القرآن الكريم مع التفسير

سورة السجدة

آية
إجمالي الآيات: 30 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
الم
ℹ️ لا يوجد تفسير مسجل لهذه الآية.
الآية 2
تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذا القرآن كلامه، وأنه الذي أنزله بعلمه وقدرته وحكمته فلا يصح أن يدخل الشك أو الريب فيه؛ لأن الله قد تعالى عن صفات المخلوقين من الغلط والتناقض والبدا ويكفي الناظر أن يتأمل في آياته وسيعرف ذلك ويعلم أنه كلام رب العالمين وأنه أنزله بعلمه الذي أحاط بكل شيء.
__________
(1) - سؤال: لعلكم تلحظون أن تنزيل الكتاب مبتدأ فهل الخبر «لا ريب فيه» أم «من رب العالمين»؟
الجواب: الخبر هو «من رب العالمين»، و «لا ريب فيه» حال من الكتاب.
الآية 3
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} (2) ولكن المشركين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد افتراه وتقوله من نفسه.
{بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ 3} وأخبر أن الأمر ليس كما يقوله ويزعمه المشركون، فهو الكلام الحق والصدق المنزل من عند الله تعالى، وقد أنزله الله سبحانه وتعالى عليك يا محمد لتنذر به قريشاً، وذلك أن عهدهم بالأنبياء قد طال، فقد مضت عليهم مدة طويلة لم يأت إليهم فيها نبي (3)حتى ضاعت شريعة إبراهيم وإسماعيل ووقعوا في الشرك والضلال. وقد أنزله عليك يا محمد رحمة بقومك ليدخلوا في الهدى وليعرفوا طريق نجاتهم وما فيه سعادتهم.

__________
(2) - سؤال: لو تفضلتم بتفصيل القول في «أم» في هذه الآية وأمثالها؟ وما فائدة «بل» بعدها؟
الجواب: «أم» بمعنى «بل» وهمزة الاستفهام الإنكاري، أي: أن الاستفهام فيها للإنكار. و «بل» بعدها إضراب يفيد إبطال قولهم.
(3) - سؤال: يقال: كيف نجمع بين هذا وبين قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ 24} [فاطر]؟ واسمحونا إن كان قد تقدم نحو هذا السؤال؟

الجواب: قد تقدم الجواب عن هذا السؤال مستوفى. [على الآية (46) من سورة القصص].
الآية 4
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يُذَكِّرُ الله سبحانه وتعالى المشركين بأنه وحده المتفرد بخلق السماوات والأرض وما بينهما، فلا شريك له في ذلك، وقد خلقهما بالتدريج شيئاً فشيئاً على حسب ما اقتضته الحكمة.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} بعد أن خلق السماوات والأرض وما بينهما، أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك هو ملكه وحده، وأنه وحده المسيطر على جميع ذلك الملك بعلمه وقدرته وإحاطته وتدبيره (1).
{مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} (2) ولن ينفعكم أحد أيها المشركون غير الله سبحانه وتعالى، فخصوه وحده بالعبادة؛ لأنه الذي بيده نفعكم وبيده جميع أموركم، فلا ملكٌ ولا نبي ولا صنم ولا أي شيء سينفعكم.
{أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ 4} يستنكر الله سبحانه وتعالى عليهم لماذا لا يتفكرون بعقولهم ويرجعون إلى خالق السماوات والأرض ويتركون تلك الأصنام التي يعبدونها.

__________
(1) - سؤال: يقال: ظاهر هذا أن الترتيب الذي اقتضته «ثم» في الأخبار فقط، فما الموجب عن العدول عن أصل استعمالها وهو الترتيب في المخبر عنه؟ وما قرائن ذلك؟
الجواب: الذي أوجب العدول عن المعنى الظاهر لـ «ثم» هو ما لا يخفى أن الله عز وجل هو مالك السموات والأرض المستولي عليهما منذ بدء خلقهما، وأن ملكه لهما لم يتجدد بعد خلقهما بفترة من الزمن بعد أن لم يكن مالكاً لهما، ولا ريب في هذا، وهذا دليل عقلي قطعي.
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ}؟ وما السر في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟
الجواب: «ولي» مبتدأ مرفوع محلاً مجرور لفظاً، و «شفيع» معطوف على ولي. وفصلت هذه الجملة لأنها استئناف بياني مقرر للجملة السابقة في جواب سؤال مقدر.
الآية 5
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ
📝 التفسير:
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} (1) أراد الله سبحانه وتعالى أنه ينزل القرآن من السماء الدنيا إلى الأرض؛ والسماء الدنيا هي هذه التي نراها فوقنا بما فيها من الكواكب الزاهرة المتوقدة نوراً، وقد أنزله الله تعالى أولاً إلى السماء (2) الدنيا جملة واحدة، ثم بعد ذلك أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مفرقاً ومنجماً في ثلاث وعشرين سنة.
{ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ 5} (3) يخبر الله سبحانه وتعالى عن كيفية نزول القرآن، وذلك (4) أن جبريل عليه السلام أنزله مفرقاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يقطع المسافة التي تستغرق ألف سنة للواحد من الناس في أقصر مدة زمنية بقدرة الله تعالى.

__________
(1) - سؤال: ما محل هذه الجملة: «يدبر الأمر .. » إلخ؟
الجواب: خبر ثان للمبتدأ «الله الذي .. ».
(2) - سؤال: يقال: ما الوجه في قصر السماء على السماء الدنيا؟ وهل يصح أن يحمل الأمر على معايش الناس وحياتهم وموتهم و .. و .. إلخ؟ أم لا مع تعليلكم القويم؟
الجواب: الوجه هو ما اشتهر عند أهل العلم أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا ثم أنزله مفرقاً على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وما حكاه الله تعالى عن الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا 8 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا 9} [الجن]، والمراد بالسماء في قولهم هذا هو سماء الدنيا بدليل: {زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك:5]، فالشهب التي جعلها الله تعالى رجوماً للشياطين هي في السماء الدنيا. ويصح أن يحمل الأمر على ما ذكرتم إلا أن الذي ذكرناه هو تفسير الإمام القاسم بن إبراهيم والهادي ' وهو الأولى؛ لأن السياق في تنزيل الكتاب الكريم وعظمة منزلته.

(3) - سؤال: هل المراد بقوله «يوم» يوم من أيامنا المعروفة أم كيف؟
الجواب: المراد باليوم هو اليوم المعروف عندنا أي: أن نزول الوحي من السماء إلى الأرض وعروج العمل من الأرض إلى السماء كل ذلك يكون في يوم من أيامنا بحيث أن تلك المسافة لو بسطت في الأرض لم يقطعه المسافرون في ألف سنة.
(4) - سؤال: يقال: إذا كان هذا إخباراً عن نزول القرآن فما فائدة: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}؟ ومتى سيصعد القرآن؟ أم أنكم تريدون يصعد جبريل إلى السماء فسيشكل عود ضمير فاعل «يعرج» إلى غير مذكور وهو جبريل؟ أم ترونه عائداً إلى الأمر والمراد به جبريل فهو يحوجنا إلى تأويل بعيد فما رأيكم سلام الله عليكم؟
الجواب: أخبر الله تعالى هنا عن نزول أمره ثم عروجه إليه في يوم مقداره ألف سنة أي خمسمائة نزول وخمسمائة عروج، فالفائدة هي بيان مقدار المدة لذلك، والمراد بالعروج هو عروج العمل، والضمير في «يعرج» هو للعمل، وصح ذلك لأنه أثر من آثار الأمر ونتيجة من نتائجه فهو مثل:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا

أي: فيكون ضمير «يعرج» عائداً إلى الأمر على أنه بمعنى العمل، والدليل على أن المراد عروج العمل قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10].
الآية 6
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 6} وأن ذلك تدبير عالم الغيب والشهادة والعالم بما تقتضيه الحكمة والمصلحة لعباده.
الآية 7
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ
📝 التفسير:
{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} (1) يعني خلق كل شيء وأحسن وأبدع في خلقه.
{وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ 7} مما يدل على عجيب صنعه وإبداعه في خلقه أن جعل من ذلك التراب الجماد إنساناً سوياً ناطقاً يتحرك ويمشي وذلك آدم عليه السلام، وكل ذلك بعلمه وقدرته وحكمته.
__________
(1) - سؤال: هل تقصدون أن جملة «خلقه» صفة لـ «شيء»؟ أم ماذا؟
الجواب: نعم، ذلك هو المراد.
الآية 8
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
📝 التفسير:
{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ 8} (2) بعد أن خلق آدم من التراب، أخرج نسله من النطفة التي وضعها في حواء، ثم سارت سنة الله سبحانه وتعالى في التوالد والتناسل على هذا المنوال. ومعنى «سلالة»: خلاصة.
_____________
(2) - سؤال: بماذا تعلق الجار والمجرور في قوله: «من ماء»؟
الجواب: تعلق بمحذوف صفة لسلالة.
الآية 9
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} (3) عندما خلق الله آدم على صورة إنسان نفخ فيه الروح فحصلت ودبت الحياة في أعضائه وبدأ يتحرك بقدرة الله تعالى.
{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ 9} (4)يتمنن الله سبحانه وتعالى على جميع خلقه بأنه المنعم عليهم بنعمة السمع والبصر والعقول التي يتمكنون بها من النظر والتفكر وأداء ما يجب عليهم من شكر تلك النعم، ولكن أكثرهم كفر بما أنعم الله سبحانه وتعالى عليه، ولم يشكره على ذلك.

__________
(3) - سؤال: ما السر في إضافة الروح إلى الباري تعالى؟
الجواب: أضيفت الروح إلى الباري تعالى لتعظيمها ومكانتها الرفيعة، والغاية والمراد هو استدعاء شكر الآدميين وطاعتهم لمن أولاهم تلك الكرامة الكريمة والشرف الرفيع بأن نفخ فيه من روحه.
سؤال: هل في هذه الآية تقديم وتأخير؟ فلا تزال تشكل كثيراً، أم لها محمل بعود التسوية والنفخ إلى نسل آدم؟
الجواب: ليس في الآية تقديم وتأخير، وجيء بـ «ثم» هنا لأن ما بعدها أعظم في النعمة على بني آدم مما قبلها وأدخل في المنة عليهم، فالترتيب بـ «ثم» هو الترتيب في فضل النعمة وكبرها لا الترتيب الزمني.
(4) - سؤال: ما يكون محل الجملة المضارعية «تشكرون» بالنسبة لما قبلها إذا كان قوله: «قليلاً» وصفاً لمصدر محذوف؟

الجواب: جملة «تشكرون» مستأنفة لا محل لها من الإعراب، كأنها في جواب سؤال مقدر، أي: فكيف كان شكر بني آدم على ما أولاهم الله من تلك النعم؟ فقيل: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ 9}.
الآية 10
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} يستنكر المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصح أن يعودوا خلقاً جديداً بعد أن أصبحوا تراباً وتفتت عظامهم ونخرت؟ مستبعدين ذلك غاية الاستبعاد. ومعنى «ضللنا»: غبنا وضعنا.
{بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ (1) رَبِّهِمْ كَافِرُونَ 10} وسبب استنكارهم أنهم قد كفروا بالله سبحانه وتعالى وأنكروا البعث والحساب.
__________
(1) - سؤال: ما السر في تقديم الجار والمجرور {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ}؟
الجواب: قدم الجار والمجرور لأنه الباعث على ذمهم، فلم يرد في هذه الجملة أن يذمهم على الكفر، وإنما أراد أن يذمهم على متعلق الكفر {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ}.
الآية 11
قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ 11} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأن الله سبحانه وتعالى قد وكل ملكاً (2) من ملائكته يتولى قبض أرواحهم، ولا بد أن يبعثهم الله سبحانه وتعالى بعد موتهم للحساب والجزاء، ولن ينفعهم إنكارهم وتكذيبهم.
__________
(2) - سؤال: هل يستفاد من الآية أن ملك الموت واحد فقط؟ أم كيف؟
الجواب: نعم، يستفاد منها ذلك وهو أن ملك الموت واحد، ولا مانع من أن يجعل الله تعالى له أعواناً من الملائكة يأتمرون بأمره: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:22].
الآية 12
وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ 12} يقص الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حالة أهل النار عند مبعثهم وقيامهم إلى الحساب والجزاء، وذلك أنه سيظهر على وجوههم عند ذلك الخوف والجزع والذل والخزي، ولو ترى يا محمد أو أيها السامع حين يستغيثون ويصرخون من شدة الخوف والجزع قائلين (1): يا رب الآن قد عرفنا الحق، وأيقَنَّا بصدق وعدك ووعيدك، فهل لنا من رجعة لنتدارك ما فرط منا؟ ولكن حين لا ينفع الندم، ولا الصراخ والدعاء.
__________
(1) - سؤال: هل مرادكم أن قوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} مقول لقول محذوف منصوب على الحال؛ فهل هو كذلك؟
الجواب: نعم، ذلك هو المراد.
الآية 13
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً أشد الحرص على إيمان قومه ودخولهم في الهدى، وقد أجهد نفسه في ملاحقتهم؛ خوفاً عليهم من عذاب الله وسخطه، ولكنهم لم يستجيبوا له أو يؤمنوا له، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه بأن لا يتعب نفسه في ملاحقتهم فلن يؤمنوا أبداً، وأخبره أنه لو أراد أن يلجئهم (2)إلى الإيمان لفعل ذلك، غير أن الحكمة اقتضت أن يكون ذلك موكولاً إلى مشيئتهم واختيارهم؛ ليتم التكليف، فيبتني عليه الثواب والعقاب، وذلك أن الثواب لا يستحق إلا إذا كان على ذلك الوجه من الاختيار، فأما المضطر إلى الفعل فلا يستحق شيئاً من الثواب على فعل ما اضطر إلى فعله، وكذلك العقاب.
{وَلَكِنْ (1)حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 13} اقتضت حكمة الله أن يوكل الناس إلى مشيئتهم واختيارهم، فمن اختار الهدى وطريق الخير فجزاؤه الجنة، وأما من اختار الضلال وطريق الشر فقد أعد الله لهم عذاب جهنم خالدين فيها أبداً؛ لذلك استحق أهل الضلال أن يملأ الله بهم جهنم لكثرتهم.


__________
(2) - سؤال: فضلاً ما الدليل على أن المشيئة هنا في الآية مشيئة إلجاء؟

الجواب: الدليل على ذلك هو معنى: {لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي: بأن يجعل لها هدى في طبيعتها لا تخرج عنه ولا تميل إلى غير الهدى، كما جعل تعالى للحيوانات هدى تهتدي به إلى ما أراده الله منها من استمرار الحياة والتكاثر، والتوقي من المهالك، والدفاع عن أنفسها، والهروب مما يُخاف والتخفي، وطلب الطعام والشراب، ونحو ذلك.

(1) - سؤال: لم نفهم الاستدراك هذا من مدخول «لو» فهل فيه حذف؟ أم كيف؟ لو وضحتموه أجزل الله مثوبتكم.

الجواب: يظهر معنى الاستدراك عند معرفة المعنى المقصود، فالمعنى: ولكن سبق القضاء واقتضت الحكمة بخلق البشر على طبيعة غير طبيعة الحيوانات وهي كما ذكر الله تعالى في قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8} [الشمس]، وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ 10} [البلد]، أي: أن الله تعالى ركب طبيعة هذا الجنس البشري من طبيعتين مختلفتين يسيطر عليهما الإنسان ويتحكم فيهما ويختار أيهما إما طبيعة الخير وإما طبيعة الشر، يميل العقل والحكمة إلى طبيعة الخير ويميل الهوى والشهوة إلى طبيعة الشر، وكلاهما تحت سيطرة الإنسان وعنده الاستطاعة والقدرة على اختيار أيهما شاء، وعلى السير في أيهما شاء، وفطر الله عقله على معرفة الطريقين وحسن الخير وقبح الشر، فهكذا اقتضت حكمة الله، وذلك من أجل أن يجزي الله الذين أحسنوا الاختيار وسلكوا طريق الخير في جنات النعيم، ويجزي الذين أساءوا الاختيار وسلكوا طريق الشر في عذاب النار، وبهذا يتبين معنى الاستدراك، وليس هناك حذف اصطناعي -أي: نحوي- لا يستقيم الكلام إلا به، بل إن الاستدراك مرتب في المعنى على ما ذكرنا، والله أعلم.
الآية 14
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 14} (1) يقال لأهل النار ذوقوا عذاب الحريق بسبب كفركم وتكذيبكم بعذاب الله في اليوم الآخر، فليس لكم في رحمة الله نصيب وذوقوا عذاب الخلد بسبب أعمالكم الخبيثة.
____________
(1) - سؤال: ما مفهوم النسيان الأول؟ وهل الثاني مثله؟ وما نوع البلاغة فيه؟
الجواب: النسيان الأول هو خلاف التذكر، وهذا هو معناه الحقيقي، والنسيان الثاني بمعنى الترك، وسمى الترك نسياناً لوقوعه في صحبته أي: للمشاكلة، أي ليشاكل الثاني الأول في اللفظ، وهذا مما يستظرفه أهل البلاغة.
الآية 15
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ 15} (2) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يصدق بآياته ويؤمن بها إلا أولئك الذين إذا ذَكَّرَهم أحدٌ بالله تعالى خافوا وتذكروا عذابه وسخطه وأذعنوا لأوامره، وخضعوا له وتواضعوا لعظمته وجلاله.
__________
(2) - سؤال: ما إعراب «سجداً»؟ وما معنى الباء في قوله: {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}؟ وهل التسبيح على حقيقته؟
الجواب: «سجداً» حال من فاعل «خروا»، والباء للملابسة والمصاحبة، أي: خروا سجداً حال كونهم متلبسين بحمد ربهم أي: حامدين ربهم. والتسبيح حقيقي؛ إذ لا داعي لإخراجه عن حقيقته.
الآية 16
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
📝 التفسير:
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 16} أراد الله تعالى أنه لا يؤمن بآياته إلا أولئك الذين هذه صفتهم (1)، وهم الذين يهجرون أماكن نومهم لأجل إحياء الليل بعبادة الله تعالى والتضرع بين يديه لينجيهم من عذابه وسخطه، ويحقق طمعهم فيما عنده من الثواب، ويتوسلون إليه بأن يقبل منهم ما يخرجونه إلى فقرائهم من النصيب الذي أوجبه عليهم في أموالهم؛ يخبر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأن هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين سيستجيبون له ويقبلون ما جاء به. ومعنى «تتجافى جنوبهم»: ترتفع عن المراقد.
__________
(1) - سؤال: إذاً فما محل جملة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ}؟ وكذا جملة: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}؟
الجواب: هاتان الجملتان مستأنفتان لتقرير ما تضمنته الآية التي سبقتهما، ويصح أن يكونا حاليتين، وعلى كلا التقديرين فالحصر متناول لهما.
الآية 17
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً (2) بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 17} فلا يستطيع أحد أن يصف ذلك النعيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لأهل هذه الصفة (3).
__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 17}؟
الجواب: «جزاءً» مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة. «بما كانوا يعملون» الجار والمجرور متعلق بجزاءً، و «ما» مصدرية مسبوكة بما بعدها بمصدر أي: بعملهم.
(3) - سؤال: هل المراد من الوصف الذي لا يستطاع معرفة تفاصيله لكون الجملة معروفة في الغالب أم ماذا؟

الجواب: لا يستطاع معرفة تفاصيله لعدم قدرته على معرفة التفاصيل ولو فصلت له، وذلك لأن العقل لا يفهم ما يوصف له حق الفهم إلا إذا كان قد عرف في الدنيا مثل ما يوصف له أو يقاربه، وما أعده الله تعالى في الجنة لا يشبه ما رأيناه وتنعمنا به في الدنيا إلا في الاسم دون الوصف، ألا ترى أن الذي يولد أعمى لا يمكنه أن يعرف ويفهم الألوان أي: كيفيتها وليس في قدرته أن يتصورها كما نتصورها، وهكذا الذي يولد بغير حاسة الشم أو الطعم.
الآية 18
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ 18} (1) أنكر المشركون البعث والجزاء والجنة والنار، وبإنكارهم هذا يستوي عندهم المؤمن والفاسق والظالم والمظلوم والشاكر والكافر؛ لأن الجميع يموتون وينتهي بموتهم كل شيء فاستنكر الله تعالى عليهم ظنهم هذا وعقيدتهم هذه ورد عليهم بأنه لا بد من الجزاء لكل بما يستحقه في الدار الآخرة.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب جملة: «لا يستوون»؟
الجواب: الجملة لا محل لها من الإعراب مستأنفة لتقرير الجملة التي قبلها أي: أنها بمنزلة الجملة المؤكدة، والجملة: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} خبرية في المعنى؛ لأن الاستفهام فيها تقريري.
الآية 19
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا (2) بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 19 وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ 20} فلا (3)بد أن يبعثهم الله تعالى ليجازي كلاً بما عمل، فيثيب المؤمنين على أعمالهم الصالحة، ويعذب أولئك الخارجين عن حدوده المتمردين عليه في جهنم خالدين فيها أبداً جزاءً على تكذيبهم وتمردهم، كلما حاولوا الخروج من العذاب ردتهم الزبانية وأرجعتهم إلى العذاب.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «نزلاً» بالتفصيل؟
الجواب: «نزلاً» مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي سبقته.
(3) - سؤال: هل صح ما يروى في هذه الآيات أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام والوليد بن عقبة؟ وما يترتب على صحة نزولها فيهما؟
الجواب: قد صح ذلك برواية أئمتنا عليهم السلام وغيرهم [1]، أي: أنهما السبب في نزولها؛ لما روي من أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط سَابَّ علياً أمير المؤمنين فقال له: أنا أبسط منك لساناً، وأحد منك سناناً، وأملأ منك للكتيبة، فقال له علي عليه السلام: (اسكت فإنك فاسق) فنزلت الآية. هذا معنى ما روي. ويترتب على ذلك أن علياً أمير المؤمنين مؤمن مستحق لجنات المأوى، وأن الوليد فاسق مأواه النار، ثم إن الآية بعد ذلك تتناول كل مؤمن وكل فاسق.

[1]-[من ذلك ما أورده الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) قال فيه: وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب: أنا أحدُّ منك سناناً، وأنشط منك لساناً، وأملأُ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ 18} يعني بالمؤمن: علياً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار والسدي وعبدالرحمن بن أبي ليلى. اهـ وينظر أيضاً: سير أعلام النبلاء، والاستيعاب، والوافي بالوفيات، وغيرها كثير].
سؤال: كيف يمكننا أن نثبت أن في هذه الآية دليلاً قطعياً على خلود أهل الكبائر في النار ولو كانوا من أهل الشهادتين، وذلك من خلال قواعد أصول الفقه المتفق عليها؟
الجواب: الذين فسقوا هم الذين خرجوا عن أمر ربهم إما بترك ما فرضه عليهم، أو بفعل ما نهاهم عنه، هذا هو المعنى الشرعي للفسق: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50]، وعلى هذا فالمسلم إذا خرج عن طاعة الله بفعل كبيرة داخل في عموم هذه الآية.
الآية 20
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
📝 التفسير:
{أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا (2) بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 19 وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ 20} فلا (3)بد أن يبعثهم الله تعالى ليجازي كلاً بما عمل، فيثيب المؤمنين على أعمالهم الصالحة، ويعذب أولئك الخارجين عن حدوده المتمردين عليه في جهنم خالدين فيها أبداً جزاءً على تكذيبهم وتمردهم، كلما حاولوا الخروج من العذاب ردتهم الزبانية وأرجعتهم إلى العذاب.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «نزلاً» بالتفصيل؟
الجواب: «نزلاً» مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي سبقته.
(3) - سؤال: هل صح ما يروى في هذه الآيات أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام والوليد بن عقبة؟ وما يترتب على صحة نزولها فيهما؟
الجواب: قد صح ذلك برواية أئمتنا عليهم السلام وغيرهم [1]، أي: أنهما السبب في نزولها؛ لما روي من أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط سَابَّ علياً أمير المؤمنين فقال له: أنا أبسط منك لساناً، وأحد منك سناناً، وأملأ منك للكتيبة، فقال له علي عليه السلام: (اسكت فإنك فاسق) فنزلت الآية. هذا معنى ما روي. ويترتب على ذلك أن علياً أمير المؤمنين مؤمن مستحق لجنات المأوى، وأن الوليد فاسق مأواه النار، ثم إن الآية بعد ذلك تتناول كل مؤمن وكل فاسق.

[1]-[من ذلك ما أورده الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) قال فيه: وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب: أنا أحدُّ منك سناناً، وأنشط منك لساناً، وأملأُ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ 18} يعني بالمؤمن: علياً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار والسدي وعبدالرحمن بن أبي ليلى. اهـ وينظر أيضاً: سير أعلام النبلاء، والاستيعاب، والوافي بالوفيات، وغيرها كثير].
سؤال: كيف يمكننا أن نثبت أن في هذه الآية دليلاً قطعياً على خلود أهل الكبائر في النار ولو كانوا من أهل الشهادتين، وذلك من خلال قواعد أصول الفقه المتفق عليها؟
الجواب: الذين فسقوا هم الذين خرجوا عن أمر ربهم إما بترك ما فرضه عليهم، أو بفعل ما نهاهم عنه، هذا هو المعنى الشرعي للفسق: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50]، وعلى هذا فالمسلم إذا خرج عن طاعة الله بفعل كبيرة داخل في عموم هذه الآية.