِنْ ذَرَفَتْ له العَيْنانِ قَيْحًا ... وأُغْرِقَ من دَمَيْها الوَجْنَتَانِ
لَحُقَّ لها وإنْ عَمِيَتْ عليه ... وصَارَتْ لا تَرَى رأي العيانِ
وإنْ أَفَلَ النُّجُومُ له وغَابَتْ ... وأكْسَف في سَماها النّيِّرانِ
لكَانَ بِذَا وهَذَيْنِ حَقِيقًا ... لأنَّ الخَطْبَ شَأْنٌ أيّ شَانِ
مُصَابٌ عَمَّنا شَرْقاً وغَرْباً ... وأَظْلَمَ أُفْقُنَا في ذا الزَّمَانِ
مُصَابُ الدِّينِ لَيْسَ له نَظِيرٌ ... يُمَاثِلُ أو يُشَابِهُ أو يُدَاني
فَوَا أَسَفَا فَهَلْ يُجدِي فُؤَادي التْـ ... ـتَأسُّف والتَّحَسُّر والأَمَاني
أَثَارَ مُصَابُهُ حُزنًا دَفِيناً ... وحُزْنًا بعد حُزْنٍ قد دَهَاني
فمجدُ الدين كان لنا ضياءً ... وشَمْسَ الحقِّ سَاطِعةَ البَيانِ
وشمساً في النَّهارِ وفي الليالي ... لأَهْلِ الحقِّ مُشْرِقَةَ المعاني
تَغَيَّبَ في ثَرَى ضَحْيَان نُورٌ ... فطَابَ وطَابَ تُرْبَةُ ذا الْمَكَانِ
فبَاطِنُها بِكَوْكَبِنَا مُنِيرٌ ... وظَاهِرُها كَسِيفُ النُّورِ قانِ
لَئِنْ أَفَلَتْ وغَابَتْ في ثَرَاها ... وأَقْفَرَتِ الْمَنَازلُ والمباني
فَنُورُ لَوَامِعِ الأَنْوَارِ يَزْهُو ... وتُحْفَتُهُ ومجمُوعُ البَيَانِ
إذا خِفْتَ الهَلاكَ غَدًا فَزُرْهَا ... ففي طَيَّاتها سُبُلُ الجِنَانِ
تَغَيَّبَ شَخْصُهُ وهُدَاهُ بَاقٍ ... ونَوَّرَ نُورُهُ القُطْرَ اليماني
وعَمَّ الشامَ والأَقْطَارَ طُرّاً ... هِدَايتُهُ لمرْتَادِ الأَمَانِ
وصَلّى عليه بعدَ أَبِيهِ طَه ... وسَلَّمَ ربُّنا أَبَدَ الزَّمانِ
وبَارَكَ ما تَعَاقَبَتِ الليَالي ... وأَرْسَى في سَمَاها الْفَرْقَدَانِ
وعِتْرَتِهِ وأَسْكَنَنا جَمِيعًا ... وشِيعَتَهُ غَدًا غُرَفَ الجِنَانِ
ورثاه السيد العلامة/ عبد الرحمن بن حسين شايم المؤيدي رحمه الله، فقال:
خَطْبٌ أحَالَ الدَّمْعَ لونًا أَحمرا ... وأَثَارَ وجدًا في النُّفوسِ وحَيَّرَا
خَطْبٌ أَلَمَّ فكلُّ خَطْبٍ دونَهُ ... مَلَأَ القُلُوبَ تَحَزُّناً وتَحَسُّرا
خَطْبٌ أَثارَ النَّارَ في وسطِ الحَشَا ... وأَتَى بأَمْرٍ هَوْلُهُ عَمَّ الوَرَى
فلِموت مَوْلانا الإمامِ تَصَدَّعَتْ ... شُمُّ الشَّوامخِ من مُنِيفَاتِ الذّرا
ولِمَوْتِ مَوْلانا الإمامِ تَنَكَّسَتْ ... أَعْلَامُ أَهْلِ الفَضْلِ مما قَدْ جَرَى
ولِمَوْتِ مَوْلانا أميرِ المؤمنيـ ... ـنَ السَّابقِ الْمِفْضَالِ لم أَذُقِ الكرا
ولِمَوْتِ مجد الدين حقًّا أَكْسَفَتْ ... شَمْسُ الفَضائِلِ قَدْ عَرَاها مَا عَرَا
مَنْ للعُلومِ يَخُوضُ في غَمَرَاتِها ... ويبينُ الحَقَّ الصَّريحَ الأَنْوَرَا؟
ويهدُّ مِنْ شُبَهِ النَّوَاصِب أُسَّهَا ... ويُزِيلُ ما صَنَعَ الشَّقِي وعَمَّرا
و يشيدُ عمْرَاناً لآل محمَّد ... ويُقِيمُ بالتَّدْليلِ صَرْحاً نَيِّرا
آهٍ لِمَجْدِ الدِّين إنَّ مَمَاتَهُ ... ثلْمٌ لِدِينِ محمَّدٍ لنْ يُجْبَرا
آهٍ وما آهٍ بِنَافِعَةٍ لنا ... أَضْحَتْ رَزِيَّتُنا أَجَلّ وأَخْطَرا
رُزْءٌ عَلى الإسْلامِ هدَّ مَنَارَهُ ... ورَمَى إلى قَلْبِ اليقِينِ فَدَمَّرا
ما كُنْتُ أَحْسِبُ أنَّ يَوْمَكَ سَابِقٌ ... بَلْ كُنْتُ أَرْضَى أنْ أمُوتَ فأُقْبَرا
لو كُنْتَ تُفْدَى كانَ نَفْسي فِدْيَةً ... لأبي الْحُسَيْنِ لكَيْ يَعِيشَ و يَعْمُرَا
أو كانَ يُشْرَى عُمْرُهُ لَشَرَيْتُهُ ... لكن قَضَاءُ اللهِ طَافَ و بَكَّرا
مَنْ ذاكَ بعدَكَ للمَشاكِلِ إنْ عَرَتْ ... وغَدَتْ إلى الأَقْوَامِ صَاباً ممقرا
مَنْ ذا لطُلَّاب الشَّريعَةِ فَيْصَلاً ... بالإجْتِهادِ مُفَصِلاً ومُفَسِّرا
مَنْ ذَاكَ بعدكَ مُرْشِداً و مُعَلِّماً ... ولِعِلْمِ أهْلِ البَيْتِ صَارَ مُقَرِّرا
عَجَزَ النِّساءُ بأَنْ يجِئْنَ بوَاحِدٍ ... مثل الإمامِ نَزَاهَةً و تَطَهُّرا
عَجَزَ الزَّمانُ بأنْ يجيءَ بِمِثْلِهِ ... أبَداً ولن تَلْقى لَهُ مَثَلاً يُرَى
عَمِهَ الأُولَى لَمْ يَسْتَبِينُوا فَضْلَهُ ... نَفَضُوا من الأيدي وَثِيقَاتِ العُرَى
ضَلَّ الذي في بُغْضِهِ مُتَسَرِّعٌ ... وَيْلٌ له ممَّا جَنَاهُ وَزَوَّرا
آهٍ لِمَصْرَعِ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصَى ... في عَصْرِنا، وإمامِ مَنْ فَوْقَ الثَّرى
لكنَّه حُكْمُ الْمُهَيْمِنِ رَبِّنَا ... صَبْراً و إنْ كَبُر الْمُصَابُ و دَمَّرا
يا شِيعَةَ المولى الإمَامِ تَصَبَّروا ... ولِرُوحِهِ فاتْلُوا الكِتَابَ النَّيِّرا
وامْشُوا على نَهْجِ الإمَامِ وهَدْيِهِ ... نَهْجاً لأهْلِ البَيْتِ لن يَتَغَيَّرا
ولكُمْ بطَه الْمُصْطَفى خير الأَسَى ... والمرتضى الكرَّار أعْنِي حَيْدَرا
وبجَعْفَر و بحَمْزَة وبفَاطِمٍ ... وبِوِلْدِها أَعْنِي شَبِيرَ وَشُبَّرا
وبآلِ طَه كلِّهم أَهْلِ التُّقَى ... حَلُّوا اليَفَاعَ فَفَضْلُهُمْ لن يُنْكَرا
صلى عليهم رَبُّهم خَلَّاقُهُمْ ... مادَامَت الدُّنيا وما القَارِي قَرا
وعَلى الفَقِيدِ صَلاتُهُ وسَلَامُهُ ... وجَزَاهُ جَنَّتَهُ و نَهْراً كَوْثرا
وجَزَا مُحِبِّيهِ بخَيْرِ جَزَائِهِ ... وَحَبَاهُم اللهُ النَّعِيمَ الأَوْفَرا
ورثاه السيد العلامة/ الحسن بن محمد الفيشي رحمه الله، فقال:
مَنْ ذَاكَ بَعْدَكَ فِي مَقَامِ الْهَادِي ... إِذْ كُنْتَ أَنْتَ إِمَامَ ذَاكَ النَّادي
حَمَلَ الْرِّسَالَةَ، وَاصْطَفَاكَ لِحَمْلِهَا ... بالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإرْشَادِ
وَلِذَا غَدَوْتَ زَعِيمَ آلِ مُحَمَّدٍ ... وَلِسَانَهُمْ فِي النَّشْرِ وَالإعْدَادِ
يَا آيةَ الرَّحْمَنِ فِي اليَمَنِ التَّي ... خُصَّتْ بأزْكَى عُدَّةٍ وَعَتَادِ
بالْعِلْمِ وَالإيِمَانِ أَعْظَمِ مِنْحَةٍ ... تَسْمُو بِهَا فِي عَالَمِ الإِسْعَادِ
شُدْتَ الْمَعَاهِدَ فِي الْبِلادِ، فأَينَمَا ... عرَّسْتَ فِيهِ يَغصُّ بالأَمْجَادِ
وَتُوَاصِلُ التَّدْرِيسَ فَوْقَ أَوَانِهِ ... بِتَعَطُّشٍ، وَتَلَذُّذٍ، وَوِدَادِ
وَجَعَلْتَهُ بالرَّمْزِ لَمَّا أَنْ وَنَى ... عَنْهُ اللِّسانُ بِشَرْحِ كُلِّ مُرَادِ
خُضْتَ الْمَعَارِفَ قَضَّهَا وَقَضِيضَهَا ... وعَلَوْتَ فِي الأَغْوَارِ والأَنْجَادِ
سِرْتَ الْمَسِيرَةَ كُلَّهَا بِبَسَالَةٍ ... طَرَدَتْ جُمُوعَ الدَّسِّ وَالإِلْحَادِ
وَنَقَدْتَ مَا نَقَدَ النَّوابِغُ، وَارْتَأوا، ... فَنَسَفَتْ غِشَّ مَعَايِرِ النُّقَّادِ
وكذاكَ عِتْرَةُ أَحْمَدٍ، نَفْسِي الفِدَا ... قَامُوا بِكُلِّ هِدَايَةٍ وَرَشَادِ
حَمَلُوا الرؤوسَ عَلَى الأَكُفِّ وَقَدَّمُوا الـ ... أَجْسَادَ للسَّيَّافِ وَالْجَلَّادِ
تَرَكُوا الْحُظُوظَ الفَانِيَاتِ، وشمَّرُوا ... لِلْبَاقِيَاتِ عَوَائِدًا وَبَوَادِي
ماَ هَمَّهُمْ زحْفُ الزَّحُوفِ وَلا انْثَنَوْا ... عمَّا حَمَوْهُ لِرَائِحٍ أَوْ غَادِي
هِيبَتْ جَلالَتُهُمْ، وَخِيفَ عَطَاؤهَا ... فَتَدَاعَتِ الأَعْدَاءُ بِالأَعْدَادِ
وَرَأَوْا إِبَادَةَ أَصْلِهَا أَدْنَى لَهُمْ ... مُتَنَاوَلاً مِنْ فَائِتِ الأَبْعَادِ
نَهَلُوا وَعَلَّوا بِيضَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ ... تَحْتَ الْكُلَى، وَحَوَاضِنِ الأَكْبَادِ
فَقَفَوْتَهُمْ فِي النَّهْجِ، لا مُتَشَكِّكًا ... أَوْ هَائِبًا مِنْ نَاصِبٍ مُتَمَادِي
فَيَدٌ تَشُدُّ تُرَاثَهُمْ فَوْقَ السُّهَا ... وَيَدٌ تَهُدُّ مَعَاقِلَ الْحُسَّادِ
ولَكَمْ عَرَفْنَا مِنْكَ أيَّ رِسَالَةٍ ... أنهتْ صَدَى مُتَرَسِّلِينَ حِدَادِ
وَلَكَمْ نَقَضْتَ عُقَودَ مَا قَدْ أَبْرَمَتْ ... أَيْدٍ، تَشُوبُ صَلاحَهَا بِفَسَادِ
بِمَهَارَةِ الفَطِنِ اللَّبِيبِ، وَعَزْمَةِ الرْ ... ـرَأْيِ الْمُصِيبِ عَصَفْتَ بِالرُّوَادِ
فَأتَاكَ يَوْمُكَ، والْحِمَى مُسْتَعطفٌ ... غَوْثَ الإِلَهِ بِسُرْعَةِ الإنْجَادِ
وَخَلَتْ رُبُوعُكَ مِن فَيالقِ أُمَّةٍ ... جَعَلَتْ ثَرَاهَا مَجْمَعَ الأَعْيَادِ
غاب الْمَزورُ فغابَ عنها وفدُها ... فَكَأنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيِعَادِ
ومِنَ الْمُهَوِّنِ للأَسَى فِي يَوْمِنَا ... بُعْدُ التَّلاقِي، خُطَّةُ الأَوْلادِ
مِثْلُ الشَّدَائِدِ إِنْ تَدَّرَجَ وَقْعُهَا ... يَهُنِ الأَشَدُّ بِقَدْرِ ذَاكَ الْعَادِي
اللَّهُ أَكْبَرُ، هَلْ لَنَا مِنْ قَائِدٍ؟ ... لِلَحَاقِ مَنْ زَانُوا التُّقَى بِجِهادِ
اللَّهُ أَكْبَرُ، هَلْ لَنَا مِنْ ذَائِدٍ؟ ... عَنْ وِرْدِ مَوْبُوءِ العِدَاةِ الصَّادِي
اللَّهُ أَكْبَرُ، هَلْ لَنَا مِنْ مُرْشِدٍ؟ ... يَسري بِنَا فِي مَأْمَنٍ وَسَدَادِ
يَا بَا حُسَيْنٍ، لا بَعُدْتَ، فَعِنْدَنا ... ذِكْرَاكَ فِي الإِصْدَارِ وَالإِيرَادِ
لِلَوَامِعِ الأَنْوَارِ مِنْكَ هِدَايَةٌ ... لِلْحَائِرِينَ، وَغَايَةُ الإِمْدَادِ
وَكَذَا جَوَامِعُ مَا جَمَعْتَ لِنَيْلِهَا ... مَدٌّ عَلَى الأَعْلامِ وَالأَوْهَادِ
رُحْمَاكَ يا رَبَّاهُ قَدْ بَلَغَ الزُّبَى ... جَلَلٌ لِمَجْدِ الدِّينِ خَيْرِ عِمَادِ
فَأَنِلْهُ فَضَلاً لا مَدَى لِحُدُودِهِ ... وَاخْلُفْهُ بِالأَقْطَابِ وَالأَوْتَادِ
واحْفَظْ مِنَ الأُخدُودِ روحَ نَسِيمِهِ ... وَعَبِير صَعْدَةَ، نُزْهَةُ الرُّوُّادِ
وَعَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... عَيْنِ الوجُودِ، وَآلِهِ الأَطْوَادِ
ورثاه أيضًا السيد العلامة/ محمد بن يحيى المطهر رحمه الله، فقال:
أيّها الغَافِلونَ عن كُلِّ كَرْبٍ ... وابْتلاءٍ ومحنةٍ وقَضَاءِ
غابَ نَجْمُ الهدى بأفقِ السَّماء ... تَارِكًا نور عِلْمهِ كالضياءِ
ماتَ خَيرُ الأنامِ في العَصْرِ هذا ... حُجَّةُ الله سيِّدُ العُلَماءِ
ماتَ بحْرُ العُلُومِ في كُلِّ فنٍّ ... نَجْمُ آلِ الرَّسُول والأَتْقِيَاءِ
قُدْوَةٌ مَرْجِعٌ إمَامٌ عَظِيمٌ ... آيةُ اللهِ نَسْلُ أهْلِ الكِساءِ
ذاكَ من اسْمُه يطابق معنا ... هُ وَمَنْ وَصْفُهُ لغيرِ خَفَاءِ
مجدُ دينِ الإله مَن جَدَّد الدِّيـ ... ـنَ وأحْيَا شَرَائِعَ الأنبياءِ
مجد دين النبيِّ وابن سَمِيِّ الْـ ... ـمُصْطَفى نسْلِ سيِّدِ الأوْصِياءِ
لا أرَى الحُزْنَ كَافيًا لذوِ الدِّيـ ... ـنِ عليه، ولا كَثِيرَ البُكَاءِ
رَحْمَةُ اللهِ والصَّلاةُ عَلَيْهِ ... وعلى رُوحِهِ مع الشُّهداءِ
وسَلامٌ على أبي الحَسَنَيْنِ ... وعلى وَالِدَيْهِ أهْلِ الوَفَاءِ
عترة المصطفى وقدوة مولا ... نا ومَنْ هُمْ أنوارُ مجدِ الهدَاءِ
عَظَّمَ اللَّهُ أجْرَنا وذَوِيهِ ... وحَبَانا بالصَّبْرِ في الابْتِلاءِ
نحنُ للهِ في الحياةِ، وفي الْمَوْ ... تِ إليه الرُّجوعُ يَوْمَ الجَزَاءِ
وصَلاةٌ مع السَّلامِ على الْمُخْـ ... ـتَارِ والآلِ عترة أصْفياءِ
✦ورثاه السيد العلامة/ محمد بن عبد الله عوض المؤيدي الضحياني حفظه الله تعالى، فقال:
تَزَلْزَلَ عرشُ الدين وانْهَارَ جَانِبُهْ ... ولَم يَبْقَ غَيْرُ الرَّسْمِ تُتْلَى عَجَائِبُهْوجَاَشَتْ جُيُوشُ الحُزْنِ تَنْعِي فَقِيدَها ... وَهَاجَتْ وَمَاجَتْ واسْتَجَاشتْ كتائبُهْ
وأَظْلَمَتِ الأَرْجَا وغَارَتْ نُجُومُهَا ... لِسُلْطانِ دينِ اللهِ إذْ ماتَ صَاحِبُهْ
هو الْمَجْدُ مجد الدِّين قامَتْ بِسَعْيِهِ ... مَعَالمُ دينِ اللهِ، واشْتَدَّ جَانِبُهْ
تَصَعَّدَ في العَلْيَا وَطَارَ إِلَى العُلَا ... تُصَافِحُهُ بُرُجُ السَّما وكَواكِبُهْ
هو الحجّةُ الكُبْرى التي شَاعَ نُورُها ... يُحِيطُ به النَّامُوسُ فالكلُّ رَاهِبُهْ
لِسَانُ رَسُولِ الله في فِيهِ نَاطِقٌ ... وأَخْلاقُهُ فيه وفيه مَنَاقِبُهْ
هو العَيْبَةُ الكُبْرَى لِعلْمِ محمَّدٍ ... وَيَنْبُوعُ عِلْمٍ لا تَغُورُ غَرَائِبُهْ
هو الذُّرْوةُ العُلْيا ورَأْسُ سَنَامِهَا ... هو الزَّاخِرُ التيَّار تَصْفُو مَشَارِبُهْ
خَلِيفَةُ وَحْي اللهِ وابنُ صَفِيِّهِ ... وَرَحْمَتُهُ العُظْمى تشنُّ سَحَائِبهْ
هو الْغَايَةُ الْقُصْوَى لكُلِّ فَضِيلةٍ ... هو الشَّامَةُ البيضاء تَزْهُو جَوَانِبُهْ
هو الْفَارِسُ السَّبَّاقُ في كُلِّ غَايَةٍ ... وبَابُ فُنُونِ العِلْمِ يَغْشَاهُ طَالِبُهْ
هو النُّورُ والفُرْقَانُ والشَّمْسُ والضُّحَى ... ولُقْمَانُ والكَهْفُ الأمِينُ مسَارِبُهْ
وذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَا ... وربُّكَ يخْتَارُ الذي هو رَاهِبُهْ
وصَلَّى عَلَيه اللهُ بعْدَ محمَّدٍ ... وعترتِه ما لاحَ في الأُفْقِ ثاقِبُهْ
✦ما كتب على ضريحه المقدَّس
كُتِبَ على ضَرِيحِ الإمامِ الحجَّة/ مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام، بقلم السيد العلامة محمد بن عبد الله عوض المؤيدي الضحياني حفظه الله تعالى، ما لفظه:لِلَّهِ مِنْ قَبْرٍ تَسَامَى واشْتَهَرْ ... وَتَعَاظَمَتْ فِيهِ الفَخَامَةُ وَالْكِبَرْ
وَبَنَتْ بِسَاحَتِهِ السَّكِينَةُ عَرْشَهَا ... وَالرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ خَيَّمَ وَاسْتَقَرْ
نَادَى عَبِيقُ الْمِسْكِ فِيهِ بأنَّهُ ... مُتَوَافِقٌ خُبْرُ الفَقِيدِ مَعَ الْخَبَرْ
يَا قَبْرُ فِيكَ الْمَجْدُ مَجْدُ الدِّينِ فَافْـ ... ـخَرْ مَا تَشَاءُ وَنَادِ يَا لَلمُفْتَخَرْ
فِيكَ الْخِلافَةُ قَضُّهَا وَقَضِيضُهَا ... وَسَنَامُهَا الْعَالِي، وَذِرْوَتُهَا الأَغَرّ
وَقَعِيرُ بَحْرِ الْعِلْمِ غَابَ هَدِيرُهُ ... وَتَطَامَنَتْ أَمْوَاجُهُ وَهَدَا وَقَرْ
وَلَوَامِعُ الأَنْوَارِ فِيكَ وَرَعْدُهَا ... وَسَحَائِبُ الْغَيْثِ الْمُبَارَكِ وَالْمَطَرْ
يَا قَبْرُ كَيْفَ وَسِعْتَ مَا غَطَّى السَّمَا ... بَلْ كَيْفَ غَابَ البَحْرُ فِيكَ وَمَا غَمَرْ؟
ضَحْيَانُ تَزْهُو بِالضَّرِيحِ وَتَنْتَشِي ... وتُنَافِسُ الْمُدنَ الشَّهِيرَةَ وَالْهِجَرْ
الشَّمْسُ وَدَّتْ لَوْ تَشُدُّ رِحَالَهَا ... وَتَزُورُ قَبْرَكَ، وَالْكَواكِبُ وَالْقَمَرْ
وَالشَّوْقُ سَاقَ النَّاسَ نَحْوَكَ كَي يَزُو ... رُوا مَا تَرَاكَمَ مِنْ عَجَائِبِكَ الْغُرَرْ
حَيْثُ الْجَزَاءُ مُظَلّلٌ لِلزَّائرِيـ ... ـنَ وَوَعْدُ رَبِّي قَدْ مَضَى فِيهِ الْقَدَرْ
وَعَلَيْكَ سَلَّمَ رَبُّنَا بَعَدَ النَّبِيْـ ... ـيِ، وآلِهِ الأَطْهَارِ سَاداتِ الْبَشَرْ
هاهنا اختفَتْ مَعَالِمُ الخِلَافةِ والوَصِيَّة، والدَّعوةِ المحمديَّة، وأَلقى عَصاهُ هنا رأَسُ العِترة، وإمامُ الفَتْرَة، ولبُّ اللباب، وخليفةُ النَّبيِّ والكتابِ، وسَكَنَتْ هنا شَقاشِقُ الحِكْمَةِ والعبقريَّة، واسْتَرَاحَ هنا كَاهلُ الدِّينِ الأَعظم،
وسَنامُهُ الأَفخم، بعد أنْ تربَّعَ عَلَى عَرْشِ الدِّينِ والعِلْم، وأَخَذَ بزِمَامِ سُلطانِ العِلْمِ ودَوْلتِهِ أَكثرَ من نِصْفِ قَرْنٍ، فجدَّد اللَّهُ به مَعالِمَ الدِّينِ وشَرائعَه، وأَحيا به ما مَاتَ، وَرَدَّ بسَعْيِهِ ما فَاتَ، فهو خِيرَةُ اللَّهِ في الْقَدَرِ الماضي، وصَفْوَتُهُ لتجديدِ الدِّينِ في رأَسِ هذا الْقَرْن، {ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١}، فسلامُ اللَّه عليكَ يا من زَاحَمْتَ بِمَنْكبَيْكَ الكَواكِبَ، ونَطَحْتَ بهامَتِكَ النُّجُومَ الثَّوَاقِبَ، وبَلَغْتَ الْغَايةَ الْقُصْوَى في الْمَكَارِمِِ والْفَضَائِلِ والمناقِبِ، والسَّلامُ عليكَ يا مَنْ أَسْلَسَتْ له كلُّ الْعُلُومِ قِيادَها، وأَسْلَمَتْ إليه الحِكْمَةُ والعبقريَّةُ زِمَامَها، ورَكَعَتْ له أَسْفارُ الْمَعَارِفِ، وسَجَدَ له عِلْمُ اللسَانِ، وخَدَمَهُ عِلْمُ البَلاغَةِ والبَيَانِ،
والسَّلامُ عليكَ يا إمامَ العُلَماء، وسيَّدَ الْعَارِفِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.
ثم ذكَرَ نَسَبَهُ الشَّريْفَ وتارِيخَ مَوْلِدِهِ ووفاته عليه السلام، وبَعْدَهُ: قَضَى عُمُرَهُ كُلَّه في العِلْمِ والعَمَلِ، لا يَشْغَلُهُ شَاغِلٌ عن ذلك ولا يَلْتَفِتُ إلى سِواه إلَّا ما تَدْعُو إليه الضَّرُورَةُ القُصْوَى، فجَزَاهُ الله خَيْرَ الجَزَاءِ، وصَلَّى الله وَسَلَّمَ على سَيِّدنا محمد وآلِهِ أَجْمَعِينَ. انتهى.
تمت بِحَمْدِ الله تعالى هذِه النُّبْذَةُ اليَسِيرَةُ لِسِيرَةِ والِدِنا الإمام الحجّة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام، والحَمْدُ لله تعالى أوَّلاً وآخِراً، وصَلَّى الله على سَيِّدِنا محمد وآله وسلم، وَسَلامٌ على المرْسَلِينَ والحَمْدُ لله رَبِّ العَالمين.
إبراهيم بن مجدالدين بن محمد المؤيدي
وفّقه الله تعالى
👆 Click an image to view full size