القرآن الكريم مع التفسير

سورة الجاثية

آية
إجمالي الآيات: 37 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
حم
ℹ️ لا يوجد تفسير مسجل لهذه الآية.
الآية 2
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
📝 التفسير:
{حم 1 تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 2} لا زال الله سبحانه وتعالى يدعو المشركين ويناديهم إليه ويكرر نداءه لهم، ويؤكد لهم مقسماً (1) بأن هذا القرآن الذي جاءهم به نبيهم منزل من عنده تعالى، وأن محمداً لم يأت به من عند نفسه أو يتعلمه من عند أحد.
_______

(1) - سؤال: من أين استفدنا القسم هذا؟ أم أنكم اخترتم في هذا الموضع أن «حم» للقسم؟
الجواب: بنينا هنا على قول بعض المفسرين وهو قول قوي.
الآية 3
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ 3} ثم بعد ذلك يحثهم على النظر والتفكر في الآيات التي بثها لهم في السماوات والأرض، والتي ستسوقهم إلى معرفته، غير أنه لن ينظر ويتفكر فيها إلا المؤمنون المتواضعون لقبول الحق، فهم الذين سينتفعون بها ويعترفون بعظمة بارئها وخالقها، ويذعنون له، ويستسلمون لعظمته وينقادون لما يأمرهم به.
الآية 4
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 4} (2) وخَلْقُكُم أيها الناس فهو آية من آياته الدالة على عظمته وقدرته، وكذلك كل دابة خلقها الله تعالى على وجه الأرض فهي آية ناطقة بإلهيته وقدرته وعلمه وحكمته.

__________
(2) - سؤال: من فضلكم ما السر في توزيع الأوصاف في هذه الثلاث الآيات: «للمؤمنين» «يوقنون» «يعقلون»؟
الجواب: ذكر المؤمنون في الآية الأولى لأنهم الذين ينتفعون بآيات السموات والأرض ويتفكرون في خلقهما ويصلون بألبابهم وجَوْدَةِ نظرهم إلى الحكمة والغاية من خلقهما ثم يتوجهون إلى الله قائلين {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 191} [آل عمران].
وفي الآية الثانية ذكر «يوقنون» لأن من شأن أهل الإيقان أن يتوصلوا بالنظر في خلق أنفسهم وخلق ما بث الله من الدواب على وجه الأرض إلى الإيمان واليقين بالخالق الحكيم العليم، وأنه هو الإله الحق، وأن ما سواه باطل، {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ 58 ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ 59} [الواقعة].
وفي الثالثة ذكر «يعقلون» لأن من شأن العاقل أن يدرك بعقله معرفة الخالق العظيم؛ فالآية الأولى تضمنت ذكر الآيات المبثوثة في السموات والأرض، والتي لا يدرك ما فيها من الدلالة والحكمة إلا المؤمنون، والثانية تضمنت الآيات التي يدرك دلالتها الموقنون وهم أعلى درجة من أهل العقول، فهم ذوو نظر ودراية بكيفية الاستدلال والتوصل إلى النتائج الصحيحة، والثالثة تضمنت الآيات التي من شأنها أن يدرك نتائجها ويفهم مدلولاتها أهل العقول، فمن كان له عقل يدرك ذلك ولا تخفى عليه نتائجها لوضوحها عند العقل.
الآية 5
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
تعالى على وجه الأرض فهي آية ناطقة بإلهيته وقدرته وعلمه وحكمته.
{وَاخْتِلَافِ (1) اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، ودخول أحدهما في الآخر، ففي ذلك آية ناطقة ودلالة واضحة على قوة من أوجدهما، وحكمته وعظمته وعلمه.
{وَمَا (2) أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وإنزال المطر من السماء وإحياء الأرض بالخضرة والنبات بعد اليباس والجفاف آية عظيمة دالة على أن هناك مدبراً دبرها وموجداً أوجدها في غاية الحكمة، فمن الذي أوجد ذلك السحاب بعد أن لم يكن؟ ومن الذي هيأه لحمل قطرات الماء وإمساكها عن السقوط إلا في حينها؟ ومن الذي هيأ الرياح لتسوقه إلى الأماكن البعيدة والمختلفة؟ إذاً فلا بد أن يكون هناك قادر أوجدها في غاية الحكمة ومنتهى الدقة والإتقان، وهو الله رب العالمين.
{وَتَصْرِيفِ (3) الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 5} والرياح آية من آياته الدالة عليه وعلى قدرته، فلا بد أن يكون هناك مصرف يصرفها من شرقية إلى غربية ومن شمالية إلى جنوبية؛ فهي آية واضحة وبينة لمن نظر وتأمل فيها، تسوقه إلى معرفة مبدعها وبارئها ومدبرها.
__________
(1) - سؤال: إن كان الوجه في جر «اختلاف» العطف على «خلقكم» والعامل فيه حرف الجر «في» فسيكون قوله «آيات» في آخر الآية معطوف على «آيات» في الآية السابقة، وهذا يؤدي إلى العطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا ما يمنعه جمهور النحاة فكيف؟
الجواب: قد أجاز الأخفش ذلك، وأباه سيبويه، ويمكن تخريجه على مذهب سيبويه بأنه على إضمار «في»، والذي سهل ذلك تقدم ذكرها. أفاد ذلك الزمخشري.
(2) - سؤال: هل تختارون في «ما» في قوله: «وما أنزل» المصدرية؟ فما وجه ذلك؟ وهل تصح الموصولية أم لا؟
الجواب: الأولى أن تكون «ما» مصدرية للتناسب أي: لأنها معطوفة على مصادر: «خلقكم» «اختلاف»، ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف.
(3) - سؤال: ما وجه جر قوله: «تصريف»؟
الجواب: وجه الجر هو كون «تصريف» معطوفاً على «خلقكم» في قوله: «وفي خلقكم» إما على إضمار «في»؛ لئلا يلزم العطف على معمولين لعاملين مختلفين، وإما بغير إضمار «في» على مذهب الأخفش فإنه يجيز عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين.
الآية 6
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ 6} (1) ثم خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذه الآيات التي تلاها عليه واضحة بينة ظاهرة أمام الناس جميعاً، فإذا لم يتفكر فيها المشركون فما هو الشيء الذي سيتفكرون فيه ويعتبرون به غيرها؟ ومتى سيتفكرون؟ ومتى سيؤمنون؟
وذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرى مواجهة وعياناً أو يعرف بالأبصار، وإنما يعرف ويتوصل إلى معرفته بآياته الدالة عليه؛ لأنه ليس من جنس المرئيات، ولأنه لا يمكن أن يشاهَد إلا ما كان جسماً والله سبحانه وتعالى ليس بجسم.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما محل جملة «نتلوها ... »؟ وما معنى الفاء في قوله: «فبأي حديث»؟ وما إعراب {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ 6} مفصلاً؟
الجواب: «نتلوها» في محل نصب حال، وما قبلها مبتدأ وخبر، أو في محل رفع على أنها خبر «تلك»، وآيات الله: نعت أو بدل من «تلك». والفاء هي الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أي: إن لم يؤمنوا بالله وآياته فبأي حديث .. ، «فبأي» جار ومجرور متعلق بـ «يؤمنون» الذي بعده. «حديث» مضاف إلى اسم الاستفهام. «بعد الله» ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة لحديث أي: كائن بعد حديث الله، «وآياته» معطوف على لفظ الجلالة.
الآية 7
وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
📝 التفسير:
{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 7} ثم توعد الله سبحانه وتعالى المكذبين بأنبيائه ورسله وآياته، وتهدد كل كذاب متقول على الله قول الزور وكل مقترف للمعاصي والكبائر بالويل والعذاب الشديد.
الآية 8
يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا (2) فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 8} ثم وصف الله تعالى الأفاك الأثيم بأنه الذي يسمع آيات الله تعالى تتلى عليه فيستكبر عن سماعها، ويعرض عنها.
__________
(2) - سؤال: فضلاً ما محل جملة «تتلى عليه»؟ وما إعراب «كأن لم يسمعها»؟
الجواب: «تتلى عليه» محلها النصب على الحالية. «كأن لم يسمعها» جملة في محل نصب على الحالية، كأن: حرف تشبيه مخفف، واسمها ضمير الشأن، وجملة لم يسمعها في محل رفع خبر.
الآية 9
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
📝 التفسير:
{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 9 (1) مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ (2) وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 10} ومن صفته أيضاً أنه إذا سمع شيئاً من آيات الله تعالى تتلى وعرفها فإنه يجعلها محل سخريته واستهزائه، فهؤلاء هم أهل وعيد الله سبحانه وتعالى بالعذاب الشديد المهين في نار جهنم؛ ولا ينفعهم ما جمعوه من متاع الدنيا من الأموال والتجارات الواسعة، ولا يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله تعالى يوم القيامة، وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى لا تغني عنهم شيئاً يوم القيامة.
__________
(1) - سؤال: ما الحكمة في إفراد الضمائر أول الآية: «علم» «اتخذها» «فبشره» وجمعها في نهايتها؟
الجواب: أفردت الضمائر أولاً نظراً للفظ «كل» في قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 7} فإن لفظها مفرد فأفردت الضمائر لعودها إلى لفظ مفرد، ثم جمعت أخيراً لأن معنى «كل» جمع فأعيدت الضمائر نظراً لعودها إلى جمع في المعنى، أي: أنه روعي أولاً اللفظ ثم روعي المعنى ثانياً.
(2) - سؤال: وما محل جملة: «من ورائهم جهنم»؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها في جواب سؤال مقدر أي: لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً.
الآية 10
مِّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 9 (1) مِنْ وَرَاءِهِمْ جَهَنَّمُ (2) وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 10} ومن صفته أيضاً أنه إذا سمع شيئاً من آيات الله تعالى تتلى وعرفها فإنه يجعلها محل سخريته واستهزائه، فهؤلاء هم أهل وعيد الله سبحانه وتعالى بالعذاب الشديد المهين في نار جهنم؛ ولا ينفعهم ما جمعوه من متاع الدنيا من الأموال والتجارات الواسعة، ولا يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله تعالى يوم القيامة، وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى لا تغني عنهم شيئاً يوم القيامة.
__________
(1) - سؤال: ما الحكمة في إفراد الضمائر أول الآية: «علم» «اتخذها» «فبشره» وجمعها في نهايتها؟
الجواب: أفردت الضمائر أولاً نظراً للفظ «كل» في قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 7} فإن لفظها مفرد فأفردت الضمائر لعودها إلى لفظ مفرد، ثم جمعت أخيراً لأن معنى «كل» جمع فأعيدت الضمائر نظراً لعودها إلى جمع في المعنى، أي: أنه روعي أولاً اللفظ ثم روعي المعنى ثانياً.
(2) - سؤال: وما محل جملة: «من ورائهم جهنم»؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها في جواب سؤال مقدر أي: لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً.
الآية 11
هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ (3) أَلِيمٌ 11} (4) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذا القرآن الذي أوحاه إليه فيه النور والهدى ليهتدي الناس بهديه، فمن أعرض عن هدى الله وكفر به فله عذاب عظيم في نار جهنم.
___________
(3) - سؤال: فضلاً ما هو الرجز؟ ومم أخذ؟
الجواب: الرجز هو النجس، ومعناهما القذر وهو اسم مرتجل وليس مأخوذاً من مصدر أو فعل.
(4) - سؤال: فضلاً ما الوجه في رفع «أليم» رغم أن «رجز» مجرورة؟
الجواب: رفع «أليم» لأنه صفة لعذاب المرفوع أي: أن العذاب وصف بصفتين: كونه من رجز، وكونه أليم.
الآية 12
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا (5) مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 12} ثم ذكرهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بآية أخرى من آياته العظيمة الدالة عليه فأمرهم أن ينظروا في البحر وما جعل فيه من المنافع لهم، وكيف هيأه وسخره لحمل السفن التي تحملهم وتحمل بضائعهم وأمتعتهم، والتنقل بهم في تجاراتهم والسعي وراء معايشهم وأرزاقهم- يذكرهم الله سبحانه وتعالى بذلك ليتوجهوا إليه بالإيمان والإذعان والشكر.

__________
(5) - سؤال: الظاهر أن الابتغاء من فضل الله تفصيل وفرع عن جريان السفن في البحر فما الوجه في الإتيان باللام والواو دون الفاء في قوله: «ولتبتغوا»؟
الجواب: في آية أخرى: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر:12]، وفي هذه الآية: {لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} وفي أخرى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ 32} [إبراهيم]، وفي أخرى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 46} [الروم]، فاللام في هذه الآيات جميعاً للتعليل والمعنى ظاهر مستقيم فالله تعالى سخر البحر ليبتغوا من فضله بالتجارة والصيد واستخراج اللؤلؤ والمرجان. وقوله: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر:12]، هو بمعنى الآية التي وقع السؤال فيها فقوله: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} بمعنى: {سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} وإنما فصل في هذه الآية ما أجمله في قوله: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ}، فإن الناظر إذا نظر إلى السفن وهي تمخر البحر وتسير على ظهر الماء سبّح الله تعالى الذي سخر البحر ودبره لحمل السفن على ظهره، والذي أرسل الرياح لتسوق السفن وتجري بها على ظهر الماء بلطفه وحكمته.
الآية 13
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ (1) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 13} (2) وكذلك من نعمه العظيمة الدالة عليه تفضيلهم على جميع خلقه حيث سخر جميع مخلوقاته في منافعهم وجعلها كلها مهيأة في مصالحهم، وأي نعمة أكبر من هذه النعمة فينبغي أن يؤدوا حق شكرها بطاعته وفعل ما يرضيه، واجتناب ما يغضبه ويوجب سخطه.
وأخبر أيضاً أن في كل شيء من ذلك آية ناطقة ودالة عليه وعلى ربوبيته وعظمته وقدرته لمن نظر وتفكر فيها.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما فائدة القيد بقوله: «منه»؟
الجواب: الفائدة من ذلك هو التنبيه على أن جميع ما في السموات والأرض هو منه تعالى وحده وأنه هو الذي أوجده وسخره للناس فلعلهم يتنبهون ويتركون عبادة غير الله ويتوجهون إلى عبادته وحده.
(2) - سؤال: هل يمكننا أن نقول: إن هذه الآية أقوى دلالة من آية البقرة: {الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]، على القاعدة التي تقول: إن الأصل في الأشياء الإباحة أم لا؟
الجواب: لم يظهر لي فرق بين الآيتين من حيث الدلالة على القاعدة المذكورة «فخلق لكم» و «سخر لكم» سواء في الدلالة على جواز الانتفاع بما خلقه الله أو بما سخره الله.
الآية 14
قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 14} (1) ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحث المؤمنين على الصبر في كل ما يلقون من الأذى من المشركين، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا يؤاخذوهم بما فعلوا بهم من الأذى، وأن يعفوا ويصفحوا عنهم، وكل ذلك لأجل مصلحة الدين والإسلام، وأن يخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى سوف ينتصف لهم منهم، وينتقم لهم ممن ظلمهم. ومعنى «لايرجون أيام الله»: لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه.
__________
(1) - سؤال: كيف نستوعب أن جزاء الكفار على ما كسبوه علة لصفح المؤمنين عنهم كما هو ظاهر الآية؟
الجواب: المراد بقوله: «ليجزي قوماً» المؤمنون أي: ليجزيهم جزاء عفوهم ومغفرتهم وصبرهم، وجزاؤهم هو بإثابتهم ورفع درجاتهم وبما يرون من عدل الله والإنصاف لهم ممن ظلمهم.
الآية 15
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ 15} فسيثيبكم الله على صبركم أيها المؤمنون، وسيجازيهم على إساءتهم إليكم؛ لأنهم بذلك إنما يسيئون إلى أنفسهم ويجنون عليها.
الآية 16
وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ (2) وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 16 وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ} (3) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد اصطفى بني إسرائيل واختارهم على العالمين جميعاً، وجعلهم حملة العلم والحكمة والنبوة إلى جميع الناس، وجعلهم القدوة والقبلة يهتدي بهديهم ويسير بسيرتهم كل الناس، وقد أسبغ عليهم جميع النعم، وساق إليهم جميع خيرات الدنيا، وبين لهم الدين الحق الذي جاء به خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وأمرهم باتباعه.
{فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ثم إنهم بعد ذلك تفرقوا واختلفوا فيما بينهم، وعصوا وتمردوا واستكبروا في الأرض، وكذبوا بالدين الحق الذي أمروا باتباعه ولم يؤمن به إلا القليل منهم.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 17} ولكن مرجعهم إلى الله تعالى وسيبعثهم إليه يوم القيامة ثم يحكم بينهم فيثيب من تمسك منهم بالحق وثبت عليه، ويعاقب من مال وخرج عن طريقه في نار جهنم.

__________
(2) - سؤال: ما المراد بالحكم هنا هل الحكمة فهل هي جمع لها أم ماذا؟ أم الملك فكيف جمعهما الله في آية آل إبراهيم: {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا 54} [النساء]؟
الجواب: الحكم: الحكمة والفقه كما في الكشاف، فالكلمتان مفردتان والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
(3) - سؤال: ما المراد بـ «بينات من الأمر»؟
الجواب: المراد بذلك أن الله تعالى بين لبني إسرائيل أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسالته وصفاته وآياته وبيناته؛ فلما جاءهم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي بينه الله تعالى لهم كفروا به بغياً وعدواناً وهم يعلمون أنه الرسول الذي بينه الله تعالى لهم وتحققوه ولم يشكوا فيه، وكانوا من قبل مجيئه صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين به ومصدقين له جميعاً لا خلاف بينهم في ذلك، ثم لما جاءهم اختلفوا.
الآية 17
وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ (2) وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 16 وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ} (3) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد اصطفى بني إسرائيل واختارهم على العالمين جميعاً، وجعلهم حملة العلم والحكمة والنبوة إلى جميع الناس، وجعلهم القدوة والقبلة يهتدي بهديهم ويسير بسيرتهم كل الناس، وقد أسبغ عليهم جميع النعم، وساق إليهم جميع خيرات الدنيا، وبين لهم الدين الحق الذي جاء به خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وأمرهم باتباعه.
{فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ثم إنهم بعد ذلك تفرقوا واختلفوا فيما بينهم، وعصوا وتمردوا واستكبروا في الأرض، وكذبوا بالدين الحق الذي أمروا باتباعه ولم يؤمن به إلا القليل منهم.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 17} ولكن مرجعهم إلى الله تعالى وسيبعثهم إليه يوم القيامة ثم يحكم بينهم فيثيب من تمسك منهم بالحق وثبت عليه، ويعاقب من مال وخرج عن طريقه في نار جهنم.

__________
(2) - سؤال: ما المراد بالحكم هنا هل الحكمة فهل هي جمع لها أم ماذا؟ أم الملك فكيف جمعهما الله في آية آل إبراهيم: {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا 54} [النساء]؟
الجواب: الحكم: الحكمة والفقه كما في الكشاف، فالكلمتان مفردتان والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
(3) - سؤال: ما المراد بـ «بينات من الأمر»؟
الجواب: المراد بذلك أن الله تعالى بين لبني إسرائيل أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسالته وصفاته وآياته وبيناته؛ فلما جاءهم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي بينه الله تعالى لهم كفروا به بغياً وعدواناً وهم يعلمون أنه الرسول الذي بينه الله تعالى لهم وتحققوه ولم يشكوا فيه، وكانوا من قبل مجيئه صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين به ومصدقين له جميعاً لا خلاف بينهم في ذلك، ثم لما جاءهم اختلفوا.
الآية 18
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ} (1) ثم بعد أن اختلفوا وتفرقوا فيما بينهم رفع الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك التفضيل وأذلهم وأخزاهم (2)، وجعل نبوته ورسالته في غيرهم، فاصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لنبوته ولتبليغ رسالته.
{فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (3) 18 إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ (4) مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} وأمره بأن يسير على هذه الشريعة التي أنزلها عليه، وأن لا يميل مع أحد من المشركين أو أهل الكتاب، أو يسير في طريقهم ودينهم؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم وما تدعو إليه شهواتهم، وأخبره أنهم لن ينفعوه شيئاً إن هو عصى الله سبحانه وتعالى واتبعهم، ولن يدفعوا عنه شيئاً من عذاب الله تعالى.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ (5) بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 19} فاتركهم يا محمد ولا تدخل معهم أو تخض في أحاديثهم وأباطيلهم أو تتبعهم في شيء من أمور دينهم، فهم جميعاً ظالمون عند الله سبحانه وتعالى تعدوا حدوده وخالفوا شرائعه، والله ناصرك ومؤيدك عليهم فاعتصم به.

__________
(1) - سؤال: ما الذي تفيده «على» في قوله: «على شريعة»؟ وما المراد بالأمر في قوله: «من الأمر»؟
الجواب: «على» تفيد ظهور حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارتفاعها وقوتها، والأمر: هو الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(2) - سؤال: من أين نستوحي هذا؟
الجواب: استوحي ذلك من رفع الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار حجته واستعلائه على كل دين فبذلك اندحرت حجة اليهود وظهر بطلانها وانكشف سترهم وكذبهم فلحقهم بسبب ذلك الخزي والهوان.
(3) - سؤال: ما الذي يستفاد من هذه الآية بالنسبة لنا؟
الجواب: الذي يستفاد هو أن الأمن من مخاوف الدنيا والسلامة من المهالك في الدنيا فضلاً عن مخاوف الآخرة هو في التمسك بالهدى ودين الحق، وأن من دخل مع الظالمين أو داهنهم وقاربهم ليأمن على نفسه من المخاوف في الدنيا فإنه إنما أوقع نفسه في المخاوف والمهالك، وأن الظالمين لا يدفعون عنه شيئاً من مخاوف الدنيا والآخرة {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 19}.
(4) - سؤال: هل يمكن أن نقول بأن هذا التهديد صريح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس من باب: «إياك أعني واسمعي يا جارة»؟
الجواب: الظاهر أنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الأولى صرفه إلى غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في أول الإسلام قبل أن يحتك بأهل الكتاب وقبل أن يشتهر أمره: ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)).

(5) - سؤال: ما معنى: ولاية الظالمين لبعضهم البعض هنا؟
الجواب: المعنى: مناصرة بعضهم لبعض.
الآية 19
إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ} (1) ثم بعد أن اختلفوا وتفرقوا فيما بينهم رفع الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك التفضيل وأذلهم وأخزاهم (2)، وجعل نبوته ورسالته في غيرهم، فاصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لنبوته ولتبليغ رسالته.
{فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (3) 18 إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ (4) مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} وأمره بأن يسير على هذه الشريعة التي أنزلها عليه، وأن لا يميل مع أحد من المشركين أو أهل الكتاب، أو يسير في طريقهم ودينهم؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم وما تدعو إليه شهواتهم، وأخبره أنهم لن ينفعوه شيئاً إن هو عصى الله سبحانه وتعالى واتبعهم، ولن يدفعوا عنه شيئاً من عذاب الله تعالى.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ (5) بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 19} فاتركهم يا محمد ولا تدخل معهم أو تخض في أحاديثهم وأباطيلهم أو تتبعهم في شيء من أمور دينهم، فهم جميعاً ظالمون عند الله سبحانه وتعالى تعدوا حدوده وخالفوا شرائعه، والله ناصرك ومؤيدك عليهم فاعتصم به.

__________
(1) - سؤال: ما الذي تفيده «على» في قوله: «على شريعة»؟ وما المراد بالأمر في قوله: «من الأمر»؟
الجواب: «على» تفيد ظهور حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارتفاعها وقوتها، والأمر: هو الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(2) - سؤال: من أين نستوحي هذا؟
الجواب: استوحي ذلك من رفع الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار حجته واستعلائه على كل دين فبذلك اندحرت حجة اليهود وظهر بطلانها وانكشف سترهم وكذبهم فلحقهم بسبب ذلك الخزي والهوان.
(3) - سؤال: ما الذي يستفاد من هذه الآية بالنسبة لنا؟
الجواب: الذي يستفاد هو أن الأمن من مخاوف الدنيا والسلامة من المهالك في الدنيا فضلاً عن مخاوف الآخرة هو في التمسك بالهدى ودين الحق، وأن من دخل مع الظالمين أو داهنهم وقاربهم ليأمن على نفسه من المخاوف في الدنيا فإنه إنما أوقع نفسه في المخاوف والمهالك، وأن الظالمين لا يدفعون عنه شيئاً من مخاوف الدنيا والآخرة {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 19}.
(4) - سؤال: هل يمكن أن نقول بأن هذا التهديد صريح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس من باب: «إياك أعني واسمعي يا جارة»؟
الجواب: الظاهر أنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الأولى صرفه إلى غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في أول الإسلام قبل أن يحتك بأهل الكتاب وقبل أن يشتهر أمره: ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)).

(5) - سؤال: ما معنى: ولاية الظالمين لبعضهم البعض هنا؟
الجواب: المعنى: مناصرة بعضهم لبعض.
الآية 20
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{هَذَا بَصَائِرُ (2) لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 20} هذا القرآن الذي أوحيناه إليك جعلناه نوراً وهدى للناس ليهتدوا بهديه ويستضيئوا بنوره إلى طريق سعادتهم في الدنيا والآخرة.
_________
(2) - سؤال: ما نوع المجاز في «بصائر»؟ أم أنها حقيقة؟ وضحوا ذلك.
الجواب: هذا تشبيه بليغ فقد شبه القرآن بالبصائر التي في القلوب.