القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأعراف

آية
إجمالي الآيات: 206 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
المص‌
📝 التفسير:
بسم الله
{المص 1} جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأحرف المقطعة في أول السورة ليلفت أسماع المشركين إليها، ولأجل أن يتساءلوا ما هذا الكلام الغريب الذي نسمعه، مما يجعلهم يستمعون له، ويصغون له آذانهم (1).
VV
__________
(1) -سؤال: هل تريدون أن بقية الأقوال غير محتملة هنا في {المص 1} أم كيف؟
الجواب: الافتتاح بهذه الحروف المقطعة يستدعي الاستغراب والإصغاء والتساؤل على أي وجه فسرت.
الآية 2
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} (2) سمى الله سبحانه وتعالى هذه السورة كتاباً.
{فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} (3) فلا تضق نفسك يا محمد بالقرآن ذرعاً؛ وكان تبليغ الرسالة وتلاوة القرآن على المشركين مع تكبرهم وإعراضهم عنه قد شق عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر ولا يضيق صدره، ويستمر في تبليغ رسالة ربه.
{لِتُنذِرَ بِهِ} لأجل أن تنذر به المشركين.
{وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ 2} ولتذكر بآياته المؤمنين.
__________

(2) -سؤال: ما إعراب قوله: {كِتَابٌ}؟
الجواب: «كتاب» خبر لـ «المص»، ويحتمل أن يعرب ذلك على غير هذا الإعراب.
(3) -سؤال: ما معنى «من» في قوله: {منه}؟
الجواب: معناها معنى الباء أي: بسببه، والجار والمجرور «منه» متعلق بمحذوف صفة لخرج.
الآية 3
اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر المشركين أن يتبعوا القرآن. {وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} لا تتبعوا أرباباً غير الله سبحانه وتعالى. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ 3} (1) لم ترض قريش أن تتذكر، وإنما عاندت واستمرت على عنادها وإعراضها.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ 3}؟
الجواب: «قليلاً» صفة لمصدر محذوف أي: تذكراً قليلاً، وناصبه: «تذكرون»، و «ما» صلة مؤكدة للقلة «قليلاً» ويحتمل أن قليلاً صفة لزمان محذوف فتكون قليلاً منصوبة على الظرفية لتذكرون.
الآية 4
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ
📝 التفسير:
{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} (2) يخبر الله سبحانه وتعالى قريشاً بأنه كم من قرية قد أهلكها؛ لأجل تكذيبهم بأنبيائهم وتمردهم عليهم، وقص الله سبحانه وتعالى هذا عليهم ليعتبروا وليحذروا أن يحل بهم عذاب الله كما حل بمن قبلهم من أهل القرى.
{فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ 4} (3) أتاها عذاب الله سبحانه وتعالى في الليل وهم نائمون، أوفي وقت قيلولتهم وراحتهم، وهو وقت الظهر عند عودتهم للراحة من حر الشمس.
__________

(2) -سؤال: هل «كم» في الآية خبريةٌ؟ وما محلها؟ وأين تمييزها؟
الجواب: «كم» خبريةٌ في محل رفع مبتدأ، و {مِّن قَرْيَةٍ} تمييزها في محل نصب.
(3) -سؤال: فضلاً ما إعراب {بَيَاتاً}؟ وما محل جملة {هُمْ قَآئِلُونَ 4}؟
الجواب: «بياتاً» يجوز أن يكون ظرفاً باعتبار المعنى «ليلاً» وأن يكون مصدراً في موضع الحال أي: بائتين. و «هم قائلون» في محل نصب على الحالية.
الآية 5
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ (4)
إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ 5} عند نزول العذاب بأهل القرى الذين كذبوا بأنبيائهم ينادون بويلهم، ويعترفون بظلمهم، ويتندمون على ما قدموا من كفر وعناد وتكذيب واستهزاء.

__________

(4) -سؤال: ما الوجه في التعبير عن الدعاء بالدعوى؟

الجواب: الدعوى المذكورة هي دعواهم ما كانوا عليه من الدين فقد كانوا يدعون أنهم على الدين الحق، يؤيد ذلك آخر الآية: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ 5}.
الآية 6
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
📝 التفسير:
{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ 6} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه يوم القيامة سيسأل الأمم الذين أرسل إليهم رسله: هل صدقوا رسله أم كذبوهم؟ وماذا فعلوا معهم؟ وكيف عاملوهم؟ وسيسألهم الله سبحانه وتعالى أسئلة دقيقة، وكذلك سيسأل الأنبياء الذين أرسلهم
__________
(1) -سؤال: يقال: لماذا حذف المسؤول عنه؟ هل لإفادة التعميم أم لماذا؟
الجواب: حذف ذلك لوجود القرينة وهي ذكر الرسل والمرسل إليهم، فإن ذلك قرينة على أن السؤال هو عن رسالة الله هل بلغها رسل الله إلى المرسل إليهم، وهل قبلوها أم رفضوها، وإلى آخر ما يتعلق بالرسالة.
إليهم: هل بلغتموهم، وكررتم عليهم التبليغ؟
الآية 7
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ
📝 التفسير:
{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ 7} وسيخبر الله سبحانه وتعالى الأمم والرسل بما فعل كل واحد منهم؛ لأنه مطلع عليهم بعلمه.
الآية 8
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} (2) حسابٌ دقيقٌ، كل امرئ على قدر عمله من الثواب والعقاب {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف 49].
{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 8} (3)
الذي عمل الأعمال الصالحة في الدنيا، واستغرق عمره في طاعة الله سبحانه وتعالى وذكره؛ فهذا هو المفلح.
__________

(2) -سؤال: من أين استدل أصحابنا على أن الميزان عبارة عن إقامة العدل؟
الجواب: يستدل أصحابنا بأن أعمال العباد أعراض لا توزن لذاتها، ولا توصف بالثقل والخفة لذاتها، والوزن إنما يكون لما يوصف بالثقل والخفة، وبأن الله تعالى غير محتاج لآلة وزن لمعرفة مقادير الأعمال ولا يحتاج للآلة إلا المخلوق.
(3) -سؤال: ما الوجه في التعبير عن الأعمال الصالحة بثقل الموازين؟ وعن الأعمال السيئة بخفة الموازين؟

الجواب: عبر الله تعالى هاهنا عما ذكر بطريق الكناية لأنها أبلغ من الحقيقة وأدل على المعنى المراد من حيث أن الكناية تفيد المعنى ودليله.
الآية 9
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ
📝 التفسير:
{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ 9} والذي ضيع عمره في المعاصي واتباع الأهواء والشهوات فهذا قد خسر نفسه في الآخرة، وسيدخل النار بسبب أعماله هذه.
ولا ميزان في الحقيقة (1)، وإنما عبر الله سبحانه وتعالى به؛ لأنه لما كان حسابه في منتهى الدقة، ولا يضيع عنده شيء مما عمله المرء في الدنيا، ومطلع على كل صغير وكبير، لا ينقص من عمل أحد مثقال ذرة- عبر حينئذٍ بالميزان ليصور لنا دقة الحساب ومنتهى العدل (2).
__________
(1) -سؤال: وهل يلزم محذور من القول بالميزان الحقيقي، ويكون في علم الله، لا على ما وصف في روايات الحشوية، وما قالوه من العبث ينتفي بأن يكون فيه حكمة ومصلحة غير إحصاء الأعمال، كأن يكون فيه لطف للعباد في أن يدققوا في أعمالهم إذا علموا بالوزن الأخروي، وتماماً مثل شهادة الأعضاء والجوارح؟
الجواب: لا مانع من أن يظهر الله تعالى مقادير الأعمال يوم الحساب ليراها أهلها؛ لما في ذلك من إظهار العدل الإلهي، وحتى يعلم العاملون خيراً أو شراً أن الله تعالى لم يظلمهم مثقال ذرة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8} [الزلزلة]، بل إن ذلك هو المفروض وقوعه، وفي هذا لطف ومصلحة، بغض النظر عن الطريقة التي تنكشف عن طريقها مقادير الأعمال لأهل الموقف، والله على كل شيء قدير فقد تكون شهادة الأعضاء والجوارح يوم القيامة بإحضار صور العصاة وهم يعملون المعاصي على وجه أكمل مما يرى اليوم على الشاشات الحية، والله تعالى قادر على أن يري أهل الموقف مقادير الأعمال فيرونها بأعينهم ويعلمون المقادير عن طريق لا نعلمها تسمى موازين والله أعلم.
(2) -سؤال: ما هي النكتة البلاغة في هذا؟

الجواب: النكتة البلاغية هي تصوير المعاني الدقيقة بالمتصَوَّر المحسوس.
الآية 10
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} قد مكنا لكم أيها المشركون في الأرض وجعلنا لكم فيها سلطة.
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} (1) أسبغنا عليكم النعم، وبسطنا لكم في الأرزاق.
{قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ 10} (2) ولكنكم لم تشكروا الله سبحانه وتعالى عليها، وكفرتم وتمردتم عليه.
__________
(1) -سؤال: ما نوع اسمية: {مَعَايِشَ}؟ ومن أين أخذ أصلها؟
الجواب: «معايش» جمع معيشة وهي مأخوذة من العيش والياء أصلية.
(2) -سؤال: يقال: ظاهر الإعراب في {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ 10} أنه أثبت لهم الشكر القليل، فكيف؟
الجواب: يمكن أن يقال: إن الشكر القليل الذي يفيده ظاهر الآية هو اعتراف المشركين بأن الله تعالى هو الذي خلقهم وخلق السموات والأرض الذي حكاه الله تعالى في قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... } [لقمان:25]، ونحو ذلك مما يعترفون به عند السؤال، والاعتراف بمثل ذلك شكر.
الآية 11
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ (3) ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ 11} (4)
أخبر الله سبحانه وتعالى المشركين بأنه قد كرمهم في الدنيا، ورفع من أقدارهم، ونَوَّه بشرفهم بأنه قد خلقهم في أحسن الصور، وجعلهم مشرفين من بين سائر الخلق، وأمر الملائكة بالسجود لآدم أبيكم، وكفى بهذا تعظيماً، فلماذا تتمردون على ربكم، ولا تشكرونه؟
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن شأن إبليس حين استكبر عن السجود لآدم وقال: كيف أسجد لبشر- ألم يعلم بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمره بالسجود؟ وليس آدم هو الذي أمره، فالمفروض أن يمتثل لأمر الله سبحانه وتعالى، فلماذا استكبر عن أمر الله سبحانه وتعالى؟

__________

(3) - سؤال: المعلوم أن التصوير من جملة الخلق، فلماذا عطفه عليه بـ «ثم» المفيدة للتراخي؟ وما الوجه في العطف بها في قوله: {ثُمَّ قُلْنَا}؟
الجواب: خلق الله تعالى آدم طيناً غير مصور ثم صوره، فـ «ثم» على بابها، و {ثُمَّ قُلْنَا} تفيد «ثم» تراخي الفضل والكرامة أي أن فضل كرامة الله تعالى لآدم بسجود الملائكة أعظم من كرامته له بالخلق والتصوير.
(4) - سؤال: يقال: من المعلوم أنه قد استفيد عدم سجود إبليس من الاستثناء فما فائدة قوله: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ 11}؟ وما إعرابه؟

الجواب: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ 11} معناها مثل معنى قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50]، والجن ليسوا من الساجدين «الملائكة»، وتعرب: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ 11} استئنافية لبيان العلة في عدم سجوده.
(1) - سؤال: كيف سيكون نظم الآية مع تأويل المصدر: {أَلاَّ تَسْجُدَ} موافقاً لبلاغة القرآن؟
الجواب: قد قالوا: إن «لا» زائدة، وعلى هذا فيقدر: ما منعك من السجود، ودليل ذلك قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75].
سؤال: ما إعراب «إذ» في قوله: {إِذْ أَمَرْتُكَ}؟
الجواب: تعرب «إذ» ظرفاً لما مضى من الزمان، أي: حين أمرتك بالسجود لآدم.
الآية 12
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
📝 التفسير:
{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} أنا أفضل من آدم. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ 12} والنار أشرف من التراب.
تعزز إبليس واستكبر عن السجود، وتكبره هذا يعتبر تكبراً على الله سبحانه وتعالى وليس على آدم، فالمفروض أن يتواضع لله سبحانه وتعالى ويطيعه، ولا يتكبر عن الامتثال لأمر ربه.
الآية 13
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} (1)
اخْرُج من الجنة، {فَمَا يَكُونُ (2) لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ 13} ما ينبغي أن تمكث فيها وأنت متكبر على الله سبحانه وتعالى، ومتمرد عليه.
والجنة (3) هذه هي بستان كبير من بساتين الأرض، خلق الله سبحانه وتعالى فيه أنواع الثمار، وأظن أنها كانت في الهند، وقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم فيها، وأمره أن يمكث ويتنعم فيها، ولكن بشرط ألا يطيع إبليس، وأن يحذر منه؛ لأنه إن أطاعه سيخسر، وقد أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود لآدم في هذه الجنة؛ فعندما استكبر إبليس طرده الله سبحانه وتعالى منها، وصغره وحقره، فهذا جزاؤه عندما تكبر، والجزاء من جنس العمل.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا السجود امتحاناً واختباراً للملائكة وإبليس، وجعل آدم عليه السلام قبلة لهم يتوجهون بسجودهم إليه، لا أن يقصدوا بسجودهم له؛ لأنه لا ينبغي السجود إلا لله سبحانه وتعالى وحده.

__________

(1) -سؤال: هل قد سبق لضمير الجنة ذكر؟ وما الوجه في الإضمار؟

الجواب: قد سبق ذكرها ضمناً من حيث أن خلق آدم وتصويره وأمر إبليس بالسجود له كان في الجنة، والوجه في الإضمار شهرة ما ذكرنا من أن خلق آدم وتصويره وأمر إبليس بالسجود كان في الجنة.

(2) -سؤال: هل كان في قوله: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} تامة أو ناقصة؟
الجواب: «يكون» فعل مضارع تام أي: ما ينبغي أو ما يصح، و «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل «يكون».
(3) -سؤال: وهل يصح أن نجعلها الجنة الموعود بها؟ وإذا كان المانع لزوم فنائها فكيف بجنة المأوى المتفق على وجودها؟
الجواب: جنة المأوى متفق على وجودها، ولا يلزم من فنائها العبث؛ لأنه قد حصل المقصود من خلقها، فقد جعلها الله تعالى مأوى لأرواح عباده الصالحين.
الآية 14
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
📝 التفسير:
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 14} طلب إبليس من الله سبحانه وتعالى أن يمهله إلى يوم القيامة.
الآية 15
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ 15} (3)
أجاب الله سبحانه وتعالى إبليس فيما طلبه وسيمهله، وهذا الإمهال له وحده، وليس لجميع جنس الشياطين.
__________

(3) -سؤال: هل لإنظاره علة؟

الجواب: أنظره الله تعالى لما في إنظاره من التكليف والابتلاء وزيادة المشاق على المكلفين فيما كلفوا به، وذلك أن الثواب العظيم والعذاب الشديد مترتبان على التكاليف الشاقة على المكلفين.
الآية 16
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
📝 التفسير:
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي (1) لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ (2) الْمُسْتَقِيمَ 16} قال إبليس: سأقابل حكمك علي بالضلال والغواية بإغواء ذرية آدم وسأقعد على طريق الحق وأزين لهم الخروج منها إلى طريق الضلال.
__________
(1) - سؤال: هل يصح لنا أن نقول: إن إبليس نسب إغواءه إلى الله؟
الجواب: سياق القصة يفيد أن {أَغْوَيْتَنِي} بمعنى: حكمت بغوايتي وبتجريمي، ولم يرد إبليس أن الله تعالى أدخله في الغواية كما تقوله المجبرة. فسياقها أن إبليس امتنع من السجود معتقداً أن له حجة وعذراً يعذره الله به: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ 76} [ص]، فلما رأى أن حجته وعذره لم يخلصه عند الله بل طرده الله تعالى وصغّره بعد أن بين حجته وعذره قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} ولو كان إبليس يعتقد مذهب الجبر لما قال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 16 ثُمَّ ... } فكما ترى فإن قوله هذا يدل على أن إبليس أقسم على نفسه أنه سيضل بني آدم عن الصراط المستقيم «دين الحق والهدى»، ولو كان يعتقد الجبر لما قال ذلك.
(2) -سؤال: ما إعراب: {صِرَاطَكَ}؟
الجواب: منصوب على نزع الخافض أو على الظرفية.
الآية 17
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ (3) وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ (4)
تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ 17} سأقف لهم بالمرصاد في هذه الطريق، وسأدخل عليهم من جميع المداخل: من اليمين ومن الشمال، ومن خلف ومن قدام، وكل مدخل أجده سأدخل عليهم منه لأصرفهم عن الهدى، وأجرهم إلى الضلال والهلاك.
__________

(3) - سؤال: هل المراد بقوله: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ... } التعبير عن كثرة أسباب الوسوسة للشيطان أو ماذا؟
الجواب: المراد كثرة الطرق والوسائل التي يأتيهم منها بوساوسه الخبيثة.
(4) - سؤال: علام عطفت الجملة: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ 17}؟ ومن أين عرف إبليس ذلك إذا كانت من كلامه؟

الجواب: عطفت الجملة على جملة: {لآتِيَنَّهُم} التي هي جواب القسم. وعرف إبليس ذلك من تجربته مع آدم فظن بسبب ذلك أنه يقدر على إضلال ذريته بالأولى؛ لأن آدم رسول ونبي، وذريته ليسوا كذلك.
الآية 18
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً} اخْرُج من الجنة مطروداً ملعوناً، هذا معنى مدحوراً، ومعنى مذؤوماً: مذموماً، وهو مِنْ «ذأمه» إذا ذمه.
{لَّمَن (1) تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ 18} ومن تبعك فسأدخله معك جهنم.
__________
(1) -سؤال: ما هي اللام الداخلة على «من» في قوله: {لَّمَن تَبِعَكَ}؟
الجواب: هي لام التوطئة، وقوله: {لأَمْلأنَّ} جواب القسم الذي آذنت به لام التوطئة.
الآية 19
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} أمر الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام بعدما طرد إبليس أن يسكن في الجنة.
{فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ 19} (2) وكلا من حيث شئتما من أثمار الجنة وعَيَّنَ الله تعالى لهما شجرة وحذرهما من الأكل منها وأخبرهما أن الأكل منها معصية، وكان منع الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام وزوجته- امتحاناً منه واختباراً وابتلاءً.
(2) -سؤال: هل في الآية دليل على أن من خالف أمر الله يصير ظالماً لمخالفته أمره؟
الجواب: فيها دليل واضح على أن مخالفة أمر الله ظلم، وأن مخالف أمر الله أو نهيه يسمى ظالماً.
الآية 20
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ
📝 التفسير:
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا} وكانت هذه أول تجربة لإبليس لعنه الله في الوسوسة والإغواء، فانخدع آدم عليه السلام وزوجته بوسوسته؛ لأنهم لم يجربوا وسوسَتَه، وكانت أول مرةٍ، ووسوسته هذه لأجل أن يظهر قبائحهما من المعاصي والأخطاء.
{وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ 20} قال لهما إبليس في وسوسته: إن الله لم ينهكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا من الملائكة، ولئلا تكونا من الخالدين.