القرآن الكريم مع التفسير

سورة النحل

آية
إجمالي الآيات: 128 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} (2)كان المشركون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يعجل نزول العذاب بهم إن كان صادقاً فيما يدعيه، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ما يسألونه قد وجب عليهم، وأنه عما قريب واقع بهم فلا عجلة على مكروه.
{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 1} تقدس وتعالى عن أن يكون له شريك كما يزعمون.

__________

(2) -سؤال: ما فائدة التعبير بالماضي في قوله: {أَتَى} ولم يكن قد حصل؟

الجواب: الفائدة في ذلك هي الإشارة إلى أن إتيان أمر الله متحقق الوقوع وأنه واقع لا محالة فكأنه لذلك قد وقع، فمن هنا جاء بالماضي.
الآية 2
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
📝 التفسير:
{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ 2} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ينزل الملائكة بالقرآن الذي هو مثل الروح التي تكون بها حياة الأبدان؛ لأن القرآن حياة القلوب كما أن الروح حياة للأبدان؛ لأن من كان في ظلمات الجهل والشرك فهو ميت القلب؛ فإذا سمع القرآن وآمن فإن قلبه يحيا بالإيمان.
وأخبر سبحانه وتعالى أنه ينزله على من يشاء من عباده وهم الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وغيرهم ممن اختارهم الله واصطفاهم لحمل شرائعه وتبليغها للناس، وأنزله عليهم لينذروا الناس من عبادة الأصنام وغيرها، ويأمروهم بعبادة الإله الواحد، واتقاء معصيته ومخالفة أوامره.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}؟
الجواب: «أن» مفسرة، والجملة التي بعدها تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
الآية 3
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ (2)تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 3} هو وحده الذي خلق السماوات والأرض، يصرف الله سبحانه وتعالى آياته وينوِّعها، ويكرِّرها للمشركين؛ لأجل أن يتدبروا ويتفكروا فيها، فهو عالم بمداخل قلوبهم، وما هو الذي سينفع في كل واحد منهم، ويذكر لهؤلاء قصة ولآخرين قصة أخرى لكل على حسب مصلحته وحاجته، فأخبرهم هنا أنه خلق السماوات والأرض بالحق لغرض وحكمة، وليس كما يزعم المشركون من أنه لا حياة بعد الموت؛ لأنه لو كان كما يقولون لكان خلقهما عبثاً وباطلاً لا فائدة فيه (1)، وأخبر أنه قد تعالى عن هذه الآلهة التي يعبدونها من دونه أن تكون مشاركة له في الإلهية.
__________

(2) -سؤال: ما معنى الباء هنا {بِالْحَقِّ}؟ وكيف يكون المعنى تبعاً لذلك؟

الجواب: معناها الملابسة والمصاحبة، والمعنى: أن الله تعالى خلق السماوات والأرض حال كون السماوات والأرض متلبسة ومصاحبة للحكمة، أو حال كون الخالق متلبساً بالحق أي: محقاً في خلقه لهما، أي: أنه تعالى خلقهما لحكمة، والحكمة هي الابتلاء والتكليف ثم البعث والجزاء في يوم القيامة.

(1) -سؤال: يقال: من أي ناحية يكون خلقهما عبثاً لا فائدة فيه لو صح قولهم؟
الجواب: قال الله تعالى للمشركين المنكرين ليوم الحساب المكذبين به: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ 27 أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ 28} [ص]. هكذا رد الله على المشركين الذين نسوا يوم الحساب أي: كفروا به ولم يؤمنوا ولم يصدقوا، فكان إنكارهم ليوم الحساب اتهاماً لله جل وعلا بأن خلقه للسماوات والأرض وما بينهما عبثاً باطلاً لا لحكمة، واتهاماً له بالتسوية بين المجرمين والمؤمنين، والمفسدين والمصلحين، والظالم والمظلوم، لو لم يكن جزاء وحساب.
الآية 4
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ 4} (2)وأخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه وحده هو الذي خلق الإنسان من نطفة وليست تلك الأصنام التي يعبدونها من دونه، واستنكر على الإنسان المخلوق من النطفة ثم العلقة ... حتى إذا بلغ مبالغ الرجال واستكمل عقله برز لعداوة خالقه ومخاصمته والكفر به والتكذيب برسله وكتبه وبآياته والكفران لنعمته.

__________

(2) -سؤال: فضلاً ما هو إعراب: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ 4}؟

الجواب: اختلف النحويون في إعراب «إذا» الفجائية وأحسن الأقوال قول الكوفيين إنها حرف، وعلى القول بأنها ظرف مكان أو زمان فتكون متعلقة بالخبر أي بـ «خصيم» أي: إن الإنسان خصيم مبين في زمان تكليفه أو مكانه.
الآية 5
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
📝 التفسير:
{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ 5} ويذكِّرُنا أيضاً بأنه الذي خلق لنا الأنعام نعمة منه علينا، لما جعل لنا فيها من المنافع والمصالح من الأكل والركوب على ظهورها، ولبس جلودها والتدفؤ بها وبشعرها، والحرث عليها، يذكر المشركين بذلك أيضاً لعلهم يرجعون إلى الحق والهدى ويشكرون الله على نعمه.
الآية 6
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
📝 التفسير:
{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ 6} وكذلك يُذَكِّرُ الله سبحانه وتعالى عباده وفي المقدمة المشركين بنعمة الجمال الذي جعله لهم فيها والذي يدركونه ويشاهدونه في مجيئهم بها وذهابهم بها، ولكونهم من أهلها وأصحابها مما يجعلهم يحسون بهذه النعمة ويدركونها، وإن كنا لا ندرك هذه النعمة ولا نحس بها لكوننا لسنا من أهلها.
الآية 7
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ 7} وهذه أيضاً من النعم التي أنعم بها على خلقه يذكرنا بها لنرجع إليه وهي أنها تحمل الأمتعة في أسفارنا البعيدة التي لولا هي لأرهقنا حملها إرهاقاً شديداً، ولما استطعنا أن نصل إلا بتعب وجهد شديدين، والمراد بشق الأنفس هو أن التعب يكون قد أخذ بَعْضَ النَّفْسِ وشِقَّها، وهذا من رأفته ورحمته بخلقه أن أعطاهم وامتن عليهم بهذه النعم.
الآية 8
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} وكذلك خلق الخيل والبغال والحمير وفيها نعمة الركوب على ظهورها، وجعلها زينة يتزينون بها عند ركوبها وتربيتها، والزينة ظاهرة في الخيل والبغال.
{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ 8} يذكِّرُنا الله سبحانه وتعالى بمدى قدرته وقوته وإحاطته بكل شيء، وأنه يخلق أصنافاً من المخلوقات لا نعلمها.
الآية 9
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد أوجب على نفسه أن يبين لخلقه طريق الحق والهدى وما فيه نجاتهم، وقصد السبيل هو بيان الطريق التي تسوق إلى الحق، وأخبرنا تعالى أن بعض الطرق جائرة تؤدي إلى الضلال والهلاك فلا نسلكها، وأن طريق الحق ليست إلا واحدة فقط، وهذا معنى: {وَمِنْهَا جَائِرٌ}.
{وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ 9} لو شاء مشيئة جبر وإلجاء لفعل ذلك، ولأدخلهم في الهدى مكرهين، ولكنه ترك خلقه ووكلهم إلى اختيارهم لما يترتب على ذلك من الجزاء.
الآية 10
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
📝 التفسير:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وليست الأصنام التي تعبدونها أيها المشركون.
{لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ 10} يذكر الله عباده بعظيم نعمة الماء الذي ينزله من السماء فيشرب منه الناس وتنبت به الأشجار والمراعي التي تأكلها الأنعام وترعاها الدواب وهذا معنى: «فيه تسيمون».
الآية 11
يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 11} وأخبرنا أن في ذلك دلالة كبيرة، وآية واضحة بينة تدل على قدرته وإلهيته إذا كان هناك من يتفكر وينظر، فبالماء الذي ينزله من السماء ينبت الله لنا الزرع بأنواعه وينبت به الزيتون والنخيل والأعناب والأثمار والفواكه على اختلاف أنواعها وأشكالها.
الآية 12
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} وهيأهما لمصالحكم، وعلى حسب ما يوافق معايشكم.
{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} (1)وكذلك الشمس والقمر سخرهما لمصالح بني آدم لما لهم فيهما من الدفءِ والنور والضياء ومعالم الأوقات والزراعة، والفائدة لأشجارنا وأنعامنا، وكم وكم من المنافع فيهما التي لو عددناها لاحتجنا إلى الكثير من الكلام الذي لا يسع بسطه هنا.
وكذلك سخر لنا النجوم لنهتدي بها في أسفارنا، ونحدد به جهات مسيرنا، ونعرف بها ساعات الليل، وغير ذلك كثير من المنافع.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 12} يذكِّرُنا الله سبحانه وتعالى بذلك ليبعثنا على التفكر والتدبر في شأنها لنعرف من أوجدها، ومدى قدرته وعظمته وإلهيته، وأن في ما ذكره لأهل العقول آيات واضحاتٍ وحججاً بيناتٍ تدل عليه وعلى تفرده بالألوهية.
__________
(1) -سؤال: ما النكتة في عطف الجملة الاسمية: {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} على الفعلية قبلها؟

الجواب: قرئ بنصب النجوم وبرفعها فالنصب هو بالعطف على مفعول: «سخر لكم»، أما على قراءة الرفع فهو من عطف الجمل. والنكتة في عطف الاسمية على الفعلية -والله أعلم- هي الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين فتسخير الليل والنهار والشمس والقمر قد كان لمصالح البشر، والبشر مدركون لذلك بالضرورة تقريباً، والتعبير بالماضي عند تعداد المنعم لمننه على الناسي لها أو الكافر بها هو السبيل المعهود والقرآن مليء بشواهد ذلك. أما تسخير النجوم فلا يدرك المخاطبون حاجتهم إليها لحياتهم على الأرض ولا يفهمون مصالحهم المتعلقة بها اللهم إلا الاهتداء بها في الطرق ولكن ذلك خاص بقلة من الناس، وسائر البشر غير فاهمين لذلك، فمن هنا لم يكن البشر مدركين أن النجوم مسخرة لهم، ولا يرون أن لهم بها مصالح كما هو الحال في الليل والنهار والشمس والقمر، فلم يمتن الله تعالى عليهم بخلق النجوم، فاقتضى الحال العدول إلى الجملة الاسمية لما ذكرنا وللدلالة على أن التسخير ثابت مستمر لها لا يختص بزمان دون زمان.
الآية 13
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا (1) ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ 13} وكذلك مخلوقاته التي خلقها في الأرض على مختلف أنواعها وأصنافها وألوانها فيها آية واضحة لمن تفكر ونظر فيها، فمن خلقها على هذه الصفة؟ ومن ميز بين ألوانها وصورها؟ فلو اجتمع أهل الأرض على أن يخترعوا لوناً لما استطاعوا، وكذلك الطعوم فمن هو الذي جعل لكل صنف طعماً ونكهة تميزه عن صنف آخر غيره؟ ومن هو الذي خالف بينها مع أن تربتها واحدة وتسقى بماء واحد؟ ولو اجتمع جميع علماء الأرض على أن يستخرجوا لوناً من تلك التربة، أو يستخرجوا حلاوة منها- لما استطاعوا ذلك، ولما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، مما يدل على أن هناك قدرة خارقة هي التي تتحكم في ذلك، وتخالف وتميز بين ألوانها وطعومها، وكل ما ذكرنا فيه دلالة واضحة عليه جل وعلا، وعلى قدرته وعظمته، ومن تدبر فيها ونظر وتأمل عرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته.
__________
(1) -سؤال: علام عطف الاسم الموصول؟
الجواب: عطف على الليل والنهار، ويجوز أن ننصبه بفعل محذوف أي: وخلق أو أنبت، ويكون من عطف الجمل.
الآية 14
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ (1) مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 14} أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه تفضل علينا بأن سخر البحر في خدمتنا، وهيأه في صالحنا نركب على ظهره، ونسير فوقه، وجعل لنا فيه أرزاقاً كثيرة فنأكل ونلبس ونتزين من خيراته، يخبرنا بذلك لنعرف فضله علينا ونعمته لنشكره ونحمده على ذلك، وكذلك تسخير السفن لتسير على ظهره ففيها آية واضحة تدل على أن هناك قوة سخرته على هذه الطبيعة، ومعنى «مواخر»: جاريات تشق الماء شقاً، وكذلك ما جعل لنا فيه من أسباب المعايش والبيع والشراء والتجارات، كل ذلك لأجل أن نعرفه ونعرف نعمه علينا، ونعترف بها وأنها من عنده، ولكن أكثر الناس ينكرون فضله ونعمه هذه، ويتمردون ويعاندون ويستكبرون.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}؟
الجواب: الواو اعتراضية والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب.
الآية 15
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ (2) تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 15} يذكرنا الله سبحانه وتعالى بنعمته هذه وأنه قد خلق لنا الجبال لنستطيع أن نعيش على ظهر الأرض فلا تتمايل وتفقد توازنها، وكذلك سخر لنا الأنهار لنشرب ونسقي أرضنا ومواشينا، وكذلك الطرق التي نهتدي بها في أسفارنا كل ذلك لمصلحتنا، وقد جعل لنا في هذه الطرق علامات لنهتدي بها في سيرنا، فلو كانت كلها صحراء لضعنا ولتهنا فيها.
__________

(2) -سؤال: من فضلكم ما إعراب: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ}؟
الجواب: «أن» مصدرية مسبوكة مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة والتقدير: كراهة أن تميد بكم، ويصح أن تقول: في محل نصب بنزع الخافض.
الآية 16
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَعَلَامَاتٍ (3)وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ 16} ثم ذكرنا بنعمة قد أنعم بها على العرب خاصة (1) من بين سائر الأمم، حيث جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في أسفارهم وطرقهم وتحديد جهات سيرهم.
وقد تكون الرواسي هي الجبال الكبيرة، والعلامات هي الجبال الصغيرة، فالرواسي لتحفظ توازن الأرض، والعلامات لنهتدي بها في سيرنا وطرقنا.

__________

(3) -سؤال: ما إعراب: {عَلَامَاتٍ}؟

الجواب: منصوب عطفاً على: {أَنْهَارًا وَسُبُلًا}.

(1) - سؤال: يقال: لماذا كانت للعرب خاصة دون غيرهم؟
الجواب: لأن الله تعالى أخبر بذلك في هذه الآية في قوله: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ 16} فهذا التركيب يفيد الاختصاص.
الآية 17
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 17} يستنكر الله سبحانه وتعالى على المشركين كيف يساوون بينه وبين تلك الأصنام التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تستطيع فعل شيء، وكيف يشركونها في عبادته.
الآية 18
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 18} (2) عدد الله سبحانه وتعالى لنا بعض نعمه علينا، وأخبرنا أن نعمه علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى.
__________

(2) -سؤال: ما الحكمة في تذييل الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 18}؟
الجواب: الظاهر -والله أعلم- أن المخاطبين كفروا بنعم الله تعالى ولم يشكروه وعبدوا غيره، وبذلك استحقوا العذاب والنكال إلا أن الله تعالى لم يعجل بعذابهم ونكالهم مع أنهم قد استحقوه لسعة مغفرته ورحمته.
الآية 19
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ 19} خلقنا وجعل لنا كل هذه النعم وأخبرنا أنه عالم بنا، وأن علمه محيط بنا مثل ما أن قدرته محيطة بكل شيء.
الآية 20
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ 20} يخاطب الله سبحانه وتعالى المشركين بأن معبوداتهم تلك التي يعبدونها من دونه لا تستطيع خلق شيء، بل هي في نفسها مخلوقة.