القرآن الكريم مع التفسير

سورة التوبة

آية
إجمالي الآيات: 129 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
📝 التفسير:
سورة التوبة
{بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ 1} (2)أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعلن في الناس نقض العهد الذي بينه وبين المشركين وأن الله تعالى بريء ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من كل عهد وذمة بين المشركين وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

__________
(1) -سؤال: هل المراد من بعد الهجرة، ففيه دليل على أن بعض مسلمة الفتح حسن إسلامهم فما رأيكم؟
الجواب: ليس المراد أنهم هاجروا من بعد الهجرة، وإنما المراد الذين آمنوا ولم يهاجروا ثم من بعد قعودهم عن الهجرة هاجروا وجاهدوا. وقد حسن إسلام بعضهم وهم قلة مثل العباس بن عبدالمطلب وعقيل بن أبي طالب وغيرهما من بني هاشم وربما بعض خزاعة والله أعلم، وما ورد في القرآن من أنهم لا يؤمنون (أهل مكة) فالمراد أكثرهم، والسواد الأعظم منهم.
(2) -سؤال: ما إعراب قوله: {بَرَاءةٌ}؟ وما وجه حذف البسملة من أول هذه السورة؟

الجواب: «براءة» خبر لمبتدأ محذوف أي: هذه براءة. وسورة براءة (التوبة) سورة غضب وآياتها لابسة لامة الحرب، ومتقلدة سيف الغضب على المشركين الناقضي للعهود والمواثيق الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وليس من المناسب أن تصدر هذه الآيات الغاضبة بالبسملة لما فيها من ذكر عظيم رحمة الله بعباده، وكثرة نعمه عليهم.
الآية 2
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} (1) وأمهلهم أربعة أشهر، يسيرون في الأرض، ويتنقلون فيها آمنين، فإذا انقضت الأربعة الأشهر فالله بريء منكم ورسوله، وقد كانت هذه البراءة بعد فتح مكة.
{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ 2} أخبرهم يا محمد أنهم لن يستطيعوا الفرار من الله سبحانه وتعالى، فهو متمكن منهم أينما ذهبوا.
{وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} والمراد به أن يعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه البراءة بين الناس يوم الحج الأكبر (يوم العيد) في منى؛ لأن الناس يكونون فيه مجتمعين، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يعلن في هذا اليوم بانقطاع العهد الذي بينه وبين المشركين.
__________
(1) -سؤال: ما هي الأربعة الأشهر بالتعيين؟ وهل هي الأشهر الحرم فأكثر الناس يفهم هذا؟
الجواب: كان إعلان البراءة يوم العاشر من ذي الحجة (يوم الحج الأكبر) وبناءً على ذلك فهي بقية شهر ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الثاني، فبعضها كما ترى من الأشهر الحرم وبعضها ليس من الأشهر الحرم.
الآية 3
وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ} أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحج بهذا الكلام وهو: إن تبتم أيها المشركون كان هذا أسلم لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم قد عرضتم أنفسكم للهلاك، ولن تعجزوا الله سبحانه وتعالى بالفرار منه.
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 3} وهذا من جملة ما أعلن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نص البراءة (1).
__________
(1) -سؤال: يقال: الذي نصت عليه الأخبار الصحيحة أن نص البراءة التي بلغها علي عليه السلام: «ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» وفي بعضها زيادة: «وأن كل عهد منقوض» ولم يحفظ أنه بلغ نص الآيات، فكيف؟
الجواب: قد فعل علي عليه السلام المقصود الذي هو الإعلام بانتقاض العهد، وإعلان الحرب وإمهال المشركين أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما أرادوا من الأرض آمنين، وقد روي في المصابيح نقلاً عن البرهان للإمام أبي الفتح الديلمي وعن الإمام الناصر بن الهادي تبليغ علي عليه السلام لسورة براءة وأنه قرأ صدر السورة إلى الآية التاسعة، وأيضاً روي في تفسير ابن كثير نقلاً عن البخاري من كلام أبي هريرة: فأذّن معنا علي في أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، والمعلوم من الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل علياً عليه السلام بسورة براءة ليقرأها في الحجاج، فلعل الرواة لم يذكروا قراءته لها للعلم بذلك، فمن المستبعد غاية البعد أن يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً بسورة براءة ثم لا يقرأها عليه السلام على الناس كما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أن بعض الرواة اكتفى الرواة برواية ما بلغه علي عليه السلام يوم الحج الأكبر مما سوى صدر سورة براءة؛ تأكيداً لما قرأه عليهم وتقريراً له، وبياناً وشرحاً لما قد يغمض عليهم أو على بعضهم.
الآية 4
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} (2) استثنى الله سبحانه وتعالى منهم الذين يوفون معكم بعهودهم، ولم ينقضوا لكم عهداً.{وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً} لم ينصروا أحدا عليكم {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ 4} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ألا يتبرأ من هؤلاء الذين عاهدوا ووفوا بعهودهم، وأن يفي بعهودهم إلى أن تنقضي المدة المحددة لذلك المذكورة في بنود العهد التي قد كتبتموها، وأما البراءة فليست إلا من أولئك الذين هم أهل غدر وخيانة.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث أمير المؤمنين عليه السلام بهذه البراءة لمصلحة في ذلك؛ لأنه إذا كان كبير القوم أو مبعوثه المقرب إليه هو الذي أعلن نقض العهد أخذه السامعون مأخذ الجد.
__________
(2) -سؤال: ما وجه التعبير عن النقض بالنقص بالصاد المهملة؟
الجواب: المراد: لم ينقصوكم شيئاً من بنود العهد وشروطه أي: أنهم أوفوا بما التزموا به من العهد وبنوده وشروطه من غير أن ينقصوا شيئاً من ذلك فكان -لذلك- التعبير بالنقص بالصاد أنسب وأليق.
الآية 5
فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} وهي الأربعة الأشهر التي قد أمهلهم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسميت بالحرم لحرمة العهد؛ فإذا انتهت هذه المدة {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فقد أباح الله سبحانه وتعالى للمسلمين قتلهم وأسرهم، وضرب الحصار عليهم، والترصد لهم في كل طريق (1).
{فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 5} فقد أصبحوا إخواناً لكم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
__________
(1) -سؤال: هل المراد بهم المشركون جميعاً أم الذين أذن بنقض عهودهم؟
الجواب: المراد بهم المشركون الذين ذكروا في أول السورة {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ 1}، فاللام هنا للعهد، وليست للعموم بدلالة السياق.
الآية 6
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ 6} إذا استجار بك أحد من المشركين يا محمد، وطلب الأمان منك أو من أحد المسلمين فأمِّنْه ثم أسمعه كلام الله سبحانه وتعالى، فإن هو قبل وآمن وإلا فاردده إلى حيث يأمن، وكذلك لو أجاره واحد من المسلمين كائناً من كان ولو امرأة أو عبداً ولو بإشارة تدل على ذلك- فقد حرم قتله وحقن دمه، ووجب على المسلمين جميعا أن يؤمنوه، ثم يسمعوه كلام الله؛ فإن هو آمن وإلا فالواجب أن يردوه إلى المكان الذي يصير آمنا فيه.
الآية 7
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{كَيْفَ (1) يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} فهم أهل غدر وخيانة ولن يوفوكم بعهد أيها المسلمون أو ذمة.
{إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إلا قبيلة (2) من المشركين كانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المسجد الحرام؛ فليسوا من أهل الخيانة، وهم أهل وفاء، فأتموا لهم العهد الذي بينكم وبينهم، وأما بقية المشركين فلن يوفوا لكم بعهد أبداً، فألغوا ما بينكم من العهود، وليكن ذلك على مسمع أكثر الناس، وذلك عند اجتماعهم في منى يوم الحج الأكبر، وقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليا عليه السلام ينادي بهذه البراءة التي هي فسخ العهود التي بينه وبين المشركين.
{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} (3)
فما داموا لم ينقضوا لكم عهداً واستمروا على الوفاء- فاثبتوا على العهد والصلح الذي بينكم وبينهم ما داموا كذلك.
{إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ 7} إن الله يحب الذين يتقون الخيانة والغدر، ونقض العهود.
__________
(1) -سؤال: ما المراد بالاستفهام في الآية؟
الجواب: المراد بالاستفهام الاستنكار والاستبعاد والتعجب.
(2) -سؤال: هل عينت هذه القبيلة باسمها فمن هي؟
الجواب: ذكر أنهم بنو كنانة، وقيل: بنو ضمرة، وقيل: خزاعة.
(3) -سؤال: ما إعراب: {فَمَا اسْتَقَامُوا}؟
الجواب: في إعراب «ما» وجوه:
1 - ... أن تكون مصدرية ظرفية (مدية دوامية) أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

2 - ... أن تكون اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية، والتقدير: أي وقت استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم فيه، أو في محل رفع مبتدأ أي: أن في إعرابها وجهين في حال كونها اسم شرط جازم.
الآية 8
كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} (1) كيف يكون للمشركين عهد، وهم أهل غدر وخيانة فلو أنهم تمكنوا منكم، وصارت لهم قوة يستعينون بها عليكم- فلن يراعوا فيكم أي قرابة ولا رحم ولا أي عهد، ولقتلوكم واستأصلوكم وأبادوكم.
{يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ (2) وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} يرضونكم في ظاهر الأمر، وأما قلوبهم فهي تغلي عليكم أيها المسلمون، وهي مليئة بالحقد والغل، ولو وجدوا أي مدخل يدخلون به عليكم لأبادوكم واستأصلوكم.
{وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ 8} لا يراعون الحدود التي تراعى عند المشركين كالوفاء والصدق وعدم نقض العهود.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب {كَيْفَ} في الآية؟ وما إعراب الجملة: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا ... }؟ ولِمَ لم تدخل الفاء في الجواب؟
الجواب: «كيف» في هذه الآية تكرار لقوله: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ}، وحذف الفعل لكونه معلوماً مما سبق. {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} الواو واو الحال، «إن» أداة شرط جازم، «يظهروا» مضارع مجزوم، والواو فاعل، «عليكم» متعلق بيظهروا، «لا» نافية، «يرقبوا» مضارع مجزوم جواب «إن» الشرطية، والواو فاعل. ولم تدخل الفاء هنا لصلوح «لا يرقبوا» لأن يقع بعد «إن» الشرطية.
(2) -سؤال: ما محل جملة: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ}؟
الجواب: جملة «يرضونكم» مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
الآية 9
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 9} ترك المشركون الإيمان بالله سبحانه وتعالى والتصديق بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وآيات كتابه، وآثروا الثمن القليل الذي هو متاع الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يظنون أنهم لو آمنوا وصدقوا لفاتت عليهم مصالحهم في الدنيا من الزعامة والوجاهة والثراء، فهذا هو المراد بالاشتراء.
{فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} منعوا الناس عن الإيمان فمن أراد أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسمع منه- حذروه وهددوه.
{إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 9} (1) فهم بعملهم هذا قد سلكوا طريق الباطل وطريق إبليس.
__________
(1) -سؤال: كيف أخبر عن اسم «إن» بقوله: {سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 9}؟
الجواب: لا مانع من وقوع الإنشاء خبراً للمبتدأ ونحوه، نحو: زيد أبو من؟ وصاحب من؟ وهذا مع أن الإنشاء في هذه الآية مؤول أي: أنهم مذمومة أعمالهم أو مذمومون.
الآية 10
لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
📝 التفسير:
{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ 10} إذا تمكنوا من المؤمن ورأوا مدخلاً عليه- فلا يراعون فيه لا قرابة ولا عهداً؛ لأن طبيعتهم العدوان.
يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عن السبب والعلة والمبررات التي تدعوا إلى نقض العهود والمواثيق بينهم وبين المسلمين، وهي عدم مراعاة القرابة والعهد في أي مؤمن، وكذلك طبيعتهم التي انطبعوا عليها وهي العدوان على المؤمنين وعلى غيرهم.
الآية 11
فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 11} فإن تابوا ورجعوا إلى الله سبحانه وتعالى وعملوا الأعمال الصالحة فهم من جملتكم أيها المؤمنون لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم.
الآية 12
وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ 12} (1) إذا نقض العهود أولئك الذين قد عاهدوا العهود وأبرموها وحلفوا عليها- فقد أبيح لكم أيها المسلمون قتلهم وقتالهم، فما داموا قد نكثوا فلا وفاء لهم، فقاتلوهم حتى لا يعودوا إلى نقض أي عهد مرة ثانية.
__________
(1) -سؤال: ما هو الطعن في الدين؟ وما وجه إظهار: {أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} بدلاً عن الإضمار: فقاتلوهم؟
الجواب: الطعن في الدين هو عيبه والقدح فيه، وإشاعة الشبه وترويجها ونحو ذلك؛ فالطعن هنا هو بالقول. وعبر بقوله: «أئمة الكفر» بدلاً عن الضمير لذمهم، وليستدعي المؤمنين إلى الجد في قتالهم والاندفاع إلى قتلهم.
الآية 13
أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} يحث الله سبحانه وتعالى المسلمين على قتال الذين ينكثون عهودهم.
ومعنى الاستفهام (2): الاستنكار عليهم في عدم مقاتلتهم للمشركين، كأن المسلمين كانوا متقاعسين عن مقاتلتهم.
{وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} وقد سبق منهم سوابق ومنها أنهم هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكة أو قتله، لولا أنه هرب وهاجر من بين أيديهم.
{وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (3) فقاتلوهم لأنهم قد بدأوا قتالكم من قبل، وذلك أن قريشاً قد خرجت في بدر إلى قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن آمن معه- تريد إبادتهم واستئصالهم.
{أَتَخْشَوْنَهُمْ} استنكر الله سبحانه وتعالى عليهم لماذا يقعدون عن قتالهم؟ هل ذلك عن خوف منهم؟
{فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ (1) إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 13} فأطيعوا الله سبحانه وتعالى فهو أحق لأنه الأقوى والأعظم من قريش، إن كنتم مؤمنين حقاً.

__________

(2) -سؤال: وهل يصح أن يحمل على أنها «ألا» الاستفتاحية؟
الجواب: هي محتملة للوجهين، فيجوز أن تكون الهمزة للاستفهام الإنكاري و «لا» نافية. ويصح أن تكون «ألا» للاستفتاح والتنبيه.
(3) -سؤال: هل هذا الحث على قتالهم تهيئة لغزوة أحد أم لا؟
الجواب: نزلت السورة قبيل فتح مكة بعد بدر وأحد وبعد صلح الحديبية وذلك لحثهم على قتال قريش الذين نكثوا العهد بقتال خزاعة وهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(1) -سؤال: ما موضع: {أَنْ تَخْشَوْهُ} الإعرابي؟
الجواب: «أن تخشوه» في محل جر بـ «باء» محذوفة، أو نصب بنزع الخافض.
الآية 14
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بقتال المشركين؛ لأنه يريد أن ينزل عليهم العذاب بأيديكم أيها المؤمنون.
{وَيُخْزِهِمْ} ويريد الله سبحانه وتعالى أن يلحق بهم الخزي والذلة في الدنيا.
{وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ 14} ويريد أن ينصركم عليهم؛ فإذا قاتلتموهم فسيعذبهم الله سبحانه وتعالى بأيديكم ويخزيهم في الدنيا وينصركم أيها المؤمنون، ويذهب غيظ أولئك الذين قد لحقهم أذى وقهر من المشركين فإذا رأوا عدوهم مقهورين أذلاء فستنشرح قلوبهم.
الآية 15
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} (2) إذا قتلتم المشركين سيذهب الغيظ الذي في قلوبهم مع موتهم؛ لأنهم ما داموا أحياءً فسيمكثون على أذيتكم وخيانتكم وقتالكم؛ لأن قلوبهم مليئة بالغيظ على الإسلام وأهله.
{وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 15} من تاب من المشركين ورجع إلى الله فسيتوب الله عليه ويقبلهم فهو تعالى عالم بعواقب الأمور ومصائرها.
__________

(2) -سؤال: وهل يصح أن يحمل الضمير على المسلمين في قوله: {قُلُوبِهِمْ}؟ ويكون المراد إذهاب غيظ المؤمنين بقتل واستئصال المشركين أم لا يصح؟
الجواب: نعم يصح أن يكون الضمير للمسلمين أي: يذهب غيظ قلوب المؤمنين بقتل عدوهم، إلا أن قبل الجملة {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ 14} وقد قالوا: إن التأسيس خير من التأكيد؛ لذلك حمل على ذهاب غيظ قلوب المشركين إما بقتلهم أو دخولهم في الإسلام.
الآية 16
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 16} أخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أنه لا يصح أن يترككم على هذه الحالة حتى يختبركم ويمتحنكم ويبتليكم بالجهاد؛ لأجل أن يظهر كل واحد، ويتميز الخبيث من الطيب، ولتتبين مراتبهم ومنازلهم في الإيمان من خلال ذلك؛ فالمؤمن الصادق سيثبت وسيصبر.
لأن حكمة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن يتميز صادق الإيمان من غيره، وسوف يظهر أولئك الذين كانوا لا يزالون على صلاتهم مع المشركين، وعلاقاتهم لا زالت وثيقة بهم.
والمراد بـ {وَلِيجَةً} هي الطريق التي يدخلون منها إليهم، فبالحرب سيظهر أولئك الذين لا زالت لهم طريق إلى المشركين، ومصالح تربطهم بهم، فهم قد أسلموا، ولكنهم قد استبقوا لهم خط رجعة يرجعون منها إليهم إذا احتاجوهم، وهؤلاء هم المنافقون، وأما المؤمنون المخلصون فقد قطعوا كل العلائق مع المشركين.
وأما الله سبحانه وتعالى فهو عالم بهم وبأعمالهم، ومطلع على ضمائرهم، ولكن حكمته اقتضت ألا يعاقب أحداً إلا بعد أن يظهر ذلك المرض الذي في باطنه، فلأجل ذلك يبتليه ويختبره؛ فمن خلال ذلك سيظهر المرض الذي بداخله.
الآية 17
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ 17} يستحث الله سبحانه وتعالى المؤمنين هنا على قتال المشركين، فقال: إنه لا ينبغي أن يسيطر المشركون على المسجد الحرام، ولا أن يعمروه بمعاصيهم، والمفروض أن المؤمنين هم الذين يسيطرون عليه ويعمرونه بالصلوات وبذكر الله سبحانه وتعالى وبعبادته.
فما ينبغي لهم ذلك وهم شاهدون، ومصرحون على أنفسهم بالكفر، وذلك بعبادتهم الأصنام؛ لأن عبادتها تعتبر إعلاناً وتصريحاً بالكفر.
وأعمال البر التي يعملها المشركون لن تقبل منهم، ولن يثيبهم الله سبحانه وتعالى عليها كسقاية الحاج، وإطعامهم وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف، وإيواء الجار، ونصرة من استنصر بهم، وقد كانوا يتنافسون في مكارم الأخلاق، ويتبارون فيها، فأخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن أعمالهم الخيرية هذه ستذهب هباءً منثوراً، ولن يتقبلها منهم، وإنما جزاؤهم نار جهنم خالدين فيها أبداً.
الآية 18
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ 18} الله سبحانه وتعالى لم يحكم بعمارة المسجد الحرام (1)
إلا لهؤلاء المذكورين في هذه الآية، فهم الذين يستحقون أن يعمروها باستحقاق منه، ولم يجعل ولاية بيته الحرام إلا لأهل هذه الصفات.
__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر الآية التعميم والجمع فمن أين يظهر لنا التخصيص بالمسجد الحرام؟

الجواب: ظهر ذلك من حيث أن الخطاب مع المشركين {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ... } وليس حينئذ للمشركين إلا المسجد الحرام، ثم بين في الآية التالية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } فهذه الآية تبين المقصود المراد في آية: {إِنَّمَا يَعْمُرُ ... } فالآيات الثلاث هي للرد على المشركين الذين يفخرون بأنهم أهل الله وعمار بيته الحرام.
سؤال: قوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} ما المراد بهذه الخشية فقد يفهم أكثر العوام أن خوف المؤمن أحياناً من عدو متمكن أو أخذ الحيطة والحذر منه تنافي هذه الخصلة؟
الجواب: الخشية والخوف طبيعة في الإنسان على العموم، ومعنى: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} لم يطع إلا الله، ولما كانت الخشية والخوف سبباً باعثاً على الطاعة سمى الطاعة خشية تسمية مجازية، من إطلاق اسم السبب على المسبب، فالمؤمن يخاف الله ويخشاه، وتعرض له مخاوف من الظالمين ومن الأعداء ومن غيرهم، إلا أنه مهما تبالغ فيه الخوف وتمكنت فيه الخشية لا يعصي الله من أجل ذلك، ولا يترك دينه للخوف، بل يثبت على طاعة الله ودينه، أما الذي يدخل في معاصي الله ليرضي الظالم ويترك دينه خوفاً وخشية من ظلمه فقد ظلم نفسه واختل إيمانه؛ لأن المؤمن لا يخشى إلا الله. هذا، وكل المؤمنين يخافون من المخاوف ويخشونها وهكذا الناس جميعاً بمقتضى بشريتهم وطبيعتهم التي طبعهم الله عليها، ولا يخل ذلك بإيمان المؤمن، ولا ينقص من إيمانه.
الآية 19
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 19} كان المشركون يزعمون أنهم أفضل من المؤمنين، ويذكرون مفاخرهم التي يستحقون الفضل لأجلها، كسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام التي هي سدانته والولاية عليه، والسدانة هي: تولي فتح الكعبة وكنسها وتنظيفها؛ فأنكر الله تعالى زعمهم ذلك، وأخبرنا بأنهم ليسوا من الفضل في شيء، وأن الفضل عند الله هو لمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله (1).
__________
(1) -سؤال: ما صحة القول بأن هذه الآية نزلت في المفاضلة بين العباس بعد إسلامه وعلي بن أبي طالب عليه السلام؟ وإذا صح فهل سينقض كونها في المشركين؟
الجواب: العباس عليه السلام وإن كان مسلماً في سره وهواه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح، ولا خلاف أنه من الطلقاء في الجملة، وإذا ذكر أهل الإيمان في القرآن وأهل الجهاد فعلي عليه السلام هو أول المرادين؛ فمن هنا كان عليه السلام طرفاً في هذه المفاضلة، وذكر السقاية يدل على أن العباس عليه السلام طرف آخر في هذه المفاضلة، إلا أن من المحتمل أن العباس لم يدخل في المفاخرة والمفاضلة بنفسه، ويكون غيره من قريش هو الذي تصدر للمفاخرة والمفاضلة بناء على أن مفخرة السدانة والسقاية والمسجد الحرام مفخرة لقريش عموماً.
الآية 20
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ 20} فهؤلاء هم الذين ظفروا بثواب الله سبحانه وتعالى، وفازوا به، واستحقوا الدرجات الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى، وأما أولئك الذين يتفاخرون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام- فلا حظ لهم ولا نصيب في ثواب الله ورحمته، وأولئك هم الخاسرون (1).
__________
(1) -سؤال: يقال: ظاهر الآية أن لهم حظاً ونصيباً في ثواب الله إلا أن المؤمنين المجاهدين أعظم ثواباً منهم، فكيف؟
الجواب: سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وسدانته شرف وفضل عند الله إلا أن شرف الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أعظم وأفضل من شرف السقاية والعمارة والسدانة؛ لنقصان ذلك بالشرك والكفر، فهو شرف وفضل زائل منقطع، ونحو هذا الفضل ما روي أن ابنة حاتم الطائي ذكرت أباها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه)) أو كما قال، وفي حديث: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام))، وفي حديث أن بعض الصحابة ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يعمل أعمال بر وخير في الجاهلية فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أسلمت على ما أسلفت)) أو كما قال؛ فيدل ذلك على فضل وشرف عمل الخير والبر في الجاهلية، فإن أسلم كتب له في الإسلام، وإن لم يسلم انقطع، فأفعل التفضيل «أعظم درجة» ليس على بابه، فلا مشاركة بين الفريقين في الفضل.